رواية الزاويه 45 الفصل الثاني
عند الباب الحديدي الخلفي لسيارة الترحيلات، ارتطم الهواء البارد برائحة العادم الكثيفة. تقدم أحد الضباط بخطوة سريعة ومد يده ليقبض على ذراع يونس ويساعده على صعود الدرجة المعدنية المرتفعة.
في تلك اللحظة، انكمش يونس في بدنه كمن يُدفَع على نحو مفاجئ نحو حافة هاوية سحيقة. تراجع خطوة كاملة إلى الخلف، ورفع يديه المضمومتين أمام صدره كدرعٍ حاجز، ونطق بنبرة جافة، حادة ومبتورة:
"هطلع لوحدي! محدش يلمسني.. لو سمحت محدش يلمسني!"
توقف الضابط في مكانه واستدار بنظرة مستفسرة نحو المقدم نور التي كانت تقف على مسافة خطوات. أومأت له نور بباب عينها إيماءة خفيفة تفهمت المغزى، مشيرةً إليه أن يترك له المساحة الكافية.
صعد يونس الدرجات المعدنية الثلاث بحذر شديد، وهو يعدّها في سرّه بانتظام: "درجة واحدة... درجتين... تلاتة." كانت كل درجة تصدر صوتاً خافتاً يختلف عن السابقة؛ فالدرجة الأولى أخرجت صوتاً حديدياً رفيعاً، والثانية أخرجت صوتاً أغمق وأكثر اكتئاباً، أما الدرجة الثالثة فكانت نبرتها مثقلة برنين الصدأ المتهالك. وفي أثناء صعوده، أمال جسده بمقدار 15 درجة نحو اليمين بمهارة هندسية، متجنباً بجهد خرافي أن تمس أطراف ملابسه تلك الحواف الصدئة المترامية.
داخل الحافلة المظلمة إلا من شوارد ضوء متسلل عبر القضبان، كانت الرائحة مزيجاً كتم الأنفاس. بادر عقله بفك شفرة التركيب وتفكيك نسبه فوراً: 60% عادم سيارات مركز، 25% عرَق قديم مترسب في الخشب، 10% مطهر رخيص نفاذ، و5% رائحة أخرى غامضة ومجهولة المصدر تثير ريبته وتزيد توتره.
أخرج يونس فوراً منديلًا ورقياً أبيض من جيب جاكيته، وبحركة دقيقة بسطه فوق سطح المقعد الخشبي: فرد الطول أولاً، ثم فرد العرض، وتلا ذلك تنعيم الزاوية اليمنى، وأخيراً تنعيم الزاوية اليسرى، ثم جلس فوقه بحرص متناهٍ.
ضم ركبتيه إلى بعضهما تماماً ، ووضع كفيه المشدودين فوق فخذيه، متداخل الأصابع بصلابة تتسق مع توتره الداخلي، ليضمن ألا تطأ يداه أي جزء من السطح الملوث الممتد حوله. وفي زاوية الحافلة المظلمة، كان هناك ضابط ثاني يجلس بارتخاء ويتحدث في هاتفه المحمول بصوت مرتفع وعشوائي. وضع يونس أصبعه على شريان رقبته بهدوء، وبدأ يحصي دقات قلبه الخاصة: "68... 72... 81..." صوت الضابط العالي يجعل دقات قلبه تتسارع بغير إرادتها... الفرق = 13 دقة زيادة... الفرق = فوضى. أغلق عينيه بحدة وبدأ يحصي طلقات المحرك المتتابعة واهتزازات الهيكل المعدني: "طلقة 1... طلقة 2..." ليصنع جداراً رقمياً بين عقله وبين هذا العالم الخارجي المتلاطم.
دخل يونس إلى غرفة الاستجواب. كانت الغرفة ضيقة، يفوح منها هواء ثقيل، وفور دخوله تفحص المكان في ثوانٍ معدودة: الجدران تحمل نسبة رطوبة تبلغ 70%، الغبار المتراكم على الرفوف يمتد بسماكة مليمتر واحد تقريباً، والضوء خافت ينبعث من مصباح واحد بقدرة 40 واط ذي لون أصفر مائل للبرتقالي.
اتجه مباشرة نحو الكرسي الخشبي المواجه لمكتب نور. أخرج منديلًا أبيض ثانياً من جيبه، ومسح به حافة الكرسي وموضع الجلوس بعناية شديدة، حاسباً في سرّه 4 بقع داكنة على الحافة قبل أن يفركها بحرص، ثم وضع المنديل مفروداً وجلس بنفس الهيئة الصارمة: ركبتان متلاصقتان، وكفان مضمومان.
جلست نور أمامه على الطرف الآخر من المكتب، وسادت الغرفة لحظة صمت ثقيلة لا يقطعها سوى صوت طنين خفيف لمروحة سقف قديمة. بدأت نور بالأسئلة التمهيدية بنبرة متوازنة:
"اسمك الكامل؟"
رد يونس وعيناه مسمرتان عند حافة المكتب:
"يونس أحمد."
"سنك؟"
"38 سنة، و4 أشهر، و12 يوم."
ضيقت نور عينيها من التحديد المفرط للرقم، ثم تابعت وهي تقلب طرف الورقة أمامها:
"شغال في شركة البراق من كام سنة؟"
"13 سنة، و6 أشهر، و4 أيام."
توقفت نور عن الكتابة، ولاحظت تهربه المستمر والمطلق من النظر المباشر إلى عينيها، فقالت بنبرة حاسمة تملؤها الريبة:
"تعرف يا يونس.. اللي مابيبصش في عين المحقق بيبقى غالباً بيكذب وبيخبي حاجة."
رد ببرود ورتابة ودون أن يرفع رأسه مليمترًا واحدًا:
"أنا مأقدرش أبص في عين حد.. العيون فيها حركة كتير وضوء بيتغير بسرعات مختلفة.. بؤبؤ العين بيتسع ويضيق، والرموش بترمش بغير انتظام.. الحركة دي بتعملي دوشة في دماغي وبتلخبط أفكاري."
سألته نور بنبرة استكشافية هادئة تحاول فهم نظامه الذهني:
"طب إيه اللي بيفرق الصح من الغلط عندك يا يونس؟"
رد فوراً دون أدنى تردد:
"الصح = الرقم في مكانه. الغلط = الرقم اتزحزح. الزحزحة بتوجع... زي ما حد يشيل طوبة من سور متماسك."
وفي تلك اللحظة، اتكأت نور على المكتب وميلت بجسدها إلى الأمام، مما أدى إلى تحرك كرسيها بمقدار 15 سنتيمتراً لليمين. لاحظ يونس الحركة وسجلها في عقله بدقة خاطفة: (الكرسي اتزحزح 15 سنتي.. لو زاد عن 20، هقوم فوراً!).
فجأة، وبحركة خاطفة لم يتوقعها، ضربت نور بكفها المفتوح على السطح الخشبي للطاولة بصوت مدوٍّ هز أركان الغرفة الصامتة، وقالت بصوت آمر وصارم:
"ارفع رأسك وبصلي لما أكلمك!"
انتفض جسد يونس كأنما ضربته شحنة كهربائية، وأغلق عينيه بحدة ، وبدأت شفتاه تحركان بصوت خفيض جداً تحت الطاولة: "واحد.. اتنين.. تلاتة.."
فتح عينيه ببطء، ورفع رأسه بجهد خارق يعادِل انتزاع ثقل حجر، ونظر إلى وجهها مباشرة لثانيتين كاملتين قبل أن يخفض نظره سريعاً نحو ياقة قميصها.
سألته نور بتحدٍّ تحليلي وهي تتكئ على المكتب:
"تمام.. تقدر تقول لي أنا لابسة إيه؟ أو أوصافي إيه؟"
تنفس يونس بجهد، وخرجت الكلمات من حنجرته كأنها آلة قراءة صورية:
"بدلة ميري لونها كحلي داكن، اللياقة اليمين فيها ثنية خفيفة بقيمة 3 مليمترات ومثنية للداخل.. شعرك بني ومربوط لورا ذيل حصان.. مفيش مكياج على وشك نهائياً.. لون عيونك عسلي فيه نقط بني صغيرة في تحت عيونك.. أنفك حاد وصغير، وبشرتك حنطية.. وفيه بقعة قهوة جافة صغيرة جداً على طرف الكم الشمال لقميصك الأبيض."
اتسعت حدقتا نور بذهول مكتوم. كانت الأوصاف دقيقة إلى حد يثير القشعريرة؛ حتى بقعة القهوة المجهرية على طرف كمها لم تلاحظها هي نفسها هذا الصباح.
عادت نور تتساءل عن جوهر القضية:
"ليه اختلست الـ 5 مليون يا يونس؟"
حرّك يونس أصابعه المضمومة في حضنه،رفع يده اليمنى وحك جبهته بتوتر متزايد، وقال بصوت يظهر فيه الضيق الحسي:
"المكان هنا فيه غبرة على الرفوف.. وريحة رطوبة وعفن ضاربة في مناخيري.. الأرقام متصممة عشان تتوزع بالعدل.. لو اتسرقت الأرقام الجدول بيبوظ وراسي بيوجعني! أنا مباخدش حاجة مش في مكانها!"
نظرت إليه نور بتمعن شديد، وجاءتها رغبة مفاجئة في اختبار منطقه النفسي ، فسألته سؤالاً خارج السياق تماماً:
"هو أنا حلوة يا يونس؟"
عَدّ يونس أصابعه بسرعة تحت الطاولة (واحد.. اثنان.. ثلاثة) مخرجاً نقرات خشبية خفيفة للغاية وغير مسموعة تقريباً، ثم قال بنبرة جافة:
"عادية.. مش حلوة أوي ومش وحشة أوي.. ملامحك متناسقة بنسبة 60% تقريباً، بس العيون فيها توتر وقلق دائم."
فوجئت نور بصراحته المطلقة الخالية من أي فلتر اجتماعي، وتساءلت في سرها بذهول حائر: «60%؟ إزاي حسب النسبة دي بالسرعة الدقيقة دي؟ هل الرجل عبقري يمثل الدور ببراعة ليفلت من العقاب؟ أم أنه إنسان يعيش في بنية ذهنية مختلفة تماماً؟»
قال يونس بصوت خافت مجهد:
"أنا.. قانوناً من حقي أعمل مكالمة تليفون للمحامي بتاعي."
نهضت نور من كرسيها وقالت:
"تمام يا يونس.. تعال معايا على مكتبي."
مشيا عبر الممر الطويل. وقفت نور بجانب هاتف المكتب الأسود المستقر فوق الطاولة، وقدمت له السماعة. أخرج يونس منديلًا أبيض ثالثاً، وبدأ يتولى عملية تطهير صارمة للجهاز: مسح سماعة الهاتف لمدة 8 ثوانٍ كاملة، والأزرار الرقمية لمدة 12 ثانية، والسلك الأسود الحلزوني لمدة 5 ثوانٍ — المجموع: 25 ثانية من التطهير المتقن قبل أن تتلامس أنامله مع السطح.
ضغط على الأرقام بذاكرة متقنة دون استعانة بأي أجندة، مستمعاً إلى النغمات المتميزة لكل رقم؛ فالصفر صوته أعمق وأكثر ثقلاً، والواحد نبرته أرفع. وانتظر ثواني حتى جاءه الصوت عبر الأثير:
"ألو.. زياد؟"
جاء صوت المحامي زياد عبر السماعة متسائلاً ومندهشاً:
"يونس؟! أنت فين!"
رد يونس بجمود وثبات عجيب، واصفاً موقع قسم الشرطة بأسلوب الخرائط الصريحة:
"زياد.. أنا في قسم شرطة (الأزبكية).. المبنى قدامه شجرة لبخ كبيرة عمرها تقريباً 40 سنة ، على يمين البوابة صيدلية اسمها 'الشفاء'، وعلى الشمال يافطة إعلانات ملونة فيها صورة مشروب غازي مقصوصة من الطرف الشمال فوق.. وفي مدخل القسم فيه أربع درجات رخام أسود، الدرجة التانية مكسورة من الحافة اليمين بزاوية 30 درجة.. تعال بسرعة."
أغلق الهاتف وعدل مكانه بالتوازي مع حافة القاعدة.
كانت نور تقف خلفه مشدوهة بالكامل؛ لقد وصل يونس إلى القسم وهو في داخل الحافلة المغلقة، ولم ينظر إلى الشارع إلا لثوانٍ معدودة أثناء ترجله، ومع ذلك فقد رسم المعالم الجغرافية للمكان بدقة!
قالت نور بنبرة أهدأ:
"اقعد هنا يا يونس.. محدش هيضايقك، أنا راجعة فوراً."
خرجت إلى الممر الفسيح حيث كان رامي ينتظرها واستندت إلى جدار الممر.
لتقول بنبرة قاطعة يملؤها اليقين:
"الراجل ده مش طبيعي .. الراجل ده عنده ذاكرة فوتوغرافية، وبيشوف التفاصيل اللي إحنا بنعمى عنها.. وفي نفس الوقت بيموت من اللمس أو الفوضى. أنا اتصلت بالدكتور سامح استشاري الطب النفسي وهو على وصول."
بعد نصف ساعة، وصل الطبيب ؛ رجل في أواخر الخمسينيات من عمره، ذو ملامح هادئة ونظارات طبية دائرية تعكس خبرة طويلة. دخل غرفة التحقيق مع يونس بمفردهما، بينما كانت نور ورامي يراقبان التفاصيل من خلف الزجاج ذي الاتجاه الواحد.
جلس سامح وتبادل مع يونس أطراف الحديث بهدوء، واضعاً أمامه بعض الاختبارات النفسية السريعة والأسئلة الخاصة بالأنماط والرموز والمكعبات الملونة. قام يونس بفرز المكعبات وترتيبها بسرعة آلية فائقة خلال 7 ثواني فقط: "الأحمر مع الأحمر، الأزرق مع الأزرق..." لكنه توقف عند مكعب أصفر واحد وعزَله جانباً قائلاً بضيق: "المكعب الأصفر ده فيه درجة لون مختلفة بنسبة 5% عن الباقين." وفي الوقت نفسه، اشتكى للدكتور قائلاً: "الأوراق القديمة هنا ريحتها زي العفن... الرطوبة 65%... بتخلي الأرقام تتلخبط في دماغي."
بعد ربع ساعة، خرج الطبيب سامح وأغلق الباب خلفه برفق، والتفت إلى نور ورامي بملامح جادة للغاية ليقول :
"سيادة المقدم نور.. المتهم اللي جوة ده حالة متقدمة جداً من 'طيف التوحد عالي الأداء' (High-Functioning Autism) المقترن باضطراب 'الوسواس القهري الشديد' (Severe OCD)."
سألت نور بلهفة ونظرة متفحصة:
"يعني إيه يا دكتور؟"
رد الدكتور سامح بنفي قاطع وهز رأسه:
"عقل يونس مصمم على 'الحقيقة المطلقة' والنظام الهندسي المباشر. بالنسبة لمخه، الكذب أو التزوير أو الاختلاس معناه إعادة تشكيل للواقع وصنع فوضى.. وده بالنسبة له مش مجرد خطأ أخلاقي، ده بيمثل 'ألم جسدي' وحالة هلع حقيقي في دماغه. الراجل ده مستحيل يقدر يختلس قرش واحد أو يزور توقيع.. يونس أضعف من أنه يكذب، وأذكى من أنه ينسى رقم."
ثم انحنى قليلاً ونظر لنور مؤكداً:
"اللي خطط للجريمة دي يا فندم، كان فاهم طبيعة يونس كويس أوي.. واستغل نقاءه وسهولة التنبؤ بسلوكه عشان يحطه في وش المدفع ويرمي التهمة عليه ككبش فداء مثالي."
تبادلت نور النظر مع رامي، وقالت بصوت خفيض وهي تستحضر في ذهنها صورة الملف الأحمر المائل البارز 2 سنتيمتر على رف مكتب يونس:
«يبقى ظني كان في محله.. في حد تاني هو اللي ساب الأثر، ويونس هو الضحية الوحيدة.»
تابع الدكتور سامح حديثه بنبرة حازمة وتحذير طبي شديد الجدية:
"وسيادة المقدم.. فيه نقطة في غاية الخطورة لازم تنتبهي ليها؛ يونس مستحيل يبات ليلة واحدة في زنزانة مع باقي المساجين.. الزحمة معناها أصوات متعددة وغير منتظمة ولمس وروايح مختلفة ، كل الحاجات دي هتخلي دقات قلبه تعلى وتدخله في نوبة هلع حادة مفرطة. النوبة دي ممكن تخليه يأذي نفسه عشان يوقف الضجة اللي جوة دماغه، أو ينتهي الأمر بهبوط حاد في الدورة الدموية وقلبه يوقف تماماً من شدة الخوف والتوتر.. بقاؤه تحت خطورة مباشرة على حياته."
اتسعت حدقتا نور بصدمة، ثم التفتت فوراً لزميلها وقالت بأمر قاطع:
"يونس مش هينزل الحجز تحت تاني نهائياً .. الراجل ده هيفضل قاعد فوق، إما في مكتبي أو في مكتبك لحد ما نخلص الإجراءات."
أومأ رامي موافقاً، وفي تلك اللحظة تعالت عند نهاية الممر أصوات خطوات قلقة وسريعة. تقدم شاب ثلاثيني يرتدي بدلة رسمية أنيقة وذو ملامح واثقة - هو الأستاذ زياد المرسي، زوج سلمى ومحاميهم. وتتبعه السيدة المسنة أمينة (والدة يونس) وسلمى ابنتها يظهر على وجهيهما الإرهاق والترقب
وقف الشاب أمام نور ورامي، وقال بنبرة هادئة ومحترمة:
"مساء الخير يا فندم.. المقدم نور السيد؟ أنا الأستاذ زياد المرسي، محامي يونس أحمد.. ودي والدته الحاجة أمينة، وآنسة سلمى أخته. إحنا عرفنا بالتوقيف وجينا فوراً عشان نتابع الإجراءات القانونية."
نظرت نور إليه بتقدير، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة لتطمئنهم:
"أهلاً يا أستاذ زياد.. اتفضلوا حضراتكم معايا على المكتب، يونس جوة ومتقلقوش عليه."
دخل الجميع إلى المكتب. ما إن رأى يونس وجوههم حتى انتفض في جلسته وعادت أنفاسه تتسارع بحذر، لكن أمينة، بحس الأم الذي يحفظ شفرته الفريدة عن ظهر قلب، تقدمت بخطوات ثابتة نحوه دون تردد؛ فهي الجدار الآمن والوحيدة في هذا العالم التي لا تثير لمستها الفوضى في جسده. اقتربت منه ووضعت كفيها برفق على ذراعيه، ثم اخذته بحضن دافئ وربتت على ظهره بضربات هادئة ومنتظمة، لتقول بنبرة حنونة تنزل كالترياق على عقله:
"اهدى يا يونس.. اهدى يا حبيبي، أمك معاك أهو.. اتنفس بالراحة.. واحد.. اتنين.. تلاتة.."
سمع يونس صوت والدته واستشعر الإيقاع، فبدأت أنفاسه تهدأ تدريجياً. أما سلمى، فقد جلست على طرف الكرسي البعيد تنظر إليه بدموع كتمتها بجهد، حريصة ألا تقتحم مساحته الخاصة أو تثير توتره فيكفيه ما حصل له
التفت زياد إلى نور وقال بأسلوب مهني:
"سيادة المقدم، بعد إذنك، أستأذنك في بضع دقائق للحديث مع موكلي على انفراد وفقاً لحقه القانوني."
أومأت نور برأسها وهمّت بالانسحاب والتوجه نحو الباب، لكن صوت يونس المبتور قطع خطوتها وهو يقول بثبات ورتابة غريبة:
"أستاذة نور.. حضرتك ممكن تفضلي قاعدة معانا.. حضورك مش بيعمل لي دوشة، ووجودك مش بيلخبط الأرقام."
توقفت نور بذهول، والتفت زياد إلى يونس بدهشة واستغراب ملحوظين؛ فيونس لا يرتاح لوجود الغرباء عادة ولا يمنحهم هذه المساحة من الأمان بسهولة، فنظر إلى نور بتساؤل صامت. ابتسمت نور بهدوء وعادت لتجلس في زاوية المكتب احتراماً لرغبته ولتلك الدرجة العالية من الأمان التي منحها إياها.
تقدم زياد واقفاً على مسافة آمنة من يونس، وقال بنبرة دافئة وواثقة:
"يونس.. أنا هنا عشان أدافع عنك. أنا عارف كويس إنك عمرك ما تمد إيدك على حاجة مش بتاعتك، والأرقام اللي اتلخبطت دي فيه حد تعمد يحطها عشان يلبسك التهمة.. متخافش، أنا مش هسيبك، وكل رقم هيرجع لمكانه الصحيح."
أغلق يونس عينيه برهة، ونزل زفيره المجهد بهدوء بعدما استشعر وجود حصنه العائلي الأليف، بينما كانت نور ترقب المشهد بتركيز شديد، وفي رأسها تتأكد الحقيقة الأخيرة: يونس بريء، والفاعل الحقيقي ينتظر من يكشف أوراقه.
