رواية الزاويه 45 الفصل الثالث
رواية " الزاوية 45" بقلم فاطمة مالكي
الفصل الثالث
أُغلقت ضلفة الباب الخشبي الثقيل بصوت مكتوم خافت، ليتسلل الهدوء الشديد إلى مكتب المقدم نور بقسم الشرطة عقب خروج أمينة وابنتها سلمى. كان المحامي الشاب زياد قد التفت نحو يونس عند العتبة الأخيرة، ووقف على مسافة آمنة دون أن يمد يده أو يلمسه نهائيًا، قائلًا بنبرة خفيضة تمتلئ بالصدق والحرارة:
«أنا مش هسكت يا يونس.. والحقيقة كلها هتطلع، أوعدك.»
ثم غابوا جميعًا خلف الباب، لتنتهي أصوات الخطوات المبتعدة في الممر المبلط، وتترك خلفها صمتًا خناقًا يخيّم على أركان المكان، وكأن الجدران نفسها حبست أنفاسها انتظارًا لما سيأتي.
ساد السكون في المكتب. كانت المقدم نور تجلس على الكرسي المقابل ليونس، تراقبه في صمت يتجرد من الرسميات الوظيفية ويمتد إلى أعماق الفهم النفسي. كان ضوء المصباح المعلق فوقهما يرتجف قليلاً بفعل تيار هواء خفيف يتسلل من نافذة موصدة بإحكام، فيرسم على الحائط ظلالًا متذبذبة لا تستقر على شكل واحد. لم يكن يونس ينظر نحو الباب المنغلق، ولا نحو خطوط الظل الممتدة عند العتبة الخشبية، بل كانت عيناه المشتتتان مثبتتين بتركيز متيبس على الكوب الفخاري المتروك فوق الطاولة الزجاجية الصغرى. كان يتأمل حافة الكوب بدقة متناهية، يقيس المسافة بين قاعدته وحافة الطاولة بحدقتين لا ترمشان، كأنما يتثبت من إحداثيات المكان البصري لئلا ينهار الهيكل المغلق فوق رأسه.
انحنت نور بجسدها إلى الأمام ببطء شديد، وتأملت وجه يونس الخالي تمامًا من التعبيرات الانفعالية المألوفة؛ فلا خوف ظاهري يرتسم على الجبين، ولا غضب يلوح في شفتيه المطبقتين، بل جمود صلب كالمعدة يداري تحته زلزالاً حسياً مكتومًا ينبض في عروقه. سألته بهدوء مركز ونبرة دافئة:
«هو فيه حد غيرك عنده الباسورد بتاعك على السيستم يا يونس؟»
لم يتردد يونس، ولم يحتج لبرهة واحدة لتجميع ذكرياته أو مراجعة أفكاره، فعقله لا يخزن الأحداث كذكريات ضبابية تخضع للتأويل أو النسيان، بل يتعامل معها كملفات رقمية صلبة، منسقة ومؤرخة بالدقائق والثواني والتفاصيل اللوجستية. رفع عينيه نحوها — لا إلى عينيها مباشرة بل إلى زر بدلتها العلوي الدائري — وقال بنبرة جافة ومحددة كأنما يقرأ سطرًا برمجيًا من شاشة معتمة:
«يوم 5 أبريل، الساعة 3:14 مساءً بالتوقيت المحلي لمدينة القاهرة.. دخل طارق بيه السيوفي مكتبي. كان لابس بدلة كحلي، ، وكرافته حمرا، . وقف في المساحة المخصصة للرؤية بيني وبين الرف الخشبي، وقال لي إن فيه حالة طوارئ في البنك ومحتاجين الباسورد بتاعك فوراً عشان يفكوا الحظر المالي عن الحساب الفرعي تحت بند (طوارئ السيولة).. وقال لي: ما تغيرهوش خالص لحد ما أخلص الإجراءات.»
توقفت نور عن الحركة لثوانٍ كاملة، واستجمعت التاريخ والساعة في ذهنها المحترف، حيث بدأت الخيوط الأولى المقطوعة تلتئم في خط زمني واحد. شعرت بشيء يشبه القشعريرة الخفيفة يسري في ذراعها؛ فالتفاصيل التي يسردها يونس بلا تردد لم تكن كلام متهم يبرر نفسه، بل كانت أقرب إلى تسجيل صوتي محايد لا يعرف الكذب طريقًا إليه. أومأت برأسها ببطء شديد، ثم وقفت من مكانها وقالت بنبرة تحمل حنوًا صادقًا ومطمئنًا:
«مامتك جابت لك أكل يا يونس... كُل وارتاح، وأنا هروح أكمل شغلي في مكتب تاني.»
استأذنت نور وخرجت متجهةً بخطوات سريعة عبر الممر المعتم نحو مكتب الضابط رامي، حيث كانت رائحة القهوة المرة المحروقة تملأ الممر الضيق قادمة من ماكينة قديمة عند الزاوية. دخلت ودَفعت الباب خلفها، ثم جلست على الكرسي المقابل لمكتبه فوراً دون أي تمهيد:
«رامي.. يونس قال إن طارق السيوفي أخد منه الباسورد يوم 5 أبريل الساعة 3:14 مساءً بحجة طوارئ السيولة ف البنك!»
فتح رامي الملف المفرود أمامه فوراً، وتنقلت عيناه بذهول بين الأسطر والمستندات الرسمية، ثم رفع رأسه ونظر لنور بجدية قاطعة:
«ده نفس التاريخ يا نور! أول اختلاس اتعمل من الحساب الفرعي كان يوم 5 أبريل الساعة 3:30 مساءً.. يعني بعد 16 دقيقة بالظبط من أخذ الباسورد! أخد الكود واستغله فاعلية في نفس اللحظة!»
بدأ رامي يقلّب أوراق ملف الضبط التحفظي، وأضاف وهو يشير بسبابته إلى أرقام الصفحات المطوية: «بس المثير يا نور إن القوة لما راحت تفتش مكتب يونس في الشركة بعد البلاغ الرسمي، لقوا الملف ده مخفي في الدرج السفلي لمكتبه... وجواه كل الأوراق الرسمية المطبوعة والتسويات المجمعة اللي تثبت إن يونس هو اللي قام بكل التحويلات دي لحسابه الشخصي.»
ثم امتدت يد رامي إلى الحافظة البلاستيكية الشفافة المستقرة عند زاوية المكتب، وأخرج ملفاً أملس ووضعه فوق الطاولة الخشبية بينهما. ما إن وقعت عين نور عليه حتى اتسعت حدقتاها واندفعت أنفاسها في ذهول مكتوم؛ كان الملف أحمر اللون. أحمر قانٍ يستقر في قاع قضية المشتريات.
توقفت نور في مكانها تمامًا، وعبرت في ذهنها فورًا تفاصيل معاينتها الأولى والدقيقة لمكتب يونس في مقر شركة "البراق"؛ تذكرت النسق اللوني الصارم للملفات على الأرفف الخشبية الخمسة، وكيف كان كل لون يستقر في زاويته المحددة بلا أدنى تداخل أو عشوائية، وكأن المكتب بأكمله لوحة هندسية مرسومة بمسطرة لا تحتمل أي انحراف.
اندفعت نور فوراً عائدة إلى الغرفة التي يتواجد بها يونس. فتحت الباب ووقفت أمامه بشكل مباشر، وسألته بنبرة قاطعة ومباشرة:
«يونس... هو نظام ترتيب الملفات بالألوان عندك في المكتب قائم على إيه بالظبط؟»
نظر إليها يونس برتابة ميكانيكية، وأجابها بدقة هندسية لا تحتمل اللبس:
«خمسة أرفف خشبية مقسمة لستة ألوان.. الأحمر للمبيعات، الأزرق للمشتريات، الأصفر للرواتب، الأخضر للضرائب، الأبيض للمراسلات، والأسود للأرشيف. الألوان ما ينفعش تتداخل؛ لأن تداخل الألوان بيكسر زاوية الرؤية وبيعمل فوضى حسية شديدة... والفوضى بتوجع.»
قاطعتها نور بتركيز وهي تتأمل تعبيرات وجهه:
«طب والدرج السفلي لمكتبك يا يونس؟ بتحط فيه إيه؟»
نظر إليها يونس بنبرة قاطعة ومستغربة من السؤال:
«الدرج السفلي فارغ.. أنا مابحطش أي حاجة في الدرج السفلي إطلاقاً. الأرفف هي المكان الصحيح والوحيد.»
استمعت نور لردّه الذي يطابق أدق تفاصيل معاينتها الميدانية السابقة، واستجمعت العصب الجنائي للقضية؛ فوجود ملف أحمر للمبيعات مخفيًا في درج سفلي فارغ يتناقض جذرياً مع التركيبة النفسية الصارمة للمتهم ويستحيل أن يكون من فعله.
ثم فرك يونس كفيه بتردد حاد، وجمع شتات نبرته ليطلب منها شيئاً غير مألوف بلغة خفيضة يملؤها الالتماس: «حضرة المقدم... أنا محتاج أوراق بيضاء ناصعة مقاس A4 ملهاش سطور، وأقلام حبر جاف أسود وأحمر بسنّ 0.5 مليمتر تحديداً.. عشان أعرف أعد الخطوط وأظبط المساحات.. المكان هنا خطوطه مائلة والفوضى بتزيد ف دماغي.»
أومأت نور برأسها بتفهم عميق وقالت: «حاضر يا يونس، هخليهم يجيبوا لك الورق والأقلام فوراً.. ارتاح أنت دلوقتي.»
خرجت نور من الغرفة وعادت إلى مكتب رامي، وقالت بصرامة وهي تضع خطة الغد الميدانية: «رامي... بكرة الصبح من نجمة الفجر تبعت تجيب المحاسبين اللي بيشتغلوا مع يونس في نفس القسم: منال، ورؤوف، وخالد. لازم نحقق معاهم ونفهم كل حاجة عن طبيعة شغله وترتيبه للملفات.»
بعد أن غادرت نور وأُغلق الباب الخشبي، خيم سكون ثقيل وموحش على الغرفة، ومعه انقلبت حالة الجمود الظاهري ليونس إلى توتر حسي حاد بدأ يلتهم جسده ونفسه بالكامل. كانت عقارب الساعة المعلقة فوق الباب تتحرك بصوت "تيك" جاف رتيب، وكل نقرة منها كانت تخترق أذنه كطلقة صغيرة تُذكّره بأن الوقت يمر خارج نطاق سيطرته.
لم يستطع يونس أن يلمس وجبة الطعام المتروكة فوق الطاولة، ولا أن يجلس على الكنبة الجلدية الصلبة التي تنبعث منها رائحة الغبار المكتوم. كان التواجد في هذا المكان الغريب لحوالي اثنتي عشرة ساعة متواصلة يضغط على أعصابه كدوار لا يرحم؛ رائحة المطهر الصنوبري النفاذة تطارد تجويف أنفه وتتجسد في مخيلته كرذاذ أصفر لزج يملأ الفراغ، وتعرجات الجدران الخالية من الأرفف تجعل المكان حوله بلا زوايا هندسية آمنة.
نهض يونس من مكانه ببطء شديد، ويداه ترتجفان بجوار جانبيه في تقلصات متكررة. لم يكن قادرًا على النوم، ولا على القعود مرتاحًا، ولا على استيعاب الفوضى الجنائية التي تحاصره. بدأ يذرع الأرضية الرمادية بخطوات مضطربة وعينين متسعتين بالخوف والضياع؛ أربع خطوات إلى الأمام يبدأها بالقدم اليسرى، ثم دوران مشدود بالكامل بزاوية 180 درجة، ثم أربع خطوات إلى الخلف.
كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متسارعة، وأذناه ترصدان طنين التكييف القديم الذي اهتز برهة فكسر تردد الـ 50 هرتز المعتاد، ليتحول الصوت في أذنه إلى قرع طبول مزعج. كان يحسب دقات قلبه مع كل دورة كاملة: 78... 84... 82... 89... التذبذب المرتفع يعني أن نوبة الهلع باتت على مسافة دقة واحدة.
اقترب من الطاولة، وبأصابع ترتجف امتدت سبابته ليدفع قاعدة الكوب الفخاري المائل مسافة مليمترين نحو اليسار، حتى أصبحت حافته متعامدة تماماً وبزاوية 90 درجة مع حافة الطاولة، وحين استقرت الحافة أخيرًا في موضعها الصحيح، خفتت رعشة يده قليلاً كأن الكون نفسه استعاد توازنه للحظة.
وحين فتح العسكري الباب وأدخل له الأوراق البيضاء الناصعة والأقلام الجافة بالسن المحدد (0.5 ملم)، أخذها يونس منه بحذر ووضعها فوق الطاولة، ثم جلس على الكرسي. أخرج من جيبه المنديل المبلل، وأمضى ثلاث دقائق كاملة يطهر أنبوبة القلم الأحمر بخطوط مستقيمة من الأعلى للأسفل، ثم بدأ يرسم على الورقة خطوطًا متوازية بمسافات هندسية دقيقة؛ سنتيمتر واحد تمامًا بين كل خط وآخر، ممارساً طقسه العصبي القاسي لإعادة السيطرة على الفوضى البصرية التي تهدد عقله، وكأن كل خط يرسمه هو حاجز صغير يفصله عن انهيار وشيك.
في الصباح التالي، وفي تمام الساعة الثامنة والنصف، كانت أشعة شمس باهتة تتسلل من فتحة صغيرة أعلى النافذة المغلقة، تسقط على سطح الطاولة البيضاوية في غرفة التحقيق المعتمة. كانت نور تجلس عند رأس الطاولة بعد أن وصلت القوة الأمنية بالمحاسبين الثلاثة من شركة "البراق": منال، ورؤوف، وخالد، حيث أُبقي عليهم في صالة الانتظار الخارجية لاستدعائهم واحدًا تلو الآخر.
دخلت منال أولاً، وهي تفرك يديها المتوترتين وتتنقل بنظرها بين نور ورامي قبل أن تجلس على الكرسي بحذر، وكأنها تخشى أن يصدر عن الخشب صريرًا يفضح توترها. بدأت نور التحقيق بنبرة هادئة روتينية، بينما فتح رامي دفتر المحاضر لتسجيل الأقوال:
«اسمك بالكامل، ووظيفتك في الشركة؟»
ردت منال بصوت مرتجف قليلاً:
«منال حسين فتحي، محاسبة في قسم الحسابات.»
سألتها نور: «والقسم ده تابع لمين بالظبط؟»
«تابع للأستاذ يونس أحمد عبد الله.. هو رئيس الحسابات ومسؤول عن القسم بالكامل، وإحنا التلاتة — أنا وخالد ورؤوف — بنشتغل تحت إشرافه المباشر.»
أومأت نور برأسها وانتقلت للسؤال الجوهري:
«طيب، من واقع تعاملكم اليومي، كلميني عن علاقتك بيه.. وفي رأيك، ممكن يختلس 5 ملايين جنيه من حسابات الشركة؟»
ترددت منال وقالت:
«علاقتنا بيه رسمية جداً يا فندم، مفيش أي اختلاط أو كلام جانبي.. يونس عايش في عالمه الخاص، مبيسلمش حتى بإيده ولا بيشاركنا في أي مناسبة. أما موضوع الاختلاس ده ما نقدرش نحكم عليه.. الفلوس تزغلل العين، وهو شخص مقفول تماماً على نفسه.»
سألتها نور بصوت قاطع:
«طب كلميني عن الملف الأحمر في مكتبه... مكانه فين بالظبط؟»
ردت منال بصرامة وتأكيد:
«الملف الأحمر ده بتاع المبيعات، ومكانه المقدس الرف العلوي الأول من غير نقاش. ده إحنا لو الملف ده بس اتحط في مكان غلط، يونس بتجيله نوبة هلع شديدة! بيقعد يصرخ ويرتجف لحد ما يرجع كل حاجة لمكانها الصح! مستحيل يونس بنفسه يحط الملف الأحمر في مكان غير مكانه.»
أمرت نور بانصرافها، فخرجت منال وهي تضم دفترها الصغير إلى صدرها، ودخل خالد منفردًا يخطو بحذر ملحوظ، وجلس أمام الطاولة وظهره منتصب أكثر من اللازم. سألته نور بنفس الأسلوب الروتيني:
«اسمك كامل، ووظيفتك؟»
«خالد سامي عزت، محاسب في قسم الحسابات، تحت رئاسة الأستاذ يونس.»
«وإزاي تصف تعاملك معاه في الشغل؟»
نظر خالد لنور بنبرة حذرة:
«هو دقيق زيادة عن اللزوم يا سيادة المقدم، والدقة المفرطة دي بتبقى غطاء لواحد بيخطط لحاجة كبيرة.. بس كزملاء ما شفناش منه تصرف يقطع بإنه ممكن يمد إيده على مليم.»
سألته نور عن الملف الأسود تحديدًا، فأجاب بدون تردد:
«الأسود ده بتاع الأرشيف، ومكانه الرف الأخير تحت. النظام عنده مقدّس.. محدش فينا يقدر يلمس الملف الأسود أو يغير مكانه من الأساس؛ لو اتحرك من مكانه هتلاقيه بيتنرفز ويرتجف لحد ما يرجعه بنفسه.»
خرج خالد، ودخل رؤوف أخيرًا ليدلي بأقواله بمعزل عن زملائه، بوجه شاحب وأصابع تعبث بحافة سترته. سألته نور:
«اسمك كامل، ووظيفتك؟»
«رؤوف مجدي لطفي، محاسب في قسم الحسابات برئاسة الأستاذ يونس أحمد عبد الله.»
«طب من واقع شغلك جنبه، تقول عليه إيه؟»
«شخص منظم جداً، دقيق لأبعد درجة، بس ما بيتكلمش كتير معانا.»
سألته نور عن الملف الأصفر تحديدًا:
«الأصفر بتاع الرواتب، وله رف مخصص وسط الأرفف. تداخل الألوان بالنسبة ليونس بيعمل فوضى حسية ما بيتحملهاش، ومستحيل يتقبل وجود ملف في غير مكانه.. لو حصل كده هتشوفه بيعد الخطوط ويرصّ الورق لحد ما يهدى.»
تطابقت الشهادات الثلاث المنفردة تمامًا دون أدنى تنسيق بينهم — كل واحد شهد عن لون مختلف من ألوان الملفات، لكنهم أجمعوا جميعًا على نفس رد الفعل النفسي الحاد عند أي اضطراب في الترتيب — مما أثبت لنور رسميًا أن وجود الملف الأحمر في الدرج السفلي هو فعل بفبركة خارجية يستحيل أن يصدر عن يونس.
جمعت نور المحاضر الرسمية، والتقرير الطبي النفسي المفصل الصادر عن الدكتور سامح بخصوص حالة يونس العصبية، والشهادات القاطعة للمحاسبين، وتوجهت مباشرة إلى المقر الفخم لرئيس النيابة العامة.
في المكتب الفسيح ذي الجدران الخشبية الداكنة والأثاث الجلد الفاخر، حيث كانت رائحة السجائر القديمة لا تزال عالقة في الستائر الثقيلة رغم النافذة المفتوحة، عرضت نور أوراق القضية والتواريخ المضبوطة وأقوال المحاسبين أمام رئيس النيابة.
قالت نور توضح التفاصيل الزمنية والدوافع المريبة في القضية:
«الباسورد اتأخد من يونس يوم 5 أبريل الساعة 3:14 مساءً بحجة (طوارئ السيولة)، وأول تحويل اتعمل الساعة 3:30 مساءً في نفس اليوم. التحويلات استمرت ست أشهر بمبالغ صغيرة تقارب 100 ألف جنيه كل 4 أو 5 أيام، لحد ما التقرير كشف الـ 5 ملايين يوم 5 أكتوبر. ولما سألت يونس، قال لي إن طارق بيه السيوفي هو الشخص الوحيد اللي أخد منه الباسورد وأمره إنه ما يغيروش خالص.»
سكتت نور قليلاً، ثم أضافت بنبرة تطرح تساؤلاً أعمق يتحدى الفهم التقليدي للجريمة:
«بس فيه سؤال أعمق يا فندم... طارق السيوفي هو المالك الوحيد للشركة ومالوش أي شريك، ليه صاحب الشركة يختلس من شركته الخاصة وعلى مدار ست أشهر؟ العملية دي مش مجرد طمع في فلوس... فيه سبب أكبر بكثير وراء التحويلات دي، وأنا مصممة أعرفه.»
ثم وقفت نور بثقة ونظرة حادة وقالت مستطردة بخصوص الوضع الصحي للمتهم:
«سيادة النائب.. إحنا مش هنقدر نخليه في القسم أكتر من كده يا فندم.. واحد زي يونس محتاج النظام ومحتاج النظافة والهدوء، وهو بقاله حوالي 12 ساعة في المكان، وأنا خايفة تجيله نوبة هلع حادة ويأذي نفسه ف المكان هنا.»
تأمل رئيس النيابة التقرير الطبي ومحاضر الاستجواب بصمت طويل، وأصابعه تطرق سطح المكتب ببطء كأنها تقيس وزن القرار الذي يوشك أن يتخذه، ثم رفع عينيه ونظر لنور متسائلاً: «وإيه العمل يا نور؟»
ردت نور بسرعة وضبط دقيق للإجراءات الأمنية: «نبعته لبيتهم ونخلي عسكري حراسة واقف قدام باب الشقة أو العمارة عشان يضمن عدم خروجه.. وأنا متأكدة إنه مستحيل يفكر يهرب.»
أومأ رئيس النيابة بموافقته الرسمية وقال وهو يمسك بالقلم ليوقع القرار: «تمام.. خليه يطلع دلوقتي.»
فقالت نور فوراً لتصحيح التسلسل الميداني: «لا.. كمان ساعة ابعته مع العسكري، لأني دلوقتي رايحة بيتهم عندي أسئلة لوالدته تخص تفاصيل قديمة عن العيلة والشركة، وأول ما أخلص المعاينة والأسئلة يوصل يونس ويثبت في بيته تحت الإقامة الجبرية.»
وقّع رئيس النيابة على القرار وأعطاه لنور وهو يقول: «موافق يا مقدم نور.. قدامك أسبوع واحد تكشفي فيه أسرار القضية دي بالكامل وتواجهي طارق السيوفي.»
في نفس الأثناء، وفي الطابق العلوي ذي واجهات الزجاج الداكن لمقر شركة "البراق للاستيراد والتصدير"، حيث كانت مدينة القاهرة تمتد أسفل النافذة الضخمة كخريطة صامتة من الأسطح والضوضاء البعيدة، كان طارق السيوفي يقف خلف مكتبه الفاخر والمصنوع من أخشاب الماهوجني المصقولة، ممسكًا ببعض الأوراق الحسابية والشرر يتطاير من عينيه، بينما دخلت سكرتيرته بخطوات متوجسة ونظرات خائفة.
نظر إليها طارق بنبرة حادة وصوت جهوري يملؤه التوتر المكتوم والعدوانية المفاجئة:
«نزلي إعلان فوراً إننا محتاجين محاسب عام جديد للشركة مكان يونس!»
ترددت السكرتيرة قليلاً وهي تمسك بدفترها، ثم سألت بفضول حذر ولهجة مضطربة:
«و... ويا فندم، وأستاذ يونس؟ الإجراءات الرسمية لسه...»
استدار طارق ونظر إليها بعيون تشتعل غضباً وحنقاً، وصارخ في وجهها بصوت زلزل أرجاء الغرفة الزجاجية الفاخرة، حتى ارتجفت الكأس الفارغة على حافة المكتب من قوة صوته:
«يونس إيه؟! الراجل سرق 5 مليون جنيه من الشركة وأنتِ جاية تقولي لي يونس؟ غوري من وشي ونفذي اللي قلت لك عليه فوراً!»
خرجت السكرتيرة مسرعة وأغلقت الباب خلفها بحذر شديد لتهرب من ثورته. سحب طارق هاتفه المحمول من فوق المكتب فوراً، وطلب رقم المحامي الخاص بالشركة، ثم وضع الهاتف على أذنه ينتظر الرد وهو يذرع الغرفة الفسيحة جيئة وذهاباً بخطوات ثقيلة، وظله الطويل ينعكس على أرضية الرخام اللامعة كطيف مضطرب لا يهدأ.
ما إن جاءه صوت المحامي عبر الخط حتى قال طارق بنبرة قاطعة وخالية من أي رحمة أو تردد:
«أنا عاوز يونس يغرق يا أستاذ... مش عاوز ولا ثغرة واحدة في القضية تخليه يقدر يطلع منها، فاهم؟ عاوز الورق يقفل عليه من كل اتجاه!»
جاءه صوت المحامي هادئاً ومطمئناً من الطرف الآخر:
«ما تخافش يا طارق بيه... القضية لابساه من الساس للرأس، والأوراق والملفات المكتشفة في درج مكتبه تقفل أي باب للخروج أو التشكيك، النيابة ماشية في السكة اللي خططنا لها بالظبط.»
أغلق طارق المكالمة، وألقى الهاتف بقوة فوق السطح الخشبي الفاخر ليصدر صوتاً عالياً. أرجح جسده الضخم إلى الخلف، وأسند ظهره على الكرسي الجلد الفخم، وأغمض عينيه وهو يبتسم ابتسامة مسمومة بانتصار مظلم، ثم همس لنفسه بنبرة ارتياح عميقة خرجت من قاع صدره، بينما بقيت الشمس الغاربة خلف الزجاج تصبغ الغرفة بضوء برتقالي بارد لا يشبه الدفء في شيء:
«أخيراً... هخلص منك ومن قرفك يا يونس.»
