رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الرابع 4 بقلم نسرين نادر


 رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الرابع 

كان الفجر لسه بيشقشق ع الهادي، والنسيم البارد يدخل من فتحة الشباك يلمس وش «غَالِيَة» اللّي كانت قاعدة على طرف السرير، ضمّة رجليها لصدرها وحاطة وشها بين إيديها. الأوضة كانت هادية تماماً، بس جوة عقلها كانت في عاصفة بتطحن في قلبها... عمالة تعيد وتزيد في كلام «يُونُس» وهي بتفتكر نظراته الحادة ولحظاتهم سوا، المرات اللّي كان بيحن فيها عليها، والسرقة اللّي كانوا بيسرقوها زمان من ورا العيون... ترجع تبتسم بكسرة وتهز راسها بوجع وتقول لنفسها:
— «كنتِ عبيطة يا غالية... عبيطة لما صدقتِ إن بن العمدة ممكن يميل لبت مالهاش أصل ولا فصل! فاكرة روحك مين إنتِ عشان يحبك ويبقى عليكِ؟! ده نسّتك الأيام حجمك، وعميِت عينك عن الحقيقة اللّي الدوار كلياته عارفها!»
مسحت دمعة سخنة نزلِت على خدها، وكملت عتاب مع نفسها بصوت واطي ومكسور:
— «حتى اسمك ما تعرفيش أبوه مين... ولا تعرفي إنتِ بنت حلال ولا بنت حرام! كتر خير الحاجة صفية والحاج نعمان إنهم لمّوكِ وستروكِ لما كبرتِ، ورغم العذاب والبهدلة اللّي شفتيها، يضلوا هما اللّي ربوكِ وما سألوش إنتِ بنت مين... بس خلاص يا غالية، طفح الكيل، وإنتِ مش من لحمهم ولا دمهم، وفي يوم من الأيام لازم هيتخلوا عنك لما تزيد المشاكل.»✍🏻بقلمي نسرين نادر 
شالت إيدها من على وشها وبصت للنور الخفيف اللّي بيبدأ يظهر في السما... أتولدت في دماغها فكرة الهروب:
— «أنا لازم أمشي... لازم أرفع الحرج ده كله وأبعد عنهم قبل ما أكون سبب في خراب بيوتهم وفي مشاكل مالهاش أخرة بين يُونُس وأهله.»
بس سكتت لحظة، والكسرة زادت في عيونها وهي بتفكر... هتروح فين؟ مين ليها بره جدران الدوار ده؟! هي مالهاش أهل، ولا تعرف حد في الدنيا دي كلياتها! قامت بالعافية، وحطت إيدها على الحيطة تتسند، وعقلها هداها لـ «الخالة حِكْمَت»:
— «ماليش غير الخالة حِكْمَت... هقول لها تساعدني وتشوف لي أي حد من قرايبها من بعيد أقعد عنده ولا توديني مكان أشتغل فيه بعيد عن هنية... المهم أطلع من الدوار ده وأستَر روحي قبل ما النار تاكل الكل بسببي!»
وفي نفس الوقت اللّي كانت «غَالِيَة» بتدبر فيه مع روحها فوق... كانت النار والغل بياكلوا في قلوب الحريم تحت! في جناح «عبد الحميد»... كان قاعد على حافة الكنبة، ماسك سبحته وإيده بتتراعد من الخوف والقلق، ووشه أصفر زايغ، مش قادر يرفع عينيه في وش مراته «وَصَال» اللّي كانت رايحة جاية في الأوضة كيف الديبة الجعانة، تضرب كف بكف وتنزق في الكلام بصوت واطي ومشتعل:

— «قاعد لي كيف الحريم إكده ولا قادر تنطق بنص كلمة؟! ولدك انضرب وانهان قدام الخدامين والدار كلها، وانت قاعد تفرك في سبحتك؟! بقى «رَجَب» ابنك... ولد عبد الحميد ابن العزازة، يترَفِع لفوق من زمارة رقبته ويترمى تحت الرجلين عشان خاطر بت خدامة مالهاش أصل ولا فصل؟!»
بلع عبد الحميد ريقه بالعافية، وحاول يهدّيها بصوت مرتعش:
— «يا وصال اهدي الله يهديكِ... انتِ عارفة يُونُس وولد أخوي ونار غضبه كيف، وبعدين أخوي نعمان بنفسه وقف وقال البت كانت بتموت و...»
قطعت كلامه بصوت يملؤه الغل والشر، وقربت منه وهزت كتفه بعنف:
— «اقفل خشمك! نعمان وسطوة نعمان هي اللّي عامياك وعامي عينك عن الحق حتى الآن! هو يُونُس مش أعز من رَجَب في حاجة... ولا ولد نعمان على راسه ريشة ولدك ما حيلتوش زيها! هما عشان شايفينك طيب ومكسور جناح، سايقين فيها ودايسين على حقنا وعلى ولدنا! إيه اللّي بين يُونُس والبت الخدامة دي عشان يقلب الدوار فوقاني تحتاني ويهين أعمامه وولد عمه عشانها؟! إيه السر اللّي يخليه يشيلها بين إيديه وينومها في سريره ويموت ولدك من الضرب عشان كلمة في حقها؟!»
وقف عبد الحميد بالعافية، وجاي ينسحب خطوة لورا ويقول بضعف:✍🏻بقلمي نسرين نادر 
— «يا بت الحلال هدي اللعب دلوك، لما الصبح يطّلع ونشوف أخوي نعمان هيقول إيه...»
شهقت وصال بجنون وزقته في صدره بعنف، وعيونها جمر:
— «والله ما بيك نفع واصل! لو ما قمتش دلوك ووقفت لـ نعمان ويُونُس، والجبت حق ولدك ورجعت له هيبته قدام الدوار وأهلك كلهم، لأكون طالعة من البيت ده ومش راجعة له واصل! انت هتقعد هُنية وتسمع كلامي بالحرف... حق رَجَب ييجي، والبت دي تغور من الدوار، ويا إما نقلبها حريقة وطين على دماغ الكل!»
كان «رَجَب» قاعد في ركن الأوضة، حاطط شاش على شفته المجروحة، وعيونه اللامعة بالغل بتراقب أمه وهي بتسوق أبوه زي اللعبة، والابتسامة المسمومة بدأت تترسم على وشه وهو شايف أبوه بينكسر قدام أمه وبيستسلم لشرها.
في الحوش الخارجي للدوار، والشمس بدأت تفرد نورها... كان «يُونُس» قاعد على الكنبة الخشب، ماسك تلفونه على أذنه، وحواليه «منصور» و«أيمن». قال يُونُس بصوته الرخيم الهادي:
— «توصل بالسلامة يا حمزة... الأرض اللي في الشمال عوزاك تعيّن الخفر زين قبل ما تعاود... متقلقش، الدوار أمان وكل حاجة تحت الإيد... تمام، مستنيك على الغدا.»
قفل يُونُس التلفون وحطه على الترابيزة قدامه بجمود. بصله «منصور» بقلة صبر ومال عليه بصوت واطي:
— «وإيه العمل يا يُونُس في اللّي حصل إمبارح؟ البلد كلها بقت تتكتم وتحكي عن ضربك لـ رَجَب وعن اللّي حصل في المضيفة!»
يُونُس ما رمشش، أخد نفس طويل وقال بكلمتين أثقل من الجبل:
— «رَجَب اتعدى حدوده... واللّي ينسى أدبه في دار أبوي، أنا اللّي أعلمهوله... الموضوع انتهى.»
هنا اتكلم «أيمن» بنبرة فيها قلق واستفسار:
— «طب و«غَالِيَة» يا يُونُس؟ هتعمل معاها إيه؟ العيلة غليانها زاد، ووصال مش هتسكت، والبت ملهاش حد في الدوار ده كله يشيل عنها.»
أول ما اسم «غَالِيَة» اتنطق، استغفر يُونُس بصوت واطي وخافت، وعينيه سكنت... سكت لحظات طويلة، ساطح بنظره لـ «نخلة البلح» العالية اللّي في الحوش، والنار اللّي جوا صدره بدأت تظهر في نظرة عينيه. رد بنبرة حادة وموزونة:
— «استغفر الله العظيم... غَالِيَة تخصني أنا، وحقها من حق يونس بن نعمان... وقريب قوي كل واحد في الدوار ده يعرف مقامه ويحاسب على كلامه قبل ما ينطقه، واللّي يفكّر يجيب سيرتها ولا يلمس طرف شالها، يبقى بيجيب نهاية روحه بيده!»
جرّ «يُونُس» عبايته على كتفه بجمود، وسابهم ومشي خطوات حادة ناحية السلم... فَضل «أيمن» باصص في أثره لحد ما اختفى، وبعدها مال على «منصور» بصوت واطي ومهموم وقال:
— «شايف يا منصور؟ شايف يُونُس عيونُه بتطق شرار إزاي أول ما اسم «غَالِيَة» بيتجاب؟! ده غرقان في هواها من ساسه لراسه... والسكوت ده هيفتح عليه نار جهنم في الدوار! الحريم تحت مش هتبطّل حكي وزيد وعبيد، و«وَصَال» مش هتسكت، و«رَجَب» بالذات مش هيعديها... طول عمره بيغلي وبيغير من يُونُس عشان هو صاحب الكلمة والراجل اللّي الكبار بيعملوا له ألف حساب!»
تنهد «منصور» بقلة حيلة وهز راسه بتأييد:
— «عندك حق والله يا أيمن... الدوار كلياته من زمان عارف إن يُونُس ميّال لـ «غَالِيَة» من وهما صغار، بس اللي بيحصل دلوك هيخرب الدنيا! إحنا عشية النهاردة نلم روحنا ونقعد مع يُونُس ونحكي معاه بالعقل... يفتح الموضوع مع أبوه الحاج «نعمان» وأمه الحاجة «صفية»، وياخد خطوة جد تنهمي الكلام ده كلياته، عشان نكتم أي لسان ينطق في حق البت ولا في حقه بالباطل!»
ابتسم أيمن ابتسامة خفيفة يحاول يخفف بيها الجو، وغمز لمنصور وهو بيخبطه في كتفه:
— «أكيد عندك حق اللّي فيه الخير ربنا يقدمه... بس قولي انت يا منصور، هنفرح بيك ميتى عاد؟! مش المفروض كان اليومين دول نبارك ونحكي في خطوبتك انت و«زينب»؟!»
تنهد منصور بضحكة مكسورة، وقال بقلة صبر وعيون مليانة شوك:✍🏻بقلمي نسرين نادر 
— «أعمل إيه بس يا أيمن؟ حظنا إكده... كل ما نيجي نحدد ميعاد ونحكي في حاجة تخصنا، تطلع لنا مصيبة تقلب الدوار! بس على كلٍ، أنا هتكلم النهاردة مع أبوي عشان ينزل يحكي مع عمي نعمان ونحدد الميعاد ونخلص بقى... مش مصدق ميتى زينب تكون خطيبتي قدام الخلق كلياتها!»
ضحك أيمن بصوت عالي وهز راسه:
— «إيه يا عم المستعجل انت! ما تستعجلش على رزقك يا بوي... بكرة تتخطبوا وتتجوزوا وتتحسر على أيام الراوقان دي!»
في الأثناء دي فوق... كانت «غَالِيَة» لسه واقفة بتترعش، حاطة إيدها على قلبهـا ومحتارة تعمل إيه. فجأة الباب اتفتح ببطء شديد، ودخلت «نِعمة» (مرات عبد الرحيم). وقفت عند الباب، وحطت إيدها على صدرها وتمثّلت الحنية والآسف، وقربت خطوات بطيئة وهي بتقول بصوت ناعم ومخادع:
— «عاملة إيه دلوك يا غَالِيَة؟... أنا عارفة إنك مستغربة إن أنا جاية أطمن عليكِ بعد اللّي حصل إمبارح، بس والله يا بنتي ما كان قصدي أضرّك ولا أعمل فيكِ إكده... أنا لو كنت سبتك لـ «وَصَال» كانت موتتك في إيدها وقطعت خبرك!»
بصت لها «غَالِيَة» بجمود وكسرة، وضمت شالها حوالين كتافها، وقالت بنبرة فيها شك واستغراب:
— «في حاجة يا خالة نِعمة؟... عوزة تقولي حاجة؟»
ابتسمت «نِعمة» ابتسامة خبيثة صفرا اتدارت بسرعة ورا ملامح الشفقة، وقربت منها أكتر وقالت:
— «أبداً يا بنتي... كنت جاية أطمن عليكِ، وأنصحك نصيحة... زي ما بنصح بناتي بالظبط!»
رفعت «غَالِيَة» حاجبها، وبصت لها باستغراب شديد وعيونها بتسألها قبل لسانها:
— «نصيحة؟! خير يا خالة... نصيحة إيه؟»
اتنهدت نِعمة بتمثيل، ومسكت إيد غَالِيَة الباردة وقالت بنبرة كأنها خايفة عليها:

— «خير يا بنتي... نصيحة من وحدة عاشت وشافت الدوار ده وعارفة دخلاياه... انتِ شايفة الدوار تحت مولع نار كيف، والشرار بيطير من عينين الرجالة والحريم. «وَصَال» قايمة قومة مش هتهدى، وعبد الحميد ورَجَب ناويين على شر كبير... و«يُونُس» كتر خيره، وقفته معاكِ دي وضربُه لولد عمه كانت من نخوته وشهامته مش أكتر! أصل ولد العمدة ميرضاش الحرمة تتظلم قدام عينيه... بس يا بتي، وقفته دي هتخرب البيوت وتعمل بحور دم بين الأخوة، ورَجَب مش هيسيب حقه بالسهل!»
شالت نِعمة إيدها ببطء، وكملت تبخ سمّها وهتفت بصوت خافت كيف حفيف الحية:
— «لو باقية على «يُونُس» بجد، وعلى البيت اللّي قواكِ وسترك من صغرك... عينك تعقل ومتحطيش زيت على النار. البت العاقلة هي اللّي تعرف حجمها وزمانها، وتفهم إن ولد العمدة ليه حِسبة تانية خالص، ودوار «نعمان» مش هيتهد عشان خاطر وحدة ملهاش حد يشيل عنها! ارفعي الحرج عن جدعان الدوار... واعرفي هترسيها على إيه قبل ما بحور الدم تفتح وما تتقفلش!»

في الوقت ده، كانت «زينب» طالعة السلم تتطمن على غَالِيَة، لمحِت «نِعمة» وهي بتتسلل وبتخرج من الأوضة بعد ما بخت سمها. شكت فيها زينب واتدارت بسرعة ورا جدار الممر، وقربت ببطء لحد ما وقفت جنب الباب وشافت أثر الخوف والهمس. وفجأة... لمحِت «يُونُس» طالع السلم بجهامة وهيبة وشايل عبايته على كتفه، رايح لجنح غَالِيَة يتطمن عليها بنفسه. ضربت زينب إيدها في صدرها وقالت بصوت واطي:
— «مش وقته خالص يا يُونُس... لو حد شافك طالع دلوك هتقوم الحريقة أكتر!»
اتدارت زينب بسرعة ورا الجدار تاني، وفضلت مراقبة الموقف وهي كاتمة نفسها. فتح يُونُس الباب ودخل الأوضة... كانت «غَالِيَة» واقفة بدموعها، وجمعت روحها بالعافية وجت تاخد خطوة عشان تخرج، اتفاجئت بيُونُس واقف قصادها بجموده ونظرته الحادة اللّي بتخترق الصدر. وقف يُونُس قفل الممر بعرض كتافه، وبص لملامحها المجهدة ودموعها اللّي على خدها، وقال بنبرة هادية بس فيها حزم شديد:
— «على فين يا غَالِيَة؟ طالعة من الأوضة بدري إكده ليه، وانتِ لسه تعبانة وجسمك مكسّر؟»

حاولت غَالِيَة تداري ارتباكها، ومسحت خدها بعجل ووطت عينها في الأرض وقالت بنبرة خافتة ومكسورة:
— «نازلة أشوف الشغل اللّي عليا يا سي يُونُس... وكمان كنت نازلة أطل على الخالة حِكْمَت أطمن عليها، أصل ما شفتهاش من إمبارح واصل ومحتاج أحكي معاها في كلمتين.»
دقّق يُونُس في وشها بحدّة، وقرب منها خطوة وعيونُه الثاقبة مش مقتنعة بكلامها:
— «شغل إيه اللّي نازلتيله في الفجرية دي؟! والدوار كلياته عارف إنك تعبانة ومحدش طلب منك تحركي قشة! والخالة حِكْمَت هتشوفيها لما النهار يطلع... قولي الحقيقة يا غَالِيَة، انتِ خايفة من إيه ولا ناوية على إيه في عقلك؟!»
بصت له «غَالِيَة» باستغراب شديد، وعيونها المليانة دموع
 اتسعت، وقالت بصوت يرتعش ومكسور
✍🏻بقلمي نسرين نادر 
— «مش مستاهلة كل ده يا سي يُونُس... أنا م جرد خدامة هُنية في الدوار، ولو حد سمع الكلام اللّي بتقوله ده هتقوم حريقة أكتر وأكتر في الدار! أنا عارفة إنك راجل وما ترضاليش الظلم وكتر خيرك على شهامتك... بس...»
ما لحقتش تكمل كلمتها... خطى «يُونُس» خطوتين سريعين وقرب منها لحد ما بقى واقف في وشها تماماً، المسافة بينهم بقت أنفاس، وهيبته وشرار عينيه غطوا على الأوضة كلياتها. هتف بصوت خافت بس يرعب من كتر الجمود والحسم:
— «غَالِيَة... إياكِ تعبثي بأعصابي ولا تختبري صبري! الكلمة اللّي أقولها هنية تمشي وتتنفذ من غير ما تسألي ولا تناقشي كتير... وأنا اللّي أحدد اللّي بقوله ده يستاهل ولا ما يستاهلش!»
سكتت «غَالِيَة» والجامد في حلقها اتكسر... رفعت عينها وبصت في عينيه، اتفاجئت بنفس النظرة القديمة! نفس النظرة اللّي كان بيبص لها بيها زمان قبل ما يسافر، نظرة الأمان والحنية الدفينة اللّي كانت بتدارى ورا قسوته. في اللحظة دي، قلبها دق بعنف اتلخبطت مشاعرها كلياتها... كانت عاوزة تجرّه في الكلام، عاوزة تتأكد إن عينيه مش بتكذب عليها وإن المشاعر دي حقيقية ومش مجرد عطف أو شفقة من ابن العمدة على خدامة عنده. نطقت اسمه حاف ولأول مرة من وقت ما رجع:
— «ليه يا يُونُس؟... بتعمل كل ده ليه؟»
يُونُس اتفاجئ إنها نادت باسمه مجرد... ملامحه اتغيرت، وأخد نفس طويل كأنه بيحاول يسيطر على ضربات قلبه اللّي اتلخبطت، وقفل الممر بجسمه. بص لها بنظرة فيها مزيج بين الحزم والكبرياء اللّي بيداري بيه وجعه، وقال بصوت هادي وثقيل:
— «بتسألي ليه يا غَالِيَة؟! بتسألي وكأنك نسيتِ انتِ واقفة في دار مين... أنا يُونُس بن نعمان، يعني أي مخلوق عايش تحت سقف الدوار ده، صغار ولا كبار، حمايتهم وردّ الظلم عنهم مسؤوليتي أنا قبل أي حد! رَجَب اتعدى حدوده، وكان لازم يعرف مقامه... وما يصحش حرمة في بيتنا تتظلم ولا تتهان وأنا واقف على رجلي!»
قرب منها خطوة واحدة، ونبرة صوته بقت أهدى بس فيها تحذير حاسم:
— «السؤال عن "ليه" مش وقتُه يا غَالِيَة... ولا الظروف اللّي الدوار فيها دلوك تسمح بنبش القديم ولا الحكي فيه! ادخلي جوة واقعدي مكانك، والنهار لما يشقشق، الخالة حِكْمَت هبعتهالك لحد هنية... ومش عاوز أسمع نغمة الخروج والهروب دي تاني، فاهمة ولا لأ؟!»
لف وشه وخرج بخطوات ثقيلة، وساب الباب موارب... أخدت «غَالِيَة» نفس مكسور وقعدت على طرف السرير، دموعها نزلِت بكسرة وهزت راسها وقالت لنفسها بوجع:
— «بيهرب من السؤال... مش عاوز ينبش القديم عشان عارف إن مالوش مكان دلوك! ونِعمة عندها حق، وجودي عامل حريقة بين الأخوة، وهو بيعمل كدة تأدية واجب وهيبة بس!»
بدأت تلم حاجتها القليلة في الصرة بسرعة وهي بتترعش والدموع مغرقة وشها... في اللحظة دي، فتحت «زينب» الباب ودخلت بسرعة، مسكت إيدها بغضب وجدعنة وزقت الصرة بعيد:
— «انتِ بتعملي إيه يا غَالِيَة؟! جنان إيه ده اللّي بتعمليه في الفجرية؟!»
غَالِيَة وهي بتشهق بالبكاء وتحاول تجمع حاجتها:
— «سيبيني يا زينب الله يخليكِ... سيبيني أغور من هنية! يُونُس نفسه بيقول لي مش وقته ننبش في القديم ومبيجاوبنيش... هو شايف وجودي مشكلة ودوشة في الدوار، ونِعمة عندها حق!»
زينب بصت لها بغيظ وعيونها شايطة:
— «إيه اللي تصدقيها يا هبلة أنتِ؟! دي نِعمة العقربة اللي كانت واقفة هنية بتدبخ سمها في ودنك عشان تفضي الساحة لبنتها سمر! عبيطة إياكِ نسيتِ إن نِعمة حاطة عينها على يُونُس عشان سمر؟! أنا كنت واقفة ورا الجدار وسمعت كل كلمة قالتها لك!»
غَالِيَة بصت لها بذهول، وزينب كملت بذكاء وجدعنة وهي بتمسح دموع غَالِيَة:
— «ويُونُس ده بيكابر! شايفاه طالع السلم عيونه بتطق شرار وخايف عليكِ كيف اللّي خايف على روحه، وأول ما يدخل عندك يطلع فيها الشديد اللّي بيداري مشاعره ورا كلمة "الواجب والأصول"؟! يا بت فهمي... الرجالة دول مبيعرفوش ينطقوا باللّي في قلوبهم بجد، ولا يبطلوا كبرياء، غير لما تحطيهم في زاوية ضيقة وما يلاقوش منها مفر!»

قربت زينب منها أكتر ومسحت دمعة غَالِيَة بجدعنة وكملت:
— «نسيتِ «منصور»؟! ما كان فاضل ملوحني يا أختي وما كانش راضي ينطق ولا يقول اللي في قلبه وحابس كلام جواه! وعملت إيه؟ زرجنت معاه وحطيته في زاوية ضيقة، وحسسته إن أنا بضيع من إيده وإن خلاص ما عادش فارق لي وشيلته من دماغي واعتبرته مش موجود... لحد ما حس إن خلاص هضيع منه بجد، جاني يجري وفضل يتحايل عليا لحد ما قالها لي بعظمة لسانه إنه عاوزني النهاردة قبل بكرة! هما الرجالة كده يا غَالِيَة... لازم يحسوا إن الحاجة بتضيع من إيدهم بجد عشان الجبل ده يتهد وينطقوا بالسر اللّي كاتمينه!»
ططببت على كتفها وكملت بابتسامة شقية وذكية:
— «عشان إكده انتِ مش هتمشي وتطلعي بره الدوار يا غَالِيَة... بس هنعمل روحنا إنك مشيتِ واختفيتِ بجد! هنسيب الصرة هنية فاضية، وأنا هسحبك دلوك وأخبيكي في الأوضة اللّي جنب أوضة الخالة حِكْمَت... الأوضة اللّي مقفولة من سنين ومحدش بيدخلها ولا بتخطر على بال جن! والخالة حِكْمَت نفسها مش هنقول لها دلوك عشان تصدق لما الدوار يتقلب... ساعتها بقى نشوف «سي يُونُس» هيفضل يعمل فيها الشديد والمكابر، ولا حيطة الجبل دي هتقع وهينطق بحبه وبكل اللّي في قلوبهم قدام الدوار كله!»

سحبت زينب «غَالِيَة» في الخفا بالراحة ومن غير ما مخلوق في الدوار يحس بيهن، ولحد ما دخلتها الأوضة اللّي جنب أوضة الخالة حِكْمَت—الأوضة اللّي مقفولة من سنين والغبار مغطي بابها ومحدش يخطر على باله يدوّر فيها واصل. قفلت زينب الباب على غَالِيَة بشويش بعد ما طمنتها، ونزلت تراجع خطتها بسرعة والدوار بيبدأ يصحى وشغله يقوم.
بعدها بشوية، وبعد ما الشمس طلعت وفردت نورها على البلد والدوار كله، كانت السفرة الطويلة في الدار مفروشة بأشكال وألوان الفطور الصعيدي. قاعد في صدر السفرة الحاج «نعمان» بهيبته ووقاره، وجنبه الحاجة «صفية» بملامحها الطيبة اللّي باين عليها القلق، وقصاد أبوه قاعد «يُونُس» نازل بعبايته الهيبة الكحلي، وشه جاف وملامحه متصلبة ومشحونة بالتفكير والهم... يادوب بيمس بحافة بقه كاس الشاي وعيونه سارحة في الأرض قدامه.

في اللحظة دي، دخل «عبد الحميد» الصالة بخطوات ثقيلة يجر رجليه بقلة حيلة، ووراه «وَصَال» بوشها المشتعل بشرارة الغل! رفع الحاج نعمان عينيه فيهم، وقال بنبرة هادية بس فيها ثقل الكبير:
— «تعال يا عبد الحميد... اقعدي يا أم رَجَب افطروا.»
عبد الحميد وقف مكانُه، ما قعدش، وبلع ريقه وصوته طلع مرتعش بس بيحاول يبان شديد:
— «ماليش نفس للفطور يا نعمان... أنا جاي أسالك في كلمتين يقطعوا الشك باليقين قدام ربنا والخلق كلياتها! إحنا لحد ميتى هنفضل ساكتين على المهزلة اللّي بتحصل في الدوار ده؟! ولد العمدة يمد إيده على ولد عمه ويهينه قدام الخدامين والدار كلها عشان خاطر بت خدامة مالهاش أصل ولا فصل؟! البت دي يا نعمان وجودها جاب لنا العار والمشاكل، ولازم تطلع من الدوار ده النهاردة قبل ما بحور الدم تفتح بينا!»
✍🏻بقلمي نسرين نادر 
أول ما عبد الحميد نطق جملته... «يُونُس» نزل كاس الشاي من إيده على الترابيزة برزعة خفيفة هزت الأطباق! وقام يُونُس واقف بطوله الهيبة، وعيونه اتملت بشرار حاد يرعب، وقال بنبرة جافة ورخيمة هزت أركان الصالة:
— «عمي عبد الحميد... كبر سنك ومقامك عند أبوي هما اللّي حاميين لسانك دلوك! رَجَب ابنك اتضرب عشان اتعدى أصول الدوار وحاول يفركش هيبة البيت، واللّي يمد إيده على أمانة في بيتي أقطع له إيده قبل ما يفكر! وغَالِيَة...»
يُونُس سكت لحظة، ورفَع راسه بنبرة تحذير قاطعة:
— «غَالِيَة خط أحمر في الدوار ده... واللّي هينطق اسمها بكلمة ناقصة تاني، هعتبره بيقل بذكائه معايا أنا شخصياً!»
الحاجة صفية حطت إيدها على صدرها بخوف وهتفت:
— «استهدى بالله يا يُونُس يا ابني... صلوا على النبي يا جماعة!»
هنية اتدخلت «وَصَال» وصوتها طلع كيف الحية بيبخ سم ونار، وقربت خطوتين وردت على الحاجة صفية بحدة:
— «عليه الصلاة والسلام يا حاجة صفية... بس شوفي ولدك بيقول إيه الأول! هما مش ولدين عم؟! ليه يا حاج نعمان هو مش رَجَب زي يُونُس في الدوار ده ولا هو على راسه ريشة وولدنا مالوش قيمة؟! يرضيك اللّي صار إمبارح؟! حتى لو كان رَجَب غلطان، يرضيك يُونُس يمد إيده عليه قدام الرايح والجاي ويضربه ويكسره عشان بت مالهاش أصل ولا فصل؟!»
وفجأة... وفي أعلي نقطة اشتعال بين الكل... ظهرت «زينب» نازلة من على السلم بتتجارى، وشها أصفر وبيترعش، وصوتها طلَع بصراخ هز أركان الدوار كلياته:
— «لحقنااا يا بوي!... لحق يا يُونُس!!... دخلت أطل على غَالِيَة ملقتهاش في أوضتها، ودورت عليها في البيت كلياته مفيهاش أثر! صرتها فاضية على السرير وشكلها هربت واختفت من الدوار!! هتروح فين بس ودي مالهاش حد بره الجدران دي كلياتها؟!»
وقع الخبر زي الصاعقة على القعدة كلها... وفي نفس اللحظة، كانت «الخالة حِكْمَت» داخلة من باب الصالة شايلة صينية الشاي، أول ما سمعت صريخة زينب وكلامها، إيدها اترعشت والصينية وقعت من إيدها والكوبايات اتكسرت على الأرض حتت... صرخت بصوت مكسور وهي بتحط إيدها على قلبها:
— «بنتي!... غَالِيَة يابا!!»
سادت حالة صدمة وذهول في المكان... الحاجة صفية حطت إيدها على بقها مش مصدقة، والحاج نعمان عينيه اتسعت بذهول، وعيون «يُونُس» اتجمدت والدم جف في عروقه! وفي وسط الهليلة والصدمة دي كلياتها... كانت «نِعمة» واقفة بعيد في زاوية الممر، اتطمن إن سمّها جاب نتيجة، وارتسمت على وشها ابتسامة خبيثة وهي بتشوف الدوار بيتقلب والكل بيتضرب في بعضه!✍🏻


تعليقات