رواية الزاويه 45 الفصل الاول
استيقظ يونس وعقله يلهث بفرز أوهام لا تُمسكها كفوفه... أرقامٌ تتداخل كأنها خيوط عنكبوت دقيقة أُلصقت على زجاج مهشم؛ الرقم 5 كان لونه أحمر قانئاً وقد انثنى من منتصفه، والرقم 2 طار من الجدول وعلق في الهواء كأنه ورقة شجر يابسة. في الحلم، مدّ يونس يده بحرارة ليمسك بالرقم 2 ويُعيده إلى صفّه، لكن أنامله مرت من خلاله كأنه طيف. الأرقام ليست صلبة في أحلامه... إنها سائحة، متداخلة، وتقطر حبراً على أرضية ناصعة بلا سقف يحتويها.
فتح عينيه فجأة.
انغرس بصره في الظلام الآمن المحيط به: ستائر سوداء ثقيلة تحجب الضوء الخارجي تماماً، أثاثٌ مُثبّتٌ في زواياه المعتادة بدقة متناهية، سجادة الصلاة مطوية بعناية فائقة على الرف بجانب السرير — الجانب الأيمن دائمًا — وعلى المنضدة المجاورة لرأسه، كان المنبه الرقمي يضيء باللون الأخضر الفاتح، ينبعث منه صوت إيقاعي منتظم أصبح جزءاً من نهاية كابوسه: "تيك... تيك... تيك..." كانت الساعة تُشير إلى 4:30 بالضبط؛ يعلم ذلك قبل أن ينظر إليها، لأن الصوت يكرر نبرته المألوفة كل صباح في نفس اللحظة.
سحب شهيقًا بطيئًا من أنفه، ثم زفره بتمهل... كرر ذلك ثلاث مرات متتالية ليقيم حصونه ضد الفوضى المتربصة به. جلس على حافة السرير، قدماه البارزتان لمستا البلاط البارد؛ بلاط ثابت لا يتغير ولا يميد. فرك أصابع قدميه وهو يستشعر قسوة الأرضية، عدّ حتى العشرة بصوت خفيض، ثم نهض.
في الحمام، فتح الصنبور بمقدار محدد، وغسل وجهه ثلاث مرات: اليمين أولاً، ثم اليسار، ثم الجبهة. كان الماء البارد يسري على بشرته كدرعين صلبين وجدارٍ متين بينه وبين الفوضى التي تسكن العالم بالخارج.
خرج يونس من غرفته إلى الممر الطويل المُضاء بمصباحٍ خافت. مشى بخطواتٍ محسوبة كعادته: اثنتا عشرة خطوةً من باب غرفته إلى نهاية الممر، التفتَ يسارًا، ثم ثماني خطوات متساوية إلى الصالون.
كانت تجلس هناك أمه "أمينة"، كتاب الله مفتوحٌ على ركبتيها، وسبابتها تتحرك ببطء فوق السطور دون صوتٍ عالٍ. شعرها الرمادي مربوط في كعكةٍ صغيرة خلف رأسها، وثوبها القطني ناصع البياض؛ فالبيت كله، من طلاء الجدران إلى أثاثه وملابس ساكنيه، يخضع لقانون اللون الواحد الخالي من أي ألوان متداخلة قد تثير الفوضى في عقل يونس. الصالون حولها كان متحفًا من الثبات الرتيب: الكنبة الرمادية مواجهةٌ للتلفاز تمامًا بلا انحراف درجة واحدة، الوسائد الثلاث موزعه بنفس المساق=فه واحد على اليمين و الثانيه في الوسط و الثالثه على اليسار ، والمجلة الشهرية الوحيدة — الأهرام الاقتصادي — على الطاولة الزجاجية وزاويتها متعامدة تماماً مع حافة الطاولة.
جلس يونس على حافة الكنبة — الجانب الأيسر دائمًا — ووضع كفيه على ركبتيه وهو يحدق في فراغ الطاولة.
قربت أمينة منه، وقالت بنبرة دافئة تحاول امتصاص روعه: "صباح النور يا قلب أمك ..نمت كويس ؟"
رد يونس وهو يغلق عينيه ويفتحهما برتابة: "كابوس.. أوراق بتطير.. أرقام بتدخل في بعضها.. ألوان سايحة.. مش عارف أحط كل حاجة في مكانها."
نظرت له أمه بعينين تتفهمان علته الخفية منذ طفولته: "الكوابيس دي فوضى النوم يا يونس.. وأنت مبتحبش الفوضى.. يبقى متديهاش حجم أكبر من حجمها. اهدى وقوم توضأ عشان الفجر."
تنهد يونس وقام بخطوات ثقيلة، قبل جبهة أمه بدقة — المكان الوحيد الذي يتحمل تقبيله دون أن يتوتر — ثم عاد إلى غرفته، وفرد سجادة الصلاة المطوية بعناية فوق الأرض في نفس الزاوية المعتادة تمامًا التي لا تتغير أبداً، وصلى الفجر وحيداً في هدوئه الآمن، بعيداً عن أي زحام أو تلامس أجساد غرباء.
عادت أمينة للصالون، وفي تلك اللحظة خرجت أخته "سلمى" من حجرتها وهي تتثاءب بكسل. تمتمت أمينة بصوت خافت جداً: "خلّي بالك يا سلمى..."، لكن الصوت لم يصل إليها قبل أن تتقدم بعفوية وتمد يدها لتداعب خصلات شعر يونس الذي كان قد خرج لتوه من غرفته بعد الصلاة: "صباح الخير يا يويو.."
قبل أن تلامس أصابعها جلده، سرى في جسد يونس إحساسٌ مروع؛ كأن دبوساً كهربائياً جافاً غُرِس في فروة رأسه وانحدر حتى أسفل ظهره في 0.3 ثانية. تجمد جسده كأنما ضربته صاعقة، وانكمشت ملامحه بحدّة مرعبة، ثم صدرت منه صرخة مكتومة ومذعورة هزت أركان الغرفة. قفز متراجعاً للوراء بحسب مسار هندسي دقيق: ثلاث خطوات كاملة حتى اصطدم بالمرتكز الآمن على الحائط، ورفعت يداه بلمح البصر لتغطيا أذنيه ورأسه بينما جسده ينتفض برعب: "أوعي!! بلاش شعري! بلاش تلمسيني!!"
تسارعت أنفاسه بصوت شهيق حاد، وزاغت عيناه في أركان الغرفة وهو يلتصق بالجدار كأنه يحمي نفسه من هجوم غاشم.
انتفضت الأم أمينة، وأغلقت المصحف بلهفة وهي تقف بينهما بسرعة، ووضعت يديها على ذراعيه بتهدئة؛ فهي الوحيدة في هذا العالم التي يتقبل جسده لمستها، والوحيدة التي يستطيع تقبيلها أو احتضانها دون أن تصيبه نوبة هلع. وقالت بصوت دافئ ومحتوٍ: "اهدى يا يونس! اهدى يا حبيبي خلاص.. سَلْمَى مكنش قصدها والله، اهدى يا ابني اتنفس.. واحد.. اتنين.. تلاتة.."
أما سلمى فقد تراجعت للخلف بذهول وشعور جارف بالذنب، وضعت يدها على فمها والدموع تترقرق في عينيها، وهمست بصوت يرتجف: "والله العظيم نسيت يا يونس! آسفة والله.. نسيت إن اللمسة دي بتكهربك وتجننك.. أنا آسفة!"
وفي زاوية الممر، بعيداً عن مجرى بصر يونس، استندت سلمى على الجدار وبكت بصوت خفيض، وقالت لأمها بنبرة كسيرة: "أنا نسيت يا ماما... هو كل يوم كده؟"
ربطت أمينة على يدها برفق وهمست بنبرة حنونة: "هو مش زعلان منك يا بنتي... هو زعلان من الفوضى."
ظل يونس مسمرًا للحظات، صدره يعلو ويهبط بجهد. بدأ يحرك أصابعه ببطء شديد وبحركات دقيقة للغاية، يعيد ترتيب خصلات شعره التي تحركت من مكانها، خصلة خصلة، حتى أعاد كل شيء إلى نصابه، ثم أخرج زفيرًا طويلًا مجهدًا.
انسحبت سلمى إلى غرفتها بصمت، بينما جلس يونس مجدداً على حافة الكنبة ليستعيد أنفاسه ويتأهب للروتين التالي.
بعد دقائق، عادت أمينة تحمل الصينية الخشبية، وسلمى تتبعها بعينين حزينتين. وضعت الأم الأطباق أمام يونس بنظام خاص جداً ومحفوظ؛ لم يكن هناك طبق واحد يجمع أكلين مختلفين على الإطلاق. أربعة أطباق صغيرة من الصيني الأبيض الصافي:
• طبق فيه بالضبط خمس زيتونات سوداء، تفصل بين كل زيتونة وأخرى مسافة متساوية دون أي تلامس.
• طبق مجاور فيه قطع من اللانشون مقطعة بشرائح مستقيمة بسُمك 3 مليمترات تماماً لا تتداخل أطرافها.
• طبق ثالث فيه بيضة مسلوقة ومقشرة بعناية دون أي شائبة أو أثر لِقشرة مكسورة.
• طبق رابع فيه قطعة جبن بيضاء مربعة الشكل ومقطعة بحواف هندسية حادة.
امتد نظر يونس بين الأطباق يتفحصها بعناية، ثم مسك طبق الزيتون ودوّره 360 درجة ليتأكد ألا إمالة فيه ولا قطرة زيت واحدة سالت لتمس حافة طبق آخر؛ فلو حدث ذلك، لامتنع عن الأكل تماماً.
قالت أمينة بنبرة مطمئنة: "أدي الأكل أهو يا يونس.. الزتون بعيد عن الجبنة، والبيض في طبق لوحده زي ما بتحب.. مفيش حاجة لمست التانية خالص."
همست سلمى وهي تجلس بعيدًا على طرف الكرسي وتسأل أمها بصوت خفيض: "هو الغدا كمان هيبقى كده يا ماما؟"
ردت أمينة بصوت حنون متفهم: "أيوه يا سلمى.. الخضار في طبق، واللحمة في طبق، والرز في طبق لوحده.. أخوكي الأكل بالنسبة له لو اختلط بيبقى زي السم في بطنه."
أمسك يونس الشوكة بطريقة هندسية، ونظر إلى الأطباق وقال بصوت هادئ ورتيب: "الفوضى بتبدأ من المعدة.. لو الأكل اتقلب على بعضه بره، التركيب جوة بيبوظ.. والتركيب لما بيبوظ جوة، الأرقام نفسها بتضيع وراسي بتبدأ توجعني.. النظام هو اللي بيحميني."
مسحت أمينة على الهواء القريب من كتفه ودعت له: "سمِّ الله يا حبيبي وكل.. ألف سلامة على قلبك من كل شر."
بعد انتهائه من الطعام، رفعت أمينة الأطباق وحملت كوب الشاي المعَدّ خصيصاً ليونس: ملعقتا سكر بالضبط، وممزوج بعود نعناع واحد يتوسط الكوب. وضعته أمامه على القاعدة الخشبية المربعة، بزاويّة متوازية تماماً مع حافة الطاولة. نظر يونس إلى الكوب، واستنشق البخار المتصاعد منه في ثلاثة شهيقات منتظمة، ليشرع أخيرًا في استعادة توازنه المسلوب.
ناول يونس الكوب بحرص، ودون أن يزيحه مليمترًا واحدًا عن موضعه، ارتشف منه رشفة صغيرة. أغمض عينيه للحظة، ثم نظر إلى أمه بنبرة أهدأ: "الساعة دلوقتي سبعة وأربع دقايق.. فاضل ست وعشرين دقيقة على ميعاد الخروج".
ابتسمت أمينة وربطت على الحافة الخشبية للكنبة بجانبه وقالت: "كل حاجة جاهزة يا حبيبي، شنطتك وأوراقك في مكانها، واليوم هيمشي مظبوط زي ما تحب."
نهض يونس ببطء، وتوجه نحو الطاولة الصغيرة المجاورة للباب. التقط حقيبته الجلدية وضبط حزامها على كتفه الأيسر، ثم استخرج مفاتيحه ليعدّها واحدًا تلو الآخر: أربعة مفاتيح، مستقيمة ومصفوفة بالترتيب الحجمي ذاته. كل شيء يجب أن يبقى تحت السيطرة قبل أن يفتح الباب ويواجه الفوضى التي تنتظره بالخارج.
وقفت أمينة عند الباب تراقبه بحرص ومحبة. أدار يونس مقبض الباب بدورة واحدة كاملة، ثم فتح الباب ليواجه العالم الخارجي. خطى خطوته الأولى بالقدم اليمنى، محددًا نقطة انطلاقه بدقة، ليترك خلفه هدوء البيت المنتظم ويبدأ رحلته اليومية.
في مركز الشرطة كانت نور تجلس في مكتبها والظلام يتسلل من زجاج النافذة الواسعة، والضوء الشاحب ينعكس على ملامح وجهها المجهد. لم تكن تنام جيدًا منذ أسبوع، والملف المغلق أمامها بغلافه البنيّ والشريط الأبيض الصغير المكتوب عليه بخطّ يدٍ مائل: (قضية رقم 442 / اختلاس شركة البراق).
داخل الملف، صورةٌ لرجلٍ في منتصف العقد الثالث من عمره؛ شعرٌ أسود ، ملامح هادئة بشكل مريب، ابتسامة غائبة، لكن العينين البنيتين الواسعتين لم تكونا فارغتين... كان فيهما توتر داخلي لايتنهي. تحت الصورة، اسمٌ مطبوع بخطٍ جاف: يونس أحمد— المحاسب العام لشركة البراق للاستيراد والتصدير.
فتحت السجل الوظيفي للمرة العاشرة، وقرأت التفاصيل المطبوعة: آخر خطأ محاسبي: صفر. آخر يوم تأخير: لم يسبق. عدد الساعات الإضافية التي عملها دون أن يطلب عليها أجرًا: 847 ساعة.
الأرقام المرفقة بالتهمة كانت واضحة لا تقبل اللبس: خمسة ملايين جنيه اختفت من حسابٍ فرعي خلال ستة أشهر، التحويلات مُوزّعة بذكاء ، التوقيعات واضحة، والأدلة الدامغة متراصة من إيصالات وفواتير وهمية وتقارير بنكية... كل شيء يشير إليه بحسم. لكن السجل القابع بين يديها كان يصرخ بالتناقض.
دخل زميلها الضابط رامي وبيده فنجان قهوة دافئ، يرتشف منه ، ثم وضع الفنجان على طرف مكتبها ونظر إلى الصورة المبثوثة فوق الأوراق وقال:
"صباح الخير يا نور.. إيه، الملف لسه مفتوح قدامك؟ الأدلة لافّة حوالين رقبة الراجل زي الحبل، وأمر الضبط نازل كمان ساعتين.. مالك قلقانة كده ليه؟"
رفعت نور رأسها وسندت ذقنها على يديها المتشابكتين:
"مش قادرة أقتنع يا رامي. بص لسجله الوظيفي.. الراجل ده مبيعرفش يغلط! 13 سنة في نفس الشركة، كل قرش بيدخل وبيخرج متوثق. إزاي واحد بالدقة دي، يرتكب اختلاس بمبلغ زي ده، ويسيب تحويل مباشر باسمه وعلى حسابه البنكي بكل غباء؟"
رد رامي بابتسامة ساخرة وهو يحرك القهوة:
"يا بنتي المجرمين أشكال وألوان، وساعات الحرص الزايد ده بيبقى الغطاء للمختلس عشان يستخبى ورا قناع الموظف المثالي. ما يمكن بيعمل الهبل ده عشان يقول للناس: أنا يستحيل أعمل كده!"
نهضت نور من كرسيها، ومشت نحو النافذة الكبيرة التي تُطل على الشارع. أمالت رأسها وقالت بنبرة خفيضة:
"المجرم الذكي لما بياخد 5 مليون بيختفي أو بيغطي أثره بشركات أوفشور.. لكن الأوراق دي متستفة ومترتبة كأن فيه حد بيقدمهالي على طبق من فضة وبيقولي: اتفضلي اقبضي عليه جاهز! بص لعينيه في الصورة.. العينين دي مفيهاش خفاء مجرم ولا ذنب.. فيها دهشة ذهول. فيه حاجة غريبة مش راكبة في المعادلة دي."
تنهدت، ونظرت إلى ساعتها: 5:30. في غضون ثلاث ساعات ستكون هناك، لكن سؤالاً مقلقاً حاصر فؤادها: «يا ترى.. ليه حاسة إني رايحة أقبض على الراجل الغلط؟»
في السابعة والنصف بالضبط، كان يونس يخوض الشارع بخطواته الموزونة: مئة وستون خطوة في الدقيقة الواحدة، بلا تسارع ولا تباطؤ.
لكن هذا الصباح، شق روتينه عائقٌ مفاجئ؛ وضع بائعٌ آخر صندوق خضار خشبي جديد عند زاوية الرصيف. توقف يونس بضع ثوانٍ، حُسِبَت في رأسه مساحة المساحة المستقطعة، ثم انحرف يميناً ليخطو 7 خطوات بديلة أخرجته عن المسار المعتاد قبل أن يعود لإيقاعه.
مرّ ببائع الخضار "السيد فتحي" وهو يرص الطماطم:
"صباح الفل يا باشمهندس يونس!"
رد يونس بآلية وصوت جاف دون أن يلتفت أو يحيد عن طريقه:
"صباح النور يا عم فتحي."
لم يصحح له قط أنه ليس مهندسًا؛ لأن التصحيح يجلب حوارًا، والحوار يفسد عدّ الخطوات.
عند تقاطع شارع الجلاء المزدحم، وقف عند حافة الرصيف. ألقى نظرة على شاشة الإشارة الرقمية: ثلاثون ثانية للإشارة الحمراء، وثلاثون للخضراء. عند العد التنازلي للرقم 3 خطا خطوته الأولى، وعند 1 كان في منتصف الشارع، وعند 0 كانت قدمه تطأ الرصيف الآخر. انطلق صوت بوق سيارة حاد وصراخ سائق غاضب، لكن يونس لم يلتفت؛ فالصراخ مجرد ضجيج مسموح به طالما لم يمس جسده.
دخل مبنى شركة "البراق للاستيراد والتصدير" في الساعة 8:20. استقل المصعد الصغير المظلم مضطرًا هربًا من ألم ركبتيه. كان طنين المحرك ينبعث بتردد ثابت نغمة مألوفة يعلمها عقله وتمنحه السكينة لأنها لا تتغير. تحاشى النظر إلى المرآة المثبتة داخل الحجرة؛ فلو نظر ورأى وجهه، سيتواجد اثنان من "يونس"، ولن يتحرك الاثنان بنفس الإيقاع.
في الطابق السابع، دخل مكتبه المكتوب عليه: (يونس أحمد — المحاسب العام).
أضاء النور التلقائي، فتوجه إلى عالمه المنظم: خمسة أرفف خشبية مقسمة لستة ألوان (الأحمر للمبيعات، الأزرق للمشتريات، الأصفر للرواتب، الأخضر للضرائب، الأبيض للمراسلات، والأسود للأرشيف).
على مكتبه ، استقر الكمبيوتر القديم الذي مسح غباره في الثامنة والنصف. وفي حامل الأقلام، كانت الأقلام الأربعة قائمة بانتظام: الأحمر على اليسار، الأزرق على اليمين، الأسود في المنتصف، والأخضر خلفها. لا وجود لقلم رصاص إطلاقاً، فشحذه يغير سُمك الخط.
شغّل الجهاز، وأدخل كلمة المرور: (-Y-O-U-N-E-S-1-9-7-5-A-H-M-E-D). ظهر الرصيد المحاسبي للفرع الرئيسي: 23,456,789 رقم متناسق أضفى على عقله الهدوء.
وفجأة في الثامنة وخمسة وأربعين دقيقة، انكسر الهدوء. انفتح الباب بفرقعة حادة ودون أي طرق!
انتفض من مكانه فالصوت لم يكن جزءاً من النظام.
دخل "طارق السيوفي" — مدير الشركة. رجل في الثلاثين من عمره ، يرتدي بدلة فاخرة لكن كرافتته مائلة قليلاً، وتحركاته دائماً تحمل خطواً سريعاً وعشوائياً يثير التوتر.
انكمش يونس في كرسيه فوراً، وتراجعت يداه تحت الطاولة لتبدأ صوابعه في العد التلقائي للسيطرة على القلق: واحد... اتنين... تلاتة...
تقدم طارق ووضع كفه العريضة مباشرة على السطح الخشبي، متجاوزاً خط التوازيات ومغطياً بإبهامه الرقم 4 في الجدول المطبوع أمامه. اتسعت عينا يونس؛ الرقم 4 اختفى، والشيء إذا اختفى أصبح غير موجود في مكانه.
قال طارق بصوت جهوري مبتسم:
"صباح الخير يا يونس.. إيه، جاي بدري كالعادة وغارق في الجداول والأرقام؟"
تراجعت أنفاس يونس وهو يحدق في الكف المبسوطة، وقال بصوت مكتوم وخفيض:
"أستاذ طارق.. حضرتك دخلت من غير ما تخبط.. وإيدك تحركت في نطاق 10 سنتيمتر فوق الأوراق.. كده الترتيب اتلخبط."
ثم أمتدت يد طارق بغير اعتراط لتلتقط القلم الأحمر من الحامل، فتحركه مسافة 2 سنتيمتر كاملة نحو اليمين قبل أن يسحب ملفاً أزرق من الرف.
ضحك طارق بقلة صبر: "يا عم كبر دماغك من الحساسية الزايدة دي! أنا محتاج تقرير مبيعات الفرع بتاع الشهر اللي فات فوراً، أصل البنك بيزن فوق دماغي. جهزهولي."
ثم انحنى بجسده أكثر نحو يونس، ونزل بصوته قليلاً ليقول بنبرة متوددة: "صحيح يا يونس.. افتكرت، البنك كلمني امبارح وقالوا إن فيه طوارئ في السيولة للحساب الفرعي، وطلبوا التأكيد التاني للباسورد اللي أنا أخدته منك عشان يفكوا الحظر.. إنت متأكد إنك كاتبه صح وما غيرتوش؟"
رفع يونس نظره إلى طارق، وكانت عينا يونس تحسبان الزوايا بخوف وذهول نقي: "أنا عطيت حضرتك الباسورد يوم 5 أبريل الساعة 3:14 بعد الضهر لما حضرتك قلت لي إن فيه حالة طوارئ في الحسابات.. وحضرتك قلت لي إني ما أغيرهاش.. حضرتك نسيتها؟"
تهربت عينا طارق لثانية واحدة قبل أن يفرك جبهته ويبتسم بتكلف:
"اه طبعاً.. افتكرت افتكرت، بس بنشيك عشان اللخبطة. يلا خلص التقرير وهاتهولي على مكتبي."
استدار طارق وخرج، تاركاً الباب موارباً بغير إغلاق محكم. نهض يونس فوراً بخطوات قلقة، أغلق الباب بالكامل حتى سمع صوت التكة المألوف، ثم عاد لمكتبه، التقط القلم الأحمر وأعاده بمسطرته مسافة 2 سنتيمتر إلى اليسار ليأخذ موقعه الدقيق، وعدّل زاوية الورق الأبيض، ثم مسح بمنديل ورقي أثر رطوبة كف طارق فوق الخشب قبل أن يخرج زفيراً متوتراً.
في التاسعة صباحاً بالظبط، انكسر الهدوء تماماً.
صك البلاط صوت أحذية متعددة تصدر إيقاعاً صاخبا اً في الممر. ميز يونس الأصوات برأسه: حذاءان من الجلد الثقيل، حذاء رياضي خفيف، وكعب عالي منتظم.
فتح الباب، وتقدمت نور المجموعة المكونة من أربعة ضباط. وقفت أمام المكتب وقالت بنبرة حاسمة ولكن غير عدائية:
"السيد يونس أحمد ؟"
لم يرفع يونس عينيه لينظر الى المتكلم و اجاب بهدوء "أيوه.. أنا."
"أنا المقدم نور السيد، مباحث الأموال العامة. معايا أمر ضبط وإحضار لسيادتك.. بتهمة اختلاس خمسة مليون جنيه من حسابات شركة البراق."
مدت يدها ووضعت الورقة على الجانب الأيسر فوق دفتر أزرق بشكل مائل.
حدق يونس في التركيب: ورقة بيضاء + دفتر أزرق + زاوية مائلة = 3 عناصر غير متناسقة تشكل فوضى مرئية. لكن الكلمة التي نطقتها كانت أشد قسوة من كل شيء: "اختلاس".
وقف من مكانه وارتجفت شفتاه، وقال بصوت مبحوح يتخلله رعب طفولي:
"اختلاس؟.. يعني إيه اختلاس؟ يعني رقم اتنقل من مكانه من غير ترتيب؟ يعني جدول اتلخبط وبقى فيه فوضى؟ أنا... أنا ما اعرفش أتلخبط! أنا ما اعرفش أبوّظ الترتيب! الرقم لو اتحرك من مكانه في الجدول أنا بدوخ.. أزاي اختلس ؟ أزاي أفسد الحساب؟ أنا مقدرش أعمل فوضى!"
تقدم أحد الضباط المرافقين بخطوة سريعة، وأخرج القيد الحديدي البرّاق من جيبه. وقبل أن تستوعب نور أو يونس ما يحدث، أَمْسَكَ الضابط بمعصم يونس الأيمن وثبّت السوار المعدني حوله بصوت "تك" جاف وصارم.
في تلك اللحظة بالذات... انكسر شيءٌ أخير في عقل يونس.
لم تكن المشكلة في التهمة، بل في الوزن والملمس؛ المعصم الأيمن أصبح يحمل وزناً مقداره 180 جراماً تقريباً، بينما المعصم الأيسر عارٍ تماماً وخفيف. الفرق = 180 جراماً. الفرق = اختلال التماثل. الفرق = فوضى عارمة تسري في خطوط جسده.
انطلقت من حنجرة يونس صرخة حادة وممزقة هزت جدران المكتب بأكملها. قفز للخلف بهستيريا مرعبة، وجذب يده بقوة كأنما أُحيطت بأفعى من نار، وضرب بظهره في الرف الخشبي خلفه لتهتز الملفات بقوة ويتساقط بعضها.
"شيلووووووه!! افكككككه!! مش متساوي!! إيدي اليمين أتقل!! إيدي الشمال فاضية!! الفوضى جوة جسمي!! اقطعوها بس شيلوا الحديد!!"
تشنجت عضلات وجهه، وجحظت عيناه بالدموع المتجمدة، وبدأ يضرب يديه ببعضهما برعب طفولي يحاول موازنة الملمس والوزن، بينما تسارعت أنفاسه كمن يغرق في لجة ماء بارد.
تراجع الضباط خطوة للداخل بذهول تام. لم يكن هذا رد فعل مختلس... كان هذا انهياراً عصبياً لطفل لمست يداه حديدا ساخنا .
اتسعت حدقتا نور، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها.
"فك الكلبش فوراً!!" أمرت نور بصوت حاد.
تردد الضابط:
"بس يا فندم.. ده بروتوكول الأمن وماشين على أمر ضبط و..."
"بقولك فكه فوراً!!" قطعت نور كلامه بصوت قاطع لم يجرؤ أحد على مناقشته.
اقترب الضابط بحذر وأدخل المفتاح ليفتح القيد. وما إن سقط الحديد على المكتب، حتى انهار يونس جثواً على ركبتيه، وضع كفيه على البلاط البارد، وبدأ يمسح معصمه الأيمن بالأيسر بحركات سريعة ومجنونة، يعدّ بصوت خفيض يرتجف:
"واحد.. اتنين.. تلاتة.. أربعة.. لازم يرجعوا زي بعض.. لازم يرجعوا زي بعض..."
وقفت نور مسمرة في مكانها، تنظر إلى المحاسب القابع على الأرض. في تلك اللحظة بالذات، مات في عقلها اتهام "المختلس الحذر"، وولدت ريبة جديدة تماماً. المجرمون يخافون السجن والعقوبة، لكن هذا الرجل كان يصرخ ويكاد يموت خوفاً لأن معصماً واحداً احتوى ثقلاً لم يحتويه المعصم الآخر!
انحنت لمستواه وقالت بنبرة دافئة ومطمئنة للغاية:
"اهدى يا يونس.. مفيش حديد هيتحط في إيدك تاني، ومحدش هيلمسك.. قوم معايا بالراحة."
رفع يونس عينيه التائهتين المحمرتين، وبلع ريقه بصعوبة وقال بصوت يرتجف:
"أنا... أنا ماعملتش حاجه .. وحده اثقل من التانيه ... الفوضى... انا مش بحب الفوضى."
ابتسمت نور بهدوء وأجابت:
" قوم معايا ."
نهض يونس ببطء شديد بعدما توازنت يداه.. مشى اثنتي عشرة خطوة محسوبة نحو الباب، وقبل أن يخرج، التفت برأسه ليرى شاشة الكمبيوتر التي لا تزال تضيء بالرقم (23,456,789).. كان ينظر إليها بكُمود وكأنه ينظر إلى بيته وهو يحترق من الداخل، ثم اقتادوه إلى الخارج بسلام ودون أصفاد.
بقيت نور بمفردها في المكتب بعد أن غادروه.
تأملت المكان.. الأقلام الملونة الأربعة المصفوفة بمسطرة، الملفات الملونة، والهدوء الصارم. اقتربت من المكتب ومدت يدها لترفع ورقة الضبط الرسمية التي وضعتها سابقاً، لكنها لاحظت اعوجاجها وهمست لنفسها:
«حتى الورقة... كان لازم تكون في مكانها.»
