رواية الزاوية 45 الفصل الرابع 4 بقلم فاطمه مالكي


 رواية الزاوية 45 الفصل الرابع  

خرجت نور من مكتب رئيس النيابة وهي تحمل القرار الموقع في ظرف بنيّ صغير. في يدها الأخرى، ملف القضية رقم 442 — الآن ثقيلًا بشهادات المحاسبين وتقرير الطبيب النفسي وصورة الملف الأحمر. لكنها كانت تعلم أن الأدلة المادية تُثبت "كيف" وُقعت الجريمة فقط، لكنها لا تكفي لإدانة رجل بحجم طارق؛ فالقانون يُطالب بإثبات "الدافع"، والدوافع المعقدة التي تخلق مثل هذه الجرائم لا تُوجد في أوراق الشركات، بل تكمن دائمًا في الأسرار والأحقاد المدفونة داخل العائلات.
استقلت سيارة الشرطة، وتوجهت مباشرة نحو الحي القاطن فيه يونس وعائلته. شوارع ضيقة، أبنية قديمة، أشجار ليمون تتدلى فوق سور حديدي متهالك. توقفت أمام عمارة مكونة من أربعة طوابق، مدهونة بالكامل بلون رمادي موحد ونظيف. استغربت نور هذا اللون المخالف لباقي عمارات الشارع، لكنها أدركت فورًا أن يونس هو من قام بدهنها لتبدو بلون واحد متناسق يريح عينيه بلا فوضى. بلكونات حديدية، ورقم العمارة: 17. شقة يونس في الطابق الثاني.
صعدت الدرج، ولاحظت أن الدرجات متساوية الارتفاع تمامًا.
طرقت الباب وانتظرت. سمعت خطوات خفيفة من الداخل، ثم فتحت أمينة. كانت ترتدي ثوبًا أبيض، وشعرها الرمادي مربوط في ذيل حصان. عيناها حمراوتان، فقد كانت تبكي قبل أن تفتح الباب، لكنها ابتسمت ابتسامة هادئة:
"أهلاً يا بنتي... اتفضلي."
دخلت نور. الصالون كان أكثر تنظيمًا مما توقعت. الكنبة الرمادية مواجهة للتلفاز بزاوية قائمة. الوسائد الثلاث موزعة بنفس المسافة: واحدة على اليمين، واحدة في الوسط، وواحدة على اليسار. المجلة على الطاولة الزجاجية متعامدة مع الحافة. حتى رائحة البيت كانت مختلفة: بخور خفيف، ثم شاي بالنعناع. على الحائط المقابل، لاحظت نور صورة عائلية قديمة معلقة بميزان دقيق — أمينة، طفلان صغيران، ولا أثر لزوجها فيها. البيت كان هادئًا.
جلست نور على حافة الكنبة. لاحظت أيضًا أن الستائر كانت نصف مسدلة بدقة متساوية على النافذتين، وأن ساعة الحائط كانت مضبوطة، كأن يدًا حريصة عدّلتها ألف مرة حتى استقرت عند الزاوية الصحيحة تمامًا.
قدمت أمينة الشاي لنور. لم تقدم لنفسها.
"مش هتشربي معايا؟" سألت نور.
"لا يا بنتي... أنا بشرب الشاي الساعة 5 بالظبط. دلوقتي الساعة 2:17. مش وقتي."
ابتسمت نور. كانت ترى يونس في كل تفصيل. في كل ركن في البيت.
شربت نور رشفة صغيرة من الشاي، ثم قالت: «معلقتين سكر وورقة نعناع... عرفتِ منين إنّي بحبه كده؟»
ردت أمينة: "حكم العادة يا بنتي... يونس بيشربه كده، فبقينا كلنا بنشربه كده، ونسيت أسألك بتشربيه إزاي."
ابتسمت نور بهدوء: "ولا يهمك يا حاجة، مظبوط تمامًا."
ساد صمت قصير، مليء بشيء لم تستطع نور تسميته بعد — كأن كلتيهما تدركان أن الحديث القادم سيفتح بابًا لا يُغلق بسهولة.
في هذه اللحظة، دخلت سلمى الصالون بخطوات سريعة، وجهها شاحب، هاتفها المحمول في يدها:
"ماما... زياد اتصل. قالي إن يونس حيخرج من القسم، وحيقعد هنا في البيت بس تحت حاجة اسمها... إقامة جبرية. بس ما شرحليش المعنى بالظبط." التفتت نحو نور: "حضرتك تقدري توضحيلي معناها إيه؟"
ابتسمت نور ابتسامة مطمئنة لترد عليها: «معناها ببساطة إن يونس هيرجع البيت بدل ما يفضل في القسم، بس مش هيقدر يخرج من الشقة خالص لحد ما القضية تتحل. هيكون فيه عسكري واقف قدام باب العمارة يتأكد إنه ملتزم بمكانه. ده أرحم بكتير من إنه يفضل في القسم، خصوصًا في حالته.»
تنفست سلمى الصعداء: "الحمد لله... كنت خايفة يكون في حاجة أوحش."
نظرت أمينة إلى ابنتها بحنان، ثم قالت: "روحي يا حبيبتي حضري له لقمة يأكلها عشان أنا عارفة إنه مأكلش حاجة من اللي أخدتها له."
خرجت سلمى، وعادت أمينة إلى نور بنظرة أكثر جدية.
"حاجة أمينة..." قالت نور، "أنا جاية أسألك عن طبيعة العلاقة اللي بتجمع عيلتكم بطارق السيوفي."
قطعت أمينة نظرتها للحظة، وسألتها باستغراب مشوب بالحذر: "وإيه اللي خلاكي تفكري إن في بينّا وبينه أي علاقة يا بنتي؟"
ردت نور بهدوء وإقناع: "لأن مش من الطبيعي أبدًا إن صاحب شركة — الفلوس كلها بتاعته وتحت إيده — يختلس 5 ملايين جنيه من شركته الخاصة، ويوجّه التهمة لمحاسب شغال عنده! تصرف زي ده معناه إن القضية مش مجرد سرقة فلوس... أكيد في سر خفي وعلاقة غير معلنة هي السبب في كل اللي بيحصل."
تنهدت أمينة بصمت ثقيل، ولم تندهش من استنتاج نور، كأنها كانت تنتظر هذا السؤال منذ أن عرفت بتهمة الاختلاس.
نهضت ببطء، ومشت نحو دولاب قديم من الخشب الداكن. فتحته بمفتاح معلق في سلسلة فضية حول رقبتها. أخرجت منه صندوقًا حديديًا صغيرًا، ووضعته على الطاولة بينهما، ثم فتحته ليتكشف داخله ورق أصفر وصور قديمة.
"دي..." قالت أمينة وهي تُخرج الورقة الأولى،"عقد زواج شرعي. بيني وبين عبدالله السيوفي... أبو طارق."
نظرت نور إلى الورقة بذهول. التاريخ: منذ 40 عامًا. الأسماء واضحة، توقيع المأذون، وأسماء الشهود.
"شرعي؟" سألت نور. "مش عرفي؟"
هزت أمينة رأسها بثقة: "شرعي يا بنتي... بمأذون وشهود والحارة كلها حضرت الفرح. مكنش في حاجة مستخبية يومها، أنا اتجوزت جواز صحيح ومعلن."
سكتت أمينة قليلاً تستعيد الذاكرة، ثم تابعت: "عبدالله كان راجل طيب، بس عيلته كانت قاسية. أبوه هدد ه: يا يتجوز بنت عمته، يا يحرمنا منه وما نشوفهوش تاني. عبدالله ما قدرش يواجههم، وما قدرش يطلقني... لما قرر أبوه يجوزه، جالي يومها بيبكي وقال لي: مش عارف هعيش إزاي من غيركم، بس أبويا راجل مفتري وممكن تضيعوا مني. هبعتلكم فلوس كل شهر مع واحد من رجالتي اللي بأمنلهم، وهنقلكم لحارة بعيدة عشان أمانكم... بس مش هعرف أتشوفكم تاني."
توقفت نور وهي تحسب التواريخ في رأسها؛ سلمى إذن لم تر أباها قط.
تابعَت أمينة وهي تشير إلى الصورة القديمة: "يونس كان طفل طبيعي وبيلعب، بس لما دخل المدرسة بدأ يتغير... الأصوات العالية تضايقه، واللمس المباشر يخوفه، ولو لعبة اتقلب مكانها يبكي بالساعات. الدكاترة قالوا لي عنده توحد ومحتاج نظام وروتين ثابت من غير أي مفاجآت... ومن يومها وأنا صممت له البيت ده وكل حياتنا على النظام ده عشان يرتاح. وفي يوم... بعد وفاة والد عبدالله، الباب خبط، ولما فتحت كان عبدالله واقف قدامي... لابس بدلة أغلى من الحارة اللي عايشين فيها، شعره أبيض بس نظرة عينه كان فيها نفس الشوق والحب بتوع زمان."
*فلاش باك*
اتسعت حدقتا أمينة بذهول وهي تنظر إلى عبدالله الواقف أمامها بعد 15 سنة من الغياب. نظر إليها بشوق وحب كبير، ثم همس بصوت خفيض: "أقدر أدخل؟"
تراجعت أمينة خطوة إلى الخلف مصدومة دون أن تنطق بحرف. خطى عبدالله إلى الداخل، وتنقلت عيناه في أرجاء الصالون باستغراب شديد؛ تأمل الأثاث الرمادي والنظام الدقيق الصارم، ثم سألها بفضول وتوجس: "البيت عامل كده ليه؟ مفيش ألوان ولا ورد زي ما كنتِ بتحبي؟"
نظرت إليه أمينة بنظرة جافة وقاسية، ثم سألته مباشرة: "راجع ليه؟"
تنفس عبدالله بعمق، والرجاء يملأ عينيه: "أبويا مات... وبكده أقدر أرجع وأعيش معاكم من غير ما حد يهددني أو يخبينا."
ولم يستطع عبدالله كتمان مشاعره أكثر من ذلك، فاندفع واحتضن أمينة وهو يبكي بصلابة منكسرة.
في تلك اللحظة بالتحديد، فُتح باب الشقة ودخل يونس عائدًا من كليته. تجمد في مكانه عند العتبة، وتسمرت حدقتاه على هذا الرجل الغريب وهو يحتضن أمه ويلمسها. اندفع يونس فورًا بنوبة صراخ حادة وهو يغطي أذنيه باضطراب شديد، وصاح بانهيار: "انت مين؟! وبتعمل ايه هنا؟! انت وسختلي ماما! ماما دايماً نظيفة... انت بتوسخها بإيديك!"
تجمد عبدالله في مكانه مصدومًا لا يفهم شيئًا. اضطربت أمينة وركضت بينهما وهي تدفع عبدالله للخلف بهدوء متوسل: "لو سمحت امشي دلوقتي... امشي وننتكلم بعدين!"
خرج عبدالله مشدوهًا، بينما واصل يونس صراخه، رافضًا حتى أن تقترب أمينة منه أو تلمسه. لم تجد أمينة مفرًا سوى أن تهرع إلى الحمام، استحمت وغيرت ملابسها بالكامل لتصبح "نظيفة" بنظره، ثم عادت إليه وأخذته في أحضانها وهي تهمس: "اهدا يا حبيبي... متخافش." أخذته إلى غرفته، غطته في السرير حتى نام.
في اليوم التالي، اكتشفت أمينة أن يونس حين استيقظ كان قد نسي الواقعة بالكامل. وعندما استشارت طبيبه النفسي، أوضح لها أن عقله قام بـ "حظر" (Block) تلقائي لتلك الذكرى المؤلمة لحماية نفسه من الصدمة.
*عودة إلى الحاضر*
تنهدت أمينة بأسى وأكملت لنور: "عبدالله كان عاوز ييجي ويتكلم مع الولاد، بس أنا منعته. قلت له: راجع بعد 15 سنة وعاوز كل حاجة ترجع زي ما هي؟ ليه... هو إحنا لعبة في إيدك؟ وجودك معناه فوضى، والفوضى بتتعب ابني. ابنك عنده توحد وأنا فضلت سنين عشان أظبط كل شبر في البيت وفي حياتنا عشان بس يعيش مرتاح... ارجع لبيتك ومراتك وانسانا. وفعلاً من يومها مارجعش، بس كان بيتصل يطمن علينا ويسأل لغاية ما انقطعت أخباره وعرفت إنه تعب فجأة واتحجز في المستشفى، وبعدها زي ما انتي عارفة والأخبار نشرت... فضل يتعالج سنين لغاية ما ربنا افتكره ومات من 7 شهور."
سألتها نور بجدية: "والوصية يا حاجة أمينة؟ عبدالله ساب وصية أو المحامي اتصل بيكم بعد وفاته؟"
هزت أمينة رأسها بنفي قاطع: "وصية؟ لأ يا بنتي... ما شفناش محامين ولا حد اتصل بينا."
نظرت نور إليها بذهول؛ طارق كان يخوض حربًا قذرة ليحرمهم من حق هم أساسًا لا يعلمون بوجوده!
وقفت نور وقالت بحسم: "حاجة أمينة... عشان أقدر أحمي يونس وأثبت الحقيقة للنيابة، أنا محتاج أآخد عقد الزواج الشرعي ده، وشهادات الميلاد الأصلية ليونس وسلمى عشان أكشف الدافع الحقيقي ورى اللي عمله طارق."
أومأت أمينة برأسها، وأخرجت شهادتي الميلاد من الصندوق وسلمتهما لنور بيدين ترتجفان: "خليهم معاكي يا بنتي... المهم براءة يونس تظهر ويرجع له حقه."
أخذت نور الأوراق بحرص وضمتها لملفها، ثم خرجت من العمارة والحقيقة تتشكل في ذهنها كقنبلة موقوتة. في هذه الأثناء، كان يونس قد وصل أخيرًا إلى بيت العائلة، برفقة زياد الذي حضر بنفسه ليصطحبه من القسم.
فتحت أمينة الباب بسرعة حين سمعت صوت المفتاح في القفل. دخل يونس بخطوات بطيئة، منهكًا، لكن عينيه لمعتا للحظة حين رأى أمه. تقدم نحوها واحتضنها بحذر شديد — احتضانًا قصيرًا، محسوبًا، لكنه حقيقي.
"رجعت يا أمي."
"الحمد لله يا حبيبي... الحمد لله."
اندفعت سلمى من غرفتها، وحين رأت يونس وزياد، أسرعت نحو يونس بلهفة وشوق: "إزيك يا حبيبي... وحشتني أوي! الحمد لله إنهم قبلوا يطلعوك!"
ثم نظرت إلى الباب وقالت بتوتر وخوف: "هو العسكري واقف بره؟ هو إحنا كمان ممنوع نخرج؟"
قاطعها زياد بنبرة مهدئة: "نتكلم بعدين يا سلمى..."
حينها، ألقت سلمى نفسها في حضن زوجها زياد وهي تبكي بصوت عالٍ لم تستطع كتمانه: "خفت ما تقدرش تطلعه ويفضل في السجن ويضيع مننا..."
احتضنها زياد بقوة، يربت على ظهرها بلطف: "إهدي يا حبيبتي...  خلاص القضية هتتحل وأنا معاكم."
التفتت سلمى إلى يونس ونظرت إليه بحنان وشوق مكبوت: "نفسي أحضنك يا يونس... أنا والله اتحممت، ولو عايز اتحمم تاني هروح أتحمم!"
نظر إليها يونس بثبات، ونطق بنبرته الجافة والمنطقية الخالية من أي انفعال: "لأ يا سلمى... التلامس بيضايقني وبيجهد عقلي، النظافة ملهاش علاقة بالموضوع."
نظرت أمينة إلى يونس بحنان: "تعالى كل حاجة يا يونس، مأكلتش من الصبح."
هز يونس رأسه وهو يحسب الوقت في ذهنه بدقة بالغة: "لأ يا أمي... عايز أستحمى الأول. أنا معفن. مش استحميت من 35 ساعة وأربع دقايق بالظبط."
دخل يونس غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء.
بعد أن أخذ يونس حمامه  وارتدى ملابس نظيفة، جلست العائلة كلها في الصالون — أمينة، يونس، سلمى، وزياد. كان الجو مشحونًا بشيء لم يستطع أحد تسميته بعد.نظرت أمينة إلى أبنائها سلمى ويونس، وقالت بصوت يرتجف: "في حاجة لازم أقولها لكم... أنا عاوزة أكلمكم عن أبوكم."
جلست على الكرسي المقابل لهما، ويداها تعبثان بطرف منديلها.
"أنا كنت متجوزة أبوكم... عبدالله السيوفي."
نظرت إلى سلمى وأكملت: "قبل ما تتولدي... عيلته أجبرته يسيبني، وهددوه إن ما اتجوزش بنت عمه يخسر عيلته كلها. هو خاف، وسابنا، وكان بيبعتلنا فلوس عن طريق واحد من رجاله لغاية ما مات من 7 شهور."
ارتجفت شفتا سلمى: "يعني... إحنا كان عندنا أب؟ كل السنين دي؟"
"أيوه يا حبيبتي. بس هو كان مجبر إنو يسيبنا أو جدكم الله يرحمه يأذينا، وهو اختار إننا نعيش في أمان وهو بعيد عنا على إننا نتأذى وهو معانا."سكتت لحظة تتأمل وجوه أبنائها. يونس كان ينظر إلى نقطة ثابتة على الحائط. سلمى كانت تمسك يد زياد بقوة تزداد مع كل كلمة.
"عبدالله السيوفي... أبوكم... هو نفسه أبو طارق السيوفي، مديرك في الشركة يا يونس."ساد صمت مطبق. سلمى نظرت إلى زياد بذهول وكأنها الآن فقط استوعبت الحقيقة، ثم قالت: "طارق بيه؟ اللي اتهم يونس ده... أخونا؟!"
أومأت أمينة برأسها، والدموع تنهمر بلا توقف.
نظر يونس إلى يديه، ثم رفع رأسه ببطء ونظر إلى أمه — لا إلى عينيها، بل إلى نقطة عند رقبتها كعادته — وقال بنبرة لا تحمل غضبًا ولا حزنًا، بل اكتشافًا هادئًا ومجردًا:
"يعني... طارق بيه أخويا. يعني هو مش بيسرق الفلوس بس ويتهمني... ده عاوز يسرق حريتي."
أمسك زياد رأسه بيديه للحظة، محاولًا استيعاب حجم ما سمعه: "ده معناه... إن القضية دي مش مجرد اختلاس. دي قضية حقد قديم من جيل كامل."
بكت سلمى بصمت طويل، وهي تحاول أن تتخيل وجه أب لم تره قط، بينما زياد يربت على كتفها في محاولة عاجزة لتخفيف وطأة الصدمة

خرجت نور من عمارة العجوزة وهي تحمل الملف بيد، والحقيقة تتشكل في ذهنها كقنبلة موقوتة. توجهت مباشرة إلى القسم، ودخلت مكتب رئيس النيابة وطلبت حضور الضابط رامي على الفور.
أفرغت محتويات الملف على الطاولة أمام رئيس النيابة ورامي: عقد الزواج الشرعي، وشهادتي الميلاد الأصلية ليونس وسلمى.
"سيادة المستشار... رامي... شوفوا التواريخ دي كويس،" قالت نور بنبرة حاسمة وهي تشير بإصبعها إلى المستندات.
تأمل رئيس النيابة المستندات بجدية، بينما قرأ رامي البيانات بصوت عالٍ: "عبدالله السيوفي... الأب المسجل ليونس وسلمى."
"الجديد والمهم مش بس النسب،" تابعت نور وهي تسحب تقرير التحريات وبيانات الحسابات البنكية: "عبدالله السيوفي مات من 7 أشهر بالظبط. وتقرير المحاسبين المالي وبيانات التحويلات بيقول إن بداية التخطيط لفبركة تحويلات الاختلاس على حساب يونس بدأت من 6 أشهر... يعني بعد الوفاة بشهر واحد فقط!"
ضيق رئيس النيابة عينيه مستنتجًا: "قصدك إن الاختلاس مش مجرد جشع مالي... ده تحرك استباقي؟"
"بالظبط يا فندم!" أكدت نور بقوة."طارق اكتشف بعد وفاة أبوه وجود ورثة شرعيين، أو اتفتحت وصية مغلقة. وبدل ما يسلمهم حقهم، بدأ يخطط فورًا لتدمير يونس قانونيًا وإثبات إنه خائن للأمانة عشان يحرمه من الميراث ويسقط أهليته الأخلاقية والقانونية قبل ما يعرف أصلًا إن له حق. والأهم من ده كله... لو كان تم حصر تركة أو إشهار إعلام وراثة بدون حضور وإعلان يونس وسلمى — بصفتهم ورثة شرعيين بشرع الله والقانون — فإحنا قدام جريمة تزوير وإخفاء وثائق رسمية وحرمان ورثة، وده خطأ جسيم يعاقب عليه القانون بالسجن!"
وقفت نور بثبات وقدمت الرؤية كاملة: "طارق كان بيسابق الزمن عشان يلغي وجود يونس تمامًا ويشوه سمعته قبل ما يكتشف يونس نفسه إنه شريكه في الشركة وفي كل أملاك أبوه."
أومأ رئيس النيابة برأسه بصرامة بالغة، ثم التفت لرامي: "ده يغير مسار القضية تمامًا. رامي... عاوز محامي عبدالله السيوفي أو المسؤول عن الإدارة القانونية الخاصة به فورًا بطلب جلب واستحضار عاجل، وتفتيش لمكتبه لو ما تعاونش. الوصية دي والملفات المخبية لازم تطلع للعلن النهاردة!"
رد رامي بجدية وهو يستعد للتحرك: "تمام يا فندم... هعمل تحرياتي حالاً عشان أعرف المحامي اللي كان ماسك أوراق عبدالله السيوفي، وهتأكد لو هو نفسه اللي شغال مع طارق حاليًا ولا طارق استبدله بعد الوفاة."
بعد ساعة واحدة فقط، دخل الضابط رامي إلى مكتب رئيس النيابة ومعه المحامي توفيق، المسؤول عن الشؤون القانونية لشركة البراق. رجل في أواخر الخمسينيات من عمره، يرتدي بدلة كلاسيكية داكنة ممتازة الصنع، وشعره الرمادي المائل للبياض ممشط إلى الخلف بدقة. رسمت سنوات العمل الطويلة في أروقة المحاكم تجاعيد غائرة على جبهته وحول عينيه الثاقبتين من خلف نظارته الذهبية. كان يحمل حقيبة جلدية عتيقة بثقة ورزانة، معتقدًا أنه استُدعي لمتابعة إجراءات استكمال قضية الاختلاس أو تقديم أوراق جديدة ضد يونس.
جلس توفيق أمام رئيس النيابة، وبجواره نور ورامي.
بدأ رئيس النيابة الحديث بنبرة هادئة لكنها حادة: "استدعيناك يا أستاذ توفيق بصفتك الشاهد الأساسي في القضية... وبحكم إنك محامي طارق السيوفي، والمسؤول اللي رفع دعوى الاختلاس بنفسه ضد يونس."
عدّل توفيق نظارته بثقة وقور وقال: "تمام يا فندم، أنا تحت أمر النيابة. والأدلة المالية والتحويلات اللي قدمناها ضد يونس ثابتة وموثقة ولا تقبل الشك—"
قاطعته نور بوضع ملف أسود أمامه مباشرة، وفتحته على الصفحة الأولى: "إحنا مش بنتكلم عن تحويلات الشركة دلوقتي يا أستاذ توفيق... إحنا بنتكلم عن صفة المرحوم عبدالله السيوفي، اللي سيادتك كنت محاميه الخاص ومسؤول شؤونه القانونية لأكثر من عشرين سنة... قبل ما ترفع القضية دي لصالح طارق."
شحب وجه المحامي العجوز، واهتزت التجاعيد المحفورة على وجهه وهو يحاول الحفاظ على ثباته: "عبدالله بيه كان موكلي، الله يرحمه. وده إيه علاقته بقضية سرقة الشركة؟"
سحبت نور عقد الزواج الشرعي وشهادات الميلاد الأصلية، ووضعتها فوق الملف بصرامة: "علاقته إن ده عقد زواج شرعي وصحيح بين عبدالله السيوفي والحاجة أمينة، دي شهادات ميلاد يونس وسلمى... يونس المحاسب اللي اتهمته بالاختلاس هو ابن عبدالله السيوفي والوارث الشرعي المباشر له!"
تسمرت عينا توفيق من خلف نظارته على المستندات، واختفت هيبته وقاره تمامًا وهو يقرأ الأسماء والتواريخ والختم الرسمي، لكنه حاول الدفاع عن نفسه وارتبك قائلاً:"يا... يا فندم، عبدالله بيه الله يرحمه ما سابش وصية، وأنا ما كنتش أعرف حاجة عن الموضوع ده أصلاً! طارق بيه هو اللي أبلغني إن أبوه مالوش أي ورثة تانيين، وأنا اتعاملت بناءً على كلامه والأوراق المتوفر"
قاطعته نور بنبرة حادة وساخرة: "يعني عاوز تفهمني إنك شغال معاه بقالك 20 سنة ومسؤول عن كل أسراره، وما قالكش أبداً إنه كان متجوز وعنده بنت وولد وزوجة تانية؟! التخطيط لفبركة الاختلاس بدأ بعد الوفاة بشهر واحد بالظبط، وسيادتك المحامي اللي صاغ البلاغ وحرّك القضية بنفسك!"
ضرب رئيس النيابة المكتب بيده بصرامة هزت الغرفة: "التستر على جريمة حرمان ورثة، والمشاركة في فبركة اتهام جنائي بيعاقب عليه القانون بالشطب النهائي من النقابة والسجن المشدد يا أستاذ! قدامك فرصة واحدة: تتكلم وتقول الحقيقة كاملة وعن مكان الوصية، وإلا صفتك في القضية هتتحول حالاً من شاهد... لمتهم وشريك أول مع طارق!"
ثم التفت رئيس النيابة إلى رامي وأمر بصرامة قاطعة: "رامي... ابعت قوة فوراً لتفتيش مكتب الأستاذ توفيق بالكامل وتفتيش خزينته الخاصة!"
ثم عاد بنظراته الحادة للمحامي وأكمل: "وأنا متأكد إننا مش هنلاقي مجرد وصية بس هناك... إنما هنلاقي بلاوي زرقا هتخليك تلف حبل المشنقة بإيدك حوالين رقبتك!"
انهارت دفاعات توفيق بالكامل، واهتز جسده برعب وهو يتخيل ضياع تاريخه وسجنه. نزع نظارته بيدين ترتجفان ومسح العرق المتصبب من جبهته، وقال بصوت خافق ومتوسل: "أنا هقول كل حاجة يا فندم... هقول كل حاجة بالظبط!"
ساد الصمت المكتب لثوانٍ معدودة، ولم يُسمع سوى أنفاس توفيق المتسارعة وهو يحاول التقاط أنفاسه. أخرج منديلًا من جيبه يمسح به عرقه، ثم بدأ يتكلم بصوت خافت مكسور:
"عبدالله بيه الله يرحمه... كان عارف إن أجله قرب. من سنة تقريبًا، كتب وصية رسمية مغلقة وشالها عندي في الخزنة الخاصة بمكتبي. وكان المضمون واضح وصريح: الاعتراف بنسب يونس وسلمى، وتخصيص نصيبهم الشرعي الكامل في كل أملاكه وأسهم شركة البراق."
نظرت نور إلى رامي بنظرة حادة، بينما استمر توفيق في اعترافه وهو ينكس رأسه أرضًا:
"لما عبدالله بيه اتوفى من 7 أشهر، بلغت طارق بيه بوجود الوصية. طارق اتجنن... قال لي مستحيل حتة محاسب مجنون وبنت ملهاش قيمة ياخدوا نص شركة البراق وأملاك أبويا! هددني بإلغاء كل العقود مع مكتبي وتدمير اسمي وشغلي لو الوصية دي ظهرت للعلن. وهو اللي خطط لفبركة قضية الاختلاس... قال لي: إحنا هنلفق له تحويلات بـ 5 ملايين، ونثبت إنه خائن للأمانة، ونلبسه قضية جنائية تُسقط أهليته وتخليه في السجن طول حياته، وساعتها حتى لو حد عرف بالوصية، محدش هيصدق واحد رد سجون ومختلس!"
استمع رئيس النيابة بملامح حجرية صامتة، ثم سأل بصوت منخفض ومحمل بالتهديد: "والوصية الأصلية فين دلوقتي يا توفيق؟"
أجاب توفيق بقلة حيلة: "موجودة في الخزنة السرية بمكتبي يا فندم... المفتاح معايا، وأنا مستعد أروح مع القوة وأسلمها لسيادتكم بنفسي."
اعتدل رئيس النيابة في جلسته، ونظر إلى رامي ونور بنظرة حاسمة. أخذ القلم ووقع القرار على الأوراق، ثم التفت فورًا إلى رامي وأصدر أوامره الصارمة:
"رامي... تاخد قوة فورًا وتتحفظوا على الوصية الأصلية وكافة المستندات من خزنته. وتطلعوا فورًا بأمر ضبط وإحضار رسمي لطارق عبدالله السيوفي! يتقبض عليه من مكتبه أو بيته وييجي هنا متكلبش!"
ثم التفت إلى توفيق وقال ببرود قاطع: "والأستاذ توفيق يفضل متحفظ عليه في القسم لحين استلام الوصية وتفريغ اعترافاته رسميًا في المحضر."
رد رامي بحماس وهو يستعد للتحرك: "أوامرك يا فندم، التنفيذ حالاً!"
أما نور، فقد أغلقت ملفها الثقيل بتمهل، وضمت الأوراق إلى صدرها وهي تشعر بالراحة؛ فالحق الذي حاول طارق دفنه بالظلم والقوة، أصبح جاهزًا للظهور للعلن.
في مكتبه الفخم بشركة البراق، كان طارق السيوفي يجلس خلف مكتبه الخشبي العريض، يرتشف قهوته بنشوة انتصار زاهية. كان يظن أن اللعبة قد حُسمت لصالحه تمامًا، وأن يونس قُضي عليه قانونيًا ونُزع منه أي أمل في المواجهة.
وفجأة، فُتح باب المكتب بقوة ودون استئذان.
دخل الضابط رامي بزيّه الرسمي وعلى وجهه حسم قاطع، يتبعه اثنان من رجال الشرطة، وبجواره نور وهي تحمل ملف القضية الذي أصبح الآن القاضية الكبرى في حسم النزاع.
وقف طارق بغضب، وانعقد حاجباه وهو يصرخ بحدة : "إيه المهزلة دي؟! أنتم متخيلين دخلتم مكتب مين؟! أنا طارق السيوفي! هربّيكم كلكم وأقفل لكم القضايا دي بكلمة واحدة من محاميّ!"
لم يطرف لرامي جفن، بل تقدم بخطوات واثقة ووقف أمامه مباشرة، ثم سحب ورقة رسمية حمراء الختم ورفعها أمام عينيه: "طارق عبدالله السيوفي... معانا أمر ضبط وإحضار رسمي صادر من النيابة العامة."
شحب وجه طارق، واهتزت نبرته بين الصدمة والإنكار: "ضبط وإحضار؟! بتهمة إيه يا حضرة الضابط؟ أنتم جاين لواحد مجني عليه اتسرق منه 5 ملايين جنيه من محاسب خاين؟!"
قاطعته نور بنبرة هادئة ورزينة تحمل قوة الحق: "مش بتهمة الاختلاس يا طارق... بتهمة تزوير مستندات رسمية، وإخفاء وصية شرعية، وحرمان ورثة، وتلفيق اتهام جنائي كاذب ضد أخوك يونس وأختك سلمى!"
تسمرت عينا طارق بذهول مطلق، وسقطت أوراق من يده على المكتب: "أخويا؟! وصية؟! أنتم بتقولوا إيه؟! الأوهام دي جبتوها منين؟!"
أجابه رامي ببرود قاطع وهو يشير للعسكري بالتقدم: "الأستاذ توفيق المحامي اعترف بكل حاجة يا طارق بيه... والوصية الأصلية المعتمدة من والدك المرحوم بقت في حوزة النيابة العامة دلوقتي بالكامل." ثم التفت وقال بصرامة: "كلبشه يا عسكري!"
تقدم العسكري واقتاد يدي طارق للخلف ليضع فيهما القيد الحديدي. حاول طارق المقاومة والصراخ، لكن قوته تلاشت تمامًا أمام حقيقة التهم الموجهة إليه.
سُحب طارق مصفد اليدين خارج مكتبه، يمر وسط الممرات وأمام عيون العشرات من موظفيه الذين وقفوا في ذهول وصمت يراقبون سقوط رئيسهم المستبد.
نظرت نور إلى المكتب الفارغ، ثم التفتت لرامي وابتسمت بتعب راضٍ: "كده حق يونس وسلمى رجع رسمياً... والقانون أخيرًا أخد مجراه."



تعليقات