رواية نعيم الجهل الفصل الرابع 4 بقلم حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل الرابع

ــ إنت...!

قال بهدوء:
ــ أيوه... أنا...

نظرت جلنار إلى عمار بدهشة... ثم سألت:
ــ إنت خرجت من الدار في الوقت ده إزاي؟

أجاب عمار ببراءة:
ــ هربت من شهيرة....

وقبل أن تستوعب جلنار ما قاله... 
تركها عمار وركض إلى الداخل..
حتى وصل إلى قدر وألقى نفسه بين ذراعيها...

احتضنته قدر بحنان..وراحت تمرر يدها على شعره:
ــ عمار... مالك؟ حصل إيه؟

رفع عمار وجهه إليها... وقال بعتاب طفولي:
ــ سبتيـني ليه؟ مش قولتي إنك هتفضلي جنبي؟

ابتسمت قدر رغم الحزن الذي اختبأ
في عينيها.. وحاولت أن تجعل صوتها مطمئنا:
ــ أنا ما سبتكش... أنا تعبت شوية...
والدكتور قال لازم أرتاح في البيت اليومين دول..

ابتعد عمار عنها قليلا.. وكأنه اقتنع بكلامها للحظة..
ثم وقعت عيناه على الكرسي المتحرك الذي تجلس.. 
عليه قدر...ظل ينظر إليه في صمت...

ثم رفع عينيه إليها من جديد... وقد تبدلت..
ملامح البراءة بالقلق... قبل أن يسأل ببراءة:
ــ هو انتي مش هتمشي تاني يا قدر؟

تجمدت ابتسامتها للحظة..
فمدت يدها وربتت على شعره بحنان...
وقالت بابتسامة حاولت أن تجعلها مطمئنة:
ــ لا يا عمار... همشي.. بس رجلي لسه تعبانة شوية..

نظر عمار إلى ساقيها... ثم عاد بعينيه إليها:
ــ يعني هترجعي تاخديني من الدار؟

ابتلعت قدر غصتها.. واتسعت ابتسامتها..
رغم الدموع التي لمعت في عينيها:
ــ طبعا... هو أنا ممكن أسيبك هناك؟

عمار سألها ببراءة:
ــ قدر... هو انتي هتمشي بعجاز..
زي الراجل اللي كان في الدار؟

تغيرت ملامح قدر... ونظرت إليه باستغراب:
ــ راجل مين؟

أجاب عمار ببراءة:
ــ الراجل اللي جه الدار امبارح... 
شهيرة خافت منه أوي...

تبادلت قدر وجلنار نظرة سريعة...
قبل أن تتدخل جلنار بسرعة:
ــ كمل يا شاطر... الراجل ده كان عايز إيه من شهيره؟

نظر عمار إلى قدر... ثم قال:
ــ كان بيسأل عنك...

تعلقت عينا قدر به... وشعرت بانقباض في صدرها:
ــ قولي يا عمار... إنت سمعت هو قال إيه عني؟

هز عمار رأسه نافيا..
ثم أدخل يده الصغيرة في جيبه..
أخرج ورقة صغيرة مطوية... ومدها نحو قدر:
ــ لأ... هو اداني دي وقاللي أديهالك...

توقفت أنفاس قدر للحظة...

مدت يدها وأخذت الورقة.. ثم فتحتها ببطء...
وما إن وقعت عيناها على ما كتب بداخلها..
حتى اختفت كل ملامح الدهشة من وجهها..
وحل محلها ذهول صامت...

رفعت عينيها إلى جلنار... التي اقتربت منها بقلق:
ــ قدر... إيه اللي في الورقة؟

لكن قدر لم تجب...
كانت تحدق في الكلمات أمامها... وكأنها قرأت شيئا... 
كان من المفترض أن يظل مــ ــدفونا إلى الأبد...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«فــــــــي اليــــــوم التـــــالي»

دخلت شهيرة إلى منزل لا يبدو عليه السوء..
وألقت نظرة سريعة حولها قبل أن تتجه..
إلى يمنى الجالسة في أحد المقاعد...

جلست أمامها وقالت بلا اهتمام:
ــ عاملة إيه يا يمنى؟

أجابتها يمنى بإرهاق:
ــ بحاول أعيش...

تجاهلت شهيرة نبرتها تماما...
وقالت وكأنها لم تسمع شيئا:
ــ كويس المحل اللي فتحتيه..
عديت عليه وأنــا جـــاية...
عجبني شوية حاجات.. هتعمليلي تخفيض؟

نظرت إليها يمنى بعدم تصديق:
ــ انتي بتقولي ايه ؟ 
أنا مش قادرة أتحمل الوضع ده...

سكتت لحظة.. ثم تابعت بضيق:
ــ عايشة وسط ناس غريبة... وتصرفاتهم أغرب!

رفعت شهيرة حاجبها.. ونظرت إليها ببرود:
ــ ناس غريبة؟ إنتي بقالك فترة هنا... 
لسه ما اتعودتيش؟

انفعلت يمنى.. وقالت بضيق:
ــ ومش عايزة أتعود! إنتوا ما لقيتوش غير
المكان الشعبي الحقير ده عشان أعيش فيه؟

ابتسمت شهيرة ابتسامة صغيرة..
وقالت بهدوء بارد:
ــ ما تنسيش إن المكان الحقير اللي مش عاجبك ده...
 هو اللي اداكي فرصة تعيشي لحد النهارده...

صمتت لحظة.. ثم أضافت وهي تثبت عينيها عليها:
ــ ده آخر مكان ممكن كاهان يدور عليكي فيه..

نظرت إليها يمنى طويلا..
ثم قالت بمرارة:
ــ يا ريت كان مــ ـوتني...
ولا إني أعيش العيشة دي..

نهضت شهيرة دون تعليق..
واتجهت نحو الباب..

وضعت يدها على المقبض.. 
ثم توقفت والتفتت إليها بنظرة غامضة:
ــ كل حاجة بتيجي في وقتها... ما تستعجليش...

ثم فتحت الباب وغادرت..
تاركة يمنى وحدها.. تحدق أمامها وهي تحاول..
أن تفهم ما الذي كانت شهيرة تنتظره بالضبط...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقفت مريم أمام سيارة ضياء..
تجبر نفسها على الثبات رغم ارتباكها...

ترجل ضياء من السيارة..وما إن وقعت عيناه عليها حتى ظهر الحزن في ملامحه..لكنه أخفاه سريعا خلف هدوئه المصطنع...

قال بهدوء:
ــ مريم... ورايا مأمورية ولازم أتحرك...

استدار عائدا إلى سيارته..لكنها أسرعت قائله:
ــ ضياء..أنا محتاجة أتكلم معاك... 
محتاجة أفهمك حاجات كتير...

ضياء توقف للحظة..ثم التفت إليها...
ونظر لها بنظرة خالية من أي رغبة في سماع المزيد:
ــ أنا مش محتاج أفهم أكتر من اللي أنا فهمته...
انتي اخترتي وانا مش هضغط عليكي تاني..

لمعت الدموع في عين مريم وقالت:
ــ أنا فاكرة كل حاجة حلوة إنت عملتها معايا...
 ومقدرة كل حركة جدعنة شوفتها منك...

ابتسم ضياء ابتسامة قصيرة..خالية من الفرح:
ــ لا... مش محتاجك تفتكري ولا تقدري..لو كنتي واحدة تانية..كنت عملت معاها نفس اللي عملته معاكي...

نظرت إليه مريم بحزن....
وكأن جملته آلمتها أكثر مما توقعت:
ــ إنت شايف كده؟

صمت لحظة...ثم سألها بنفاد صبر أخفى خلفه وجعه:
ــ هو انتي عايزة إيه يا مريم؟

لم تجبه!

ضياء ظل ينظر إليها..ثم ارتفع صوته قليلا:
ــ عايزة إيه مني؟ أنا ما بقتش فاهمك!

ابتلعت مريم غصتها، وقالت بصعوبة:
ــ مش عايزة أخسرك انت كمان يا ضياء...

تجمدت ملامحه للحظة!

ردد كلمتها وكأنه يحاول استيعابها:
ــ تخسريني؟

ثم أضاف بمرارة:
ــ هو أنا لسه عندك حاجة عشان تخسريها؟

ثم هز رأسه وفتح باب سيارته...

وقفت مريم مكانها...تراقبه بعينين ممتلئتين بالدموع
 استقل سيارته دون أن يلتفت إليها...انطلقت السيارة مبتعدة...

وظلت مريم واقفة في مكانها..
تتابعها بعينيها حتى اختفت....

أما ضياء...
فكان يقود وهو يضغط على المقود بقوة..
وكأن ابتعاده عنها كان أسهل بكثير من مواجهتها...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«فــي شقـــة كاهـــــان القديــــمــة»

فتح كاهان باب الغرفة ببطء.. ودخل بخطوات هادئة!

ظل واقفا للحظات.. يتأمل كل ركن فيها...
كأن عينيه تحفظان تفاصيلها من جديد..

اقترب من الكرسي بجوار النافذة..
ومد يده يمررها على ظهره قبل أن يجلس عليه..

وقعت عيناه على المشط الموضوع بجواره..
أخذه بين يديه.. وظل يتحسسه بأصابعه للحظات.. 
ثم أغمض عينيه.. وكأن لمسة واحدة كانت كفيلة..
 بإعادته إلى زمن بعيد...

«فــــلاش بـــاك ــ قبـــل 8 سنـــوات»

اعتدل كاهان في جلسته على السرير..
كانت زوجته تقف أمام المرآة..
تحاول ترتيب شعرها للمرة الثالثة...

ظل يراقبها بصمت للحظات.. ثم قال بابتسامة:
ــ انتي بتعملي إيه كل ده؟

نظرت إليه من خلال المرآة:
ــ بحاول أظبط شعري...

ابتسم كاهان:
ــ من إمتى وانتي بتظبطي شعرك كل ده؟

التفتت إليه وضحكت:
ــ ومن إمتى وإنت مركز معايا؟

نهض كاهان من مكانه.. واقترب منها ببطء..
حتى وقف خلفها.. ونظر إليها من خلال المرآة:
ــ من زمان... بس انتي اللي أخيرا خدتي بالك..

ابتسمت بخجل.. وخفضت عينيها!

مد يده وأبعد خصلة شعر سقطت 
على وجهها.. ثم قال بهدوء:
ــ كده أحلى...

رفعت حاجبها:
ــ يعني قبل كده كنت وحشة؟

ضحك كاهان:
ــ أنا قلت كده؟

ابتعدت عنه قليلا.. وقالت بدلال:
ــ أهو ده اللي فهمته...

اقترب منها أكثر.. وقال وهو ينظر 
إلى عينيها عبر المرآة:
ــ انتي لو تعرفي بس أنا شايفك إزاي...

التفتت إليه.. وبقيت عيناها معلقتين بعينيه:
ــ شايفني إزاي؟

ابتسم كاهان.. ثم قال:
ــ شايف بيتي... لما تكوني فيه...

سكتت للحظة.. وظهر التأثر في عينيها:
ــ كاهان...

أمسك يدها بين يديه.. وقال:
ــ عارفة أكتر حاجة بحبها فيكي إيه؟

هزت رأسها نافية!

ــ إنك مهما الدنيا خدت منك... بتفضلي إنتي!

ابتسمت وقالت بخفوت:
ــ وانت؟

نظر إليها للحظات:
ــ أنا؟

اقترب منها قليلا.. ثم قال:
ــ أنا من غيرك... مش عارف أبقى أنا...

ضحكت وهي تحاول إخفاء خجلها:
ــ إنت بتعرف تقول كلام حلو أهو!

ابتسم:
ــ بس مش لأي حد...

نظرت إليه بمكر:
ــ طب لمين؟

ظل ينظر إليها طويلا.. ثم قال:
ــ ليكي انتي 

احتضنها.. فاستندت برأسها إلى صدره...
وظلا هكذا للحظات دون كلام...

ثم همست:
ــ أوعدني تفضل كده قريب مني...

ضمها إليه أكثر.. وقال بهدوء:
ــ طول ما انتي جنبي... أوعدك...

«انتهـــى الفـــلاش بــــاك»

عاد كاهان إلى الحاضر ببطء!

فتح عينيه.. وما زال المشط بين يديه...
نظر إليه طويلا.. ثم مرر أصابعه عليه مرة أخرى.. 
وكأن شيئا من الماضي ما زال عالقا به...

خفض.. وهمس بصوت خافت:
ــ وأنا وعدتك... بس انتي اللي مشيتي..

ثم رن هاتفه فجأة.. فانتشله من شروده...

نظر إلى الشاشة.. ثم أجاب:
ــ في حاجة يا كايا؟

جاءه صوت كايا قلقا ومضطربا:
ــ رجالة معتز الجمال محاوطين بيت قدر... 
وشكلهم ناويين على حاجة...

انتفض كاهان واقفا.. وتبدلت ملامحه في لحظة:
ــ كايا.. حاول تعطلهم... بأي طريقة...
بس ما تخليهمش يقربوا من البيت!

اجاب كايا:
ــ كاهان.. أنا...

وقبل أن تكمل جملتها...
دوى صوت إطـــ ــلاق نــ ــار عبر الهاتف...

تجمد كاهان في مكانه:
ــ كايا؟!

لم يأته رد.:
ــ كايا! ردي عليا!

حاول الاتصال به مرة أخرى..
لكن الخط كان قد انقطع..

ظل يحدق في الهاتف لثواني..
ثم قبض عليه بقوة.. واتجه مسرعا نحو الباب...

ــ قدر...

الماضي لا يعود دائما ليذكرنا بما كان... 
أحيانا يعود ليكشف ما ظنناه قد دفـ ــن إلى الأبد..


تعليقات