رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل السادس والاربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
يُقال إن الصدمات لا تأتي لتقتُل، بل لتُثقل عقل الإنسان وتمنحه نضجًا موزونًا، وتوطد خبراته في الحياة؛ ولكن. ماذا لو جاءت تلك الصدمات على هيئة طعناتٍ نافذةٍ نجحت في اختراق شغاف القلب، فأذاقته كيف يكون الموت وهو يتنفس؟ ماذا لو كان ثمن هذا النضج شقًا غائرًا في أعماق الروح، لا يهدأ ألمه ولا يندمل جرحُه؟
تُرى، هل سيكون المرء ممتنًا لها لأنها لقنته درسًا قاسيًا؟ أم سيكون ناقمًا عليها لأنها أماتته سابقًا لتحييه الآن؟ وهل الحياةُ بعد خذلان بطعم الموت تستحق كل هذه المعاناة؟ أم أنَّ الوجع هو ضريبة الحياة الأساسية التي لا مفر من سدادها؟
جميعها استفهامات قد تمر عابرة على من لم تلسعه ألسنة حروفها، أما من عاشها و ذاق طعم مرارتها، فله رأي مُغاير:
" إن قلوبنا ترحب بالصدمات ما دام أحبتنا عونًا لنا عليها، ولا تقبل بأن يُهلكها من أسكنته بين حناياها آمنًا؛ فلا سماح لمن استحل قتلنا ونحن على قيد هواه أحياء، ولا يظل عزيزًا من هان عليه جُرحنا ولو كان يسكن أعماق الروح، فمن استباح دمائنا، فنحن من وداده اليوم براء"
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان يراها خصمًا لا يملك حق القصاص منه، وغريمًا يختبئ خلف حصانة الدماء التي تجري في عروق كليهما، و التي تقيها بطشه وتكبح يده كلما أوشكت أن تمتد إليها. كانت تقف أمامه كحقيقةٍ ناقصةٍ تنهش يقينه وكلما وقعت عيناه عليها، استبدت به رغبة عارمة في أن يهزها بعنف، أن ينتزع من بين شفتيها الحقيقة التي أضحت كشوكةٍ مغروسة في حلقه، لا هو قادر على ابتلاعها ولا على لفظها، تلك الحقيقة التي سرقت السكينة من لياليه وأبقت النوم بعيدًا عن جفنيه. غير أن هيبته التي اعتاد الجميع أن يخضعوا لها، وسلطته التي جعلت كلمته في العائلة أشبه بحكمٍ لا يُرد، كانت تحجب عنه هذه المرة حرية سحق كل من تجرأ و لامس أحباءه بسوء، بل كانت تحمله عبئًا أثقل من غضبه العارم، فقد كان لسوء حظه كبير تلك العائلة، وحارس ما تبقى من بنيانها، الذي قضى أعوامًا يشيده حجرًا فوق حجر. لذلك كان مكبّلًا بأصفاد الواجب، يُجبر غضبه على الانحناء أمام سلطان العقل، ويكبح اندفاعه حتى لا يتحول شكّه إلى ظلم، ولا يتحول غضبه إلى هدمٍ لما أفنى عمره في بنائه. فكان عليه أن يحكم بما تملكه يداه من أدلة وبراهين، لا بما يصرخ به احساسه، ولا بما يضرم النار في صدره؛ فكيف لرجلٍ مثله أن يطلق حكمًا قد يزلزل عائلته بأكملها، وهو الذي اعتاد أن يكون الجدار الذي تتكئ عليه حين تهتز؟!
و فجأة تبدد كل شيء حين اخترق أذنيه صوت الرصاص، و رأى الدماء تنبثق من جسدها، لتجحظ عينيها و هي تناظره في لحظة احتبست بها الأنفاس و ألجمت الصدمة صوت الشهقات بداخلهم لثوان، قبل أن تتهاوى بين يديه التي عانقتها بلمح البصر، لتحول بين سقوطها أرضًا، كما عهدته دائمًا.
ـ نبـ، نبيلة…
لأول مرة ترتجف نبرته بهذا الشكل، فكل شيء تبدد في عينيه للحظة وهو يراها غارقة في دمائها، و قلبه ينتفض داخله بقوة و كأن الألم يجلد دقاته بسوطٍ من نار سرت في عروقه، حين سمعها تقول بنبرة خافتة من فرط الوجع:
ـ خا. خالد.. أنـ.. أنا. خا. خايفة أمو.. أموت…
صرخت هايدي وهي ترتمي أرضًا بجانب نبيلة:
ـ ماماااااا.
مزقت حلقه صرخة قوية رافضة لما تفوهت به:
ـ لا، لا مش هتموتي.. مش هتموتي لا…
ـ دي لازم تموت، المؤذيين اللي زيها لازم يموتوا في ستين داهية…
كان هذا صوت عز الصارخ و الذي كان يقف أمام باب الغرفة و السلاح بيده، و على وجهه عبرات غزيرة و غضب عارم، وحين سمع خالد حديثه اسودت ملامحه، و اكفهرت بشكل مريع، جعل زينة تتراجع الى الخلف، لينتفض جسدها حين سمعت خالد يزمجر بشراسة:
ـ هقتـ.ـلك يا عز. هقتـ..لك بإيديا …
صرخ عز بملء صوته:
ـ هتقتلني عشان خلصت الدنيا من شرها، دي ضيعتني و ضيعت ولادي و ضيعت أختي. اللي زيها عايشين على الأذى وبس…
قاطع حديثه صوت خالد الذي اهتزت له جدران الغرفة:
ـ دكتوور، هاتوا دكتور بسرعة..
ما هي إلا ثوان حتى اندفع الجميع الى الغرفة بعدما أفزعهم صوت الرصاص ليهوى قلب عمر بين ضلوعه حين وجد والدته ملقاه أرضًا غارقة في دمائها، ليهمس دون وعي:
ـ ما. ماما…
صاح خالد كليثٍ جريح:
ـ عمر، نبيلة بتموت، اعمل أي حاجة. الحقها. الحقها يا عمر…
مرت دقائق عصيبة على الجميع، كان الهرج و المرج يسود الأجواء حولهم الكل يهرول كلًا في اتجاهه، و تم نقل نبيلة إلى الطواريء، و اندفع ياسر هو و حرس المشفى يجذبون عز الى أحد الغرف في إنتظار الشرطة، بينما كان عمر الى جانب والدته مبهوتًا، غير مصدق أنها أمامه راقدة بلا حِراك، و هايدي التي كانت تجلس باكية بين أحضان ميرهان، و شروق التي كانت عينيها على كل رواق بالمشفى تريد رؤيته و الإطمئنان عليه، و آسيا التي كانت تشعر بالخواء لا تعرف شيء سوى أنها تريد رؤية كمال في هذه اللحظة، تتمنى لو إنها ترتمي بين ذراعيه حتى تصل الى ماهية شعورها، و زينة التي كانت تقف في آخر الرواق و كأنها تخشى أن يلمحها أحد، حتى لا يرى ذلك البريق في عينيها، فخطتها تسير على ما يرام، فهي من صبت الوقود فوق نيران غضب عز
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ اهدى يا عز، أنت متحامل على عيلة ملقتش حد يوجهها، و سايب اللي مفروض كانت عرفتها الصح من الغلط..
كانت يدي عز تشتد على المقود، وهو يكز على أسنانه بغضب، و الألم يجتاح صدره، ولكنها لم تشفق على أيًا من هؤلاء بل سكبت سمومها في أذنيه قائلة:
ـ و هي اللي ظلمت نسمة الله يرحمها، و افترت في حقها، و قومتك عليها، و أنت يا حبيبي كنت مخدوع فيها، و اخرتها ضيعت البنت اللي زي الوردة، انسانة سيئة، متستحقش تعيش أصلًا، دي لو ربنا خدها كانت الناس كلها ارتاحت..
عودة الى الوقت الحالي..
عرفت في أي زاوية من عقله تطلق سهامها، حتى أصابت هدفها ببراعة، و قد ساعدها في ذلك سماعه ما حدث في الداخل من شجار كان بأكمله يبرين على كونها المخطيء الأول في كل شيء.
ثم نجد خالد، الذي كان ينظر إلى دمائها بين يديه، تلك الدماء التي أقسم ذات يوم أن يريقها بيديه إن ثبتت صحة ذلك الاتهام، وأنها هي من قتلت زوجته وطفله. وها هو الآن يقف عاجزًا حتى عن احتمال فكرة رحيلها. قد تكون أسوأ إنسانة عرفها، وقد يكون الأذى الذي ألحقته به أكبر من أن يُغتفر، لكنه ليس مثلها.
فالأشرار في الحياة هم الأكثر حظًّا، لأنهم لا يعرفون ذلك العذاب الذي ينهش الطيبين حين يجدون أنفسهم عالقين بين الكراهية والرحمة، بين حقهم في القصاص وعجز قلوبهم عن أن تُشبه من آذاها. لا يستطيعون أن يردوا الشر بالشر، ولا أن يقابلوا الجرح بجرحٍ آخر، حتى حين يكون الانتقام حقًّا مستحقًّا لهم كأن الخير في أرواحهم قيدٌ لا يستطيعون الفكاك منه، ونبل أخلاقهم عقوبة يدفعون ثمنها من دماء قلوبهم. وذلك هو أشد ما في الطيبة قسوة، أن تملك ألف سببٍ لتكره، ثم تعجز رغم كل شيء عن أن تتمنى السوء لمن آذاك.
كان يبدو كمن علِق بين أشجار الشوك إن حاول النجاة مزقته الأشواك، و إن بقى عالقًا، سيقتله الألم ببطء، لتأتي هي و تعانق جراحه النازفة، لتنتشله من هذا العذاب المقبت، و تحتضنه بكل ما أوتيت من حنان، كان في أمس الحاجة إليه كطفلٍ صغير يرتجي الأمان بين ذراعي والدته.
ـ إن شاء الله هتقوم بالسلامة يا حبيبي…
أخذت تشدد من عناقه الذي كان أقوى لغات الاحتواء و أشدها تأثيرًا، و لكنها أرادت رؤية ملامحه، فحاولت التراجع الى الخلف، فأوقفتها يداه، فكلماتها العذبة كانت تروي شقوقًا غائرة في قلبه، ألجمت الحروف على شفتيه إلا من همسٍ خشن كان كل ما استطاع التفوه به:
ـ خليكِ، متسبنيش. اوعي تسبيني..
للمرة الأولى التي يُسقط أسلحته أمام الجميع، ويرتمي بكل ما يحمل من أثقال فوق كتف أحدهم، وكأنه وجد أخيرًا موضعًا آمنًا يُلقي فيه عن كاهله كل ما أنهكه. ويا للدهشة، حين ينجح عصفورٌ صغيرٌ مثلها في احتواء وحشٍ كاسرٍ مثله ذلك العصفور الذي يملك من الرقة ما يجابه قوته، لتجعله يشعر للمرة الأولى أن بإمكانه أن يكون ضعيفًا دون أن يُهزم. ولكنها إنها تعويذة العشق التي جعلت من ذلك العصفور الصغير الذي بدا أضعف من أن يحمل وحشًا مثله، أن يملك ما عجز العالم كله عن امتلاكه، وهو قلبًا يعرف كيف يروض الوجع بداخله، ويدًا لا ترتجف حين تمتد إليه، وأمانًا يجعله يخلع عن روحه كل ما يؤلمها.
ـ اطمن. أنا جنبك، مش هسيبك أبدًا..
اللهم لا تجعل ذنبي حائلًا بيني وبين رحمتك، ولا تجعل ضعفي سببًا لبُعدي عنك، واجعلني كلما زللتُ عدتُ إليك، وكلما أخطأتُ استغفرتُك، وكلما ضاقت بي الدنيا احتميتُ بك.ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم. ❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ دكتور عمر حالتها خطيرة، الرصاصة قريبة أوي من القلب، و لازم ندخلها عمليات فورًا، بالإضافة لإننا هنحتاج دم، لإنها نزفت كتير…
كاد إن يجن من فرط الوجع و الإحساس بالعجز الذي لا يناسبه كطبيب قلب، لكن من ترقد أمامه هي والدته، التي لم يعتد أن يراها شاحبة، و هادئة بل مستسلمة، بتلك الطريقة، والدته التي لم تذكر الموت يومًا و كأنه لم يخطر لها على، هل يباغتها كزائر غير متوقع؟ أخذ يهز رأسه يمينًا و يسارًا، يرفض تلك الفكرة، ليصيح بلهفة ونبرة مرتجفة:
ـ جهزوا أوضة العمليات فورًا، لازم نعملها العملية في أقرب وقت…
تبادل جميع الحاضرين النظرات، ولم يُعلق أحد بشيء، ليندفع هو إلى الخارج، شاعرًا بأن الهواء ينفذ من رئتيه، و سؤال واحد يتردد على ذهنه، هل سيستطيع فعلها؟ لا إراديًا توجه إلى غرفته، ليصطدم بأسوأ مشهد قد يراه إنسانًا في حياته، وهو أن يرى والده يُجر من جانب رجال الشرطة، كانت لحظة عصيبة، مؤلمة، لاحد الذي جعله حائرًا ماذا عليه أن يفعل؟ كيف يتصرف في هذا الوضع؟ ما الذي يجب عليه قوله؟ لم يستطع سوى أن يقول بنبرة مبحوحة:
ـ ليه عملت كدا؟
عز بنبرة متألمة، لا يشوبها ندم:
ـ عندي مليون سبب، و كلهم إنت عارفهم.
صاح عمر بقهر:
ـ بس احنا منستحقش كدا..
عز الدين بنبرة محترقة:
ـ لولاها مكناش وصلنا لكدا…
عمر باندفاع:
ـ قصدك لولا ضعفك قدامها مكناش وصلنا لكدا، احنا اللي اتظلمنا في النص، حبكوا لبعض أذانا، و كرهكوا لبعض دمرنا…
كان محقًا لذا لم يعد في مقدوره الدفاع عن فعلته النكراء، ليهتف بانكسار:
ـ سامحني يا عمر…
لم يستطع عمر الحديث، ولم يحتمل حين شاهد العساكر يجذبونه خلفهم، فالألم في تلك اللحظة تجاوز حدود قدرته على الاحتمال، فليس أشد على المرء من أن يرى السكين التي ظن أنه لن يطاله نصلها وقد انقلبت في صدر من يحب، ولا أن يتحول الأب الذي من المفترض أن يكون سندًا صلبًا صخر إلى اليد التي تهوي بهم إلى قاعٍ لا قرار له؛ فقد يحتمل المرء أن تهدم العاصفة بيته، لكنه يعجز عن احتمال أن يرى من بناه بيديه يهدمه أمام عينيه، فلم يكن ما يراه مجرد فاجعة، بل انهيارًا مدويًا لكل ما تبقى من ملامح العائلة بداخله…
اندفع عمر إلى غرفته مهرولًا ليستند على المكتب أمامه، و عبراته تتقاذف بقوة و كأنها تفر من ذلك الألم الساكن بداخله، و حين ضاق الخناق حتى كاد أن يفتك به أتاه طوق نجاته من حيث لا يدري..
ـ عمر….
صوتًا جاء من بعيد أعاد النبض لقلبه من جديد، ليستدير بلهفة ناظرًا إلى شروق بعينين يفيض بهم الوجع الذي جعل بكائه بتحول الى شهقات متتالية، وهو يسقط على ركبتيه يحتضن خصرها بقوة دافنًا وجهه ببن ذراعيها، وهو يشهق بعُنف تتقطع له نياط القلوب، فقد كانت تعرف انه لن يصمد طويلًا، وسينشد الراحة بين ذراعيها، لتطوقه بقوة، و كأنها تود مشاركته ألمه الضاري، تريد أن تغترف من هذا الوجع الذي أسقط رجلًا على غراره ظنت بأنه صُنِع من الفولاذ، ولكن مهما بلغت قوة المعادن، فهي لا تفلح في مقاومة النيران، تلك النيران التي كانت تأكل صدره من الداخل.
ـ اهدى يا عمر، أنت أقوى من كدا بكتير.
رفع عمر رأسه لتحاوط وجهه بكفوف صنعت من حب، وهي تتابع بحنو:
ـ متخليش حاجة تهزمك أبدًا…
عمر بنبرة متحشرجة يكسوها الانكسار:
ـ أنا كل حاجة حوليا هزمتني، كل الناس اللي في حياتي كسروني…
شروق بلهفة:
ـ لا، أنا هنا، ومش هسمح لأي حاجة في الدنيا دي تهزمك أو تكسرك..
عاد مرة آخرى يعانقها بقوة ساندًا رأسه على صدرها، و كأنه يستمد الهدوء و الأمان، لتلامس أناملها ملامحه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ لما تلاقي الدنيا بتحاول توقعك، اوعى تستسلم، متساعدهاش تكسرك، عاندها، و قول يارب…
خرجت الكلمة من أعماق قلبه محملة بأمنياتٍ كثيرة:
ـ يااارب…
اللهم أعنّي على نفسي، وثبّت قلبي على طاعتك، واغفر لي ما مضى، وأصلح لي ما بقي، واسترني فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك.❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ سيادة النايب حطلك سعر و لا في الأحلام يا حاج عامر، و كمان ده راجل حبيبي، و من طرفي، يوبجى مفروض متردوش زعلان أومال…
هكذا تحدث رحيم الى عامر الجيار، بوجود حيدر الزناتي الذي كان يتطلع إلى وضع يده على هذه الأرض بأي طريقة، حتى يتمكنوا من تأمين جميع الجهات المحيطة، لكي يتمكنوا من الدلوف إلى هذه المقبرة بأي طريقة، و قد كان الثنائي يعرفان ذلك مما جعل عامر يقول بنبرة وقورة:
ـ عداك العيب يا عمدة، لكن إنت عارف أننا مبنأجروش أرضنا واصل..
صاح حيدر بلهفة:
ـ ما تجرب يا عم، مهتخسرش حاجة، بالعكس دا إنت هتكسب، و هتكسب جوي كمان، و بعدين هيوبجالك ضهر، أني عارف انك كد الدنيا، بس بردك إنت فاهم، و إني فاهم أن مفيش حاحة تستعصي على نايب مجلس الشعب…
تصنع عامر التفكير قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ خلاص و إني مش هزعل لا العمدة، و لا حضرة النايب، اتفجنا…
حيدر بحبور:
ـ على بركة الله، نجرا الفاتحة…
انتهت الفاتحة، و تبادل الثنائي عامر، و رحيم نظرات ذات مغزى، ليقول الأخير بنبرته العميقة:
ـ أكده نوبجى خلصنا من موضوع الأرض، و نبتدي نجهزوا لترتيبات الجواز، وانت طبعًا معزوم يا حاج عامر…
عامر برحابة صدر:
ـ ربنا يتمم على خير، طبعًا لازمن نحضروا الفرح، هو في أعز منك إنت و سيادة النائب و لا أي؟
كانت الابتسامة تضيء ملامح حيدر، فقد كان كل شيء يسير على ما يرام، من خطبة أبنته، وأمر تلك الأرض التي كان يسعى للحصول عليها، ليأتيه أتصالًا هاتفي جعل جسدها بأكمله يهتز من فرط التوتر، ليستأذن من الرجلان، و يدخل إحد الغرف، و ما إن إجاب حتى تحدث رماح بنبرة جافة آمرة:
ـ اتفج مع رحيم انكوا هتروحوا تجيبوا الشبكة النهاردة، و روح على عثمان الصايغ، و بلغني جبل ما تتحركوا…
حيدر بصدمة:
ـ ايه اللي بتجوله ده يا رماح؟ احنا متفجين الشبكة ما كتب الكتاب..
رماح بحدة:
ـ هتوبجى العروسة تلبسها في كتب الكتاب، لكن هتجيبوها النهاردة، نفذ اللي جولتلك عليه من غير ولا كلمة، مفهوم؟
كز حيدر على أسنانه بغضب، و لكنه لم يعترض بل انهى المحادثة، و توجه الى حيث ينتظره الرجال، ليبتسم بتوتر تجلى في نبرته حين قال:
ـ رحيم، بجولك أيه؟ اني هندلى مصر بكرة، و مش هعاود غير جبل الفرح بيامين، أيه رأيك لو روحنا جبنا الشبكة النهاردة، و أهو يوبجى مشوار و خلصنا منيه، عشان نفوج لباجي الترتيبات؟ مبجاش في وجت…
شعر رحيم بأبخرة الغضب تتصاعد في رأسه، فقد علِم بأنه من المؤكد تلقى تعليمات من هذا الحقير، ليحاول ابتلاع تلك الغصة في حلقه، ثم قال بنبرة جافة مقتضبة:
ـ وماله، خلي العروسة تروح تنجي اللي يعجبها، و أني رجبتي سدادة
حيدر بسماجة:
ـ لاه العروسة شرطها إني أنجي معاها دهبها، حبيبة أبوها بجى، و مينفعش نروح ننقو الشبكة، و العريس مش موجود، و لا اني بتكلم غلط يا حاج عامر؟
عامر بوقار:
ـ عداك العيب يا سيادة النائب، وإني هستأذن عشان تروحوا مشواركوا…
مرت الدقائق عصيبة عليه، وهو يستقل السيارة بجانب حيدر و خلفه تلك المرأة التي من المفترض أنها ستصبح زوجته! تلك الكلمة التي استنكرها قلبه بشدة، فكيف سيعطي إمرأة آخرى اسمه؟ كيف سيقبل أن يكن له زوجة غير تلك التي توجت على عرشه سلطانه؟ ولكن عقله كان صلبًا عتيدًا يبغي السير في الطريق إلى آخره حتى ينتقم من هذا الرجل الذي سمم حياتهم، و فرق شملهم لسنوات. اشتدت يديه القابضة على المقود وغامت عينيه بغضبٍ حارق، فالصراع المُحتدِم بين قلبه و عقله لا يحتمل، و لا يقدر على حسمه أحد.
أخيرًا توقفت السيارة أمام محل الصاغة المنشود، فشعر رحيم بنغزةٍ حادّة في صدره، كأن قلبه يتوسل إليه بكل ما فيه أن يعدل عن هذه الخطوة. وللمرة الأولى في حياته، وجد نفسه عاجزًا عن إسكات ذلك الصوت الذي يأمره بالتراجع هو الذي اعتاد أن تكون كلمته الأخيرة، وأن يمضي في قراراته دون أن يملك أحد شجاعة الوقوف في طريقه، بل وربما كان يفرض اتجاه قرارات من حوله أيضًا، فإذا به الآن يقف أمام رغبةٍ واحدة لا يملك قهرها... الخوف عليها من وقع خبر زواجه عليها.
كان قلبه يجذبه إليها بكل ما أوتي من خوفٍ وعشق، يهمس له بأن يدير المفتاح و يهرب بعيدًا عن كل ما قد يؤذيها، بينما كان عقله يقف في الجهة الأخرى كحارسٍ غليظ، يذكره بأن الأمر محض مهمة يجب عليه القيام بها، وبما قد يترتب على تراجعه عنها، ويأمره أن يدفن خوفه تحت قدميه ويمضي.
كان الصراع بين قلبه و عقله كمعركةٍ طاحنة تدور داخل صدره؛ قلبٌ يريد أن ينقذ المرأة التي يخشى فقدها، وعقلٌ يطالبه بأن يتركها للحظةٍ في مرمى الخطر كي يؤدي واجبه. ولأول مرة، لم يكن سيد قراره... كان ممزقًا بين أمرين، كلاهما يطالبه بثمنٍ لا يحتمل، قلبه يطالبه بأن يخون واجبه تجاه عائلته لينقذها، وعقله يطالبه بأن يخون قلبه لينقذ الجميع.
وللمرة الأولى، وجد الرجل الذي اعتاد إخضاع كل شيء لإرادته، نفسه أمام واجبٍ لا يستطيع التفاوض معه، وحبٍّ لا يستطيع الأمر عليه بالصمت، فاضطر أن يفعل أقسى ما يمكن أن يفعله رجلٌ مثله.. أن يدعس على قلبه بقدميه، ويمضي.
ـ يالا يا عريس، خجلان و لا أي؟
هكذا تحدث حيدر بسماجة، فود رحيم لو يلكمه في أنفه حتى يهدأ ذلك الغضب بداخله، و لكنه تحامل على نفسه، ليدلف إلى داخل المحل المليء بالحلي الذهبية، التي كانت تتلئلئ بإغواء، فتوقفت بجانبه الفتاة التي من المفترض إن تصبح زوجته، و التي كانت تملك أعين خضراء براقة حين يراها المرء يشعر أنه يقف إمام واحة خضراء لا مثيل لها في الجمال، و لكن لسوء حظها سبقتها سمراء فاتنة سرقت قلبه و جعلت عينيه لا ترى غيرها…
ـ اختاري اللي يعجبك يا عروسة.
هكذا تحدث رحيم بنبرة غليظة حين وجد الفتاة تنظر إليه و كأنها تنتظر أن يأذن لها بالاختيار، ليبدأ الصائغ بعرض المشغولات الذهبية الرائعة أمامها، فانزلت الفتاة غطاء وجهها حتى تتمكن من ارتداء الحلي، فانكشف ذلك الوجه البديع أمام عيني رحيم الذي تنحنه بعدم راحة، ليرن هاتف حيدر الذي استأذن منهم ليجيب على الهاتف، فكز رحيم على أسنانه بغيظ، سرعان ما تحول الى صدمة حين استمع الى ذلك الصوت الذي وصل الى قلبه قبل أذنيه:
ـ حد جال لجوزك أني عايزة من وشه حاجة؟
أخذ يكذب نفسه، لا، فهذا لن يحدث معه، و إلا سيكون صاحب أسوأ حظ في هذا العالم، فمن المؤكد إنه يتوهم، او أن قلبه أصيب بحمى الشوق، أو أنه خائف من إن تعلم ما يحدث قبل أن تعرف أسبابه، لذا استجمع شجاعته ليستدير ناظرًا خلفه، ليزفر براحة حين لم يجد أحد، فالتفت ليلتقط أحد زجاجات المياة ليبلل حلقه الجاف، فتفاجئ حين سمع الصائغ يتحدث ببشاشة:
ـ محتاجين مساعدة أهنه يا عريس…
توسعت عيني رحيم غيظًا حين شاهدها تحاول إرتداء بعض الأساور الذهبية، و لكنها لم تستطع ان ترتديها بسهولة، فقطب جبينه وهو يقول بغلظة:
ـ مساعدة أيه؟ بلا منها دي شوفي غيرها…
انطفأت البهجة في عيني الفتاة التي همست بحزن:
ـ أني عجباني دي…
تدخل الصائغ قائلًا:
ـ هجيب كيس بلاستيك تلبسيه، و العريس هيدخلهم و يسحب الكيس، هيدخلوا بسهولة..
لوى رحيم شفتيه بضيق، ثم تناول الحقيبة البلاستيكية من الصائغ، محاولًا أن يقمع غضبه قبل أن يطفو على ملامحه، غير أن حدّة صوته فضحت ما أخفاه وجهه، حين قال مقتضبًا:
ـ مدي يدك...
مدّت الفتاة يدها برهبة، فالتقطها رحيم وألبسها الكيس البلاستيكي بحدةٍ كأنما يحاول أن يفرغ فيه شيئًا من ضيقه، ثم جذب الأساور الذهبية من الحقيبة، وأخذ يُدخلها في معصمها بعنفٍ لم ينتبه إليه، حتى آلمها ضغطه، فهتفت متألمة:
ـ وه... بالراحة، هتكسر إيدي!
لم تكن تدري أن ألم معصمها لم يكن شيئًا يُذكر أمام الألم الذي كان على وشك أن يمزق قلب امرأةٍ أخرى كانت تهم بالمغادرة، حتى لمحت من طرف عينيها طيف رجلٍ توقف له قلبها قبل قدميها. لتتسمر في مكانها. و كأن حضوره وحده كفيلًا بأن يزعزع جميع دواخلها، فحدّقت به كمن يخشى أن تكون عيناه قد خانته، بينما كانت قدماها تنساقان نحوه دون إذنٍ منها، خطوة إثر أخرى، بطيئةً مترددة، خائفة كأنها تمشي إلى حقيقةٍ تعرف أنها ستقتل ما تبقى منها. ثم جاءها صوت الصائغ، عابرًا، بريئًا من كل ذلك الخراب:
ـ أيه رأيك يا عريس...
ـ عريس؟!
رددت الكلمة بهمسٍ فاتل، فتوقفت أنفاسها لحظة، وكأن الكلمة لم تقع على مسامعها، بل سقطت فوق قلبها كحجرٍ هائل. رفعت عينيها إليه من جديد، فرأته يقف أمام فتاةٍ فائقة الجمال، يمسك يدها بين يديه، ويُلبس معصمها أساور الذهب واحدةً تلو الأخرى. تقدمت منه خطوة ثم أخرى حتى لم تعد تفصلها عنه سوى خطواتٍ قليلة، وكانت في كل خطوةٍ منها تقترب من حبيبٍ لم يعرف قلبها رجلًا سواه، ومن حقيقةٍ كانت أقسى من أن تُرى وأبشع من أن تُصدق، فراحت الوعود القديمة تتردد في رأسها، واضحةً كأنها قيلت للتو «ماليش ست في الدنيا غيرك...» ترددت الكلمات في أذنيها، ثم تحولت في صدرها إلى سكاكين، سكين تشق قلبها، وأخرى تنغرس في روحها، وثالثة تنال من كبريائها الذي لطالما احتمت به حتى لم يبق فيها موضعٌ إلا وناله الألم. هبطت دمعة وحيدة من عينها، لكنها حملت من الوجع ما عجزت عنه أنهار الدموع. فابتلعت غصتها بصعوبة، وشعرت بها تصعد من أعماق قلبها حتى استقرت في حلقها، تخنق الكلمات قبل أن تولد، ومع ذلك. ابتسمت. ابتسامةً لا تشبه الفرح في شيء، بل كانت أشبه بشظية كبرياء تحاول أن تبقى واقفةً وسط حطام قلبها ثم قالت، بنبرةٍ ساخرةٍ أضناها الوجع:
ـ ما بالراحة يا عريس على عروستك...
انحبست الأنفاس بصدر رحيم و توقفت جميع حواسه عن العمل للحظة، وهو يستمع الى ذلك الصوت و رنة السخرية المليئة بالمرارة التي تتخلله، ليرفع رأسه لتشتبك عينيه مع جرتي العسل اللتان احتشد بهم الغضب و الخيبة و الألم معًا، ليتحول لونهم الى قطعتي من القهوة المحترقة، فانتفض قلبه مصعوقًا أمام وجعها، و ذلك الاتهام الذي أطل من عينيها، فنسى الجميع ممن حوله حتى تلك الفتاة التي لا تزال يديها أسيرة كفوفه، و كاد أن يقترب منها، لكنها كانت أسرع في التصرف، و التنصل من كل تلك المشاعر التي تنتحب بداخلها، فاستدارت الى العروس التي شعرت بوجود خطبٍ ما، و بأعين كانت كالرادار ترصد أبسط تفاصيلها أخذت تناظرها، ثم قالت بابتسامة عريضة لا تشبة الفرح ابدًا:
ـ مبروك يا عروسة..
أومأت الفتاة برأسها، فلم تنتظر نجاة إجابة الفتاة بل توجهت على المقعد المقابل، و هي ترخي طرحتها ستار وجهها، و بنبرة ناعمة قوية تحدثت:
ـ عنديك أيه يناسبني…
الصائغ بإعجاب:
ـ المحل كلاته تحت أمرك يا ست البنته…
كان انتقامًا مريعًا بالنسبة إليه، جعل الجنون يزحف كالأفعى الى قلبه، وهو يرى نظرات الإعجاب توجه إليها من ذاك الرجل، ليتحمحم بقوة قبل إن يقول بنبرة حادة كالسيف:
ـ أنت يا أخينا، خلي عيناك معاي أهنه…
ارتعب الرجل من هذا الضخم الذي يشبه ثورًا غاضبًا، ليستمع الى تلك الجميلة تقول بنبرة ناعمة:
ـ خليك معاهم لحد ما يخلصوا، على ما اتفرج براحتي…
مرت دقائق لم تنزاح عيني رحيم عنها، ولكنها لم تعطيه حتى إلتفاته واحدة، وقد بدا و كأنه إعصارًا على وشك أن يهب ليدمر كل شيء في طريقه، و قد أتقنت استفزازه جيدًا، فكلما وضع أحد الرجال الحلى أمامها كانت تهديه ابتسامة رائعة لتجعله يشعر بجزء ولو بسيط مما تخابره، لذا اقتربت منها والدتها التي كانت ترافقها من البداية، و همست في أذنها بتوسل:
ـ بزيداكي كيد فيه، و خلي اليوم يعدي على خير، دا بجى كيف الوحش، ليجوم يخلص علينا…
نجاة بلامبالاة يختبيء الوجع خلفها جيدًا:
ـ أني حرة، اعمل اللي اعمله، مالوش صالح بيا..
كان يحاول تمالك أعصابه بصعوبة خاصةً حين رأى تلك الخصلات المتمردة التي هربت من أسفل حجابها، فشعر بشيء ينخر في قلبه كما ينخر السوس في الخشب، ليلتفت الى الصائغ قائلًا بنفاذ صبر:
ـ اعمل الفاتورة يالا يا جدع أنت..
الصائغ باعتراض:
ـ لسه العروسة مختاراتش…
رحيم بحدة:
ـ حطهم كلهم، خلينا نخلصوا….
رأى زاوية فمها ترتفع بابتسامة ساخرة، جعلت جميع حواسه تتحفز و تهدجت أنفاسه وهو بحاول كبح جماح رغبته في الذهاب إليها و هزها بعنف حتى يخبرها بأن كل ما يحدث هو محض هراء من أجل الوصول الى رقبة ذلك الحقير والدها…
توجه رحيم إلى الخارج، فوجد حيدر لازال يتحدث على الهاتف، ليخبره بجفاء:
ـ هخلي السواج يوصلكوا، طلعلي مشوار مهم، و لازمن أروحه..
حيدر باندهاش:
ـ مشوار أيه ده؟
رحيم محاولًا عدم سحق رأسه الغبي:
ـ مشوار مهم. هخلصه و اكلمك عشان باجي الترتيبات…
ما ان غادر حيدر و ابنته حتى استدار رحيم عائدًا الى المحل، ليجدها على وشك المغادرة، فتوقف أمامها مباشرةً حتى كادت أن تصطدم به، لتشهق بخفوت حين لفحتها سخونة أنفاسه، ولكنها سرعان ما تراجعت خطوة الى الخلف، وهي تقول بحدة:
ـ بعد عني…
رحيم بنبرة محتقنة بالأسف و الألم معًا، و لكنه حاول أن تكون معتدلة حين قال:
ـ لازمن نتكلم، في حاجات كتير أنتِ متعرفيهاش..
نجاة بحدة:
ـ معيزاش اعرف حاجة عنك واصل. بعد من جدامي.
عنادها و ألمها، كل شيء يثير جنونه مما جعله يقول بنبرة يشوبها الرجاء:
ـ بطلي جنان و اسمعيني زين…
بتر حديثه عندما شاهد بدرية تلحق بها، ليهمس بيأس:
ـ يمين بالله ما حبيت ولا هحب غيرك…
لم تحتمل سماع كلمة واحدة منه، فقامت بدفعه بغضب وألم وهي تهتف بقسوة:
ـ و انا بكرهك، بعد عني…
أنهت جملتها و غادرت الى السيارة تلحقها بدرية التي هالها مظهره، لكنها لم تعقب بل اندفعت خلف ابنتها في صمت، ليقوم رحيم بإخراج هاتفه ليجري اتصالًا هاتفيًا وما أن أتاه الرد حتى زمجر بقهر:
ـ دورلك على طريجة عشان تجول لنجاة ان الجوازة دي لعبة بدل ما اجيب عاليها واطيها و اهد المعبد على دماغ الكل…
اللهم إني أستغفرك من كل ذنبٍ أذنبته، وكل خطيئةٍ اقترفتها، وكل تقصيرٍ قصّرت فيه، ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلانية.
اللهم إني تبت إليك توبةً نصوحًا، فاقبل توبتي، واغسل قلبي من الذنوب، وطهّر روحي من آثارها، ولا تردّني إلى ما يبعدني عنك.❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
انتهى من خطوة التعقيم ليتوجه بقلبٍ مفطور الى غرفة العمليات، ليعترض طريقه خالد الذي رأى في عينيه نظرة غامضة سرعان ما تبددت و أصابها الجمود ثم ربت على كتفه بقوة وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ هتقدر تعملها، أنا واثق فيك..
اومأ برأسه بثبات حاول إن يتحلى به ليسحب أنفاسًا قوية علها تهدأ من روعه ثم دلف الى الغرفة، مرت دقائق كان عمر يقف خلف طاولة العمليات، يحدّق في الجسد المسجّى أمامه، وكأن عقله يرفض أن يصدق أن ذلك الجسد الهامد تحت الأضواء الساطعة هو جسد أمه. الرصاصة استقرت على مقربة من قلبها، في موضعٍ لا يحتاج سوى لخطأٌ واحد فيه حتى يتحول كل شيء إلى نهاية مأساوية، وللمرة الأولى منذ أن امتهن هذه المهنة، لم يكن يرى أمامه مريضًا. بل والدته. تلك المرأة التي طالما اختلف معها، واصطدم بها، و احتدت بينهما الكلمات حتى ظن أن المسافة التي صنعتها الخلافات بينهما لن يفلح شيء في محوها أبدًا. لكنها الآن كانت مستلقية أمامه بلا حول منها و لا قوة، يتوقف مصيرها بين يديه، وكأن الحياة قررت أن تضع أثقل امتحاناتها في أكثر مواضع قلبه هشاشة.
زفر مستعدًا، وعيناه تتعلق بالشاشة أمامه، بينما راحت أصابعه تؤدي ما حفظته من آلاف الساعات داخل غرف العمليات. فقد كانت يداه تعرفان ما ينبغي فعله، لكن قلبه كان يرتجف في داخله حيث لا يراه و لا يشعر به أحد.
أخذ يفنع نفسه إنها عملية مثل غيرها وأنه فعلها من قبل، وأنه يعرف كيف يتعامل مع الرصاصة، ويعرف كيف يقترب من القلب دون أن يؤذيه، ويعرف كيف ينتزع الخطر من أكثر الأماكن حساسية. لكن شيئًا واحدًا لم يستطع عقله أن يتجاهله. أن القلب الذي يتعامل معه هذه المرة ليس قلب مريضٍ مجهول، بل قلب المرأة التي، رغم كل ما كان بينهما، تبقى جزءًا منه. كانت الغرفة من حوله تعج بالأصوات، أجهزةٌ تراقب، وأيدٍ تتحرك، وأوامر قصيرة تتردد بين أفراد الفريق، لكنه لم يكن يسمع شيئًا بوضوح. كان العالم كله قد انكمش في تلك اللحظة إلى شاشة أمام عينيه، ونبضٍ صغير يرفض أن يتخلى عن الحياة، كلما تغيّر ذلك الخط على الشاشة، انقبض قلبه معه.
وكلما استمر النبض، شعر كأن شيئًا في صدره يهدأ. في هذه اللحظة لم يكن يريد منها اعتذارًا، ولا حتى كلمةً تُصلح ما أفسدته السنوات. كان يريدها فقط أن تفتح عينيها. أن تخرج حية من هذه الغرفة، وفي أعماقه، حيث لا يسمعه أحد، كان يتوسل إليها كما لم يتوسل في حياته. لا ترحلي الآن... ليس قبل أن أستطيع أن أقول لكِ إنني، رغم كل شيء، لم أكن مستعدًا لفقدكِ. كادت العبرات إن تخونه، و لكنه لن يسمح بذلك، واصلت يديه عملهما بثباتٍ ظاهري، بينما كان داخله يقف على حافة هاوية، طبيبٌ يعرف أن عليه ألا يسمح لمشاعره أن تهز يده، وابنٌ مذعور لا يملك إلا أن يصلي في صمتٍ أن يبقى القلب النابض أمامه نابضًا إلى إن تم الأمر بسلام، و انتهى كل شيء، ليطلق نفسًا قويًا وهو غير مصدق أنه نجح.
على الجانب الآخر كان خالد يحاول التوازن، بعد أن قام بنقل الدماء الى شقيقته، ففصيلته الوحيدة التي كانت تتوافق مع فصيلتها. و كم كان أمرًا يدعو للسخرية و الحزن معًا، لكنه اخفى كل ما يدور بداخله خلف جدار الصمت، لتقوم هي بتمسيد موضع سحب الدماء بحنو، ثم أنزلت كم القميص، وهي تخاطبه بنبرة خافتة:
ـ ياه لو يكون عندي إخ حنين زيك كدا!
خربشت جملتها فضوله ليقول بخشونة:
ـ كان أيه هيتغير يعني؟
أشجان بنبرة خافتة، و لكنها مفعمة بالمشاعر:
ـ مكنتش هحس أني خايفة من حاجة أبدًا.
.
كان الأمر بالنسبة إليه يصب في بوتقة بعيدة عن ما تقصدها ليحذبها من معصمها وهو يقول بنبرة متهدجة:
ـ و أيه اللي مخوفك دلوقتي؟
أشجان بلهفة:
ـ مقصدش دلوقتي، أقصد قبل ما أعرفك….
قاطعها خالد بأنفاس محرورة، و نبرة خشنة مقتضبة:
ـ انسي. اللي قبلي مات، أنا دلوقتي موجود، و مفيش أي حاجة في الدنيا ممكن تخوفك طول مانا جنبك…
اهدته ابتسامة جميلة وهي تقول بحنو:
ـ عارفة، بس أنا طماعة، عايزة أب زيك، و أخ شبهك و ابن نسخة منك…
نجحت كلماتها في تهدئة أوجاعه لثوان، ليجذبها الى أحضانه وهو يقول بنبرة عميقة:
ـ اعتبريني كل حاجة ليكِ الأب و الأخ و الابن، انا كدا كدا مش هسمح لحد يشاركني فيكِ..
قاطع حديثهم، مجيء يزيد الذي هتف بلهفة:
ـ الحمد لله يا وحش، العملية نجحت..
رغمًا عنه تقاذفت دقات قلبه بداخله وخرجت عبارات الحمد من بين شفتيه، ليطلق بعدها عدة أنفاس كانت حبيسة داخل صدره، ليجد زائرًا آخر يقف على أعتاب الغرفة، فما أن رآه حتى هتف خالد قائلًا:
ـ سالم. تعالى ادخل…
دلف سالم الى الغرفة، فاعتدلت أشجان في جلستها، ليلقي سالم التحية:
ـ السلام عليكم، ألف سلامة على نبيلة يا خالد..
رد الجميع التحية ليرد خالد باقتضاب:
ـ الله يسلمك. دا سالم الوزان صاحب عمري، المدام يا سالم.
قال كلمته الأخيرة وهو يشير الى أشجان التي ابتسمت بتحفظ، ليتحدث سالم قائلًا:
ـ أهلًا بيكِ..
أشجان بذوق:
ـ أهلًا سالم بيه… طيب انا هشوف البنات لو احتجتلي رن عليا..
اومأ خالد برأسه، لتغادر أشجان، فبدأ سالم بالحديث بنبرة خافتة:
.ـ البنت فاقت يا خالد!
خالد بلهفة:
ـ امتى الكلام دا؟ حد عرف حاجة؟
تدخل يزيد هذه المرة قائلًا:
ـ لسه من عشر دقايق جايلي تليفون.. الدكتور اللي هناك صاحبي الروح بالروح، و أنا زي ما قولتلك مرسيه عالحوار.
و هتف سالم مطمئنًا:
ـ اطمن محدش عرف و لا هيعرف حاجة قبل الصبح.
نظر خالد إلى ساعته ثم قال بنبرة قلقة:
ـ كدا مقدمناش غير تلت ساعات… لازم نتصرف، أنا لازم اتكلم معاها، و اعرف هتقول أيه؟
انقطع حديثه لدى دخول آسيا الى باب الغرفة، و التي سمعت مكالمة يزيد الغامضة منذ دقائق، لتتوجه رأسًا إلى الغرفة ثم أغلقت الباب خلفها وهي تقول بنبرة قوية:
ـ أنا اللي هروح واتكلم معاها..
خالد بحدة:
ـ آسيا إنتِ كنتي بتتسنطي علينا؟
آسيا بصراحة:
ـ مش بالظبط، بس أنا سمعت مكالمة يزيد، أو تحديدًا سمعته بيقول فاقت امتى، و ربطت إنه بيتكلم عن منة، أرجوك تسمعني، انا عارفة إن كمال موصيك عليا، بس لازم تعرف أن انا الوحيدة اللي هقدر اتكلم معاها و اقنعها تحكي اللي حصل، مش هينفع كمال يفضل اكتر من كدا محبوس ظلم.
كان يعلم أنها محقة و كذلك سالم الذي تحدث بتعقل:
ـ كلامها صح يا خالد، بالإضافة إننا سهل ندخلها المستشفى و نأمنها كمان…
خالد بنبرة جافة:
ـ مش هقدر أجازف بسلامتها يا سالم.
تدخل يزيد مقترحًا:
ـ احنا ممكن ندخلها المستشفى على أنها ممرضة، انا هعرف أدخلها في الشيفت بتاع بالليل و انتوا تأمنوها وهي خارجة.
وأضاف سالم محذرًا:
ـ مفيش وقت يا خالد، أقصى حاجة الصبح هيكون الكل عنده خبر انها فاقت، و مش هنقدر وقتها نعمل أي حاجة…
التزم الجميع الصمت حالما سمعوا طرق على باب الغرفة، الذي انفتح لتطل منه ميرهان التي كانت تشعر بالحرج وهي ترى جميع النظرات تنصب فوقها بتلك الطريقة، مما جعل نبرتها مبحوحة حين قالت:
ـ أبيه خالد ممكن ادخل…
خالد بحنو:
ـ تعالي يا حبيبتي ادخلي..
حنانه مدها ببعض الثقة مما جعلها تبتسم نصف ابتسامة وهي تقترب منه قائلة:
ـ أنا أسفة لو قطعت كلامكوا، بس حبيت اطمن عليك…
ربت خالد على ظهرها ثم قال:
ـ مفيش داعي للأسف، أنا كويس..
تحمحمت بخفوت قبل ان تقول:
ـ هو مفيش أخبار عن أبيه كمال؟
صمت خالد مفكرًا ثم قال بغموض:
ـ أبيه كمال محتاج يشوف الناس اللي بتحبه هتعمل عشانه أيه..
برقت عيني آسيا من حديث خالد الذي جعل ميرهان تندفع بلهفة:
ـ إنا مستعدة اعمل أي حاجة عشانه والله، مستعدة حتى اتحبس مكانه..
تناثرت عبراتها تزامنًا مع حديثها، ليمد خالد يده يمحو عبراتها، وهو يقول بحنو:
ـ لا مش لدرجة الحبس، بس أنتِ و آسيا مطلوب منكوا تعملوا حاجة مهمة أوي عشان كمال يخرج بالسلامة..
اندفعت آسيا قائلة:
ـ أنا ممكن اعمل كدا لوحدي على فكرة…
خالد باستفهام:
ـ هتعرفي تدخلي العناية المركزة اللي واقف على بابها اتنين عساكر لوحدك؟
زفرت بحدة، فرمقها خالد بنظرة جعلت ملامحها تلين، ثم التفت إلى يزيد قائلًا:
ـ اتصل بصاحبك دا و هاتهولي أكلمه…
اللهم إني أسألك جبرًا يمحو أثر الألم، وتعويضًا يُنسيني مرارة الانتظار، وطمأنينةً لا يعقبها خوف، وسعادةً لا يخالطها حزن. اللهم اجبرني جبرًا حتى أقول: يا رب، لقد عوّضتني حتى أنسيتني ما فقدت. ❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
كان ياسر يتوجه متعجلًا إلى غرفة حبيبته التي كان قلقًا عليها كثيرًا، و لا يستطيع البقاء معها، لذا ما إن اطمئن على عمر، حتى حملته أقدامه إليها، و لكن استوقفه ذلك الصوت الخافت الحزين:
ـ ياسر…
استدار ياسر مندهشًا حين رأى هايدي تقف أمام باب غرفتها، وهي تبكي حتى أصابت الرجفة بدنها، فاقترب منها ياسر خطوتين، وهو يقول باختصار:
ـ أيوا، في حاجة؟
لم تفلح في قمع شهقاتها وهي تجيبه بانكسار:
ـ أنـ. أنا عايزة اطمن على ماما، و مش عارفة أروح هناك عشان أكيد محدش عايز يشوفني بليز ممكن تطمني؟
شعر بالحرج، و الشفقة معًا، لذا طمأنها قائلًا:
ـ ممتك الحمد لله خرجت من العمليات، و هي دلوقتي في العناية المركزة، ان شاء الله تقوم بالسلامة..
صاحت هايدي بلهفة:
ـ طيب و عمر؟ عمر عامل أيه؟
ياسر بجمود:
ـ هيعمل أيه عمر؟ ربنا يكون في عونه..
تعالت شهقاتها، و أخذت تنتحب بقوة وهي تقول:
ـ و طبعًا محدش راح مع بابا…
لم يعرف ياسر ما الذي عليه قوله، ولكنه شعر بالشفقة عليها و على هذه العائلة التي تدمرت بالكامل، لكنه في نهاية المطاف تحدث قائلًا:
ـ هنطمن على ممتك، و هاخده و نروح نشوف الدنيا أيه معاه؟
خرجت كلماتها محملة بالكثير من الندم و الحزن معًا و الإمتنان أيضًا حين قالت:
ـ ميرسي بجد انك رديت عليا، و انك هتروح مع عمر، إنا عارفة أن محدش طايق يشوفني أو يبص في وشي، بس.. بس أنا والله ندمانه، لو أقدر أموت نفسي كنت عملتها و مترددتش، بس أنا أجبن من اني اعمل كدا..
ياسر بلهفة:
ـ لا استهدي بالله و استغفري ربنا كدا، عايزة هتموتي كافرة؟ مش كفاية الذنب الكبير اللي ارتكبتيه؟ كمان عايزة ترتكبي ذنب أكبر…
هايدي بألم:
ـ غصب عني، انا ضيعت عيلتي كلها، ماما و بابا و عمر، كلهم بيدفعوا تمن غلطتي…
كان يود إنهاء هذا النقاش اللعين، الذي لا ناقة له به و لا جمل، و لكن آداب اللياقة تحتم عليه التعامل بلطفٍ، و لكن سرعان ما أضاء عقله فكرة ما، ليهتف مقترحًا:
ـ الكلام دا ممنوش فايدة دلوقتي، بقولك أيه؟ لو تحبي انا ممكن ابعتلك صافية تقعد معاكي..
هايدي بحزن:
ـ هتلاقيها هي كمان مش طايقة تشوفني… ياريتني أموت بجد. أنا لو موت هرتاح و هريح الناس كلها..
كانت تتحدث وهي تنخرط في نوبة بكاء مريرة، و تحتضن جسدها المرتجف بقوة، فأخذ يلعن ذلك الموقف بداخله، ثم قام بخلع جاكيته على مضض، ليقترب منها، و بمده إليها قائلًا:
ـ خدي البسي دا عشان الجو برد، و ادخلي أوضتك ارتاحي، و انا هبعتلك ممرضة من الممرضات…
اخذت المعطف منه، و لفته حول نفسها، وهي تقول بامتنان:
ـ ميرسي أوي يا ياسر، أنا مكنتش متخيلة بجد أنك شهم كدا…
ابتسم ياسر دون أن يعقب، لتعود هايدي الى الغرفة، و ترتمي فوق مخدعها باكية، لكن صوت اهتزاز الهاتف في جيب المعطف أثار انتباهها، فقامت بإخراجه و النظر الى اسم المتصل، فوجدته باسم " غُريبة قلبي" أثار الاسم فضولها، لكنها قررت عدم الرد، لينقطع الرنين، و من ثم عاد الرنين مرة آخرى، فظنت أنه ربما يبحث عن هاتفه، فأجابت بنبرة ناعمة:
ـ آلووو..
برقت عيني غنى و صدمها ذلك الصوت الناعم، فوضعت الهاتف أمامها للتأكد من إن الرقم صحيح، ثم أعادت الهاتف مرة آخرى إلى أذنها قائلة بحدة:
ـ آلوو..
هايدي بملل:
ـ آلووو..
غنى بانفعال:
ـ أنتِ مين؟ مش دا تليفون ياسر؟
هايدي بخوف:
ـ أيوا هو تليفون، هو في مشوار و جاي…
جنت غنى و هتفت صارخة:
ـ أنتِ مين و تليفون ياسر معاكي بيعمل أيه؟
هايدي بلهفة:
ـ لا مش تليفونه اللي معايا، يعني أقصد الجاكت بتاعه هو اللي معايا، وهو نسي الفون في الجاكت…
بهتت ملامح غنى، وهي تردد كلماتها يذهول:
ـ و كمان الجاكت بتاعه معاكي!
سقط الهاتف من يد غنى، وهي لا تصدق ما سمعته للتو، لتقترب منها صافية وهي تقول بقلق:
ـ في أيه يا غنى؟ مين اللي على التليفون؟
كانت غنى في وادٍ آخر، و كأن عقلها لم يعد يعرف كيف يفكر، فأخذت تنظر أمامها بشرود، ولكن كان هناك ألمًا قويًا يعصف بداخلها في هذه اللحظة…
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ أنت كدا حطيت البنزين جنب النار يا خالد…
هكذا تحدث سالم وهو يقف واضعًا كفوفه في جيوب بنطاله، ليجيبه خالد بنبرة خشنة:
ـ أهو الميكس دا تحديدًا اللي كمال محتاج يشوفه، أو يشوف أنهم ممكن يتفقوا مع بعض عشانه..
سالم باختصار:
ـ بمعنى؟
خالد موضحًا:
ـ اللتنين دول قبل كدا كان كرههم لبعض أكبر بكتير من حبهم لكمال، و دا اللي خلى كمال يمشي، لكن دلوقتي هما بيحبوه لدرجة أنهم عندهم استعداد يتفقوا مع بعض عشان يخلصوه من اللي هو فيه، و انا عايزة يشوف دا بعنيه…
سالم مازحًا:
ـ أنا قولت عليك دماغ يا وتيدي…
خالد بمرارة:
ـ تعبت أوي يا سالم، دماغي تعبت فعلًا. لأول مرة أحس بالضعف من جوايا بالشكل دا…
سالم بتعقل:
ـ طبيعي يا خالد لما يبقى عدوك من دمك…
خالد بنبرة مُشجبة حزينة، متأثرة:
ـ نفسي متبقاش عدوتي يا سالم، من كل قلبي بتمنى متبقاش عدوتي.. الموضوع دا تقيل على قلبي أوي، لدرجة اني بقيت أدعي ربنا أنها تطلع مظلومة، دي أختي، تخيل إن أنا الوحيد اللي فصيلة دمي نفس فصيلة دمها…
شعر سالم بالحزن على صديقه، لكنه حاول التحدث برزانة:
ـ ربنا يخيب ظننت يا خالد و نطلع فعلًا ظالمينها، لكن أنت راجل عاقل، و دماغك كبيرة، و لازم يكون عندك القدرة انك تتقبل الحقيقة أيًا كان شكلها. انك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء..
أومأ خالد يرأسه، لتلحظ عينيه نظرات زينة التي كانت منصبة عليهم، فلأول مرة ترى ذلك الرجل الوسيم بالقرب من خالد، وقد احتارت في هويته، و لكنها ظنت بأنه من المؤكد أحد أصدقاء خالد، فهو يشبهه في الهدوء،و الرصانة، ولكن في رأيها كان خالد هو الرجل الأوسم و الأروع على الإطلاق، و هاهي خطتها للتقرب منه تسير بنجاح، فقد نجحت في الإيقاع بذلك الخرف، و هاهو الآن في مركز الشرطة، و هي تعلم جيدًا إن خالد لن يتنازل عن حق شقيقته، التي ستسهل عليها الكثير لو رحلت، حتى و إن أبت الرحيل، فستجبرها هي، ثم ستبدأ بالتخلص من الجميع واحدًا تلو الآخر..
رن هاتفها فكان المتصل تلك الفتاة اللعينة، لتتراجع الى الخلف و تجيب بخفوت:
ـ آلوو..
سهيلة بانفعال:
ـ أنتِ فين و مبترديش عليا ليه؟
زينة بتحذير:
ـ وطي صوتك الدنيا هنا مقلوبة، و الكل في المستشفى. حتى أشجان…
سهيلة بحدة:
ـ مقلوبة و لا معدولة، أنا عايزة الفون بتاعي ضروري، قبل ما الزفتة دي تفتحه…
زينة بشك:
ـ هو التليفون دا مخوفك أوي كدا ليه؟
ارتبكت سهيلة و جف حلقها، و لكنها سرعان ما قلبت الأمور رأسًا على عقب حين قالت بتهديد مبطن:
ـ أبدًا، في تسجيلات لواحدة وهي بتطلب مني أقوم بنت أختها على مرات أبوها، و اقنعها ان خالتها أولى أنها تكون في مكانها، يعني لو التليفون دا اتفتح هتروحي في ستين داهية…
اللهم اجبر كسري، وآنس وحشتي، وأبدل خوفي أمانًا، وحزني فرحًا، وضِيقي فرجًا، وتَعبي راحةً، واجعل القادم من أيامي أحنَّ على قلبي مما مضى.❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
انتصف النهار، و مرت تلك الليلة العصيبة بعدما حملت الكثير في جعبتها، وها هي تقف أمام قسم الشرطة، تحاول أن تسيطر على هذا التوتر الذي جعل الألم يحتل معدتها التي تشنجت بسببه، لتحاول عدم الإنحناء، وهي تنتظر الخبر اليقين، لترى هايدي حالتها، فاقتربت منها بحذر وهي تقول باهتمام:
ـ آسيا. إنتِ كويسة؟
حاولت آسيا الإبقاء على صوتها ثابتًا حين قالت:
ـ كويسة…
لم تقتنع فقد كان الألم مرتسم على ملامحها، لتقوم ميرهان بمد قنينة المياة إليها وهي تقول بخفوت:
ـ طيب اشربي مية..
فكرت قليلًا قبل أن تأخذ منها القنينة لترفعها الى فمها، و ما كادت أن تشرب بعض قطرات المياة حتى أفزعها صراخ ميرهان من خلفها:
ـ آسياااااا….
