رواية الزاويه 45 الفصل الخامس
داخل قسم شرطة الأزبكية بقلب القاهرة، كان الهواء مشبعًا برطوبة خفيفة تليق بمبنى عتيق تفوح من جدرانه رائحة الأوراق الرسمية والزمن. في غرفة التحقيق المبدئي، وقف طارق السيوفي يضرب بقبضته على المكتب الخشبي بعصبية مفرطة، وعروق رقبته نافرة، صائحًا في وجه العسكري الواقف أمامه بثبات: "أنا مش هتكلم بنص كلمة إلا في حضور المحامي بتاعي! هاتولي توفيق فورًا! أنتم مش عارفين أنتم حابسين مين؟!"
رد الضابط المناوب ببرود تام وهو يطوي أوراقه دون أن يرفع عينيه إليه: "توفيق بيه بتاعك محبوس على ذمة التحقيق في الحجز اللي جنبك.. شوفلك محامي غيره يا طارق بيه، لأن ده كمان متهم."
اتسعت عينا طارق بصدمة ألجمت لسانه. تراجعت ثقته الزائفة وتسلل الخوف إلى قلبه، فسحب هاتفه بيده المرتجفة ليتصل بوالدته "فايزة". ما إن أتاه صوتها الدافئ الحنون حتى قال بحدة تخفي رعبًا حقيقيًا: "أمي.. اتصلي بأي محامي تقيل غير توفيق وخليه يجيلي فورًا على قسم الأزبكية."
ردت فايزة بقلب أم منفطر، وقد سقط منها كوب الشاي الذي كانت تحمله: "يا حبيبي في إيه؟ قسم إيه ومحامي ليه؟ كفى الله الشر!"
قاطعها بصرامة محاولاً التماسك: "من غير أسئلة يا أمي.. ابعتيلي المحامي وبس.. بسرعة!"
في بهو القسم، وبعد أقل من نصف ساعة ،ُ فتحت الأبواب الزجاجية للقسم، ودلفت فايزة بخطوات متسارعة تتعثر في ذيل عباءتها الراقية، وجهها الطيب يعكس قلقًا لا يوصف، يرافقها المحامي الذي كان يسير بجوارها بملامح جادة وحقيبة جلدية في يده. توقفت فايزة في منتصف الصالة مصدومة وهي ترى طارق بهذه الحالة المزرية والهستيرية يجوب المكان بخطوات مضطربة.
وقبل أن تستوعب المشهد، أو تقترب أكثر من الصالة، توقفت أنفاسها فجأة وتسمرت قدماها بالأرض وكأن تيارًا كهربائيًا قد ضرب جسدها. أمامها كان يقف يونس، بملامحه الهادئة، ينظر إلى زاوية الجدار بشرود، وبجواره أمينة وسلمى. شهقت فايزة بصوت مسموع، ورفعت يدها المرتجفة إلى فمها، واتسعت عيناها بذهول وهي تهمس بصوت متقطع: "عبدالله! كأني شايفة عبدالله الله يرحمه واقف قدامي!"
خرجت المقدم نور في تلك اللحظة من أحد المكاتب بخطوات واثقة ونظرات حازمة، ولاحظت صدمة فايزة ودموعها التي تجمعت في مآقيها. توجهت نور نحوها مباشرة، وأومأت لها بنبرة عملية: ـ مدام فايزة.. اتفضلي معايا لو سمحتي.
قبل أن تتحرك فايزة خطوة واحدة، تقدم المحامي بسرعة وقطع الطريق بلباقة ، وهو يوجه حديثه لنور: ـ لو سمحتي يا حضرة المقدم ، أنا محتاج أقابل موكلي الأول. رمقته نور بنظرة تقييم سريعة، التفتت إلى العسكري المرابط جوارها وأمرته: ـ يا عسكري.. خد الأستاذ لقاعة التحقيق.
أشار العسكري للمحامي بالتحرك أمامه، بينما أخذت نور فايزة وأمينة وسلمى ويونس نحو مكتبها لمتابعة التفاصيل.
دخل الجميع إلى مكتب نور. جلست فايزة على الكرسي وكأنها فقدت القدرة على الوقوف، تستمع بقلب مقبوض ودموع تنهمر بصمت إلى الحقيقة كاملة من المقدم نور؛ حقيقة زواج عبدالله الأول، وأخوة يونس وسلمى لطارق، والأهم.. تفاصيل الوصية المخباة وقضية خيانة الأمانة والكارثة التي دبرها ابنها.
وفي الوقت نفسه، داخل قاعة التحقيق الباردة، كان طارق يذرع الغرفة جيئة وذهاباً والشرر يتطاير من عينيه. وما إن أُغلق الباب الخشبي خلف العسكري والمحامي، حتى أسرع المحامي نحو طارق وهتف بصوت خفيض يملؤه القلق والاستفسار: ـ إيه اللي بيحصل هنا يا طارق بيه؟ إنت متهم بإيه بالظبط؟!
اقترب طارق منه بسرعة، والتفت حوله يتأكد من إغلاق الباب، ثم مال برأسه نحو المحامي ونبس بنبرة يملؤها التوتر: ـ هقولك الحقيقة كلها عشان تعرف تتصرف وتنقذني.. القصة وما فيها إن أساس المشاكل دي كلها هي "الوصية"، أنا خبيتها لأنها بتدي نص الثروة ليونس وأمه وأخته .. بس المصيبة الحقيقية والأكبر هي قضية الاختلاس اللي أنا متورط فيها، انا لفقتها ليونس عشان يفقد الحق في الثروة ويتجرد من أهليته!
قاطعه المحامي مصححًا بمهنية ممزوجة بالصدمة: ـ قصدك خيانة أمانة مش اختلاس يا طارق بيه.. الاختلاس ده للموظف العام، إنما في الشركات الخاصة دي قضية خيانة أمانة وتبديد!
تجاهل طارق التفصيل القانوني، وقبض على ذراع المحامي ونظر في عينيه بنبرة حادة وآمرة: ـ سميها زي ما تسميها! أنا حكيتلك كل حاجة أهو.. وعاوزك تطلعني من الليلة دي زي الشعرة من العجين! بأي تمن!
زفر المحامي بضيق شديد، ثم مسح جبهته بقلة حيلة وقدميه تتراجعان خطوة للخلف: ـ تطلع زي الشعرة من العجين؟! الموضوع ده صعب جداً يا طارق! خصوصاً إننا لحد اللحظة دي مش عارفين هما ماسكين عليك إيه بالظبط، ولا إيه الأدلة اللي تحت إيديهم!
عودة إلى مكتب المقدم نور، وبعد أن أنهت حديثها وشرحت كل شيء لجميع الأطراف، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى نشيج فايزة المكتوم. قالت نور بنبرة عملية: ـ لو تحبوا تتفرجوا على الاستجواب، تعالوا ورايا.
هزت فايزة رأسها بإنكار شديد، تمسح دموعها بمنديلها المبلل: ـ مستحيل.. مستحيل طارق ابني يعمل كده! ابني أنا يلفق تهمة ويسرق؟ لا يمكن!
لكنها، ورغم إنكارها، تبعتهم بخطوات واهنة إلى غرفة المراقبة الجانبية. كانت الغرفة واسعة ومضاءة جيدًا لتناسب حالة يونس، يفصلها عن غرفة التحقيق لوح زجاجي ضخم معتم. من يقف خلف هذا الزجاج يرى بوضوح قسوة الحقيقة تتشكل، بينما يبدو لمن يجلس في الجهة المقابلة كمرآة سوداء تعكس الوجوه المذعورة. وقف يونس في زاويته بأمان يطوي أطراف أكمامه بنسق متكرر دون أن يشعر بضيق، بينما وقفت أمينة بجوار فايزة، لا تفصل بينهما سوى خطوات، لكن يجمعهما الآن ألم واحد.
تحركت المقدم نور من غرفة المراقبة الجانبية بخطوات هادئة وحازمة، ودلفت إلى قاعة التحقيق وهي تحمل بين يديها ملفاً أسود ثقيلاً. ألقت نظرة ثاقبة على طارق ومحاميه الجالس بجواره بوجوم وتوتر، ثم اتجهت نحو المكتب وجلست خلفه، ورصت الملف أمامها وفتحت أولى صفحاته، قبل أن تبدأ الاستجواب بصوت صارم يتردد صداه في القاعة الباردة: ـ اسمك وسنك وبتشتغل إيه؟
أجاب طارق بضيق وتعالٍ وهو يمسح العرق المتصبب عن جبينه، محاولاً الاستقواء بوجود محاميه: ـ طارق عبدالله السيوفي، 32 سنة، مدير ومالك شركة البراق.
نظرت نور للأوراق الأولى داخل الملف: ـ إيه علاقتك بيونس أحمد عبدالله؟ رد باستهزاء أثار غثيان فايزة الواقفة خلف الزجاج العاكس في الغرفة المجاورة: ـ ماليش أي علاقة بيه.. حتة موظف حرامي.
ابتسمت نور بسخرية، وسحبت أوراقها ببطء متعمد تزيد به من توتره: ـ بس الوثائق الرسمية اللي قدامي بتقول غير كده.. أول ورقة قسيمة جواز والدك من زوجته الأولى أمينة.. التانية شهادة ميلاد يونس عبدالله السيوفي أخوك الكبير، والتالتة شهادة ميلاد سلمى عبدالله السيوفي أختك الكبيرة.
ارتبك طارق، واهتز قناعه المتعجرف، فالتفت بنظرة خاطفة إلى محاميه المذهول ثم صاح في نور: ـ أنا بقولك ماليش إخوات! الأوراق دي مزورة!
ضربت نور بقلمها على المكتب بحسم أربك المحامي قبل طارق: ـ تمام.. بس إنت ما سبتنيش أكمل. آخر ورقة هي الوصية الأصلية لوالدك المرحوم، اللي لقيناها في خزنة سرية في مكتب توفيق المحامي. الوصية اللي اتفتحت بإذنك ومن غير حضور كل المعنيين، ودي جناية.. وإنت خبيتها وأخدت حق إخواتك، ودي جناية تانية. وعندك كمان خيانة أمانة وتبديد 5 ملايين من شركتك وتزوير إمضاء يونس عشان تلفق له التهمة وتحرمه من الأهلية. أكمل ولا كفاية كده؟
تلعثم طارق، وابتلع ريقه بصعوبة بالغة وعيناه تزوغان في المكان، بينما التزم محاميه الصمت العاجز بعد أن فهم أبعاد الجريمة: ـ محصلش.. توفيق ده كداب! أنا معرفش حاجة عن أي وصية!
مالت نور للأمام وقالت بثقة تدمر كل مناوراته: ـ تمام، دي شهادتك ضد توفيق المحامي اللي انهار في الأوضة اللي جنبك واعترف بكل حاجة عليك وعلى اتفاقكم سوا.. وبما إنك عرفت بوجود الوصية، يبقى هتتنفذ بقوة القانون، وإنت هتتحاسب على خيانة الأمانة في الـ 5 ملايين.
هنا فقد طارق ما تبقى من أعصابه، وتناسى وجود محاميه أو أي كبرياء زائف. ضرب الطاولة بكلتا يديه، وصرخ بهستيريا كاشفًا عن غل أسود قذر طالما أخفاه تحت ثيابه الأنيقة: ـ مستحيل! مستحيل المجنون ده ياخد قرش واحد! أيوه عملت كده! إزاي واحد مريض، بيمشي أربع خطوات ويدور حوالين نفسه زي الأهبل، ويقعد يصرخ ويسد ودانه لو لون الملف اتغير، يشاركني أنا في مال أبويا وشقا عمري؟! دول شحاذين جايبين مجنون عشان يورثوه!
خلف الزجاج العاكس، شهقت فايزة بصدمة هزت كيانها، وضغطت بيديها المرتجفتين بقوة على فمها لدرجة أن خواتمها تركت علامات حمراء على بشرتها. تراجعت خطوتين إلى الخلف وكأن الأرض مالت تحت قدميها، ولم تصدق أن هذا المسخ الذي يصرخ بحقد هو ابنها الذي ربته. التفتت بجسد مكسور نحو أمينة، لكن أمينة كانت تقف بثبات الجبال، عيناها تفيضان بدموع صامتة ووجهها يحمل نبلًا وصبرًا كان أشد قسوة على فايزة من أي عتاب.
داخل غرفة التحقيق، لم تتحرك رموش نور أمام صراخ طارق، بل انتظرت حتى أنهى ثورته، ثم أخرجت تقرير الطب النفسي الخاص بيونس: "يونس مش مجنون يا طارق بيه... يونس عنده اضطراب طيف توحد. التركيبة دي بتخلي عقله نقي، منظم، ودقيق لدرجة مستحيل عقلك الفاسد يتخيلها. وبسبب النقاء المطلق ده بالذات... أنت وقعت في أكبر غلطة غبية كشفت الجريمة كلها وفضحتك."
ضيق طارق عينيه بتوجس شديد: "غلطة إيه؟ التقرير المالي بيثبت إن التحويلات خرجت من حسابه ومن الـ IP بتاع جهازه!"
سحبت نور تقرير التحريات الفنية: "الباسورد بتاعه، استخدمته أنت من جهازك لما طلبت منه الباسوورد بتاعو بحجة طوارئ فالسيوله . لكن دي مش الغلطة... الغلطة الحقيقية ما كانتش فالباسوورد بس ... الغلطة كانت في الدرج!"
تسمر طارق في مكانه، بينما تابعت نور ترسم له مسرح الجريمة: "أنت لما اتسحبت ودخلت مكتب يونس بالليل، عشان تزرع إيصالات التحويل المفبركة، كنت خايف ومستعجل. مسكت الإيصالات، وحطيتها بسرعة جوة أقرب ملف قدامك.. الملف الأحمر. وبعدين فتحت الدرج السفلي ، ورميت الملف الأحمر جواه وقفلته، وهربت."
رفعت نور إصبعها في وجهه وأكملت بنبرة تدق كالمسامير في نعشه: "يونس عنده نظام صارم بيحميه من الفوضى اللي أنت عايش فيها. الملف الأحمر مكانه الثابت والوحيد هو الرف العلوي فقط، وبزاوية 45 درجة بالظبط. لو الملف الأحمر ده نزل للدرج السفلي ، يونس بتجيله نوبة هلع حادة! لو يونس هو اللي خان الأمانة وحب يخبي أوراق الإدانة... كان مستحيل ، إنه يحط ملف أحمر في درج المكتب لانو اصلا مش بيستعمل ادراج المكتب و عندو نظام الوان للملفات كلها ! اللي حط الملف تحت، إنسان غريب دخل في الضلمة، واستعجل، وزرع الدليل بالخطأ... الإنسان ده هو أنت يا طارق! غبائك واستهانتك بمرض أخوك هما اللي لفو حبل المشنقة حوالين رقبتك."
انهارت دفاعات طارق تمامًا. سقطت ذراعاه بثقل ميت، وارتخت كتفاه في انكسار مهين.
وفي هذه اللحظة، فُتح باب غرفة التحقيق ، ودخلت فايزة هانم بخطوات ثقيلة ومضطربة، يتبعها الضابط رامي. التفت طارق ورآها، ولأول مرة ظهر الخوف الحقيقي في عينيه، فنطق بصوت خافت، مذعور كطفل: "ماما... صدقيني يا ماما... أنا عملت كل ده عشاننا! عشان أحميكي والشركة ما تروحش للناس دول!"
وقفت فايزة أمامه مباشرة. تأملت وجهه المنهار للحظات صامتة، كأنها تتعرف على غريب. ثم، وبحركة سريعة، رفعت يدها المرتجفة، وهوت بها على وجهه بصفعة مدوية هزت أركان الغرفة.
"اسكت يا طارق... اخرس خالص!" صاحت فايزة بصوت مكسور يملؤه العار: "أبوك عاش عمره شايل ذنب إنه ظلم عيال أبرياء وسابهم، وأنت بدل ما تكفر عن سيئاته، كملت عليها بالسرقة والافتراء! الفلوس اللي تأذي بيها أخوك المريض وتلفق له تهمة بشعة عشان تسجنه، عمرها ما كانت حقنا ولا حمايتنا! أنت دمرت اسم العيلة اللي كنت فاكر إنك بتحميه، ومرمغت شرف أبوك في التراب!"
نكس طارق رأسه باكيًا، بينما أشارت نور للضابط رامي وقالت بنبرة رسمية صارمة: "كلبش المتهم وخده على مكتب السيد وكيل النيابة لعرضه فورًا."
في الطابق العلوي، داخل مكتب وكيل النائب العام، كان الهواء أكثر برودة وثقلًا. جلس سيادة المستشار خلف مكتبه الخشبي الضخم، يقلب بتركيز في صفحات "الملف الأسود" الذي أحالته إليه المقدم نور، وبجواره تقرير الأدلة الجنائية واعترافات المحامي توفيق.
دخل طارق بخطوات متثاقلة، يجر أذيال الخيبة، والمعدن البارد يطوق معصميه. وقف شاحب الوجه، زائغ النظرات، وقد تبخرت كل ذرة من كبريائه وغروره المزعوم.
رفع المستشار نظارته الطبية قليلًا، ورمقه بنظرة ثاقبة لا تعرف الرحمة قبل أن يبدأ بصوت جهوري حازم: "طارق عبدالله السيوفي... النيابة العامة بتواجهك بتهم تكفي لسجنك سنين طويلة. التزوير في محررات عرفية، خيانة أمانة والاستيلاء على مبلغ خمسة ملايين جنيه من أموال الشركة، تلفيق تهمة جنائية لشقيقك يونس عبدالله السيوفي، بالإضافة إلى التواطؤ لإخفاء وصية والدك الشرعية وحرمان ورثة شرعيين من حقوقهم. إيه أقوالك؟"
حاول طارق أن يفتح فمه، لكن الكلمات اختنقت في حلقه. ابتلع ريقه الجاف وتمتم بصوت مهزوز مكسور: "يا فندم... توفيق هو اللي خطط لكل حاجة... أنا كنت بس خايف على شقا عمري وعلى أمي..."
قاطعه المستشار بضربة خفيفة من كف يده على الملف أمامه: "شقا عمرك مش مبرر لارتكاب جنايات وتدمير حياة إنسان بريء. شريكك توفيق انهار في التحقيقات واعترف بكل خطوة عملتوها، والأدلة وتطابق البصمات على إيصالات التحويل اللي اتزرعت في مكتب أخوك بتأكد تورطك الكامل."
صمت المستشار للحظة ليدون كلماته الأخيرة في محضر الجلسة، ثم رفع رأسه ونطق بالقرار الذي أنهى إمبراطورية طارق الزائفة وأسقط قناعه للأبد: "بناءً على ما تقدم من أدلة واعترافات وتقارير فنية، قررنا نحن رئيس النيابة ما يلي: أولًا، حبس المتهم طارق عبدالله السيوفي أربعة أيام على ذمة التحقيقات. ثانيًا، يُراعى التجديد له في الميعاد القانوني. ثالثًا، التحفظ على كافة المستندات الخاصة بشركة البراق والوصية الأصلية المرفقة بالأوراق. عسكري! خد المتهم على الحجز."
سحب العسكري طارق من ذراعه، بينما كانت قدماه بالكاد تحملانه، يجر خطاه نحو زنزانة باردة ستكون مقره للأيام القادمة.
في الطابق السفلي، عادت فايزة إلى الغرفة المجاورة، منهارة في البكاء بعد أن رأت ابنها يُساق مقيدًا. نظرت ليونس وسلمى بأسف عميق، ثم همست بصوت متقطع: "أنا آسفة.. مكنتش أعرف. كنت حاسة إن عبدالله مخبي حاجة، بس عمري ما سألته. كنت بس فرحانة إني متجوزة حب عمري."
اقتربت أمينة منها بنبلها المعهود، عانقتها وربتت على كتفها بحنان: "كلنا كنا ضحايا.. إنتي وأنا وولادنا، وأولنا عبدالله رحمة الله عليه."
وفي حركة غير متوقعة، أخرج يونس منديلًا ورقيًا نظيفًا، لفه بدقة حول يده ليصنع حاجزًا، ثم مد يده وربت على فايزة برفق يواسيها ثم قال بصوت رخيم هادئ : "البكا بيعمل صداع..."
نظرت فايزة إلى يونس وللمنديل باستغراب ممزوج بامتنان عميق، فابتسمت أمينة بأسى وقالت: "دي حكاية طويلة هنحكيهالك بعدين."
في تمام الساعة السادسة مساءً، صدر قرار رئيس النيابة بإسقاط كافة الاتهامات عن يونس رسميًا وإخلاء سبيله. وقبل أن يستديروا لمغادرة مركز الشرطة والعودة إلى شقتهم ، أوقفتهم فايزة بصوت حازم يملؤه الرجاء الصادق.
"استنوا.." قالت فايزة وهي تمسح بقايا دموعها وتنظر إليهم جميعًا، "أنتم مش هترجعوا الشقة دي تاني. تعالوا معايا عالفيلا."
نظرت لها أمينة بتردد ودهشة، وحاولت الاعتذار بلباقة: "كتر خيرك يا مدام فايزة، بس يونس ما يقدرش يغير نظامه ومكانه فجأة كده، ده يتعب أوي."
اقتربت فايزة وأمسكت بيد أمينة بحرارة ورجاء حقيقي: "أولاً، البيت بيتكم، ومن النهاردة إحنا هنعيش مع بعض. يونس وسلمى هتبقى عندهم بدل الأم اتنين. ثانياً، أنتو لازم تيجوا عشان أنا أفهم حالة يونس كويس وأعرف أتعامل معاه.. وعشان تقوليلي على كل الحاجات اللي لازم تتغير."
نقلت فايزة بصرها نحو يونس، وابتسمت له بحنان جارف: "أنا هجيب شركة ديكور.. ويونس هيغير في الفيلا زي ما هو عايز، ويخليها على مزاجه بنظامه هو. في الأول والآخر، الفلوس دي ملكه وملك سلمى زي ما هي ملك طارق."
ثم تنهدت بضعف ووحدة: "يا مدام أمينة.. على الأقل اتونس بيكي وبولاد عبدالله.. بدل ما أنا قاعدة لوحدي كل يوم في القصر الكبير ده، لا بكلم حد ولا حد بيكلمني. أنا ماليش علاقات اجتماعية مع الناس ولا بحضر حفلات ولا ليا في سكة سيدات المجتمع دي. وجودكم هو اللي هيرد الروح فيا وفي البيت."
نظرت أمينة إلى صدق عيني فايزة، والتفتت نحو يونس الذي كان يتابع الحديث بعينين تراقبان حركة الشفاه بنظرة تحليلية هادئة. سألته أمينة برفق: "إيه رأيك يا يونس؟ نروح معاها الفيلا؟"
أمال يونس رأسه قليلاً، فرك سبابته بإبهامه بحركة دائرية وهو يفكر في المعطيات الجديدة: شركة ديكور، مساحات واسعة، نظام جديد يمكنه تأسيسه من الصفر. توقف عن فرك أصابعه، ونظر إلى الزر الفضي في عباءة فايزة، ثم نطق بصوته الرتيب الهادئ والمحمل بشروطه الصارمة: "نروح.. ونشوف.. ونغير.. بس كله يكون متثبت، وفي زاوية قائمة.. انا مش بحب الالوان المختلطة انا بحب لون واحد ."
نظرت فايزة ل أمينه و كأنها تنتظر التفسير لتقول امينه ." يونس مش بيحب الواحد يلبس هدوم متلونه يعني مثلا انتي لابسه فستان فيه ورد هو مش بيحب كده لو عشنا معاكي حتلاقي نفسك مش بتلبسي على ذوقك وكل حاجه في حياتك حتتغير على حسب يونس عشان كده صعب نعيش معاكي انتي حتضطري تغيري حياتك كلها "
ابتسمت فايزة باتساع لأول مرة منذ ساعات لتقول: "بس كده مش مهم نغير حياتنا المهم تملو حياتي و اشم ريحه عبدالله في ولادو و احقق امنيتو لي ماعرفش يحققها وهو عايش "
ضحكت أمينة وسلمى وزياد، بينما وقف يونس يضبط ياقة قميصه، مستعدًا لترتيب عالمه الجديد.. عالم خالٍ من الفوضى، تسوده الزوايا القائمة، والحقيقة العادلة التي لا تعترف سوى بالنظام.
رواية " الزاوية 45" بقلم فاطمة مالكي
توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة، طُليت بلون ذهبي باهت، تتوسطها زخارف متشابكة ومتعرجة لا تنتظم في مسار واحد.
ترجّل الجميع، بينما سبقتهم فايزة بخطوات يغمرها الحماس نحو الباب الرئيسي. أما يونس، فتوقف عند الدرجة الأولى من المدخل الرخامي، ولم يتقدم خطوة أخرى.
كانت عيناه تتحركان بسرعة آلية، تمسحان الواجهة بدقة تكاد تشبه عدسة مكبرة؛ أعمدة رخامية بيضاء، وباب خشبي منحوت بزخارف ذهبية مبالغ فيها، وأصص زهور حمراء وصفراء وبنفسجية، مصفوفة على جانبي الدرج دون أي نظام هندسي واضح.
ارتفع كتفاه قليلًا بتوتر خفي، وبدأت أصابعه تتحرك في الهواء دون وعي منه.
"واحد... اتنين... تلاتة..." التفتت أمينة نحوه بقلقٍ اعتاد أن يرافقها كلما رأت تلك النظرة في عينيه، وسألته برفق:
"يونس... انت كويس يا حبيبي؟"
لم يُجب فورًا. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يتجاوز الفوضى البصرية المحيطة به، ثم خطا أخيرًا إلى الداخل بقدمه اليمنى، بخطوة ثابتة ومحسوبة.
توقف في منتصف الصالة الواسعة، وبدأ يدير رأسه ببطء شديد، كأنه ماسح ضوئي يرصد كل تفصيلة في المكان، يحلل العيوب ويخزنها في ذاكرته.
نجفة كريستالية ضخمة معلقة بزاوية غير متساوية، أريكتان مختلفتا اللون تواجه إحداهما الأخرى بانحراف يكسر أي تماثل، سجادة فارسية تتصارع ألوانها فوق الأرضية وتشتت الانتباه، ولوحات زيتية متفاوتة الأحجام معلقة على الجدران بمسافات عشوائية تفتقر إلى أدنى قدر من الدقة.
كانت عيناه تتنقلان من تفصيلة إلى أخرى، وكأن المكان كله أمامه معادلة ناقصة تنتظر أن يعيد ترتيبها.
توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة، طُليت بلون ذهبي باهت، تتوسطها زخارف متشابكة ومتعرجة لا تنتظم في مسار واحد.
ترجّل الجميع، بينما سبقتهم فايزة بخطوات يغمرها الحماس نحو الباب الرئيسي. أما يونس، فتوقف عند الدرجة الأولى من المدخل الرخامي، ولم يتقدم خطوة أخرى.
كانت عيناه تتحركان بسرعة آلية، تمسحان الواجهة بدقة تكاد تشبه عدسة مكبرة؛ أعمدة رخامية بيضاء، وباب خشبي منحوت بزخارف ذهبية مبالغ فيها، وأصص زهور حمراء وصفراء وبنفسجية، مصفوفة على جانبي الدرج دون أي نظام هندسي واضح.
ارتفع كتفاه قليلًا بتوتر خفي، وبدأت أصابعه تتحرك في الهواء دون وعي منه.
"واحد... اتنين... تلاتة..."
قال يونس أخيرًا، بصوته الرتيب :
"الألوان هنا كتير أوي... سبعة ألوان في الصالة الواحدة. النجفة مايلة أربع درجات عن مركز السقف. الكنبتين مش متوازيتين، والمسافة بينهم غير منطقية. اللوحات مسافاتها مش متساوية... كل ده فوضى بصرية بتعمل تشويش في الدماغ، ولازم يتغير فورًا."
ابتسمت فايزة بحماس، ولم تخفِ دهشتها من دقة الملاحظة التي لا يمتلكها سوى مهندس متمرس، وقالت:
"تمام يا حبيبي، قولّي كل اللي عايز تغيّره وأنا هنفذه بالحرف. البيت بيتك، ولازم ترتاح فيه."
نظر إليها يونس، لا إلى عينيها، بل إلى دبوس اللؤلؤ المثبت على صدر فستانها، والذي كان يميل قليلًا، وقال:
"مش حقدر اقول كل التغييرات دلوقتي وأنا واقف كده. محتاج أمشي في كل غرفة، وأقيس المسافات، وأكتب رقم كل حاجة غلط فيها عشان تتصلح بالمليمتر."
هزّت فايزة رأسها موافقة، ثم أخرجت هاتفها بسرعة وقالت وهي تتجه نحو الأريكة:
"أنا هتصل بشركة الديكور دلوقتي، وهقولهم يبعتوا مهندس ييجي يسمع منك كل التفاصيل، عشان محدش ينساها."
رد يونس فورًا، بنبرة لا تحمل انزعاجًا بقدر ما تحمل تصحيحًا لمعلومة خاطئة من وجهة نظره:
"أنا مبنساش حاجة الذاكرة عندي منظمة في ملفات، مفيش حاجة بتقع منها."
توقفت فايزة للحظة، ونظرت إلى يونس بابتسامة حانية، اختلطت بدهشة صامتة من طبيعته الخاصة، ثم أكملت اتصالها.
رنّ الهاتف مرتين، قبل أن يأتيها صوت رجل بنبرة ودودة:
"أهلًا يا فايزة هانم، إزيك؟ أخبارك إيه؟"
ابتسمت فايزة وردّت:
"أهلًا يا بشمهندس، الحمد لله يا رب. إنت أخبارك إيه؟"
"الحمد لله كلو تمام. خير؟ أأمريني."
قالت فايزة مباشرة:
"بص، أنا محتاجاك في موضوع مهم، وعايزاك تبعتلي مهندس ديكور النهارده، بس الموضوع مش تجديد عادي. فيه شوية تفاصيل خاصة، محتاجة حد يكون دقيق ويفهمها كويس ان.ا حخليك تتكلم مع امينة هانم وهي تقلك المطلوب"
ثم التفتت إلى أمينة ومدّت لها الهاتف قائلة:
"خدي، إنتِ عارفة يونس أكتر مني، وهتقدري تشرحي له احتياجاته بالظبط عشان يبعتلنا الشخص المناسب."
أخذت أمينة الهاتف بتردد، ثم بدأت تشرح بصوت هادئ ومتزن، يعكس سنوات من الخبرة في التعامل مع حالة ابنها:
"ابني عنده حساسية شديدة من الألوان المتداخلة، والزوايا المايلة، والفوضى البصرية. محتاجين مهندس يفهم في الموضوع ده كويس، ويقدر يسمع تفاصيل دقيقة وأرقام وحسابات من غير ما يستعجل أو يستغرب."
جاءها صوت مدير الشركة من الطرف الآخر، هادئًا ومتفهمًا:
"متقلقيش خالص يا حاجة، عندنا مهندسة معانا خبرتها كبيرة في الحالات اللي محتاجة دقة هندسية ونفسية معينة هبعتهالكم دلوقتي، وهي اللي هتتكفل بكل التفاصيل بنفسها."
أغلقت أمينة المكالمة، وأعادت الهاتف إلى فايزة، بينما جلس يونس على حافة كرسي بعيد عن الأريكتين غير المتوازيتين، رافضًا أن يستند إلى ظهره.
ظل صامتًا، يراقب الساعة المعلقة على الحائط، ويعدّ دقاتها في داخله، منتظرًا أن يعود المكان إلى النظام الذي يريحه.
بعد ساعة بالضبط، دوّى جرس الباب الرئيسي.
أسرعت إحدى العاملات بفتح الباب، فظهرت أمامها امرأة في أواخر الثلاثينيات، ترتدي بدلة رمادية بسيطة وأنيقة، خالية من أي زخرفة أو بهرجة كان شعرها مربوطًا بإحكام إلى الخلف، وتحمل كشكولًا جلديًا مسطحًا وقلمًا واحدًا فقط.
ابتسمت المرأة بأدب وقالت:
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضلي يا بشمهندسة، الهوانم مستنيينك جوه."
تنحّت العاملة جانبًا، فدخلت المهندسة سيلين إلى الصالة، وألقت نظرة سريعة على المكان دون أن تعلق على شيء.
كانت فايزة وأمينة ويونس في انتظارها. تقدمت فايزة نحوها قائلة:
"أهلًا يا بشمهندسة، نورتينا. أنا فايزة، ودي أمينة، وده يونس. شغلك هيكون مع يونس، هو اللي هيفهمك التعديلات اللي عايزها."
ثم أضافت أمينة، وهي تشير إلى يونس:
"خدي بالك يا بشمهندسة، هو ما بيحبش حد يلمسه أو يقرب منه، فلو بتتكلمي معاه خلي بينكم مسافة."
ابتسمت سيلين بهدوء وقالت:
"مافيش مشكلة، أنا اشتغلت قبل كده مع حالات زي دي، وبعرف أتعامل معاها."
ثم التفتت إلى يونس، دون أن تتعجل في الاقتراب منه أو مد يدها للمصافحة، وقالت:
"أستاذ يونس، أنا المهندسة سيلين بعثني البشمهندس رامز من شركة الديكور. هو كان متفق مع فايزة هانم إني أجيلكم النهارده عشان أعاين الفيلا وأعرف التعديلات المطلوبة."
فتحت كشكولها وأمسكت قلمها، ثم أضافت:
"ممكن تشرح لي إنت عايز تغيّر إيه؟ أنا هسمعك وأسجل كل حاجة بالتفصيل. ولو تحب تلف في الفيلا وتقول لي على كل مكان عايز يتعمل فيه إيه، أنا مش مستعجلة خالص، وموجودة هنا لحد ما نخلص كل التفاصيل."
ثم أشارت إلى أرجاء الفيلا قائلة:
"خُد وقتك براحتك، وقولي تحب نبدأ منين."
رفع يونس نظره قليلًا نحو الكشكول في يدها، لا نحو وجهها، وبدأ يتكلم بنبرة رتيبة وثابتة، كأنه يقرأ من قائمة مرتبة داخل عقله:
"النجفة لازم تتنقل لمركز السقف بالظبط، الإحداثيات الحالية غلط. الكنبتين لازم يبقوا لون واحد بس، مش اتنين، ويكونوا متوازيين تمامًا. اللوحات لازم تتشال كلها، بتعمل تشتت... ولو محتاجين حاجة على الحيطة، تبقى درجة زرقاء غامقة، لون واحد بس على كل الحيطان. والسجادة الملونة دي تتشال، ويتحط مكانها سجادة رمادية بسيطة، مفيهاش أي نقوش."
توقف لثوانٍ، ثم تابع بنفس النبرة الهادئة:
"كمان كل زوايا الأثاث لازم تكون تسعين درجة بالظبط، مفيش أي قطعة مائلة أو متحركة من مكانها. والرفوف لازم تترتب حسب الألوان، والساعة اللي على الحيطة تتشال، عايز ساعة رقمية واحدة بس، من غير أي صوت."
كتبت المهندسة سيلين كل كلمة بدقة في كشكولها، دون أن تقاطعه، ثم رفعت رأسها وقالت بابتسامة هادئة وغير متكلفة:
"عندي فكرة كمان... ممكن نستخدم درجات من اللون الرمادي، لكن بكثافات مختلفة، عشان الغرفة ما تبقاش باهتة قوي، وفي نفس الوقت تفضل هادية بالنسبة لك، وتدي إحساس بالعمق من غير ما تعمل فوضى بصرية. جربتها قبل كده مع شخص عنده حساسية بصرية شبه حالتك بالظبط، ونجحت جدًا."
رفع يونس عينيه نحوها للحظة، ثم سأل بنبرة ثابتة:
"شخص زيي؟"
أومأت سيلين برأسها وقالت بهدوء:
"أيوه كان عنده حساسية بصرية شديدة، واشتغلت معاه في بيته لمدة سنتين.
عملنا له نظام ألوان هادي ومتدرج، وخليّنا كل حاجة في المكان ليها ترتيب ثابت، وده ساعده جدًا إنه يحس بالراحة وما يتشتتش بسهولة."
ظل يونس صامتًا لثوانٍ، وكأنه يعالج المعلومة الجديدة، ثم قال:
"تمام لو النظام ده نجح قبل كده، ممكن نستخدمه هنا. بس عندي شروط تانية لازم تتنفذ."
فتحت سيلين كشكولها من جديد، واستعدت لتدوين ملاحظاته، بينما تابع يونس:
"كل قطعة أثاث لازم تكون في مكان محدد، والمسافات بينها تكون متساوية. مفيش حاجة تتحط بشكل عشوائي، ولازم كل زاوية تكون 45 درجة بالظبط والرفوف تتنظم حسب اللون، من الأفتح للأغمق. والساعة الرقمية لازم تتحط في مكان أقدر أشوفه بسهولة، بس من غير أي صوت."
ثم نظر إلى المكان من حوله وأضاف بجدية:
"ولو فيه أي تغيير حصل بعد ما أخلص، لازم أعرف قبلها. مش عايز أصحى ألاقي حاجة اتحركت من مكانها من غير ما حد يقولي."
أغلقت سيلين كشكولها بعد أن انتهت من تدوين الملاحظات، ثم نظرت إلى يونس وقالت بهدوء:
"تمام، أنا فهمت كل طلباتك، وهقدر أنفذها زي ما شرحتها. بس في حاجة مهمة لازم تعرفها... الشغل هنا هيحتاج فك وتركيب، ونقل أثاث، وحفر وتركيب في الحيطان، وده معناه إن هيبقى فيه صوت دوشة وحركة طول فترة التجديد."
توقفت لحظة، ثم أضافت:
"عشان كده، الأفضل إنك ما تكونش موجود هنا وقت الشغل، خصوصًا في الأيام اللي هيبقى فيها تكسير أو تركيب. ده هيكون أريح ليك، وكمان هيخلينا نشتغل من غير ما نسبب لك ضغط أو إزعاج."
نظر يونس إليها مباشرة هذه المرة، وسأل بنبرته الرتيبة:
"يعني هقعد بره الفيلا قد إيه؟"
أجابته سيلين:
"على حسب حجم التعديلات، ممكن أسبوع تقريبًا."
عقد يونس حاجبيه قليلًا، وقال فورًا:
"«تقريبًا» مش مدة محددة أنا محتاج أعرف عدد الأيام بالظبط، عشان أرتب جدولي على أساسها."
ابتسمت المهندسة بتفهم، وقالت بثقة المهني المحترف:
"تمام... أسبوع بالظبط من النهارده، يوم التلات الجاي الساعة 10 الصبح، هتكون الفيلا جاهزة لاستقبالك."
هنا وقفت فايزة فجأة، وكأن فكرة لامعة خطرت ببالها، وقالت بحسم مفاجئ:
"طيب... أنا هقعد معاكم الأسبوع ده في بيتكم، ونسيب المهندسة وفريقها يشتغلوا هنا براحتهم من غير ما حد يزعجهم."
قبل أن يغادروا جميعًا الفيلا، التفتت فايزة إلى أمينة وقالت بنبرة رجاء دافئة:
"حاجة أمينة... معلش تعالي معايا فوق في غرفة الملابس ثواني."
صعدت أمينة معها، ووقفت فايزة أمام خزانتها الضخمة المليئة بآلاف القطع والفساتين الفاخرة التي تحمل علامات تجارية عالمية، ثم نظرت إلى أمينة وقالت بابتسامة:
"اختاريلي هدوم بسيطة أخدها معايا الأسبوع ده... هدوم ألوانها هادية ومفيهاش أي شغل أو زركشة، عشان ما تزعجش يونس ولا تضايقو لما يشوفني."
اقتربت أمينة وبدأت تنتقي لها بضع قطع هادئة باللون الأبيض والرمادي الناعم، فاكتملت ابتسامة فايزة وقالت بصفاء:
"وعلى ما نرجع من الأسبوع ده بالسلامة، هخليكي تعملي فرز شامل لغرفة الملابس دي كلها... أي حاجة بتضايق يونس أو فيها ألوان فاقعة تتشال ونتبرع بيها للمحتاجين وبعدها نطلع أنا وإنتِ وسلمى نعمل شوبينج ونشتري هدوم جديدة لينا كلنا... طبعًا على ذوق «يونس باشا» وقوانينه الصارمة!"
ضحكت فايزة ضحكة صافية نابعة من قلبها لأول مرة منذ فترة طويلة، فتأثرت أمينة واغرورقت عيناها بالدموع، وقالت بصوت متهدج:
"ده كتير أوي يا فايزة هانم... ربنا يجازيكي خير."
أمسكت فايزة يدي أمينة بحنو، وقالت بصدق شديد:
"مفيش حاجة كتيرة عليكم يا أمينة... عمي الله يرحمه ظلمكم أوي، وحرمكم من سندكم ومن حقكم سنين طويلة... وأنا هحاول على قد ما أقدر أرجع لكم كل حقوقكم. وبعدين هو أنا بصرف من جيبي؟ ما هي فلوسكم إنتوا كمان!" ـ "أمينة.. معليش تعالي معايا فوق في غرفة الملابس ثواني."!
بعد ساعات، توقفت السيارة عند مدخل الحارة الشعبية. ترجلوا جميعًا، وصعدوا إلى شقة أمينة البسيطة.
ما إن وطأت قدم فايزة العتبة حتى توقفت تنظر إلى المكان بذهول واندهاش؛ لم تكن الشقة فخمة كفيلتها، ولم يكن هناك رخام مستورد ولا نجف من الكريستال، لكنها كانت تنبض بنظام دقيق يشبه روح يونس، وألوان موحدة مريحة للعين، ونظافة تفوح منها رائحة الصابون والأمان والدفء الساحر.
قالت فايزة بابتسامة إعجاب صادقة:
"بسم الله ما شاء الله... البيت هنا مليان دفا وراحة بال مش موجودة في أكبر قصور... وريني أوضتي يا أمينة."
أخذتها أمينة من يدها إلى غرفة نظيفة ومرتبة، ألوانها بيضاء ورائحتها هادئة، وقالت:
"الأوضة دي محدش بيستعملها دلوقتي... كانت لزياد قبل ما يتجوز سلمى... أصل أنا اللي ربيته بعد ما أختي ربنا افتكرها."
تأثرت فايزة برقة أمينة ونبل أصلها، وكيف احتوت الجميع بصدر رحب، فلم تتمالك نفسها، ومدت ذراعيها واحتضنت أمينة بحرارة شديدة:
"ربنا يجازيكي عن كل الخير ده... واعتبريني أختك من النهاردة يا أمينة."
ثم أبعدتها قليلًا، ونظرت في عينيها وقالت بصدق:
"ومن دلوقتي بلاش «هانم»... نادي عليا فايزة بس، إحنا أخوات دلوقتي مش أكتر ولا أقل"
في تلك اللحظة، فتحت سلمى باب الغرفة ودخلت وهي تبتسم بمداعبة: ـ "إيه ده؟ خيانة في أوضة جوزي؟!"
ضحكت السيدتان، لكن سلمى اقتربت من فايزة وقالت بصوت فيه مزيج من الدعابة والحزن الدفين: "بس بصراحة يا طنط.. لو يونس شافك حاضنة ماما كده هيتجنن!"
تفاجأت فايزة وتساءلت بفضول: "ليه يا سلمى؟ هو أنا عملت إيه؟"
انخفض صوت سلمى، وغلفته نبرة حزن وانكسار طفولي وهي تقول: "أصل ماما هي الحاجة الوحيدة النظيفة في العالم اللي يونس بيسمح لنفسه يحضنها أو يبوسها أو يلمسها.. بيعتبرها معقمة من فوضى العالم."
ظهر الشوق والحرمان في عيني سلمى لنيل حضن دافئ من أخيها يونس الذي تحكمه عقد الوسواس والتلامس الجسدي. شعرت فايزة بوجع الشابة الصغيرة، فلم تتردد لحظة.. فتحت ذراعيها فوراً وضمت سلمى إلى صدرها بحنان أمومي جارف، وقبلت رأسها قائلة: "سيبك من يونس العاقل والمنظم ده دلوقتي.. طارق أول ما يخرج هيهريكي أحضان! طارق حنين أوي يا سلمى، كان دايماً يتمنى أخت بنت.. والله ما عارفة إيه اللي خلاه يعمل كده بس هو في الأساس قلبه طيب."
شعر الجميع في هذه اللحظة ببدء ذوبان الجليد القديم، وتأسيس عائلة جديدة تجمعها المحبة والتسامح تحت سقف واحد.
في اليوم التالي، وبناءً على تنسيق خاص ومُراعاة للحالة الخاصة ليونس، رتّبت المقدم نور إحضار المتهم طارق من الحجز إلى مكتبها الخاص، ليتيح ليونس بيئة مريحة ومنظمة للحديث دون توتر .
دخل يونس المكتب بخطواته المحسوبة ، وقف لثوانٍ وهو يغمض عينيه ويستنشق الهواء بنظام دقيق لتقييم المكان :
"واحد.. اثنين.. ثلاثة.."
كان المكتب مرتباً وأوراقه مصفوفة في ملفات متوازية، ما جعل يونس يسترخي قليلاً. أخرج من جيبه منديلاً ورقياً مطوياً بعناية، وفرده على المقعد المقابل لمكتب نور قبل أن يجلس بثبات وهدوء.
أجلست المقدم نور طارق في المقعد المجاور، تاركة بينهما مسافة آمنة لتجنب إثارة قلق يونس. كان طارق حاني الظهر، يرتدي ملابس السجن الباهتة، وتظهر على ملامحه آثار انكسار وكبرياء مهشّم بعد يومين عصيبين خلف القضبان جعلاه يعيد حسابات حياته كلها.
رفع طارق رأسه المجهد، ونظر إلى يونس بملامح يملؤها الشك والمرارة، وتساءل بصوت متهدج: "أنت جاي هنا ليه يا يونس؟ جاي تشمت فيا وتتفرج عليا وأنا مكسور؟"
ثبّت يونس عينيه على الحافة العليا لشريطة كتف المقدم نور الواقفة بجانب الباب، رافضاً التواصل البصري المباشر الذي يربكه، ورد بنبرة خالية من أي انفعال، وبكلمات مباشرة: "أنا ماعرفش معنى الشماتة.. الشماتة سلوك عاطفي غير منطقي ويحدث فوضى ذهنية مالهاش فايدة. أنا جيت هنا عشان أجمع بيانات ناقصة.. عاوز أفهم، أنت ليه عملت كل ده؟ إيه اللي خلاك تخون الأمانة وتدمر استقرار العيلة؟"
ساد الصمت لثوانٍ، تنفس فيها طارق بصعوبة، وشعر برغبة عارمة في إخراج ما يتآكل داخل صدره منذ سنوات، التراكمات التي دفعته للهاوية، فقال بصوت خافت ومكسور: "عارف يا يونس.. من وأنا صغير، عمر ما حسيت إن حب بابا ليّا لوحدي دايما حاسس انو ناقص. كان دايماً شارد، ووشه فيه حزن مش فاهمه.. لما كان يشتريلي لعب، ولا لبس، ولا يأخدني المصيف، وحتى يوم ما نجحت في الثانوية العامة وجبت مجموع كبير.. فرحته كانت ناقصة، كأنه بيأدّي واجب وهو متضايق ومغصوب.. عيونه كانت دايماً بتدور على حد تاني."
توقف طارق وابتلع غصته الجافة، بينما ظل يونس ينصت بنظراته المعلقة بالنقطة العالية دون أن يقاطعه، يقوم بتحليل كل كلمة كمدخلات لبيانات جديدة، ليتابع طارق: "فضل السر ده يأكل فيّا لحد ما كنت واقف بالصدفة بره مكتبه في الشركة.. وسمعته بيكلم البادي جارد بتاعه.. كان بيسأله بلهفة: 'هما عاملين إيه؟ عايشين إزاي؟ الفلوس بتوصلهم كل شهر ولا لا؟'.. لما الراجل خرج من المكتب، قررت أراقبه. فضلت وراه لحد ما لقيته بيروح كل شهر عمارة قديمة في حارة شعبية.. ولما سألت عنهم، عرفت إنهم عيلة بابا التانية!"
هنا تحركت حدقة عين يونس قليلاً؛ عقله المنظم ربط المعلومات بسرعة آليّة مذهلة.. العمارة القديمة والحارة الشعبية.. لم تكن سوى بيته!
أكمل طارق ونبرته تزداد انكساراً ودموعه تترقرق في عينيه: "ساعتها بس فهمت.. بابا عمره ما حبني الحب الكامل، لأنه كل ما كان بيعملي حاجة حلوة، كان بيفتكر عيلته التانية ووانهم محرومين منو وهو محروم منهم ، فكان بيشوف سعادتي معاه ذنب! الحرمان ده هو اللي خلاني عاوز أملك كل حاجة، أخبي الوصية وأخون الأمانة عشان أثبت لنفسي إني موجود، وإني الوحيد اللي أستاهل ورثه واهتمامه!"
صمت طارق ونكس رأسه يبكي بصمت. أما يونس، فقد حلل البيانات بوضوح تام، أدرك الخلل في معادلة الأب وتأثيره الكارثي على طارق، وقال بنبرته المنتظمة والمباشرة: "أنا فهمت. الحارة والعمارة دي كانت بيتي أنا وأمي.. الأب حاول يوازن الموقف بطريقة خاطئة أدت للفوضى النفسية دي. المعادلة كانت مبنية على متغيرات غلط. لكن حقك وحقي في الوصية مكتوب في الورق بالقانون، ولا يمكن إخفاؤه."
ثم وقف يونس بثبات، ونظم طيات جاكيته دون أن يمس الحواف الخارجية، وقال بكلمات قانونية محددة: "أنا هتنازل عن الشق الجنائي في بلاغ إخفاء الوصية وخيانة الأمانة. بصفتي المجني عليه وأحد الورثة الشرعيين المتضررين، يحق لي التصالح معك.. وهنقسم الوصية زي ما هي مكتوبة للجميع. الإجراء ده هيوقف الدعوى الجنائية وتخرج النهاردة."
اتسعت عينا طارق بذهول وعدم تصديق، ومسح دموعه بظهر يده: "هتتنازل يا يونس؟ بعد كل اللي عملته فيك ؟"
رد يونس بأسلوبه المجرد وهو يتجه نحو الباب، غير عابئ بالدراما العاطفية: "التنازل والتصالح هو القرار المنطقي الوحيد لإعادة.. وإحنا إخوات في القانون والأوراق. استمرار الصراع يعني استمرار الفوضى."
خرج يونس من مكتب المقدم نور، ليجد زياد يذرع الممر خارجاً بتوتر شديد. ما إن رآه زياد حتى هرول نحوه بلهفة: "إيه يا يونس؟ عملت إيه جوه؟ طارق قالك إيه؟"
توقف يونس عند مسافة آمنة، واستنشق الهواء لثوانٍ ثم قال بهدوء: "طارق شرح الأسباب النفسية التي دفعتْه للتصرف.. الأب تسبب في فوضى عاطفية قديمة أدت لهذا الخلل. أنا قررت التصالح والتنازل رسمياً عن قضية إخفاء الوصية وخيانة الأمانة."
اتسعت عينا زياد بصدمة وهتف غير مستوعب: "تتنازل عن القضية ؟! إنت بتتكلم جد يا يونس؟! ده كان هيضيع حقكم وتعبكم، بعد كل الغل والمؤامرات اللي عملها بتسيبه كده عادي؟!"
رد يونس بهدوء خالي من أي تأثر: "الانتقام المشاعري لا يحقق كفاءة إدارية يا زياد. بقاء القضية مفتوحة يعني استمرار الفوضى الذهنية والتعطيل القانوني. إزالة القضية عن طريق التصالح يعيد التوازن إلى المعادلة، ويُسقط الشق الجنائي، ويسمح بإنهاء تقسيم الورث وفقاً للشرع والأوراق الرسمية."
سكت زياد مبهوراً بمنطق يونس الصلب الذي يترفع عن الأحقاد الدنيوية، وابتسم بقلة حيلة أمام هذه التركيبة الفريدة: "يعني مش سامحته عشان مشاعرك حنت له كأخ؟"
رد يونس فوراً: "المشاعر متغيرات غير مضبوطة ومتقلبة.. أنا اتخذت القرار الأبسط والأكثر نفعاً للنظام." ثم أردف: "ودلوقتي خلينا نروح لرئيس النيابة عشان نتمم إجراء التصالح ."
خرجت المقدم نور من مكتبها وقالت باحترام وتقدير شديدين ليونس: "أنا هنسق لك فوراً مع السيد رئيس النيابة عشان تدخل تقدم إقرار التنازل والتصالح الرسمي ونقفل المحضر ده."
بعد دقائق، كان يونس يقف داخل مكتب رئيس النيابة. ثبّت عينيه على الساعة الرقمية الجدارية ليتفادى الفوضى البصرية لرصات الملفات غير المتساوية والمتناثرة على المكتب.
نظر رئيس النيابة إلى يونس وتساءل بجدية وصرامة مهنية: "يا أستاذ يونس.. إحنا قدام جريمة إخفاء محرر رسمي يمثل وصية، وجنحة خيانة أمانة. القانون بيسمح بالتصالح لانقضاء الدعوى الجنائية بين الأقارب في الحالات دي، بس لازم أتأكد.. هل في أي ضغط اتمارس عليك؟ هل حد هددك أو أجبرك على التنازل وحفظ حقك الجنائي؟"
رد يونس بنبرة واثقة ومستقيمة، متحدثاً بلغة المنطق الخالص: "الضغط الإجباري هو قوة خارجية تؤثر على القوة الذهنية وتغير الإرادة.. ولا توجد أي قوة خارجية في الكون أثرت عليّ. خطوتي هذه نابعة من تحليل منطقي كامل للموقف. استمرار الدعوى الجنائية يعطل استرداد الحق المدني وإعادة تقسيم التركة الشرعية. لذلك أطلب تدوين رغبتي الرسمية كأحد المتضررين بالتصالح الذي يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية ضد شقيقي طارق."
نظر رئيس النيابة بذهول صامت أمام منطق يونس المتقن واستخدامه السليم للمصطلحات، وسحب محضراً رسمياً وهو يدمدم بإعجاب: "تمام يا أستاذ يونس.. أملي عليا إقرارك بالشكل القانوني اللي تحبه."
بدأ يونس يملي كلماته بدقة متناهية، مستخدماً المصطلحات القانونية المحبوكة ببراعة: "أقر أنا يونس، بصفتي مجنياً عليه وأحد الورثة، بالتنازل النهائي والتصالح الشامل مع المتهم طارق في واقعة إخفاء الوصية وخيانة الأمانة، تنازلاً يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية صلحاً وحفظ الأوراق..."
ثم وقع اسمه بجهد متزن وخط مستقيم لا ينحرف ملليمتراً واحد عن السطر.
رفع رئيس النيابة المحضر وختمه بالختم الرسمي، قائلاً: "تم إثبات التصالح والتنازل عن الشق الجنائي.. وبناءً عليه هيصدر قرار بحفظ التحقيقات وإخلاء سبيل المتهم طارق فوراً من ديوان القسم، ما لم يكن مطلوباً لسبب تاني."
تراجع يونس بخطوة هادئة للخلف، وأومأ برأسه دون مصافحة: "شكراً لإعادة النظام."
خرج يونس من المكتب مرفوع الرأس، وقد حسم الصراع وأنهى الفوضى بمنطقه الفريد وعقليته النافذة، دون أن يترك ثغرة واحدة خلفه.
بعد مرور أسبوع كامل، كانت الفيلا قد تحولت جذرياً تحت إشراف مهندسة الديكور؛ تدرجات هادئة ومريحة للون الرمادي، خطوط مستقيمة ومنتظمة، أثاث مرتب بزوايا قائمة دقيقة، وسرعة زمنية نُفذت بدقة تامة دون أي تفاوت أو تأخير.
في ذلك الصباح، عادت سيارة فايزة حاملةً معها يونس، وأمينة، وسلمى، بعد أن قضوا أسبوعاً دافئاً ومتقاربًا في شقة الحارة، أذاب الكثير من الفوارق وصنع ذكريات لا تُنسى.
