رواية زواج اجباري الفصل الرابع
أنا مش فاهمك
لم تستطع حياة التركيز طوال الاجتماع.
كانت تجلس إلى جوار يحي، تسجل الملاحظات وتراجع الأوراق، لكن عقلها كان في مكان آخر تمامًا.
منذ أن أخبرها أن الفيديو انتشر، وهي تشعر أن كل شيء تغير.
حتى نظرات الموظفين أصبحت مختلفة.
لم يكن أحد يجرؤ على سؤالها بشكل مباشر، لكن الهمسات كانت واضحة، وكلما مرت من أمام مجموعة منهم، كانت المحادثات تنخفض فجأة.
في البداية حاولت تجاهل الأمر.
لكنها لم تستطع.
وضعت القلم فوق دفترها، ثم رفعت عينيها نحو يحي.
كان يتحدث مع أحد مديري الأقسام بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.
انتهى الاجتماع بعد قليل، وبدأ الجميع في الخروج.
ظلت حياة مكانها تجمع الأوراق.
اقترب منها يحي.
— إنتِ كويسة؟
لم تنظر إليه.
— كويسة.
— متأكدة؟
— أيوه.
مد يده وأخذ بعض الأوراق من أمامها.
— سيبيهم.
رفعت رأسها بسرعة.
— أنا أقدر أشيلهم.
— عارف.
— أمال بتاخدهم ليه؟
نظر إليها للحظة.
— عشان أساعدك.
أخذت الأوراق من يده.
— مش محتاجة مساعدة.
تنهد يحي.
— حياة، إنتِ ليه كل حاجة عندك لازم تبقى خناقة؟
نظرت إليه بضيق.
— وأنا بعمل خناقة؟
— أهو إحنا بنتخانق دلوقتي.
— عشان حضرتك بتعاملني كأني مش عارفة أتصرف.
— وأنا شايفك بتتصرفي.
— أمال المشكلة إيه؟
سكت يحي.
ثم قال:
— المشكلة إنك مش عايزة تفهمي إني قلقان عليكِ.
توقفت يدها عن ترتيب الأوراق.
نظرت إليه.
— ليه؟
لم يجب فورًا.
— عشان اللي حصل قدام الشركة.
— ده مش سبب كفاية إنك تفضل مراقبني طول الوقت.
— أنا مش براقبك.
— أمال إيه؟
— بحاول أطمن.
ابتسمت بسخرية.
— حضرتك بتقول نفس الكلام كل مرة.
ثم حملت الأوراق وخرجت.
وقف يحي مكانه يتابعها بنظراته.
لم يكن يعرف لماذا أصبحت عصبيتها تزعجه إلى هذا الحد.
والأسوأ أنه بدأ يلاحظ تفاصيل صغيرة لم يكن يريد ملاحظتها.
طريقة غضبها.
نظرتها عندما تتحداه.
حتى الطريقة التي كانت تحاول بها إخفاء ارتباكها عندما يقترب منها.
وكان ذلك كله يربكه.
---
عادت حياة إلى مكتبها.
وجدت ريما تنتظرها.
— خلصتوا؟
— آه.
— عملتي مشكلة؟
نظرت إليها حياة بحدة.
— هو أنا كل ما أدخل مكان لازم أعمل مشكلة؟
— لأ، بس مع يحي تحديدًا الموضوع مختلف.
— أنا مش فاهمة إنتِ ليه مركزة معاه أوي.
— عشان صاحبتك.
— صاحبتك اللي بتدافع عن صاحبها؟
ابتسمت ريما.
— أنا بدافع عنكِ.
— لا، إنتِ بتدوري على أي سبب عشان تنتقديه.
— لأنه يستاهل.
في تلك اللحظة ظهر مازن.
قال وهو يضع كوب قهوة أمام ريما:
— بما إنك بتتكلمي عني وعن صاحبي من غير ما نستأذن، جبت لك قهوة عشان تكملي.
نظرت ريما إلى الكوب.
ثم إليه.
— أنا طلبت منك؟
— لأ.
— طب خدها.
— مش هينفع.
— ليه؟
— عشان جبتها مخصوص.
رفعت الكوب ونظرت إليه.
— إنت بتحاول تشتري سكوتي؟
ضحك.
— لا، بحاول أخليكي تبقي لطيفة.
— مش هتنفع.
— جربي.
وضعت الكوب أمامه.
— اتفضل.
ابتسم.
— إنتِ صعبة.
— وأنت مستفز.
— دي أول حاجة اتفقنا عليها.
رفعت حياة عينيها إليهما وضحكت.
قالت ريما بسرعة:
— ما تضحكيش، هو اللي بدأ.
رد مازن:
— أنا؟
— آه.
— طب أهو أنا همشي.
ثم التفت إلى حياة.
— يحي عايزك.
نظرت حياة إلى الباب.
— تاني؟
— أيوه.
تمتمت:
— ده مبيزهقش؟
قال مازن:
— واضح إنه مش بيزهق منك.
نظرَت إليه حياة بحدة.
— مازن.
رفع يديه باستسلام.
— خلاص، خلاص.
دخلت حياة مكتب يحي.
كان يقف بجوار النافذة.
— حضرتك طلبتني؟
— آه.
استدار إليها.
— اقعدي.
جلست.
وضع هاتفه أمامها.
ظهر على الشاشة حساب نشر الفيديو.
— شوفي.
نظرت إلى الهاتف.
كانت التعليقات أكثر من الأمس.
قالت بقلق:
— الموضوع كبر فعلًا.
— أيوه.
— نعمل إيه؟
— ولا حاجة.
— ولا حاجة؟
— ما ترديش على حد.
— والناس؟
— هتنسى.
— مش بالسهولة دي.
اقترب يحي من المكتب.
— عشان كده أنا عايزك تعملي حاجة.
— إيه؟
— لو أي حد سألك عن الفيديو، قولي إنه موقف حصل قدام الشركة وانتهى.
— بس ده مش هيوقف الكلام.
— مش مطلوب نوقف كلام الناس.
— أمال؟
— مطلوب نحافظ على هدوئك.
نظرت إليه.
— حضرتك هادي أوي.
— لازم أكون.
— وأنا؟
— إنتِ مش مطالبة تبقي هادية.
ابتسمت رغما عنها.
— دي أول حاجة لطيفة تقولها لي.
رفع حاجبه.
— أنا مش لطيف؟
— لأ.
— شكرًا.
ضحكت.
ثم أدركت أنها تضحك معه، فسارعت إلى تغيير ملامحها.
لاحظ يحي ذلك.
قال بهدوء:
— بتحاولي تخبي ضحكتك ليه؟
— مش بخبي حاجة.
— واضح.
— حضرتك بتستفزني.
— يمكن.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— هو إنت دايمًا كده؟
— كده إزاي؟
— هادي، ومش مفهوم.
— مش مفهوم؟
— أيوه.
نظر إليها طويلًا.
— وإنتِ نفسك مش فاهماني؟
— لأ.
— كويس.
— ليه كويس؟
— عشان لو فهمتيني بسرعة، يمكن متبقاش حياتك ممتعة.
حدقت به.
— حضرتك بتتكلم كأنك لغز.
— يمكن أنا فعلًا لغز.
— وأنا مش بحب الألغاز.
ابتسم.
— وأنا بدأت أحب أسئلتك.
سكتت.
شعرت أن وجهها بدأ يسخن.
نهضت بسرعة.
— لو خلصنا...
قال دون أن يمنعها:
— خلصنا.
خرجت.
لكن هذه المرة لم تكن غاضبة.
كانت مرتبكة.
ولم يعجبها ذلك.
---
في نهاية اليوم، كانت حياة تستعد للمغادرة.
وضعت حقيبتها على كتفها، ثم وجدت ريما تقف بجوارها.
— رايحة؟
— آه.
— أنا هوصلك.
— مش محتاجة.
— مش بسألك.
ضحكت حياة.
— بقيتي بتتكلمي زي يحي.
— لا، أنا أحن منه.
خرجتا معًا.
وعند باب الشركة، وجدت حياة يحي واقفًا بجوار سيارته.
قالت ريما بصوت منخفض:
— أهو.
— أهو إيه؟
— مستنيكِ.
— يمكن مستني حد تاني.
نظر يحي إليهما.
— حياة.
ردت:
— نعم؟
— اركبي.
تدخلت ريما:
— أنا هوصلها.
نظر إليها يحي.
— الطريق مش في اتجاهك.
— عادي.
قال مازن الذي كان يخرج من الشركة:
— هي ليه بتعاندك على طول؟
ردت ريما:
— وإنت مالك؟
— مفيش، بس بحب أشوف حد غيري بيعاني.
ضحكت حياة.
أما ريما فنظرت إليه بغيظ.
— إنت بالذات متتكلمش.
قال مازن:
— طب نعمل إيه؟ نركب ونوصلهم.
— مين قال إني هركب معاك؟
— أنا.
— وأنا مش موافقة.
ابتسم مازن.
— كويس، يبقى الطريق هيطول.
نظرت ريما إليه باستغراب.
أما حياة فضحكت.
قال يحي:
— حياة، اركبي.
هذه المرة لم تجادل.
ركبت السيارة.
وبعد دقائق، انطلقت ريما مع مازن في سيارة أخرى.
كان الصمت داخل سيارة يحي هادئًا.
قالت حياة بعد فترة:
— ريما مش بتحب مازن.
— مازن عارف.
— إزاي؟
— عشان هو كمان مش ساكت لها.
ابتسمت.
— الاتنين شبه بعض.
— آه.
نظرت إليه.
— على فكرة...
— همم؟
— شكرًا.
— على إيه؟
— إنك ما اتكلمتش مع حد عن الفيديو.
— أنا مش محتاج أتكلم.
— بس ممكن تكون اتضايقت.
— من إيه؟
— من كلام الناس.
نظر إليها للحظة من المرآة.
— أنا مش فارق معايا كلام الناس.
— حتى لو قالوا إن بينا حاجة؟
صمت.
شعرت حياة بالإحراج من سؤالها.
— أنا... قصدي يعني...
قال بهدوء:
— وإنتِ فارق معاكِ؟
نظرت من النافذة.
— مش عارفة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— أول مرة تقولي مش عارفة.
— عشان السؤال غريب.
— تمام.
عاد الصمت.
لكن هذه المرة كان مختلفًا.
لم يكن ثقيلًا.
كان مريحًا.
وهذا ما أخاف حياة أكثر.
---
في اليوم التالي، دخلت حياة الشركة متأخرة عشر دقائق.
كانت متعبة ولم تنم جيدًا.
وجدت على مكتبها كوب قهوة.
نظرت حولها.
سألت إحدى الموظفات:
— مين حط القهوة دي؟
— الأستاذ يحي.
توقفت حياة.
حملت الكوب ودخلت مكتبه.
كان يراجع بعض الأوراق.
وضعت القهوة أمامه.
— دي إيه؟
رفع عينيه.
— قهوة.
— عارفة إنها قهوة.
— أمال بتسألي ليه؟
نظرت إليه بغيظ.
— إنت بتقلدني؟
ابتسم.
— يمكن.
— أنا مش عايزة قهوة.
— ليه؟
— عشان أنا مش بحب حد يعمل لي حاجات من غير ما يسألني.
— حاضر.
أخذ الكوب.
وقبل أن يضعه جانبًا قالت:
— بس...
توقف.
— إيه؟
— شكرًا.
أعاد الكوب إلى مكانه.
— العفو.
ثم عادت إلى مكتبها.
جلست، ووجدت نفسها تبتسم.
وضعت يدها على وجهها.
— أنا مالي؟
---
في المساء، اتصل بها والدتها.
تحدثت معها قليلًا، ثم تغير صوتها فجأة.
— ماما؟
جاءها صوت أمها متوترًا:
— رمضان جه وسأل عنك.
تجمدت حياة.
— جه فين؟
— هنا.
— قال إيه؟
— بيقول إن الناس كلها عارفة إنك بقيتي مع واحد تاني.
أغمضت حياة عينيها.
— ماما، متسمعيش كلامه.
— أنا خايفة عليكِ يا بنتي.
— متخافيش.
— هو مش سهل.
— عارفة.
— خلي بالك من نفسك.
— حاضر.
أغلقت المكالمة.
لكن القلق بقي داخلها.
لم تكن تخاف من رمضان بقدر ما كانت تخاف من إصراره.
وفي اللحظة نفسها وصلتها رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
"الفيديو مش هيخلص الموضوع."
حدقت في الشاشة.
ثم رسالة أخرى:
"لسه قدامك فرصة ترجعي عنادك."
شعرت بقشعريرة.
لم تعرف ماذا تفعل.
فكرت في ريما.
ثم في يحي.
ترددت.
وأخيرًا اتصلت بيحي.
جاء صوته بعد الرنة الثانية:
— حياة؟
صمتت.
— حياة، في إيه؟
قالت بصوت منخفض:
— ممكن... ممكن أكلمك؟
تغير صوته فورًا.
— أنا سامعك.
أرسلت له صورة الرسائل.
مرت ثوانٍ.
ثم قال:
— إنتِ فين؟
— في البيت.
— اقفلي الباب كويس.
— يحي...
— حياة، اسمعيني.
كانت نبرته جادة.
— أنا مش عايزك تخافي، بس لازم ناخد الموضوع بجدية.
— أعمل إيه؟
— مترديش عليه.
— حاضر.
— ولو بعت تاني، تبعتي لي.
— حاضر.
سكتت.
ثم قالت:
— شكرًا.
قال بهدوء:
— متشكرينيش.
— ليه؟
— عشان أنا هفضل موجود.
أغلقت الهاتف.
جلست على طرف سريرها، تحدق في الشاشة.
كانت كلمات قليلة.
لكنها جعلتها تشعر لأول مرة منذ أيام أنها ليست وحدها.
---
في اليوم التالي، كانت ريما تجلس بجوار حياة عندما وصل مازن.
قال:
— حياة، يحي عايزك.
ثم وضع ملفًا أمامها.
— وده كمان.
سألت:
— إيه ده؟
— طلب نقل مؤقت لمكتبك يبقى أقرب لمكتب يحي.
رفعت حياة عينيها بدهشة.
— إيه؟
— يحي قال إن ده أفضل.
أخذت الملف واتجهت إلى مكتبه.
فتحته دون استئذان.
— إيه موضوع المكتب ده؟
رفع يحي عينيه.
— اقعدي.
— مش هقعد.
— حياة...
— ليه عايز تنقل مكتبي؟
— عشان تبقي قدام عيني.
— أنا مش طفلة.
— وأنا ما قلتش كده.
— أمال؟
نهض واقترب منها.
— عشان لو حصل أي حاجة، أكون قريب.
— أنا مش موافقة.
— تمام.
توقفت.
— تمام؟
— أيوه.
— يعني مش هتنقلني؟
— لأ.
ابتسمت.
— شكرًا.
ثم استدارت.
لكن قبل أن تصل للباب قال:
— بس هتفضلي بعد الشغل النهارده.
التفتت.
— ليه؟
— عشان عندنا شغل.
ضيقت عينيها.
— إنت بتستغل الشغل عشان تخليني أقعد؟
ابتسم.
— يمكن.
— أنت مستفز.
— وإنتِ بتفضلي معايا رغم كده.
صمتت.
لم تجد ردًا.
خرجت وهي تحاول إخفاء ابتسامتها.
لكن يحي ظل واقفًا مكانه.
ولأول مرة، اعترف لنفسه بحقيقة صغيرة أخافته أكثر مما توقع:
هو لم يعد يحاول حماية حياة لأنها مجرد موظفة.
كان يهتم بها شخصيًا.
وكان يعلم أن استمرار رمضان في الاقتراب منها سيجعل الأمر أكثر تعقيدًا.
أما حياة...
فقد بدأت تكتشف أن الرجل الذي كانت تراه في البداية باردًا ومتعجرفًا، أصبح وجوده بجانبها يمنحها شعورًا بالأمان لم تكن تعرف أنها تحتاج إليه.
ومع ذلك، لم تكن مستعدة للاعتراف بأنها بدأت تنجذب إليه.
ولا يحي كان مستعدًا للاعتراف بأنه بدأ يشعر بالشيء نفسه.
لكن الأيام القادمة لن تترك لهما الكثير من الوقت للإنكار.
