رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الخامس والاربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"أنا معك، ولكن…" ولكن، "أنا معك".
في نطاق اللغة قد تتشابه الجملتان، حتى يظن الإنسان بأن لا اختلاف بينهما، ولكن في ميزان الشعور يفصل بينهم وديان من الطمأنينة؛ فالأولى تمنح حضورًا مشروطًا، وأمانًا منقوصًا، لا يروي ظمأ القلوب للسكينة، وكأن بقاء من نحب في حياتنا سيترتب على ما سيأتي بعد كلمة لكن.
أما الثانية، فهي تلقي بكل ما يمكن أن يحدث خلف ظهرها، و تكف النظر عن جميع مخاوف الحياة، لتقدم أمانًا كاملًا دون أن تكون هناك شروط يخشاها المرء، أو عواقب يحمل همها، وهي كافية لجعل الطمأنينة تسكن الروح. فأحيانًا، لا نكون بحاجة إلى سماع جملة "أنا معك" بقدر ما نحتاج أن تُقال بطريقة لا تجعل الخوف يعرف طريق قلوبنا…
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أوقفت سيارتها أمام ذلك المبنى الضخم، وهي تطلق أنفاسها الحبيسة، و بداخلها غضب عارم، من شأنه إن يحرق الأخضر واليابس، لتقرر معاقبة الجميع، و الثأر لها و له، لتترجل من السيارة، و تتوجه الى الداخل، و كما توقعت وجدت سحر على وشك المغادرة، لتهتف آسيا ساخرة:
ـ كويس أني لحقت العروسة قبل ما تروح تقضي شهر العسل...
انتفضت سحر حالما سمعت صوت آسيا التي كانت تضع كلتا يديها حول خصرها، تناظرها بسخرية يتخللها الغضب، فحاولت الأولى إن ترسم ابتسامة هادئة فوق شفتيها، قبل أن تقول بنعومة:
ـ آسيا…
قاطعتها آسيا قائلة باحتقار بتخلله السخرية:
ـ أو نقول العشيقة، أصل بصراحة أنتِ كبيرة أوي على كلمة عروسة دي، أو خلينا نقول الكلمة هي اللي كبيرة عليكِ و مش لايقة، عروسة يعني فرح، و عريس و دي كلها حاجات بتحصل في النور، بس اللي زيك ميشرفش حد أنه يطلع للنور…
دعست بقوة على جراحها، لتهتف سحر بغل:
ـ إخرسي…
تقدمت آسيا منها، وهي تقول بتحذير:
ـ مش أنا الست اللي بيتقالها اخرسي يا سحر، الكلام دا للستات اللي بيقبلوا على نفسهم، يعيشوا في الضلمة، مع رجالة أول ما يطلع النهار بيحتقروهم، يا إما….
صمتت آسيا تطالعها باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بيشغلوهم معاهم في أعمالهم المشبووهة، عشان يكونوا كبش فدا لقذارتهم، كأنهم كلاب ملهمش لازمة، زي ماهو عمل فيكِ كدا بالظبط.
لم تعد تحتمل إن ترى نفسها بمرآة الحقيقة التى أظهرت وضاعة مكانتها في حياته، لتصرخ بانفعال:
ـ كلمة واحدة و هخلي الحرس يقطعولك لسانك…
سخرت آسيا قائلة:
ـ و أنا بكلمة واحدة ممكن أخليه يدوس عليكِ بالجزمة..
اقتربت منها خطوة آخرى وهي تهمس بوعيد:
ـ تخيلي أعقد معاه اتفاق، أسلمه صافية مقابل إنه يخرج كمال من السجن، و يرميكي في الشارع؟ عندك القدرة تراهني عليه؟
استدارت سحر تنظر إلى الجهة الآخرى، و العبرات تتساقط من مقلتيها تحرق جفونها، فهي لا يمكنها حتى التفكير أنه قد يفكر بالنظر إليها إن وضعت في مكانة واحدة مع تلك المرأة، لتغمض عينيها بقوة، فاستدارت آسيا مستغلة حالتها لتقول بتقريع:
ـ يعني عارفة أنك و لا حاجة بالنسبالة، أومال قابلة تشاركيه في قرفه ليه؟ قابلة انك تساعديه يدمر حياة الناس ليه؟ أنا عملت فيكِ أيه عشان تساعديه يلبسني في مصيبة، و بعدها يدخل جوزي السجن؟
لم تعرف كيف تُجيبها، ولا بماذا تدافع عن نفسها، لتصرخ في وجهها بانفعال:
ـ أنا ماليش دعوة بحاجة، و لا إنتِ ليكٍ الحق انك تحاسبيني على حاجة، اللي لبسك أنتِ و جوزك المصايب دي قريب أوي منكوا، روحي حاسبيه هو…
تفاجئت آسيا من حديثها، و ناظرتها بريبة قبل أن تقول باستفهام:
ـ تقصدي أيه بقريب مننا؟
ارتبكت سحر، و لاحظت آسيا ذلك، لكن الأولى حاولت الخروج من هذا المأزق قائلة بحدة:
ـ روحي حلي مشكلتك بعيد عني، انا واحدة طلبت منك تعمليلي ترتيبات الحفلة بتاعتي، و خلاص خلصنا.
سخرت آسيا قائلة:
ـ بالبساطة دي؟
انفتح باب الغرفة، وأطل أحد الحرس الذي قال بغلظة:
ـ سحر هانم، حضرتك هتتأخري على ميعاد الطيارة..
كان وصوله بمثابة إنقاذ لها من بين براثن آسيا التي ناظرتها بسخط وهي تمر من أمامها قائلة بتوتر:
ـ اللي أنتِ عيزاه مش عندي، و ياريت مترجعيش هنا تاني…
كزت آسيا على أسنانها غضبًا، لكنها رسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها قبل أن تقول بتخابُث:
ـ لا متخافيش مش هرجع، بس وارد أنتِ اللي تجيلي…
أنهت آسيا جملتها و توجهت الى الخارج، لتسير في الرواق الطويل وهي تفكر في جملة تلك المرأة، عن هوية ذلك الشخص القريب منهم الذي زج بهم في هذه الأزمات؟ و فجأة اصطدمت بشخصٍ ما، لتستمع الى صوت زجاج يتمسر، فانحنت قليلًا، لترى فتاة تبدو في الثامنة عشر من عمرها أو أقل بقليل، تجلس أرضًا تجمع قطع الزجاج المتناثر، وهي تتمتم باعتذار، ثم رفعت رأسها الى آسيا باستعطاف، فتعرفت إلى ملامحها على الفور، فهي فد رأتها عدة مرات حين أتت إلى هنا، شعرت بالإشفاق على هذه الفتاة لتنحني بجانبها تحاول مساعدتها في جمع الزجاج وهي تقول بأسف:
ـ حقك عليا كنت ماشية سرحانه و مخدتش بالي منك..
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدت يد الفتاة تقبض على يدها، و كأنها تحاول تنبيهها بخصوص أمرًا ما، لتسمعها تقول بجانب أذنها بصوتٍ منخفض وهي لاتزال تجمع قطع الزجاج:
ـ ادخلي الحمام ضروري. في مصايب بتحصل هنا لازم تعرفيها….
اجتاحت الرجفة جسد آسيا، التي فاجأها الموقف، لتنصب عودها وهي تشاهد الفتاة تعتذر منها مرة آخرى، ثم تغادر مهرولة في الإتجاه الآخر، لتعرف آسيا سبب هروبها، فقد سمعت وقع ذلك الكعب العالي، فعلمت بأن سحر في الخلف، فوضعت يدها فوق رأسها، ليبدو الأمر و كأنها تشعر بالدوار، فاقتربت سحر منها تقول يسخرية:
ـ أيه هنقول مبروك يا مدام؟
رمقتها آسيا بحنق، قبل ان تقول بجفاء:
ـ التويليت فين؟
سحر بلا مُبالاة:
ـ آخر الطرقة يمين…
تراجعت آسيا وهي ترمقها شذرًا، لتتوجه الى الحمام، ففتحت الباب بحرص، و عينيها تجوب المكان بترقب، فوجدت فتاة ضئيلة الحجم، تقوم بتنظيف المرآة، لكن دون أن تلتفت إلى آسيا تحدثت بخفوت:
ـ ادخلي و اقفلي الباب وراكي…
كان هناك ارتجافة واضحة في صوتها لاحظتها آسيا التي تقدمت الى الداخل بريبة، لتغلق الباب خلفها و عينيها مثبتة على الفتاة التي ما ان انغلق الباب حتى استدارت نحوها وهي تقول بتوسل يعززه عبرات غزيرة تدحرجت من مقليها:
ـ متخافيش انا مش هأذيكي، إنا عايزاكي تساعدينا انا و إخواتي نخرج من الجحيم دا…
ألجمتها الصدمة لثوان، ولكنها سرعان ما تبددت لتتحول الى ريبة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ نعم؟ أنتِ بتقولي أيه؟
تقدمت منها الفتاة وهي تقول بنبرة خافتة، و شفاة مرتجفة:
ـ بقولك انقذينا من المكان دا و الناس اللي فيه، المكان هنا مش زي ما أنتِ شيفاه كدا، في بلاوي بتحصل هنا، و كل شوية بنات بتختفي، و منعرفش بتروح فين، دا غير الراجل اللي بيدخل من البدروم، و بيطلع منه، و عمره ما دخل أبدًا من الباب الرئيسي..
هنا أدركت آسيا أن هذه الفتاة بالفعل تريد الاستنجاد بها، لذا اقتربت منها تقول بلهجة مطمئنة:
ـ اهدي و اتكلمي بالراحة و فهميني واحدة واحدة، يعني أيه كل شوية بنات بتختفي؟
رأت الفتاة في عيني آسيا ما جعلها تسترخي قليلًا، مما جعلها تقول بخفوت:
ـ أنا جيت الملجأ هنا من و انا عندي عشر سنين، شقتنا ولعت، و أهلي ماتوا كلهم، وجابوني على هنا، في الأول الدنيا كانت كويسة، و بيعاملونا حلو، و مدام سحر كانت كويسة معانا، و بعد فترة بدأوا ياخدوا بنات من هنا بحجة أن في أسر عايزة تتبناهم، و مرة بحجة إن في شغل كويس جايلهم بره، و البنت اللي تمشي منعرفش عنها حاجة خالص، بالرغم من إننا كلنا هنا اخوات و بنحب بعض فاستحالة اللي هتمشي من هنا مش هتفكر تسأل عن أخواتها. و كمان بدأ يظهر الراجل الغريب دا…
صمتت الفتاة تحاول استرداد أنفاسها، و كأن مجرد ذكر اسم هذا الرجل يثير الفزع في صدرها لتمد آسيا كلتا يديها و تضعها حول كتفي الفتاة بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ كملي، و متخافيش أنا معاكي و هحاول أساعدك… قوليلي راجل مين دا؟
اومأت الفتاة برأسها بلهفة، وهي تتابع بخفوت:
ـ الراجل دا شكله يخوف اوي، و دايمًا بيطلع من البدروم، و لما بيكون موجود مدام سحر مبتسمحش لحد أنه يطلع الدور بتاعها خالص..
آسيا باستفهام:
ـ يعني أيه بيطلع من البدروم؟ انا مش فاهمة الحتة دي..
الفتاة بتوتر:
ـ و لا أنا، لكن في يوم حاولت اعرف، فاتسحبت بالليل من غير ما حد يحس، و نزلت تحت، المكان زي ما يكون مخزن، أوض كتير و صناديق مقفلة، معرفش فيها أيه، بس كان في أوضة مقفولة، سمعت صوت ناس بتتكلم فيها، قربت شوية عشان اسمع بيقولوا أيه، و سمعت صوت الراجل دا، و معاه مدام سحر، و ناس تانية بيتكلموا عن نقل بضاعة، و عن نفق، و سمعت مدام سحر بتقوله طب و البنات؟ هيبتدوا امتى؟ و هو رد عليها رد غريب أوي..
آسيا بلهفة:
ـ قالها أيه؟
ـ قالها لما يدربوا، هو لهجته صعيدي، ففي كلام مفهمتهوش منه، قال حاجة عن البنات زي انهم هيعلموهم، هيوشموهم، أنا مش فاهمه أوي، بس اللي خوفني فعلًا، لما قالتله البنات بيسألوا على اخواتهم، قالها ينسوهم خالص، اللي بيدخل الوكر، مبيخرحش منه، غير على القبر.. عرفت أن اخواتي اكيد مش في أمان، وقولت اطلب منك تساعديني…
آسيا باستفهام:
ـ طيب و ليه طلبتي مني أساعدك انا بالذات؟
الفتاة بنبرة متحشرجة:
ـ عشان كنتي بتعاملينا حلو اوي في الحفلة و في التحضيرات كنتي حنينة علينا أوي، و بتشوفينا نفسنا في أيه و تعمليه، كمان يوم ما جيتي هنا عند مدام سحر قبل الحفلة كان هو هنا، و سمعتها بتقوله إن آسيا مش سهلة، و انها خايفة من رد فعلك، كانوا داخلين مكتبها، و انا كنت هنا في الحمام بسمع بيقولوا أيه، لكن مسمعتش كل الكلام….
ارتجف جسد الفتاة حين سمعت صوت خطوات قادمة نحو الحمام، لترتبك آسيا قليلًا، قبل أن تفتح حقيبتها بسرعة، لتخرج احمر شفاة، و ورقة نفدية، فقامت بتدوين رقمها على الورقة، و اعطتها للفتاة و هي تقول بلهفة:
ـ دا رقم تليفوني، حاولي تكلميني، و انا هعمل كل اللي اقدر عليه عشان اساعدك…
انهت جملتها و فتحت صنبور المياة لتغمر وجهها بالمياة فإذا بالباب يفتح و جاءها صوتٌ غليظ لإمرأة:
ـ واقفة بتعملي أيه هنا؟
تفاجئت آسيا حين سمعت الفتاة تقول بجفاء:
ـ هكون بعمل أيه يا دادا فاطمة؟ بعمل حواجبي يعني! بنضف الحمام..
يبدو أن الإجابة لم تعحب المرأة المدعوة فاطمة و التي زجرت الفتاة بحدة قبل ان توجه حديثها لآسيا حين قالت بنبرة ساخرة:
ـ أنتِ كويسة يا مدام؟ اجبلك دكتور؟
حدجتها آسيا بسخط ثم قالت بجفاء:
ـ اوعي من وشي…
أنهت جملتها و خرجت، و رغمًا عنها كانت قدميها تسرعان، و كأن الخوف احتل قلبها من ان يكون مصيرها مثل الفتيات التي تحدثت عنهم تلك الفتاة، فما كادت أن تخرج من بوابة الملجأ حتى تفاجئت بسيارة خالد تتوقف أمامها مباشرةً، ليترجل منها متوحهًا إليها وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ آسيا…
وقفت أمامه بملامحها المذعورة، و عينيها الزائغة و أنفاسها المضطربة، مما جعله يسأل بقلق:
ـ أنتِ كويسة؟ حد عملك حاجه؟
لم تستطع إخراج الكلمات من بين شفتيها، فقط هزت رأسها بالنفي، ليتحدث خالد باقتضاب:
ـ اركبي يالا عشان نمشي…
أطاعته و استقلت السيارة إلى جانبه، و انطلق بأقصى سرعته، و سيارات الحراسة خلفهم….
اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جِدِّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي»
رواه البخاري ومسلم.❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
مدت أناملها كالحية لتقوم برفع ثوب رنا بهدوء، لتتلمس جسدها البريء، وهي تضيء كشاف الكاميرا، لتقوم بتصويرها، دون أدنى تأنيب ضمير إن شعور بالخزي من نفسها، ولكن منذ متى كان للمشاعِر المريضة ضميرٌ يوقفها، أو للقلوب القاسية خوفٌ يمنعها؟ إن الشذوذ لم يكن مجرد فكرة خطأ في عقلها، بل كان انحرافاً أعمق، غرس جذوره في مشاعرها، فمحى كل ذرة ضمير بداخلها، و جعل الإنسانيةُ تضل الطريقَ إلى قلبها منذ زمن، وصارت تعيش بلا شعور بالذنب، ولا خوفٍ من الله، ولا خجلٍ من نفسها.، والأبشع من ذلك، أن الشخص حين يفقد فطرته، يتحول الى مسخ، يمتلئ قلبه بالحقد على كل ما هو طبيعي ونقي؛ وكأن رؤية البراءة تُذكره بخرابه الداخلي. لذلك لم تكن فقط تتبع رغبتها، بل كانت تحركها غريزة خبيثة تريد تشويه هذه الطفلة البريئة، لتجعلها تشبهها في دنائتها. فكانت تتصرف ببرود تام، فنقاء تلك الفتاة هو مرآة لتشوهها، و لهذا أرادت تحطيمها، ولكن.. كما قال الله في كتابه العزيز سورة يونس بسم الله الرحمن الرحيم {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} صدق الله العظيم أي أنه إرادة الله عز و جل لا ترد، فإن أراد لعبده الحماية من الأذى و الحفظ من السوء، فلن يستطع لا إنسٍ ولا جان أن يمسه بسوء، ففي اللحظة التي أوشكت على تعرية براءتها و الكشف عن جسدها انفتح باب الغرفة، لينتفض جسد سهيلة فزعًا حين وجدت أشجان تدلف الى داخل الغرفة، وهي تقول بلهجة حادة:
ـ أنتِ بتعملي أيه؟
جف حلق سهيلة، و اخذ جسدها يرتجف و هي لا تدري ماذا تقول، لتقترب منها أشجان التي لم تستطع النوم، فقلبها لم يرتح لهذه الفتاة أبدًا، و لكن الظروف الطارئة هي من جعلتها تسمح لها بالبقاء مع رنا، فأرادت الآطمئنان عليها، فتوجهت الى غرفتها، و لكنها صُدِمت حين شاهدت كشاف الكاميرا مضيئا، لتتقدم من سهيلة وهي تقول بجفاء:
ـ انتِ أيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ الساعة بقت تمانية الصبح…
حاولت سهيلة إخراج صوتها، ولكن الحروف كانت تتلعثم فوق شفتيها حين قالت:
ـ لا، اصل، أصل انا عشان مش متعود على المكان فمجاليش نوم…
كانت ملامحها و نبرة صوتها و كل ما بها يكذب، لذا لم تلين ملامح أشجان بل احتدت و كذلك نبرتها حين قالت:
ـ و ليه فاتحة الفلاش؟ و لا كنتي بتصوري حاجة؟
فزعت للحظة من حديث أشجان، و لكنها كانت وقحة بشكل جعلها تتبع سياسة قلب الطاولة، لتتعمد ذرف العبرات وهي تقول بنبرة متحشرجة:
ـ حضرتك بتكلميني كدا ليه؟ أنا مكنتش بتصور حاجة، هصور أيه أصلًا؟ إنا كنت بدور على فردة الحلق بتاعي، وقعت مني، و محبتش أفتح النور عشان رنا نايمة..
أشجان بسخرية:
ـ بس الحلق في ودنك موقعش، وريني التليفون دا…
كانت في مأزق كبير، فتلك المرأة ليست بالهينة، و لم تنطلي عليها حيلتها، فاحتارت بماذا تجيبها، و لكن في هذه اللحظة استيقظت رنا التي تفاجئت بهذا المشهد سهيلة الباكية وهي تقف أمام أشجان التي كان الغضب يحتل ملامحها بصورة كبيرة مما جعل رنا تهتف بخوف:
ـ في أيه؟
استغلت سهيلة استيقاظ رنا، لتندفع تجاهها وهي تنتحب:
ـ الحقيني يا رنا مرات باباكي أهانتني، و عاملتني بطريقة زي الزفت، و كأني واحدة من الشارع مش صاحبتك…
خيم الذهول على كلا من أشجان و رنا التي سرعان ما أدارت رأسها الى أشجان في استفهامٍ صامت لتتحدث الأخيرة بنبرة آمرة:
ـ رنا لو سمحتي اسبقيني على أوضتي…
كان المشهد على صفيح ساخن، يتوجه الحيرة من جانب رنا، و التوسل من جانب سهيلة، و الحزم من جانب أشجان، لتحاول رنا الحديث معها قائلة:
ـ مامي، ممكن لو سمحتي…
قاطعتها أشجان قائلة بحدة:
ـ رنا قولتلك اسبقيني على أوضتي…
اخفضت رنا رأسها، و حاولت إخفاء عبراتها، وهي تنهض لتغادر الغرفة، فهتفت سهيلة غاضبة:
ـ لو سمحتي تخرجي بره عشان عايزة اغير هدومي و أروح بيتنا..
كانت ترى في هذه الفتاة فجاجة و وقاحة اغضبتها، إضافةً إلى ذلك الخبث الذي يتبلور في مقلتيها، كل هذه الأشياء صبت الوقود على قلقها، لذا فلن تدعها تؤذي طفلتها أبدًا، لتمد يديها قائلة بهدوء مثير للريبة:
ـ اقعدي يا سهيلة يا حبيبتي، خلينا نتكلم شوية…
ارتابت سهيلة في طريقة أشجان التي تبدلت من النقيض الى النقيض مما جعلها تقول بشك:
ـ احنا مفيش بيننا كلام كفاية معاملة حضرتك ليا.. و طريقتك المهينة معايا…
احتدت نبرة أشجان قليلًا حين قالت بتحذير:
ـ سهيلة يا حبيبتي صدقيني منصحكيش تشوفي طريقتي المهينة عاملة ازاي؟ فياريت تقعدي نتكلم…
تسلل الخوف الى قلبها، لذا أطاعتها و توجهت لتجلس على الأريكة لتبدأ أشجان الحديث قائلة بلهجة خطرة:
ـ قوليلي بقى إنتِ عايزة من رنا أيه؟
توترت سهيلة، فهي لم تتوقع أن ترى تلك الشخصية القوية الحازمة في تلك المرأة التي ظنتها هشة، ضعيفة،و إذا بها ترى منها النقيض، لكنها حاولت تدارك الأمر قائلة بمراوغة:
ـ هو حضرتك تقصدي أيه؟ هعوز أيه من رنا؟ دي صاحبتي و بحبها لما عرفت أن عندها مشكلة جيت عشان إكون جنبها، ايه الكلام الغريب دا؟
غضبت أشجان من تلك الفتاة المراوغة لذا هتفت بنبرة جافة:
ـ أنتِ مصرة تلفي و تدوري ليه؟ انا دخلت عليكِ لقيتك مشغلة كشاف الكاميرا و بتقوليلي بدور على الحلق و الحلق في ودنك، بتكذبي ليه؟ و اتوترتي ليه لما قولتلك هاتي التليفون؟
سهيلة بارتباك:
ـ لا متوترتش، أنا اتصدمت لما طلبتي مني التليفون، و لما كلمتيني بالطريقة دي؟ تفتكري حضرتك لو كانت رنا هي اللي عندي مامي كانت هتعاملها بالطريقة دي؟ و لا عشان حضرتك مرات باباها؟
أشجان بقسوة:
ـ اخرسي،و اوعي تنطقي بالكلام دا تاني، رنا بنتي، و أمانة باباها أمني عليها، و بالمناسبة انا عمري ما هسيبها ترووح تبات عند حد، و بعدين أنتِ لو تمام و معملتيش حاجة غلط، خايفة ليه تديني التليفون؟
دوى الخوف في نبرة سهيلة حين قالت:
ـ عشان مش من حقك تاخدي تليفوني…
قاطعتها أشجان بحدة:
ـ من حقي، لما يكون الموضوع يخص سلامة بنتي، فلا من حقي، و انا واثقة انك يا كنتي بتصوري رنا، يا كنتِ بتعملي حاجة وحشة على التليفون دا، انا قلبي مش مرتاحلك، و لو عايزة تثبتيلي العكس بكل هدوء إديني التليفون…
أن تعطيها الهاتف، لهو دربًا من دروب المستحيل، فهو مليء بالقاذورات التي كانت تشاهدها مع أصدقاء السوء، و أيضًا يحمل صورًا خادشة لها و لمثيلاتها ممن يفعلون الفاحشة، و كذلك بضع صور كانت قد التقطتهم لرنا، دون أن تلاحظ الأخيرة لذا شددت قبضتها حول الهاتف، وهي ترفض بقوة:
ـ لا طبعًا، دا تليفوني و عمري ما هسمحلك تاخديه، انا هكلم مامي تيجي هي تتعامل معاكي…
أشجان بسخرية:
ـ حلو، اطلبيها و انا كمان هطلب باباكي، و أونكل خالد و هقولهم اني دخلت عليكي الأوضة لقيتك بتصوري رنا وهي نايمة، و وقتها هتكوني مضطرة تفتحي التليفون قدامهم عشان تثبتي العكس…
حشرتها في الزاوية بحيث لم يعد بإمكانها المراوغة أو الهرب، لتقف مذعورة أمام أشجان التي مدت يدها للفتاة لتعطيها الهاتف، و قد بدا التردد على الأخيرة، فكيف تهرب من هذا المأزق الآن، و لكنها اضطرت مرغمة على مد يدها المرتجفة بالهاتف إليها، بعد إن اهتدت الى فكرة شيطانية:
ـ انا هسيبلك التليفون عشان تسبيني أمشي، و تعرفي اني مش مخبية حاجة، لكن أنا هقول لدادي و مامي على اللي حصل دلوقتي، و هخليهم ييجوا بنفسهم معايا عشان يعلموكي ازاي تعملي فيا كدا…
لم تلتفت أشجان لحديثها بل قالت بجفاء:
ـ الباس وورد كام؟
سهيلة بحنق:
ـ لما أجيب مامي و دادي هبقى أقولك عليه قدامهم..
أنهت سهيلة جملتها، و اندفعت الى المرحاض تبدل ملابسها، و عقلها يعمل في جميع الاتجاهات، لتنتهي بسرعة و تهرول الى الخارج، دون أن تجيب على نداءات رنا المتكررة، و منه الى خارج القصر، لتستقل سيارة أجرة و التي أوقفتها أمام أحد أكشاك الهاتف، لتقوم بضرب أحد الأرقام، فما إن جاءها الرد على الطرف الآخر حتى صاحت بانفعال:
ـ زينة اسمعيني كويس، انا في مشكلة و اللي اسمها أشجان دي أخدت مني تليفوني، و أنتِ لازم تجبيه منها قبل ما تفتحه، يا إما والله العظيم هحكيلهم على كل حاجة…
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[الأعراف: 23]
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ ممكن اعرف أنتِ كان عقلك فين لما فكرتي تروحي المكان دا؟
كان هذا صوت خالد الغاضب، لتجيبه آسيا بانفعال:
ـ الست دي هي و الراجل اللي معاها هما السبب في اللي حصل لكمال، كل حاجة كانت متخططلها كويس، كانوا عايزين حاجة من اللتنين يا إما كمال يخسرني يا يخسرك، و لما محصلش حاجة من دول، قالوا يخلصوا منه، و أنا اسمحلي مش هقف اتفرج..
كان ينظر الى الطريق أمامه، و لكن كلماتها كانت تدور في فلك عقله، لكنه أجابها بخشونة:
ـ و لما روحتي هناك أيه اللي اتغير؟
آسيا بجمود:
ـ ظاهريًا متغيرش، لكن هيتغير، لإن اللي اسمها سحر دي شخصية هايفة جدًا و جبانه أوي، فأكيد ليها نقطة ضعف لو عرفناها و استغلناها لصالحنا هنعرف منها كل حاجة، و وقتها هنعرف نتصرف و نخرج كمال..
لطالما أعجب بذكائها، ولكن اليوم اعجبته روحها المقاتلة، و قوتها التي تظهر في الأزمات، فقد كان هذا ما يحتاج إليه شقيقه.
ـ خلينا نشوف هيحصل أيه لما يتعرض على النيابة، و متتصرفيش من دماغك تاني، كمال معندوش مشكلة يفضل محبوس العمل كله، و لا أنك تعرضي حياتك للخطر..
زفرت آسيا بسخط تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ تمام، في حاجات مهمة لازم نتكلم فيها..
في هذه الأثناء كان خالد قد أوقف السيارة أمام قسم الشرطة، وهو يستفهم منها قائلًا:
ـ زي أيه؟
قررت أن تخبره بكل ما توصلت إليه اليوم لذا قالت بجمود:
ـ زي أن اللي عمل كدا فيا و في كمال حد قريب مننا أوي..
ارتفع أحد حاجبي خالد، لتتابع بنفس نبرتها:
ـ الكلام دا سحر قالتهولي لما ضغطت عليها…
قبض بعُنف على المقود أمامه، وهو يكز على أسنانه بغضب، لكنه لم يزيد على حديثها إنما ترجل من السيارة ليتقابل مع داوود الذي ابتسم بسخرية قائلًا:
ـ نفسي اعرِف ايه نوع الصحوبية اللي بتخلينا مبنتجمعش غير في المصايب وبس دي؟
خالد بجفاء:
ـ و مسألتش نفسك السؤال دا ليه لما كنت مورينا الويل أيام الجامعة بمصايبك…
داوود بسخرية:
ـ و ديه آخرة اللسان الطويل، بيجيب لصاحبه الكلام… يالا بينا…
كان كمال ظاهريًا جامدًا كالصخر، لكن من الداخل كان في أصعب مراحل حياته، فبعمره لم يتعرض لموقفٍ كهذا، حتى أنه كا يغمض عينيه و هو يتخيل انه يعيش كابوسًا مريعًا سيستيقظ منه ما أن يفتح عينيه، و لكن للأسف كان الأمر حقيقيًا حد الفزع، من أنه يمكن له أن يحاكم على جريمة لم يرتكبها، كان الأمر كارثيًا بالنسبة له، و خاصةً حين مرت صورتها على مخيلته، و شعر بشوقٍ جارف لضمها إلى صدره، حتى تهدأ جميع أوجاعه و مخاوفه، و لكن ذلك الشيء أصبح محرمًا عليه الآن، فلا إراديًا تذكر سفره و إقصائها عنه طواعيةً طوال تلك السنة، فهاهو اليوم يتوق إلى لمسها والنظر داخل عينيها التي كان بريقها يأسره…
انقضت ساعات التحقيق، وهو لا يزال يردد تلك الجملة البائسة بأنه لم يقتلها، و لكن شهادة شهود العيان لم تكن في صالحه..
ـ و بعدين يا داوود؟ الناس دي مصره ان هو اللي زقها بشكل مستفز…
داوود بنبرة ذات مغزى:
ـ الست اللي أكدت أن هو اللي زقها قالت أنها شافتهم بيتخانقوا و أنها كانت بتقاومه فهو زقها بعد كدا، و كمال بيأكد أنه معملهاش حاجة و مجرد مد ايده عشان يخليها تهدى، لو في مقاومة هيبقى في بصمات أو آثار عليها، و دا هيبان في الكشف المبدئي على البنت، كمان لسه الكاميرات متفرغتش، و في كام حاجة كدا في دماغي محتاجين نشتغل عليهم…
استفهمت آسيا بحزن:
ـ طيب أنا ممكن أشوفه؟
استدار خالد ناظرًا إليها وهو يقول بنبرة يشوبها التعاطف:
ـ هيخرج دلوقتي، و انا هحاول اخليهم يسيبوكي تقعدي معاه شوية…
لم يكد ينهي جملته حتى انفتح باب المكتب، ليخرج احد العساكر، يمسك يد كمال الذي كان مكبلًا اليدين، لينتفض قلب آسيا فزعًا حين رأته في هذا المشهد القاسي، لتصرخ باسمه وهي تندفع تجاهه:
ـ كمال….
انشق قلبه الى نصفين حالما سمع صوتها، ليستدير بلهفة فإذا به يجدها تندفع إليه ليرفع كلتا يديه و يدخلها إلى أحضانه ليضمها إليه بقوة، و يحتجزها بين ذراعيه، فلم تعد أقدامها تلامس الأرض، فكان المشهد مؤثرًا و صادمًا لجميع الحاضرين، لكن ما حيلة قلبٍ أضناه شوقه إن كُتِب على جبينه الفراق؟
ـ وحشتيني أوي…
هكذا همس بجانب أذنيها، ليرتج قلبها بعُنف داخل صدرها، فقد ماتت شوقًا و خوفًا خلال تلك الساعات الأخيرة، مما جعلها تجيبه بنبرة ملتاعة:
ـ و إنت كمان وحشتني أوي…
لم يتثنى له الحديث، فالعسكري المكلف بحراسته، قام بتعنيفه قائلًا:
ـ الكلام دا مينفعش يا متهم، احنا في النيابة…
احتدم الموقف بالنسبة لكلا من كمال الذي كان الآمر بالنسبة له مهين، كما انه يضعه تحت طائلة القهر، و قد شاركه خالد كلا الشعوري إضافة للغضب، لذا تقدم من الحارس يسيق كمال ليحادثه بلهجة بها لمحة من الوعيد:
ـ إنت قولت بلسانك، متهم مش مجرم، فطول بالك كدا، و خليك حلو، عشان هو في كل الأحوال هيطلع براءة، و وقتها مش هينسى جدعنتك دي…
صمت العسكري، ليقترب داوود من خالد يتحدث الى العسكري، فيما حاولت آسيا تهدئة غضب كمال، و ألمه لتتراجع عنه قائلة بنبرة قوية:
ـ كمال، عيزاك تطمن، الحقيقة هتبان في أقرب وقت، و هتخرج من هنا، أوعدك انك مش هتطول هنا أبدًا، انا معاك و مش هسكت غير لما اثبت برائتك…
كانت محض كلمات، و لكنها جذبته بعيدًا عن فوهة النيران التي تلتهم صدره، ليأخذ نفسًا قويًا قبل ان يقول بنبرة محتقنة بالمشاعر القوية:
ـ انك تكوني بخير دا أهم حاجة عندي، خلي بالك من نفسك أوي، و اسمعي كلام خالد. تمام…
اغرورقت عينيها بالعبرات، فقد اهتاجت دقات قلبها و تقاذفت الذكريات في عقلها دفعةً واحدة، لتشهق بعنف آلم قلبه كثيرًا، و لكنه تجاهل أنين قلبه، و همس بخفوت يشاكسها:
ـ عايز اسمعها منك قبل ما امشي…
تعالت شهقاتها رغمًا عنها، و لكنها أجابته بشفاة مرتجفة:
ـ تمام التمام…
كاد ان يفقد السيطرة على نفسه، و اكتظت عينيه بالعبرات، لذا آثر الانسحاب من أمامها، و لكنه اقترب منها قائلًا بخفوت:
ـ بحبك…
لم ينتظر إجابتها بل تراجع عنها و استدار ناظرًا إلى خالد الذي كان قلبه يتلوى بين ضلوعه حزنًا على حال شقيقه الذي قال بنبرة متحشرجة:
ـ متجيبهاش معاك تاني…
تفهم خالد دوافعه، لذا أومأ برأسه قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ عايزك تطمن، أنا مش ساكت، و قريب اوي هخرجك من هنا..
كمال بتعب:
ـ انا عارف انك مش ساكت. طمني عليكوا با خالد، كلكوا كويسين؟
غامت عينيه بألم، ولكنه سرعان ما تبدد ليجيبه بطمأنه:
ـ كلنا كويسين متقلقش، خليك في نفسك، انا موصي الناس عليك، اي حاجة تحتاجها هتتوفرلك، متقلقش..
ابتسم كمال نصف ابتسامة قبل أن يقول بنبرة متحشرجة:
ـ خلي بالك من آسيا…
انهى جملته، و جذبه الحارس ليغادر، و غادرت روحها معه، لتظل تنظر إليه وهي تبكي كما لم تفعل من قبل….
اللَّهُمَّ أنتَ ربِّي لا إلهَ إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتِك عليَّ، وأبوءُ لك بذنبي، فاغفرْ لي؛ فإنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت»❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ غنى.. غنى…
كان هذا صوت ياسر الذي دلف الى الغرفة يبحث عن غنى، ولكنه لم يجدها، فانكمشت ملامحه بحيرة و راح يبحث عنها داخل دورة المياة، ليتفاجيء بها ملقاة أرضًا فاقدة للوعي، فانتفض قلبه فزعًا ليهوى بجانبها أرضًا، يحتويها بين ذراعيه، وهو يهتف باسمها بنبرة مُلتاعة:
ٓ غنى…
كانت فاقدة للوعي لا تدري شيئًا عما يحدث حولها، فلم تشعر به حين هرول الى المشفى و معه كلًا من صافية، و أشجان، و شروق، و لا حين أدخلوها الى غرفة الطواريء، لتمر دقائق طويلة قبل أن يخرج الطبيب من الغرفة، فاندفع تجاهه ياسر مستفهما بلهفة:
ـ طمني يا دكتور مراتي كويسة؟
الطبيب بطمأنة:
ـ اطمن هي كويسة، ضغطها وطي بس، و واضح أنها مش بتتغذى كويس، و دا غلط في شهور الحمل الأولى…
استقرت الجملة في رأسه كالبارود، فهل حقًا قال الطبيب "شهور الحمل الأولى " لوهلة لم يستطع استيعاب الخبر، لتقترب منه صافية وهي تقول مهللة:
ـ يا ألف نهار أبيض، مبروك يا ياسر، مبروك يا ولدي…
و هتفت أشجان هي الآخرى بحبور:
ـ ألف مبروك يا ياسر..
ارتسمت ابتسامة بلهاء على ملامحه، قبل أن يقول بنبرة متحشرجة:
ـ هو أنت قولت شهور الحمل الأولى؟
ابتسم الطبيب وهو يجيبه:
ـ أيوا قولت مبروك المدام حامل، و أنا هخلي دكتورة النسا تتابع معاها، و تطمنكوا على الجنين..
تعثرت نبضات قلبه، وهو يستشعر كرم الله و نعمه عليهم، فها هو يجود عليهم مرة آخرى بنعمه و عطاياه، التي جعلت العبرات تملء مقلتيه، فلم يستطع السيطرة على رجفة جسده وهو يتقدم من مخدعها، ناظرًا الى صفحة وجهها الجميل، وهو يتخيل ردة فعلها على هذا الخبر العظيم، ولا إراديًا شعر بأنه يريد أن يخبرها به وهي بين ذراعيه، ليحتضن فرحتها و يستشعر وقعه عليها، لذا اقترب منها وهو يبتسم حين رآها ترفرف برموشها،فجلس إلى جانبها مستندًا بكلتا يديه على السرير حولها، فما أن فتحت عينيها، حتى اصطدمت بحبتي البندق المتمثل في حدقتيه، لتهديه ابتسامة جميلة زعزعت أوصال قلبه، وخاصةً حين همست بخفوت:
ـ ياسر….
ياسر بنبرة مفعمة بالعواطف:
ـ يا روح قلب ياسر، و نور عنيه…
اتسعت ابتسامتها لإجابته التي انتزعت أنفاسها، و لكنه لم يمهلها الوقت للرد، بل اقترب واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها، ثم قام بتطويق كتفيها، ليضمها إلى صدره بقوة، قبل ان يهمس الى جانب أذنها، و إحدى يديه تتسلل الى بطنها المسطحة:
ـ قولي الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ربنا حققنا أمنيتنا يا غُريبة قلبي، و هتجبيلي غُريبة صغننة و حلوة زيك..
انحبست الأنفاس بصدرها وهي تناظره بذهول، فللوهلة الأولى لم تستوعب حديثه، و لكن كفه الذي كان يمسد بطنها برفق، أكد لها إن ما سمعته حقيقة، وأن هناك روحًا تنمو بداخل أحشائها، فسالت مياة عينيها، و ضربت الرجفة سائر جسدها، فخرجت نبرتها متهدجة حين قالت:
ـ يا، ياسر، أنا، أنا حامل بجد صح ؟
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ صح يا نور عيني….
بكت بقوة و لأول مرة فرحًا، فهاهي أمنيتها العظيمة تتحقق بمنحة إلهية لم تتوقعها، و خاصةً أنها أتت في أكثر وقت كانت تحتاجها فيه، ولكن الله سبحانه و تعالى حين يعطي يُدهشنا بعطائه، فاندفعت الى أحضان ياسر وهي تهتف بنبرة متقطعة:
ـ أنا هبقى أم يا ياسر، هبقى أم، الحمد لله يارب، الحمد لله…
ياسر بنبرة عاشقة متأثرة:
ـ حبيبة قلب حبيبها، و نور عيون جوزها هتبقى أحلى أم في الدنيا…
«اللهمَّ رحمتَكَ أرجو، فلا تَكِلني إلى نفسي طرفةَ عين، وأصلِح لي شأني كلَّه، لا إلهَ إلا أنت»❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
كان يمشي كمن يحمل أثقالًا فوق ظهره، يتمنى لو يسقطها قبل أن تسقطه، ولكن من منا يملك تلك الرفاهية؟ من منا يستطيع إعادة الزمن الى الوراء و تصحيح أخطاء لولاها لما كنا نتألم بهذا الشكل؟ زفر بقوة وهو يرتدي معطفه، يحاول أن لا يطيع قدميه التي تود الذهاب إليها و هزها بعُنف، حتى يجهز على روحها الملوثة، يحاول قمع صوت الشيطان الذي يوسوس له بالتخلص من هذا العار الذي سيظل يلاحقهم إلى الأبد، ولكن من قال أن جميع الشياطين من الجن؟ و إن إبليس وحده من يوسوس للإنسان؟ فهناك الكثير من الشياطين يتخفون بهيئة البشر، و شاء قدره أن يلتقي بإحداهن. انفتح باب الغرفة وأطلت شاهي برأسها، و على وجهها إمارات الشماتة، التي عززتها تلك الابتسامة الصفراء، و النبرة الكريهة حين قالت:
ـ مبروك يا دكتور عمر، سمعت أن أختك المحترمة شرفتكوا و فيديوهاتها طالعه تريند في كل مكان…
كانت كلماتها كخنحرٍ ثُقِل بعناية، و توجه مباشرة إلى كبريائه، فأغمض عينيه يحاول التغلب على تلك الثيران الهائجة داخله، لكنها لم تمهله الفرصة للهدوء بل تابعت بتهكم:
ـ بصراحة متوقعتش إن يكون ليك عين و تيجي المستشفى، بعد ما الهانم أختك مرمطت شرفكوا في الوحل…
لم تكد تنهي جملتها، حتى تفاجئت بعمر يندفع نحوها، يقبض على عنقها بقوة، لتصبح ملامحه المرعبة قريبة جدًا من وجهها، حتى لفحتها أنفاسه المحترقة و اخترقت أسهم كلماته المتوعدة جلدها الناعم:
ـ كلمة كمان يا بنت ال…. و هدفنك مكانك، جاية تشمتي فيا؟ طيب أيه رأيك بقى اني هدفنك معاها في قبر واحد، و هولع فيه بعد كدا…
كانت أنامله تقسو على عنقها وهي تتخبط ببن يديه، و لكن غضبه أعماه عن كل شيء في هذه اللحظة، فكادت ان تلفظ أنفاسها الأخيرة بين يديه، لولا مجيء شروق التي اندفعت نحوه وهي تصرخ بملء فمها:
ـ عمرررر…
بشق الأنفس استطاعت تخليصها من بين يديه لتدفعه الى اخر الغرفة، وهي تبكي بعُنف، فلو لم تصل في الوقت المناسب لكان تحول الى مجرم الآن، لتمسك بجانبي قميصه وهي تشده بقوة وتعاتبه بقسوة:
ـ حرام عليك، بتعمل ليه كدا؟ عايز تضيع نفسك و تضيعني؟ حرام عليك…
كان حديثها كالجمرات التي تحرق صدره، و لكنها اكتوى قبل ذلك، فلم يعد شيء يؤثر به، و لم يعد يستطيع تقبل كل ما يحدث، لا ذلك الابتلاء العظيم، و لا عبراتها التي تقتله و حزنها الذي يفتت قلبه، و لا ذلك العار الذي التُصق به أبد الدهر، فقد وقعت عينيه على شاهي التي كانت تحاول جاهدة الوقوف على قدميها، ولازالت الشماتة بادية على ملامحها، ليشتعل فتيل الغضب في صدره أكثر، و يجذب نفسه من بين يدي شروق، و يندفع الى الخارج، ليصطدم بنظرات جميع العاملين بالمشفى، فأخذت عينيه تطوف بكل مكان، ليشعر برادار عينيهم يرصده، و يجرده من كل ما تبقى من كبرياؤه، فاندفع الى الدرج هاربًا من نظراتهم التي تقتله، فلم يبلغ الطابق الأعلى حتى سمع حديث أحد الممرضات التي كانت تهمس الى صديقتها:
ـ بقولك متصورة فيديوهات زفت صوت و صورة، و البنات في قسم النسا أكدولي أنها جاية تسقط، بينهم لما عرفوا ضربوها، فالعيل نزل…
أجابتها الممرضة الآخرى:
ـ الله يكون في عون دكتور عمر، هيقدر يرفع راسه ازاي وسط الناس بعد كدا…
ـ يرفع راسه دا أيه؟ و لا عمره هيعرف يرفع راسه تاني، دي مرمغت شرفه في الوحل، دا لو راجل كان طلع روحها في ساعتها…
لم يعد في مقدوره سماع أكثر من ذلك ليتراجع الى الخلف، و ياليته لم يفعل، فقد وصل الى مسامعه حديث أحد أصدقائه المقربين يقول بسخرية:
ـ أنا بصراحة استغربت لما شوفته جاي، واحد زيه مكنش ورى وشه للناس اصلا بعد الفضيحة دي..
و تدخل صديقا آخر لهم:
ـ هيعمل أيه يعني؟ يقعد في البيت زي النسوان؟
تهكم شخصٌ آخر قائلًا:
ـ وهو فرق عن النسوان أيه؟ لما أخته تطلع مقضياها مع صاحبه وهو نايم في العسل؟ يا عم دا مش راجل، و مفروض كلنا نقاطعه. و منتعاملش معاه تاني…
و هتف شخصٌ رابع:
ـ دا لو عنده دم هو ميتعاملش معانا و لا يحط عنيه في عنينا، غير على الأقل لما يغسل عاره، دي واحدة خا.طية هيسيبوها لما كل شوية تتمسك مع واحد شكل؟
و هكذا اطلق الجميع العنان لألسنتهم المسمومة، لنهش جراحه دون مراعاة لدينٍ أو لإنسانية، و غضوا النظر عن الحديث الشريف الذي يقول «لا تُظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك»
رواه الترمذي. و الأية الكريمة التي تقول بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11] صدق الله العظيم، من منا يأمن تقلبات الزمن؟ و من يعيب على غيره هل يملك مفاتيح قدره و يضمن انه آمن من البلاء؟ و أي شيء في الحياة يساوي أن يتفاخر المرء بأنه ليس في مكان المبتلى؟ " اللهم لا تجعلنا ممن عاب فابتلى"
ضاقت عليه الدنيا ليشعر بأن الحياة أصبحت سوداء، و بأنه لم يعد يطيق البقاء على قيدها، و لكنه لن يغادر وهي محنيًا رأسه، فسيمحي ذلك العار الذي التصق به، حتى يستطيع ان يرفع رأسه في وجه كل تلك العيون التي لا ترحم، حتى و لو كان سيكتب نهاية أكثر سوادً و ظلمه، فلن يهتم لذلك، لذا أخذته أقدامه إلى غرفتها، و إمارات الشر باديه على وجهه…
«لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيمِ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمِ»
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
لأول مرة منذ عدة أشهر تطرق أقدامها بيت أهلها، و بالرغم من كل ما تحمله من جراحٍ و أوجاع و لكنها مضطرة لذلك، لذا حاولت تهدئة آلامها و ضربات قلبها وهي تطرق باب البيت، لتفتح رضا الباب، و قد انتابتها صدمة قوية حين شاهدت آسيا تقف أمامها، لكنها سرعان ما تداركت صدمتها، و قالت بحبور:
ـ آسيا.. يادي النور، أنا مش مصدقة عنيا..
قالت جملتها و اندفعت تعانقها بقوة، فقد اشتاقتها بحق، و لكنها لم تكن ممن يعرفون كيف يعبرون عن مشاعرهم، و قد شعرت آسيا بلسعة الشوق بداخل قلبها، لكنها تجاهلتها و عانقت والدتها بتحفظ تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ ازيك يا ماما عاملة أيه؟
رضا بلهفة:
ـ الحمد لله طمنيني عليكِ أنتِ و جوزك عاملين أية..
تمتمت آسيا باقتضاب:
ـ الحمد لله، بابا نايم و لا صاحي؟
رضا بلهفة:
ـ نايم، يدوب فطر و خد دواه و نام، هدخل أصحيهولك..
آسيا باندفاع:
ـ لا لا خليه نايم، أنا عايزة اتكلم معاكي شوية…
رضا بقلق:
ـ خير يا آسيا في حاجة و لا أيه؟
تحيرت آسيا كيف تبدأ حديثها، لكنها قررت الشروع في الأمر مباشرةً حين قالت بجمود:
ـ ماما أنتِ طول عمرك معاهم في القصر، و أكيد حضرتي الفترة اللي كانت فيها سهام مرات خالد لسه عايشة، فاكرة الفترة دي؟
رضا بترقب:
ـ أيوا طبعًا فاكرة، ليه في حاجة؟
آسيا باستفهام:
ـ طيب، أنتِ تعرفي سهام ماتت ازاي؟
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
بسم الله الرحمن الرحيم
"أنا معك، ولكن…" ولكن، "أنا معك".
في نطاق اللغة قد تتشابه الجملتان، حتى يظن الإنسان بأن لا اختلاف بينهما، ولكن في ميزان الشعور يفصل بينهم وديان من الطمأنينة؛ فالأولى تمنح حضورًا مشروطًا، وأمانًا منقوصًا، لا يروي ظمأ القلوب للسكينة، وكأن بقاء من نحب في حياتنا سيترتب على ما سيأتي بعد كلمة لكن.
أما الثانية، فهي تلقي بكل ما يمكن أن يحدث خلف ظهرها، و تكف النظر عن جميع مخاوف الحياة، لتقدم أمانًا كاملًا دون أن تكون هناك شروط يخشاها المرء، أو عواقب يحمل همها، وهي كافية لجعل الطمأنينة تسكن الروح. فأحيانًا، لا نكون بحاجة إلى سماع جملة "أنا معك" بقدر ما نحتاج أن تُقال بطريقة لا تجعل الخوف يعرف طريق قلوبنا…
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان استفهامًا صادمًا من جانب آسيا التي لم يكف عقلها عن التفكير في حديث سحر، و ذلك الشخص القريب منهم الذي نصب لهم هذه المكائد، و في النهاية كانت جميع ظنونها تصب على شخصٍ واحد، وهي تلك المرأة نبيلة، خاصةً، حين تذكرت ذلك اليوم و حديثها مع شقيقتها:
عودة إلى وقتِ سابق
ـ تعالي هنا اقعدي و فهميني، عشان انا هتجنن، هي فعلًا اللي اسمها نبيلة دي قتلت سهام؟
هكذا تحدثت آسيا الى أشجان التي جلست على المقعد وهي تزفر بتعب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ للأسف أه…
شعرت آسيا بغصة قوية في صدرها لتجعل نبرتها مشجبة حين قالت:
ـ ازاي دا؟ عرفتي منين؟ و اتأكدتي إزاي؟
أشجان بحزن:
ـ هي اللي قالتلي، و مش مرة واحدة، دا مرة واتنين و تلاتة و هددتني بصراحة اني لو اتجوزت خالد هيكون مصيري زيها..
صاحت آسيا تقاطعها:
ـ عشان كدا رجعتي في كلامك قبل الفرح و قولتي انك مش هتتجوزيه؟
أومأت أشجان برأسها، وهي تجيب:
ـ أيوا، نبيلة مش عايزة خالد يخلف ولد، و لما عرفت أن سهام هتجيب ولد و هياخد منهم كل حاجة قتلتها..
آسيا بذعر:
ـ طب دي كدا خطر عليكي انتِ و الولاد…
أشجان بطمأنة:
ـ مش خطر طول ماهي عارفة أني هخلف بنت، عشان كدا صافية قالت اني هجيب بنت، و على فكرة هي كانت بتحصلي حبوب منع الحمل طول الفترة اللي فاتت دي، أو بالأصح كانت بتخلي الخدامة تحطلي الحبوب بأمر منها و أنا لما عرفت كدا، خليتها تفكر أني باخد حبوب منع الحمل، خوفًا منها و من تهديداتها…
هبت آسيا من مكانها، واضعة يدها فوق رأسها لا تتخيل إلى أي مدى وصل جبروت هذه المرأة، لتصيح بغل:
ـ يا بنت ال… دي شيطانه يخربيتها، قال و أنا اللي كنت زعلانه أن هايدي كدا! دي راضعة سم تعابين.
أشجان بحزن:
ـ أنتِ مش متخيلة الحزن اللي في قلبي على خالد عامل إزاي، تخيلي لما يعرف أن أخته قتلت مراته و ابنه…
أسيا بحزم:
ـ أيًا كان رد فعله، هو لازم يعرف، الست دي خطر علينا كلنا. دي ملهاش رادع، اللي تقتل تعمل أي حاجة في الدنيا…
أشجان بمرارة:
ـ المشكلة الكبيرة أننا معندناش دليل على حاجة زي كدا..
آسيا باستنكار:
ـ دليل أيه و زفت ايه؟ على ما نجيب الدليل تكون خلصت على نص العيلة.. و بعدين دي مش هتاخد في إيد خالد غلوة و هتعترف… دا عليه تكشيرة لوحدها كفيلة تجيبلها صرع..
أشجان بسخط:
ـ على أساس انك مش عارفة خالد؟ تفتكري هيتجاهل عمر كدا بسهولة و يروح يتهمها إتهام زي دا؟ و بعدين اللي زي دي هتقدر تخرج من الموضوع زي الشعرة من العجين، و مش بعيد تقلب عمر على خالد، و تقلب الكل كمان، دي وصلت لأوضة نومي يا آسيا، و حذفت التسجيل اللي سجلتهولها…
ضيقت آسيا عينيها، و هي تصيح باستنكار:
ـ تسجيل أيه دا؟
ـ انتِ مفكرة اني محاولتش أكشفها! لا دانا حاولت، و سجلتلها اعتراف بقتلها لسهام، و يدوب دخلت اخد شاور عشان أروح لخالد الشركة اسمعه الفويس، خرجت من الحمام لبست و روحتله، بفتح الفون ملقتش التسجيل، تنتِ متخيله وصل بيها الجبروت لحد فين؟ دخلت أوضة نومي و حذفت التسجيل و خرجت…
شهقت آسيا بذهول ثم هتفت بلهفة:
ـ أو يمكن يكون في حد تاني بيساعدها؟
هبت أشجان هي الآخرى من مكانها، لتقول بصدمة:
ـ أيه؟ لا طبعًا مين هيكون بيساعدها؟
تمتمت آسيا بتفكير:
ـ أكيد واحدة من الحربايتين الصغيرين…
أشجان بلوم:
ـ إن بعض الظن إثم يا آسيا، حرام تظلمي و أنتِ معندكيش دليل…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أنا، أنا مش فاهمة، يعني أيه ماتت ازاي؟
كانت هذا صوت رضا الذي تتخلله رجفة الخوف، لتجيبها آسيا بتهكم:
ـ يعني ماتت ازاى يا ماما؟ جالها سكتة قلبية مثلًا؟ جالها مرض فماتت؟ حصلها أيه ؟ مش كنتي عايشة معاهم الفترة دي؟
لم يعد في إمكان قدميها حملها، فتحركت ببطء لتجلس على المقعد أمام آسيا وهي تحاول صبغ نبرتها بالهدوء حين قالت:
ـ أه. أه كنت عايشة معاهم، بس والله مانا فاكرة أوي، يعني تقريبًا اتكعبلت وقعت من على السلم، أصلها كانت حامل، فجالها نزيف، وماتت. دا اللي فكراه، هو أنتِ بتسألي ليه؟ في حاجة ولا إيه؟
صمتت آسيا لثوان تفكر قبل ان تقول بنبرة عادية:
ـ الله يرحمها، هي كانت شخصية كويس صح؟ يعني أقصد غير نبيلة…
رضا بتوتر:
ـ يعني، أهم كلهم عندهم نفس النعرة الكدابة، و شايفين انهم أحسن ناس في الدنيا…
آسيا باندهاش:
ـ غريبة انك بتقولي كدا! أنا فاكرة انك يوم موتها رجعتي البيت منهارة، يعني كنتي بتحبيها..
انحبست الأنفاس في صدرها، و هي تتذكر ذلك اليوم الذي لم ينمحي من ذاكرتها أبدًا
عودة إلى وقتٍ سابق..
كانت تنظف غرفة ميرهان حين سمعت أصوات جلبة في الخارج، ليأخذها فضولها و تتوجه نحو الباب الذي كان مفتوح قليلًا، لتشاهد سهام التي كانت تتقدم من نبيلة وهي تقول باحتقار:
ـ هو أنا مش قولتلك قبل ما تدخلي بيتي تستأذني! و لا إنتِ مبتفهميش بالكلام؟
نبيلة بحدة:
ـ دا بيت أبويا ادخله وقت ما أحب، مش على آخر الزمن هتيجي واحدة جربوعة زيك تمنعني ادخله:
على العكس لم تغضب سهام، بل تشدقت ساخرة:
ـ الجربوعة دي اللي شايلة ولي العهد…
قالت وهي تشير إلى بطنها قبل ان تتابع بكره:
ـ ابني اللي هياخد كل الخير دا كله، و أنتِ مش هتاخدي غير الملاليم اللي عمي الله يرحمه سبهالك، سبحان الله حتى أبوكي كان عارف قيمتك..
انفعلت نبيلة و هتفت بانفعال:
ـ اخرسي قطع لسانك، خالد عمره ما هيظلمنا، ولا هيسمع كلامك. و دا اللي حارقك انه مبيسمعش كلامك، و أنتِ عاملة زي الحرباية عماله تبخي سمك في ودانه، لكن هو مبيسمعلكيش، و لا هيسمعلك. خالد روحه في عمر، و في ولادي، و حتى لو فكر يظلمني، عشان عمر مش هيعمل كدا.
سهام بنبرة مغلولة:
ـ خالد معذور ميعرفش قد أيه انتِ حقودة و قلبك مليان غل و سواد، ميعرفش انك لو طايلة تاخدي منه و من ولاده كل حاجة هتعمليها، خالد عارف ربنا بس أنتِ شيطانه، فكراني معرفش أنك كنتِ عايزة تسقطيني! أنا عارفة كل حاجة، بس ساكتة بمزاجي، عارفة ليه؟
اقتربت سهام من أذنها قائلة بهسيس خطر:
ـ عشان انا واثقة و متأكدة مليون في المية أن بعد ما اولد بالسلامة و خالد يشوف ابنه هينسى كل حاجة، و مش هيفكر غير في مصلحته، زي ما عمي الله يرحمه عمل كدا، شوفتي هو بيحب ابنك ازاي؟ و بيعمل عشانه أيه؟ تخيلي بقى هيحب ابنه ازاي، و هيعمله أيه ؟ ابنه اللي من صلبه اللي هيشيل اسمه، وقتها بقى، وحياة أمي ما هخليكي تدخلي البيت دا و لا تحطي رجلك فيه، و آخرك شوية الملاليم اللي أبوكي سبهالك…
جن جنون نبيلة فصاحت بانفعال:
ـ مش هيحصل، دانا أموتك بإيديا اللتنين دول…
ناظرتها سهام باستهزاء، وعقلها لا يتخيل أن هذه المرأة صورة متجسدة للشيطان، مما جعلها تقول بسخرية:
ـ ابقي وريني هتعملي أيه…
استدارت سهام تنوي هبوط الدرج، لتصرخ نبيلة وهي تجذبها من يدها بغضب:
ـ استني هنا، لما أكون بكلمك تقفي تكلميني…
جذبت سهام يدها من نبيلة وهي تهتف بحدة:
ـ اوعي إيدك يا معتوهة أنتِ، بدل ما أكسرهالك…
الحقد ما هو إلا مرض لعين إن نبت في تربة أفسدها، حتى لا يعود فيها شبر صالح لأن يطرح خيرًا، وإن استوطن قلبًا التهم من نقائه شيئًا فشيئًا، حتى لا يتبقي فيه مكانًا للرحمة ولا للعفو ولا حتى للسلام. يتغذى على صاحبه قبل أن يؤذي الآخرين، ويحول المرء مع الوقت إلى أسيرٍ لما يكره يراقب، ويتربص، ويُفسر كل شيء بعين مشبعة بالكراهية حتى يغدو الخير أمامه مستفزًّا، وسعادة الآخرين طعنة في صدره، ونجاحهم نارًا لا تنطفئ إلا إذا رأى انكسارهم. والحقد لا يُفسد صاحبه في لحظة، بل ينخر روحه ببطء، حتى يأتي اليوم الذي لا يتبقى فيه من الإنسان إلا قلب أكلته ضغينته و كراهيته التي جعلتها تقترب بكل قوتها لتدفع سهام من الخلف، لتصرخ الأخيرة بفزع، وهي تسقط بقوة من أعلى الدرج، و تتدحرج بعُنف إلى أن وصلت للأرض الصلبة، و أسفلها بقعة كبيرة من الدماء، و المياة، لتشعر بألمٍ قاتل، وعينيها الزائغتين تنظران الى نبيلة المصعوقة مما فعلته، و لكنها لم تحاول اسعافها، بل اخذت تتلفت يمينًا و يسارًا حتى ترى إن رآها أحد، لتتراجع رضا إلى الخلف، وقلبها يكاد يتوقف من فرط الصدمة الممزوجة بالخوف، لتشعر بأقدام نبيلة تقترب من باب الغرفة، فتراجعت على الفور، لتدخل الى الحمام وتغلق الباب خلفها و صدرها يعلو و بهبط بعُنف خوفًا من أن تراها تلك الشيطانة، فهي لا تقدر على الوقوف أمامها…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ قفلي على السيرة دي يا آسيا، خلاص الله يرحمها، ما أكيد زعلت عشانها يعني، مش عشرة..
كانت آسيا تراقب انفعالات وجه والدتها باستغراب، من تقلصات ملامحها، و تنفسها الذي أصبح حاد قليلًا، فما أن همت بسؤالها حتى وجدت والدها يدلف الى داخل الغرفة، وهو يقول مهللًا:
ـ آسيا، معقول؟ أنتِ هنا يا بنتي؟
نهضت آسيا من مقعدها و توجهت إليه تعانقه بقوة، وهي تقول بحنو:
ـ عامل أيه يا بابا؟ وحشتني أوي..
عانقها عزام بحرارة، وهو يقول بشوق:
ـ وأنتِ كمان وحشتيني اوي يا بنتي، طمنيني عليكِ، عاملة أيه و حوزك عامل أيه؟
استغلت رضا مجيء زوجها، لتنسحب إلى الداخل، تحاول السيطرة على رجفتها، فقد تزاحمت الذكريات في صدرها، و كم قضت الليل باكية ممزقة بين ضميرها، و بين خوفها من تجبر تلك المرأة، تريد الحديث، و لكنها تخشى عواقبه، لكنها في نهاية الأمر رضخت لخوفها و فضلت الصمت، لتُدفن هذه الذكرى في قلبها مع مرور الأيام، لتعود و تتجدد حين جاء كمال لخطبة آسيا لتتذكر ذعرها من تلك المرأة على ابنتها، و اكن في نفس الوقت لا تستطِع رفض عريس مثل كمال الوتيدي، مما جعلها تتوجه للحديث معه بدون معرفة آسيا، و قد كانت كلماتها صريحة بدرجة كبيرة حين تحدثت معه:
ـ اسمعني يا كمال يا ابني، انا مش عايزة اقف بينك و بين آسيا لإني شايفة انك بتحبها و هي كمان، بس لازم اكون صريح معاك، انا خايفة عليها من نبيلة هانم، هي أختك و كل حاجة، لكن انت بردو عارف أنها شديدة، و أنا محلتيش غير آسيا و أشجان، و مش هتحمل عليهم الهوا..
وقتها لم يتردد كمال في طمأنتها، و هكذا أسكتت ضميرها و خوفها، و خاصةً حين تزوجت أشجان هي الآخرى من خالد، لكن لماذا تسأل ابنتها الآن عن هذا الأمر؟
اللهم استرني فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، ولا تفضح لي سرًّا، ولا تكشف لي سترًا، واغفر لي ما أخفيت وما أعلنت.
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ هتنوري بيتك يا حبيبتي..
هكذا تحدث عز الى زينة التي كانت تتصنع الخجل، و لكن بداخلها كانت تخفي الترقب، و الانفعال لما قد يحدث حين يعرف تلك الكارثة، التي نجحت بإخفائها عنه الليلة الماضية، بعد أن أصرت عليه أن يغلق هاتفه، حتى لا يقاطعهم أحد، فقد أرادت تأجيل معرفته هذا الخبر المشؤوم بعد اعلان زواجهم، وها هي تدلف معه الى محيط القصر الذي أقصيت عنه عنوة، لتستدير الى عز وهي تقول بدلال:
ـ أنا خايفة أوي يا عز لسعاد هانم أو ولادك يعارضوا جوازنا!
عز بعنجهية:
ـ هما مالهم يعارضوا و لا يقبلوا؟ انا عارف بعمل أيه كويس، و محدش يجرؤ يعاندني.. يالا انزلي..
أطاعته و ترجلت من السيارة أمام باب القصر الداخلي، و لكن عينيها كانت على الآخر الذي تسعى أن يكون محطتها التالية، لتبتسم بخبث، حين سمعت كلمات عز المليئة بالسعادة و الفخر:
ـ اتفضلي يا حبيبتي، و متخافيش من حاجة طول مانا جنبك..
دلفت الى الداخل، و عينيها تجوبان المكان بأكمله و داخلها تسخر من هذا العجوز الذي لم يصل منها حتى قبلة، وها هو يعطيها كل شيء ظنا منه انها تحبه، بينما هي تعتبره محطتها ما قبل الأخيرة لرجل أحلامها.
ـ أخيرًا شرفت يا بيه؟ لا و جايب مصيبة معاك كمان.. مش كفاية المصايب اللي احنا فيها؟
كان هذا صوت سعاد الغاضب، ليجيبها عز بحدة:
ـ اتكلمي كويس عن مراتي يا ماما.
ارتفع أحد حاجبي سعاد باندهاش ليؤكد عز على حديثه قائلًا:
ـ أيوا اللي سمعتيه صح، أنا و زينة اتجوزنا امبارح بالليل…
و كأنه لم يكن ينقصها إلا هذا الأمر الآن لتهتف بحدة ساخرة:
ـ اها البيه كان بيتجوز و عشان كدا قافل تليفونه! طيب مش لما تربي ولادك الأول تبقى تفكر تتجوز..
عز بسخط:
ـ ايه الكلام اللي مالوش لازمة دا؟ مالهم ولادي..
صرخت سعاد بانفعال:
ـ متربوش، ولادك متربوش، بس هلوم عليهم ليه ما الدنيا قايمة من امبارح وانت ولا على بالك، و لا داري بالدنيا جاي و جاررلي نصيبة انيل من اللي قبلها! الست هانم بنتك يا بيه يامحترم فيديوهاتها القذرة مع صاحب اخوها مالية النت، ماشية معاه في الحر.ام و حطت راسنا في الوحل..
ـ أيه؟
تجمد الهواء من حوله، و هو يستمع الى حديث والدته لتجحظ عينيه وهو يتخيل هول المصيبه التي وقعت على مسامعه، ابنته، طفلته، فعلت الفاحشة مع أحدهم، انسحبت الدماء من أوردته، و بهتت ملامحه، فلم يشفع مظهره عند تلك الشيطانة التي ظنها ملاكً و أحبها، فقد فتحت هاتفها تنظر الى أحد مقاطع الفيديو التي أرسلته لها سهيلة، لتقوم بتشغيله وهي تشهق متصنعه المفاجأة:
ـ الحق يا عز دا الكلام طلع حقيقي…
كان في أسوأ موقف يمكن أن يتعرض له رجل، ان يرى شرفه يدنس بتلك الطريقة، و لكن يا للمفارقة فقد ظن بأن طفلته هي أكثر الفتيات عفة، فاتضح بأنها أكثرهن فسقًا، و ها هو يرى بعينه، أما تلك البريئة التي ظن ذات يوم بأنها آثمة اتضح له بأنها كانت أشرف من ظنونه القذرة بها، فتراشقت الخنجر بصدره، وهو ينظر الى صورة ابنته في هذا المشهد القذر ليقوم برفع الهاتف و إلقائه بعُنف وسط ذهول و شهقات المرأتين، ليتحطم إلى أشلاء، كما حدث مع كبرياؤه ليصرخ بصوتٍ جهوري:
ـ هقتلها…
اللهم استرنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة، ولا تجعلنا عبرةً لأحد، ولا تفضح لنا سرًّا، ولا تكشف لنا سترًا، واغفر لنا ما لا يعلمه إلا أنت. 🤍
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ كدا يا هايدي؟ تعملي في نفسك و فيا العملة السودا دي؟ دي آخرة ثقتي فيكِ؟ أودي وشي منهم فين دلوقتي؟ دا إنتِ عارفة انهم ما هيصدقوا يشمتوا فيا؟ تقومي تعملي كدا؟
كان هذا صوت نبيلة التي أخذت تولول و تنتحب، مما جعل هايدي تقول بتعب:
ـ اسكتي بقى، أنا مش ناقصة كلمة من حد. سبيني…
هبت نبيلة من مقعدها، وهي تقول بحدة:
ـ اسيبك دا أيه الكلب دا لازم يكتب كتابه عليكي و تتجوزوا في أقرب وقت، اه احنا لازم نلحق المصيبة دي، و نقول انكوا متجوزين بقالها فترة و احنا مقولناش، و وقتها هحط صوابعي في عين التخين…
أدارت رأسها إلى الجهة الآخرى وهي تشعر بالإذلال الذي لم تشعر به في حياتها، فقد تعرت أمام الجميع، و ظهرت صورتها المشوهة التي كانت تحاول إخفائها لسنوات، و للحظة شعرت بندمٍ جارف، لما اقترفته بحق نفسها، و لكن هل تعطينا الحياة الفرصة لتصحيح الأخطاء ؟ أم أن بعض الأخطاء لا يمكن تصحيحها؟
انفتح باب الغرفة فجأة، ليدخل عمر الذي كانت ملامحه متجهمة، و عروقه نادرة بدرجة مخيفة، بينما العرق كان يتصبب من جبينه، و كأنه يحترق أسفل وطأة الشعور بالخزي و الإذلال، لتنتفض كلا المرأتين في مكانيهما، و تهرول نبيلة تجاة هايدي قائلة بذعر:
ـ في أيه يا عمر؟
تمسكت هايدي بملابس والدتها، وهي تنتفض ذعرًا جعل العبرات تجري فوق خديها وهي تشهق بعُنف حين سمعته يقول:
ـ اخرجي بره، و سبينا مع بعض شوية…
اندفعت هايدي بذعر:
ـ لا يا ماما متسبنيش، خليكي معايا..
شددت نبيلة من احتضانها، وهي تقول بريبة:
ـ عايزها ليه؟ عايز منها ايه؟
صاح عمر بصوتٍ أفزعها:
ـ قولتلك اخرجي بره…
انتفض جسد هايدي و كذلك نبيلة التي اقترب منها عمر و قام بجذبها من كتفها عنوة وهي تصرخ رافضة ترك هايدي:
ـ لا يا عمر، سيبني عايز تعمل في أختك أيه؟ سيبني… اوعى ايدك دي..
لم يستمع لتوسلاتها، ولا لبكاء هايدي او خوفها، ليقوم بدفع نبيلة خارج الغرفة وإغلاق الباب خلفها بالمفتاح، ليستدير تلك التي كاد قلبها أن يتوقف من فرط الخوف، وهي تقول بنبرة أشبة بالهستيريا:
ـ لا يا عمر، أبوس إيدك لا…
عمر بنبرة مشبعة بالألم و الغضب:
ـ دلوقتي خايفة، و كان خوفك دا فين و أنتِ بتبيعي شرفنا للكلب دا؟
كانت الرجفة تحتل جسدها حتى انتقلت الى السرير الذي تتسطح فوقه، و الذي أخذ يهتز حتى كادت ان تسقط من فوقه وهي تقول بنبرة يقتلها الخوف:
ـ ضحك عليا، والله ضحك عليا، قالي، قالي انه، انه صاحبك، و إنه مش هيضحك عليا، و أنا صدقته،
تجمدت خطواته، حين استمع إلى حديثها، الذي كشف عن خطأ لم يكن متعمدًا من جانبه، فقد كان هذا الحقير صديقه، الذي أدخله إلى بيته، و ظن أنه سيحفظ ظهره، فإذا به يطعنه بخنجر الخيانة المسموم، و لكن هذا الإمر لا ينفي بشاعة فعلتها، ليقوم برفع يده و يهوي فوق خدها بصفعة مدوية، وهو يجذب خصلات شعرها بعنف تجلى في نبرته حين قال:
ـ صاحبي، وهو لو فعلا صاحبي و لا يعرف يعني أيه صحوبية كان فكر يعمل معاكي كدا! بتستعبطيني؟ طب أنا هخلص عليكِ أنتِ وهو..
في هذه الأثناء كانت نبيلة في الخارج تصرخ و تولول خوفًا من أن يقدم عمر على عمل جنوني، لتندفع الى الخلف تبحث عن يزيد ليمنعه من ارتكاب تلك الجريمة، فإذا بها تصطدم بشروق، لتهرول نحوها وهي تتوسل باكية:
ـ شروق، أبوس إيدك الحقيني، عمر هيموت أخته، أوطي على رجلك أبوسها روحي الحقيه…
ـ أنتِ بتقولي أيه هو فين؟
فزعت شروق حين سمعت حديث نبيلة التي أجابتها بلهفة:
ـ من هنا تعالي معايا..
في هذه الأثناء كان خالد يدلف الى المشفى، ليصل تحديدًا أمام غرفة غنى، فما أن رأته أشجان حتى اقتربت منه وهي تهديه ابتسامة رائعة كانت أكثر ما يحتاج إليه، لتمتد يده و يعانقها كطفلٍ يحتضن أمه يتلمس حنانها، وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ أخيرًا حاجة حلوة نكمل بيها اليوم..
وضعت رأسها فوق صدره، وهي تشفق عليه من كل هذه الضربات التي تلقاها مؤخرًا خاصةً وهي تحمل واحدة إضافية، لكنها أجابته بنبرة ناعمة:
ـ لا في خبر حلو كمان..
تراجع عنها، فأجابته بابتسامة جميلة:
ـ غنى حامل..
شعر بالسعادة لأجل ياسر، مما جعله يقول بابتسامة:
ـ ما شاء الله، ربنا يقومها بالسلامة، فين ياسر؟
ـ ياسر و صافية معاها جوا، و أنا و شروق جينا معاهم. بس شروق راحت تشوف عمر،،
بترت حديثها، و لكنه فهم ما تريد قوله، لتتجهم ملامحه وهو يقول:
ـ شوفتيها؟
أشجان بخفوت:
ـ لا، استنيت لما اطمن على غنى..
خالد بجفاء:
ـ أحسن بردو، و ياريت متقربيش لا من نبيلة و لامن بنتها، و دا أمر وهتنفذيه من غير نقاش..
أشجان بنبرة هادئة:
ـ الوضع صعب يا خالد، و دا واجب..
خالد بنبرة صارمة:
ـ برا عنك، هي لا عايزة منك حاجة، ولا تستحق حتى انك تشيلي همها..
أشجان بعتب:
ـ طيب ما أنت شايل هم عمر..
خالد بجفاء:
ـ عمر غيرهم، على الرغم أنه خرف شوية بس هو بردو مش زيهم..
أومأت برأسها لتستمع الى هاتفه يرن، فإذا به يجيب قائلًا:
ـ أيوا يا سالم؟
سالم بنبرة خشنة:
ـ مروان حذف كل البيدجات اللي نزلت الفيديوهات دي، و على فكرة الفيديوهات معموله سبونسر يا خالد يعني حد دافع عشان تطلع تريند و الكل يشوفها..
زمجر خالد بغضب:
ـ كنت متأكد إن الموضوع دا مقصود.
سالم باستفهام:
ـ داوود لسه قافل معايا، و قالي انك عينت حد يراقب الست اللي شهدت على كمال..
خالد بجمود:
ـ حصل، ست مش مريحة، و أكيد وراها حد، و عمومًا تقرير الطبيب الشرعي هيثبت أنه ملمسهاش، لأن من غبائها قالت أنهم اشتبكوا بالأيدي، يعني اكيد هيكون في بصمات، أو آثار مقاومة..
سالم باستحسان:
ـ دماغ صاحية يا وتيدي…
خالد بنبرة متهكمة:
ـ الدماغ تعبت يا صاحبي..
حاول سالم أن يشد من أزر صديقه قائلًا:
ـ ما قولنا انت قدها، و بعدين هي المدام مقصرة ولا أي؟ شكلك محتاج جرعة حنية…
نجح في رسم الابتسامة على ملامح خالد الذي قال:
ـ بتتريق حضرتك! طيب بكرة نشوفك يا سالم يا وزان لما تطب هتبقى عامل ازاي؟
قهقه سالم على حديث خالد قائلًا:
ـ لااا، أنا كدا حلو أوي، ماليش في حوارات الحب، و الستات، ناقص وجع دماغ أنا…
كان صوت الهاتف عاليًا ليصل إلى اشجان الحديث، فرفعت رأسها تنظر إلى خالد الذي قال بنبرة خشنة:
ـ دا أحلى وجع دماغ في الدنيا، إيش فهمك أنت…
سالم بجدية:
ـ وماله يا وحش، المهم، وصلك خبر من المسشتفى؟
تحمحم خالد قبل ان يتراجع عن أشجان وهو يغمغم بنبرة خشنة:
ـ اسمها موجود في قسم الأورام في الشرقية، مفروض بعد ما عملت العملية تاخد الكيماوي، و دا طرف خيط أنا واثق انه هيوصلني ليها.
سالم بتفكير:
ـ طيب بالنسبة للست اللي خدتها دي، احنا متأكدين أنها مش نبيلة، بما انك مراقبها طول الوقت، و كمان داوود عرف أن الست دي محجبة، فكدا نبيلة برا الليلة، مفكرتش هي ممكن تكون مين؟
لما يستمع الى حديث سالم، فقد استحوذ على انتباهه زينة التي كانت تهرول خلف عز، الذي اندفع الى المصعد الكهربائي، فهتف خالد بجفاء:
ـ هكلمك تاني يا سالم…
أغلق الهاتف، ليجد ياسر يقترب منه، فهتف وهو يندفع نحو الدرج:
ـ تعالى معايا بسرعة…
هرول الرجلان إلى الأعلى، ليتفاجأ كليهما بوجود كلا من شروق و نبيلة و يزيد يحاولان فتح باب الغرفة، وسط بكاء و نحيب من كلا المرأتين، و خاصةً شروق التي كانت تصرخ متوسلة:
ـ افتح الباب يا عمر، اوعى تعمل في نفسك كده، مش هسامحك العمر كله والله ما هسامحك…
و صرخ يزيد بانفعال:
ـ افتح يا عمر و بطل جنان..
ما أن أنهى جملته حتى أفزعه صوت خالد خلفه و الذي صاح بصوتٍ جهوري:
ـ أنتِ لسه هتنادي عليه؟ اكسر الباب دا…
و تدخل ياسر هو الآخر ليجذب يزيد إلى الخلف ثم يدفع الباب بكتفه، و كذلك خالد لينفتح الباب في لحظةٍ حاسمة كانت خيطًا فاصلًا بين الحياة و الموت، حيث التفت أنامله حول عنقها تحاول إزهاق روحها بينما عينيها تناجي عينيه الباكية بتوسل، فقد كان العقل في هذه اللحظة لا يراها سوى نبات شيطاني يجب استئصاله حتى تعود الحياة الى نقائها من جديد، و لكنه اعتقادًا خاطئًا بحجم فداحة فعلتها النكراء، فهي حين فعلت الفاحشة متأثرة بغريزة شهوانية حقيرة، أعمت عينيها وقلبها عن حدود الله التي تحرم هذا الذنب الذي هو من كبائر الذنوب، وهو حين أقدم على إنهاء حياتها كرد فعل على خطأها أعمى الغضب عينه و قلبه عن أن قتل النفس التي حرم الله جريمة، لا تهاون فيها، ولكن لحسن الحظ تدخل كلا من ياسر و خالد في اللحظة الأخيرة ليندفع الإخير نحوه و يقوم بجذبه بقوة و دفعه الى الخلف، ليندفع ياسر تجاه هايدي التي انسحب اللون من وجهها، و اخذت تسعل بقوة ليقوم ياسر بجذب كوب من المياة لترتشف منه قليلًا، فيما اندفع يزيد يقيس نبضها و مؤشراتها الحيوية، و ارتمت نبيلة بجانبها باكية، و على الجانب الآخر كان عمر يصيح بانفعال:
ـ مسبتنيش موتها ليه؟ و خلصت من العار اللي جابتهولنا؟
خالد بغضب:
ـ اخرس و بطل جنان..
و صرخ يزيد هو الآخر حانقًا:
ـ و أنت يعني لما تقتلها هتجبلنا الكاس!
تدخل ياسر بانفعال:
ـ أنت اتجننت يا عمر؟ عايز تصلح غلط بغلط أكبر؟
صاح عمر بقهر:
ـ عايزني اعمل أيه؟ محدش حاسس بيا! مش قادر ارفع عيني في عين حد، دي فضحتني، عارفين يعني أيه فضحتني..
تدخل خالد هذه المرة مزمجرًا بغضب:
ـ و لما تضيع نفسك هتبقى عملت ايه؟ ولما تتعدم الناس هتنفعك بأيه؟ هيسقفولك! هيقولوا عليك بطل؟ حد هيشيل شيلتك؟ ياخي طظ في الناس دي…
ضرب رأسه بمؤخرة يده، وهو يصيح بجنون:
ـ يعني عايزيني اسيبها بعد اللي عملته؟ عادي تفضحنا و أحط جزمة في بقي و اسكت…
خالد بجفاء:
ـ انك تربي ابنك اسهل بكتير من انك تعاقبه. لكن احنا للأسف وقت التربية بنكون مشغولين و ورانا مليون حاجة، لكن وقت العقاب السكاكين بتكون حاضرة..
كان القهر يسري في أوردته مسرى الدماء، يود الصراخ من فرط ذلك الشعور القاسي، و الذي لا مهرب منه، فبالرغم من أنه غاضب، و لكنه ممتن لأنهم تدخلوا في الوقت المناسب، و بالرغم من ذلك لكنه هتف بانفعال:
ـ أنت بتدافع عنها و لا أيه ؟ انا مش فاهمك…
تدخل ياسر قائلًا بحدة:
ـ اعملك قفلة يا عمر، عشان إنت هابة منك على الآخر..
و استكمل خالد الحديث بنبرة حادة كالسيف:
ـ بدافع عن أيه و زفت إيه؟ مربتهاش ليه؟ ما تقولي كدا إنت كنت فين لما كانت دايره تتسرمح معاه؟ عايز تقنعني ان العلاقة دي بدأت اول امبارح الصبح؟ ممشتش وراها ليه و شوفتها بتعمل اية؟
صاح عمر مشيرًا إلى نبيلة التي كانت تحتضن هايدي وكلتاهما تبكيان بعُنف:
ـ ماهي كانت طول الوقت واقفة في وشي، طول الوقت بتقولي ملكش دعوة، ملكش حكم عليها، طول الوقت واقفة بيني و بينها، و منعاني اني اتدخل..
خالد بسخرية لازعة:
ـ حلو يعني الغلط مش عليها لوحدها؟ الغلط عليها و على اللي منعتك تقوم بدورك في حياتها و تفهمها الصح من الغلط، و العيب عليك بردو لما دخلت واحد زبالة زي دا بيتك، هي عرفته عن طريق مين؟ مش عن طريقك! مش دا صاحبك!
كان محقًا، و لكنه لم يكن يتخيل أن يطعنه بظهره، و أيضًا لم يكن يتصور بيومٍ من الأيام أن تصل شقيقته الى هذه المرحلة من الإنحطاط الأخلاقي، لذا تهدلت أكتافه بتعب، فتابع خالد بنبرة جادة قاصدًا كل حرف يتفوه به:
ـ الغلط مش عليها لوحدها الغلط على اللي مرباش، و على اللي استسهل و كبر دماغه و على اللي مصانش البيت اللي كل فيه عيش و ملح، يبقى تشيلوا الشيلة كلكوا مش هي لوحدها…
عم الهدوء أرجاء المكان، ليتدخل يزيد الذي شعر بالشفقة على صديقه ليقول بنبرة مشجبة:
ـ تعالى معايا يا عمر…
خرج عمر إلى جانب يزيد ليستدير خالد ناظرًا إلى نبيلة شذرًا، وهو يقول بقسوة:
ـ كتب كتابها على الكلب دا النهاردة بالليل. ساعتين و السواق هييجي عشان يوصلكوا…
ما أن أوشك على الالتفات على صاحت نبيلة وهي تندفع نحوه لتقول بامتنان حقيقي لم تعرفه طوال حياتها:
ـ خالد… أنا عمري ما هنسالك انك أنقذت حياة بنتي و سترتها. مجتش من أبوها…
شعر بنفور قوي يجتاحه تجاهها، و شعور أقوى بالغضب يجاوره الألم يريد تفجير ذلك اللغم الذي يخبأه بقلبه، يريد هزها بعُنف و معرفة الحقيقة، التي تكاد تفتك بصدره، لكنه بدلًا عن ذلك تحدث بهسيس خطر:
ـ لا بتنسي، حاجات كتير أوي اتعملتلك و إنتِ نسياها، لكن اوعدك، لما اجي أحاسبك هفكرك بكل حاجة…
لم يكد ينهي جملته، حتى أخترقت أذانهم صوت رصاصة خرجت لتصيب…
