رواية ألوان مستعاره الفصل الرابع 4
حبيبة فضلت قاعدة مكانها، عيونها تايهة بين الدم اللي على شفايفها وجرح رقبتها، وبين كاسر اللي لسه قاعد على ركبه تحت رجليها بيبكي وحاله يقطع القلب.
رغم إنها استوعبت أخيراً إن شرفها سليم ومحدش لمسها، وإن الدم كان من جروحها.. إلا إن الحقيقة المرة ضربت عقلها بقسوة أكبر: ده مش هيغير أي حاجة في الكارثة اللي حصلت!... انا وكاسر خلاص مش هننفع ل بعض فا ملهاش لازمه الكلام
رفعت عينها لـ كاسر، والنظرة اللي كانت فيها في يوم من الأيام حب وأمان، اتحولت لبرود جليدي مخيف وكسرة أعمق من البحر. سحبت نفسها ببطء وبأطراف أظافر بترتعش، بعدت عنه كأنها بتلمس ثعبان سام، ووقفت على رجلها بالعافية وهي ماسكة الغطا حوالين جسمها الممزق.
كاسر مد إيده باهتزاز وعينيه مليانة رجا:
ـ حبيبة.. أنتِ رايحة فين؟ أرجوكِ اسمعيني..
حبيبة وقفت بصوت هادئ تماماً، نبرة خالية من أي مشاعر، نبرة مرگ وميتة:
ـ أبوس إيدك.. متكلمش. متقولش ولا حرف زيادة يا كاسر.
كاسر وقف بسرعة، صوته بيطلع متحشرج ومنهار:
ـ أنا أسف.. والله العظيم جنيت.. شيطان وسوس لي لما شوفتك في الزفت ده.. سامحيني وابدئي معايا صفحة جديدة، أنا مستعد...وهسمعك
قاطعته حبيبة بصوت حاد، قاطع، وصارم كحد السيف، عيونها لمعت بدموع جافة وقالت بوجع:
ـ صفحة جديدة؟! هتبدأها إزاي وأنت أول ما اختبرتني، شوفتني أرخص واحدة في الدنيا؟ هتبدأها إزاي وأنت كنت هترمي عليا كل قذارة الدنيا وتغتصبني بإيدك دول؟!
كاسر بلع ريقه بصعوبة ووشه اتقبض بوجع:
ـ كنت أعمى.. كنت مخدوع والغيرة عمتني!
ـ لا يا كاسر.. أنت ما كنتش مخدوع.. أنت طلعت على الحقيقة الوحش اللي جواك!.. انت مكنتش واثق فيا من الاول.... أنا كنت باهرب وخايفة من مجدي ورباب ومن القرف اللي حواليا، بس طلعت باهرب من نار لرميت نفسي في جحيم اكتر منه! أنت كنت هتدمرني أكتر منهم ألف مرة، لأنك الوحيد اللي كنت متأكدة إنه مستحيل يأذيني!
راحت ناحية الباب، فتحته بعنف، وقبل ما تخرج، بصت له نظرة أخيره هدمت كل حاجة بينهم وقالت بصوت مكسور:
ـ اللي بينا انتهى يا كاسر.. انتهى للابد. لا أنا هعرف أرجع أثق فيك، ولا أنت هتعرف تنسى إنك في يوم شفتني رخيصه في نظرك. اوعى تقرب مني تاني، ولا تحاول تدور عليا.. اعتبرني مت.
جريت برة الشقة وقفلت الباب وراها بقوة هزت الحوائط، وسايبة كاسر واقف في نص الأوضة زي المذبوح.
رمى نفسه على ركبه قدام السرير، وضرب أرضية الشقة بغل وانهيار وهو بيصرخ بصوت أعماق قلبه المجروح، بعد ما ضيع بيديه أنضف وأوفى قلب حب بصدق.. وانتهت قصة حبهم للأبد على تراب الندم.
نزلت حبيبة من العمارة وهي بتتسند على الحوائط، جسمها بيلتف برعشة سرد وحزن مالوش آخر، ولفت الشال حوالين هدومها الممزقة عشان تداري وجعها وقهرها. الشارع كان فاضي في هدوء ما قبل الفجر، والنسيم الساقع كان بيخبط في جروح رقبتها وشفايفها، يذكرها في كل ثانية باللحظة اللي اتكسرت فيها كل حاجة حلوة في حياتها.
وقف لها تاكسي بعد عذاب، وركبت في الصمت، دموعها بتنزل من غير صوت ولا شهقات.. دموع حد خسر كل حاجة وما فاضلش معاه غير بقايا كرامة.
في نفس الوقت.. في الشقة.
كاسر كان قاعد على الأرض وسط الضلمة، ساند راسه على الحيطة وعينيه ثابته على الباب المقفول. المكان كان مليان بريحة عطرها، الملاية عليها أثر الدم، والمطهر والقطنة مرميين جنبه.
كل زاوية في الأوضة كانت بتصرخ في وشه: "أنت اللي دمرتها.. أنت اللي قتلت أمانها".
مسك تليفونه بـ إيدين بترتعش، وطلب رقم طارق..
طارق رد بصوت ناعس:
ـ أيوة يا كاسر.. فيه حاجة؟ أنت فين؟
كاسر صوته خرج ميت، خالي من أي طاقة أو حياة:
ـ طارق... وبلغ الشركة إن الأنسة حبيبة مش هتيجي الشغل تاني.. وصرف لها باقي مرتبها ومكافأة كبيرة، ويوصلوها لحد بيتها من غير ما تعرف إني السبب.
طارق باستغراب وخوف:
ـ كاسر! إيه اللي حصل؟! أنت صوتك عامل كده ليه؟!
كاسر قفل السكة في وشه، ورمى التليفون على الأرض فاتكسر لـ مية حتة، وقام وقف قدام المراية.. بص لوشه بقرف وغل، وضربه بقبضة إيده في المراية لحد ما اتكسرت لميت حتة ودمه سال على الزجاج.
على الساعة 6 الصبح..
وصلت حبيبة منطقتها الشعبية. الشارع بدأ يصحى، والناس تبدأ يومها. مشيت بسرعة وبخطوات ميتة لحد ما دخلت العمارة وطلعت شقتها.
فتحت الباب ببطء.. مجدي كان نايم على الكنبة وغرقان في نومه، ودخان السجاير لسه مالى الصالة. اتجاهلته تماماً، ودخلت أوضة أمها.
أمها كانت صاحية على السرير، أول ما شافتها دخلت بالشكل ده.. ووشها الشاحب، وجروح رقبتها وشفايفها.. اتخضت وقعدت بسرعة:
ـ حبيبة! يا لهوي يا بنتي.. مالك؟ إيه اللي عمل فيكي كده؟! مين أذاكي يا ضنايا؟!
حبيبة أول ما شافت أمها، ركبها اتخشبت.. وقعت تحت رجلين أمها، وحطت راسها في حضنها، وبدأت تصرخ وتبكي بكاء هيستيري يقطع القلوب، بكاء حبس سنين وقهر وضغط..
ـ أمي.. أنا تعبانة أوي يا أمي.. دمروني يا أمي، دمروا كل حاجة نظيفة جوايا!
أمها حاضناها وبتبكي معاها، بتمسح على شعرها بإيدها المرتعشة:
ـ اسم الله عليكي يا بنتي.. مين عمل فيكي كده؟ قوليلي يا حبيبة!
حبيبة رفعت راسها، وبصت لأمها بعيون مليانة حسم وقسوة أخيرين:
ـ محدش يا أمي.. محدش.. أنا من النهاردة مش هسكت تاني، ومش هخاف من حد.. هسافر يا أمي، هناخد بعضنا ونمشي من المنطقة دي خالص، وهنعالجك وهنعيش بشرفنا بعيد عن مجدي ورباب وكل القرف ده!
امها بكيت عليها جامد : حاضر ي بتي اللي انتي عايزاه ....
مرت أيام..
حبيبة باعت ذهب أمها البسيط، واقترضت مبلغ صغير علي معاش ابوها وقررت تسيب الشقة والمنطقة الشعبية للأبد...
طول ما هي كانت في البيت مكلمتش مجدي ولا اي حاجه كل اللي كانت بتعمله كانت تحطله منوم عشان تقدر تهرب منه
وجه اليوم الموعود بعد ما ضبطت حالها والفلوس والسفريه أخدت أمها ونقلوا لشقة صغيرة هادية في منطقة بعيدة تماماً في بلد تانيه تماما ، وغيرت أرقام تليفوناتها، وقصت أثرها عن الدنيا كلها... مكنش فيه خيط يربطها غير امتحاناتها في الكليه
استقريت في اسكندريه وفضلت ترسم وتبيع لوحاتها لغايه نزلت اشتغلت في مرسم صغير لبيع اللوحات والأدوات الفنية، واول ما عرفت معاد امتحاناتها راحت وهي متنكره لابسه نقاب ورجعت علطول .... حتي فلوس طارق رفضت أنها تاخدها ورفضت أنها تقابله اصلا وقطعت الخيط تماما
شغلها مش احسن حاجه في الفلوس بس بتدبرها خلصت امتحاناتها وطلعت نتيجتها وجابت امتيازات ومبقتش فاضيه لاي حاجه غير ل شغلها وعلاج امها اللي بدأت تتحسن فجاه
أما كاسر.. فمن اليوم الملعون ده، اتحول لإنسان تاني خالص.. إنسان بارد، حزين، عيون مفيهاش أي لمعة حياة،قاسي لابعد الحدود بيقضي وقته بين الشركة وشقته المظلمة. كان بيمشي كل يوم بالليل بعربيته قدام منطقتها القديمة، يستنى يشوف خيالها من بعيد، بس ما كانش بيلاقي غير البيت الفاضي والباب المقفول.
علاقتهم انتهت رسمياً.. بس جرحها فضل محفور في قلب كل واحد فيهم؛ هي عاشت بقسوة الأمان اللي اتكسر، وهو عاش بجحيم الندم اللي مش هيرحمه طول عمره.
مرت اربع سنين كاملين.. كاسر بيدور عليها مش لاقيها سال عليها كل مكان كأنها فعلا ماتت دور عليها في مستشفيات وأماكن كتير بس بلا جدوه
خلال السنين دي كلها كبرت فيها حبيبة اتغيرت تماماً؛ بقت أقوى، أهدى، وملامحها الأنوثية اتغلفت بقسوة ونضج مخليها زي الصخر.. محدش يقدر يكسرها ولا يطمع فيها.
حالت أمها الصحية استقرت بعد ما بعدت عن القرف والضغط،.... بقيت ناجحه جدا في شغلها لدرجه انها مسكت اداره في المعرض وعملت اكتر لوحه عجبت الناس وجابت إيرادات كتير وسمتها: "بقايا نبض".
اللوحة الرئيسية في المعرض كانت عبارة عن رسمة لوجه راجل ملامحه غايمة وفي عينيه دموع وجحيم، وورا منه خيال بنت متكسرة بتلم أجزاء روحها.. كانت بتعبر فيها عن كل الوجع اللي عاشته، وعن كاسر اللي قتل حنيته بإيده.
قرر صاحب المعرض يفتح فرع تاني من المعرض تحت إشراف حبيبه اللي خلاص مبقاش قادر يبعد عنها
في ليلة الافتتاح.. المعرض كان مليان فنانيين وصحفيين ورجال أعمال.
حبيبة كانت واقفة بأناقتها، لابسة فستان أسود محتشم وأنيق جداً، شعرها مرفوع بثبات، وابتسامتها هادية ومحسوبة.
وفجأة.. حركة الناس على باب القاعة هديت، ووقع صمت غريب في المكان.
لفت حبيبة ببطء ناحية الباب.. وعينيها اتسمرت!
دخل كاسر..قلبها اتفزع واتخلع من مكانه
كان خاسس شعره فيه خصلات بيضا خفيفة على الجانبين، ملامحه أشد جادّة وباردة، وعينيه دبلانة ومطفية مالهاش أي لمعة.. إلا لما جات عينيه في عينيها!
أول ما شافها، نبض قلبه بصرخة وجع مدفونة من سنين
مشي بخطوات تقيلة وراسيّة وسط الناس، حد ما وقف قدام اللوحة الرئيسية.. وقعد يبص لها لدقايق في صمت رهيب. كان عارف إنه الراجل اللي في اللوحة، وعارف إن الجحيم اللي فيها هو الجحيم اللي عايش فيه كل ليلة من يوم ما سابته.
التفت لـ حبيبة.. قرب منها خطوة واحدة، ووقف على مسافة احترام، وصوته خرج بحشرجة وندم مبيخلصش:
ـ مبروك يا حبيبة.. اللوحة جميلة.. بس الحقيقة أصعب بكتير.
حبيبة قلبها دق جامد وكانت دمعه هتفر من عينيها الشوق اللي حاسه بيه كبير اوي .... بس أصرت تبين العكس بصت له بجمود وثبات، عينيها ما رفّتش ولا ظهر فيها أي ضعف، وقالت بنبرة هادية وقاسية أصلب من الحديد:
ـ الحقيقة انتهت من زمان يا أستاذ كاسر.. واللوحة دي مجرد ذكرة لشيء مات ومبقاش له وجود.
كاسر بلع غصته، وابتسم ابتسامة مكسورة جداً، وقال بصوت واطي:
ـ أنا عارف إن مفيش مغفرة.. وعارف إن الجرح اللي سبتهولك مبيتدواش.. أنا بس جيت أتطمن إنك بقيتي بخير.. وإنك بقيتي قوية زي ما كنت بتمنى.
حبيبة بصت في عينيه بثبات:
ـ أنا بقيت بخير من اليوم اللي اعتمدت فيه على نفسي، وعرفت إن الأمان الوحيد في الدنيا دي هو ربنا ونفسي.. شكراً لحضورك.
كاسر هز رأسه بالقبول، حط إيده في جيبه، وبص لها نظرة أخيرة مليانة عشق وندم وألم مالوش آخر.. وقبل ما يلفت كان جاي صاحب المعرض ووقف جمب حبيبه وكان فرحان جدا بوجودها ومسك أيدها : مبروك ي بوبا
عنيه اتجمدت علي ايده وهي بتضغط علي ايديها ... حس أن قلبه بيتهلخ بس مفيش فايده
هنا جه طارق بيجري عليه وبيمكسه : يلا يا كاسر
لف ضهره، ومشي بره المعرض بخطوات ميتة، تارك وراه البنت اللي كان ممكن تكون دنيته كلها، بس خسرها للأبد بسبب غضبه وشيطانه... وعدم فهمه
حبيبة وقفت تبص لضهره وهو ماشي.. أخدت نفس طويل وعميق، ومسحت دمعة واحدة هربت من عينها في خفاء، وقررت تقفل الصفحة دي للأبد وتكمل طريقها في النور.
يوسف صاحب المعرض فضل وراه حبيبه وبيطاردها بحبه لغايه ما وافقت غصب عنها لغايه ما وافقت وهي اصلا لسه كاسر في قلبها
مرت سنتين كمان بعد ما قررت انها تنتقل من اسكندريه خالص بسبب أن كاسر عرف مكانها
وهنا هي اللي بدأت تراقبه وهي متاكده انه مش عارف يوصلها
حبيبة اتغيرت حياتها تماماً وبقت واحدة تانية خالص. النضج والقوة بقوا عنوانها، وربنا عوضها عن كل العذاب اللي شافته.
اتجوزت استاذ يوسف ما حاولش يقتحم حياتها ولا يضغط عليها، احتواها بصدق، وشاف فيها الإنسانة النظيفة والجدعة قبل أي حاجة. لما حكت له عن ظروفها الصعبة القديمة، شالها فوق راسه وزاد احترامه ليها، واختارها تكون شريكة عمره.
اتجوزوا في حفل أنيق وهادي جداً،
في ليلة الفرح بالظبط
المكان كان عامر بالنُقاد والفنانين وشخصيات عامة. حبيبة كانت واقفة في أبهى صورها، لابسة فستان ابيض دافي وأنيق، ووشها منور بابتسامة مزيفه. ابتسامة واحدة ماديه واجبها كاعروسه وخلاص
جنبها كان واقف يوسف.. حاطط إيده بدفا وجمال ورا ظهرها، بيبص لها بفخر وحب هادي، وبيتناقش مع الضيوف وهي بتفكر في كام ساعه الجايين بينهم امها كانت جنبها بتطمنها
وفجأة..
الهدوء ساد عند بوابة القاعة.
دخل كاسر..
كان شكله أكبر من سنه، ملامحه أكلها الحزن والذبلان، شعره جاله الشيب من الجوانب، وعينيه مطفية تماماً. بيمشي بخطوات تقيلة كأنه شايل جبال على كتافه وجنبه طارق .. جاله الخبر إن حبيبة هتتجوز، وم قدرش يمنع نفسه إنه ييجي يلمحها بالابيض
اول ما عينه جات في عينها كانت بتضحك وكأنها ناسيه كل حاجه كاسر ضحك من جمب واحد ضحكه واحد مكسور
طارق بحزن ومسكه من كتفه : اجمد ي صحبي
كاسر بوجع : طيب هو معقوله الغلط كله مني ؟ كان المفروض اعمل اي ؟ هي كمان غلطانه.... هي حاليا بتشوف حياتها وانا اللي حياتي واقفه ي طارق
هنا عنيهم جات في عنين بعض حبيبه مستحملتش نظرته واترميت في حضن امها بحزن وفضلت تبكي جامد وامها بتهديها
كاسر ضحك بحزن شديد وواضح : انا بحبك ي حبيبه .... اتمني متنسنيش ....
طارق بعصبيه : خلاص بقا ي صحبي هي باعتك انساها بقا
كاسر اتجمع قوته : اكيد .... يلا بينا
عند حبيبه وهي بتبكي في حضن امها : بس ي بنتي بس عشان جوزك ميدايقش
حبيبه ببكاء : انا مش عايزه ي ماما مش عايزه بجد اتجوزه... انا لسه بحبه ي ماما
سكتت الأم لثواني وهي بتطبطب على ظهر حبيبة بإيدين بترتعش، كلام حبيبة ونشيجها الانهياري وسط الزيطة وصوت المزيكا كان زي السكين اللي بيقطع في قلبها. مسكت وش حبيبة بقسوة وخوف، وبصت في عينيها بنبرة حادة وواطية عشان محدش ياخد باله:
ـ اسكتي خالص! يخرب بيتك أنتِ عايزة تفضحينا؟! كاسر ده كان هيرميكي في الشارع وهدر كرامتك ومسح بيكي الأرض! يوسف هو اللي نضف حياتك ورجعلك قيمتك قدام الناس.. انشفي وشيلي الزفت ده من دماغك قبل ما يوسف يلاحظ ونروح في داهية!
في نفس اللحظة عند البوابة، كان طارق بيجر كاسر بالعافية برة القاعة، بس كاسر كان جسمه متخشب، عينيه متثبتة على حبيبة وهي بتعيط في حضن أمها. الضحكة المكسورة اختفت من على وشه، حل محلها وجع بشع وسؤال ملهوش إجابة.. خرج ببطء وهو حاسس إن روحه اتسحبت منه تماماً، وساب وراه القاعة وكل حاجة فيها.
أول ما كاسر خرج، قرب يوسف بخطوات سريعة. ملامحه ما كانتش حنينة ولا متفهمة، كان باين عليه الضيق والجمود من منظر حبيبة وهي بتعيط بالشكل ده قدام المعازيم. وقفت الأم بسرعة وابتسمت ابتسامة متوترة تحاول تداري بيها الموقف.
يوسف بص لـ حبيبة بنظرة حادة، حواجبة متقاطعة، وقرب منها ومسك دراعها بضغطة جامدة وقاسية شوية، وقال بنبرة واطية بس مليانة أمر وتهديد مستتر:
ـ إيه المنظر ده يا حبيبة؟ المعازيم والصحفيين عيونهم علينا! أنتِ جاية تبكي وتعملي دراما في ليلة فرحنا؟ فيه إيه مالي عينك ولا مش عاجبك الوضع؟!
حبيبة اتخضت من مسكة إيده وقسوة صوته. رفعت عينها المليانة دموع وبصت له، ولأول مرة تحس إنها كانت أعمى.. يوسف ما كانش الأمان اللي دورت عليه، يوسف كان مجرد رجل أعمال شايفها "صفقة" أو "لوحة جميلة" كسبها وحابب يستعرض بيها قدام الناس، ومش فارق معاه مشاعرها ولا وجعها في اللحظة دي.
يوسف شدها من دراعها عشان تقف، وقال بنبرة مفيهاش أي رحمة وهو بيعدل بدلتو:
ـ امسحي الزفت ده واعدلي وشك فوراً.. أنا مش دافع دم قلبي وعامل الفرح ده كله عشان القرف ده. ابتسمي وسلمي على الناس، ولما نروح الشقة نبقى نشوف موضوع العياط ده!
حبيبة وقفت على رجلها وهي حاسة ببرودة بتجري في عروقها. مسحت دموعها بسرعة بإيدين بترتعش، وبصت حواليها.. كاسر مشي وسابها لندمه، ويوسف واقف جنبها يمتلكها بقسوة وأنانية.
حست في اللحظة دي إنها خرجت من جحيم كاسر اللي دمر أمانها بغضبه، لتسقط في سجن يوسف اللي هيخنق روحها بقسوته وتملكه.. وأدركت إن الوجع الحقيقي يلا يبدأ دلوقتي.
المكان كان بيموج بالأنوار والمزيكا، بس بالنسبة لـ حبيبة، القاعة دي ما كانتش قاعة أفراح.. كانت صالة عزا كبيرة، عزا دفنت فيه آخر أمل في حياتها، وهي واقفة في نص الصالة تتلقى التعازي في روحها اللي اتقتلت.
عينيه كانت بتخدعها في كل ثانية؛ كل ما تبص للناس اللي بترقص والأضواء اللي بترفرف، كان يتهيألها إن ده فرحها اللي حلمت بيه زمان.. الفرح اللي كان كاسر فيه هو العريس، وهي واقفة جنبه والضحكة طالعة من أعماق قلبها، عيونها بتلمع بحب نقي من غير كسر ولا خوف. بس الصورة الشفافة دي كانت بتتلاشى بسرعة، ويرجع الواقع يلطم وشها.. الواقع اللي فيه راجل تاني واقف جنبها، ماسك إيدها بتملك وكأنه بيمتلك وثيقة ملكية.
يوسف كان في قمة أنانيته؛ ما كلفش خاطره يسألها مالك أو حتى يمسح دموعها، كل اللي كان هاممه هو "المنظر العام". كان يتحرك بين رجال الأعمال والنقاد بابتسامة غرور، يشدها من دراعها بقوة مكتومة، ويهمس في أذنها بابتسامة صفرا بين سنانه:
ـ اضحي يا حبيبة.. بلاش النكد ده، الصحفيين بيلقطوا صور، مش عايز اسمي يتربط بوش مكشر في الجرايد بكرة!
عدت أجواء الفرح طقوس ميتة.. الناس بترقص وهي واقفة زي الصنم، بتضحك ضحكة زايغة ومقطوعة مالهاش روح. جسمها حاضر في المكان، بس عقليتها وروحها كانوا غايبين في مكان تاني خالص.. غايبين عند نظرة الندم اللي شافتها في عينين كاسر قبل ما يمشي، عند الجرح القديم اللي رفض يلتئم.
انفضت الليلة.. المعازيم مشيوا، والأضواء انطفت واحدة ورا الثانية، وصوت المزيكا هدي ليحل محله صمت مرعب.
وصلت الشقة.. الشقة الجديدة اللي ريحتها دهان وأثاث غالي، بس مفيهاش أي ريحة دفء.
دخلت حبيبة ببطء، بتسحب فستانها البني التقيل وراها كأنها بتسحب جثة، ووقفت في نص الصالة المقفولة.
يوسف دخل وراها، قفل الباب بالمفتاح بصوت رن في كل زاوية في الشقة، قلع جاكيت البدلة ورماد بإهمال على الكنبة، ولفت ليها وبص لها بنظرة كاشفة، نظرة خالية من أي حب أو حنية.. نظرة أناني استلم صيد جديد وجاي يحاسبها على ليلته:
ـ أخيرًا الوشوش المزيفة مشيت والقرف ده خلص.. أديكي بقيتي في بيتي يا حبيبة، ومبقاش فيه صحفيين ولا معازيم تداري وراهم نكدك.
