رواية ألوان مستعاره الفصل الخامس 5
لفت حبيبة ببطء، وعينيها ثابته على يوسف وهو بيقلع
ساعته وبيحطها على الترابيزة ببرود، خطواته ناحيتها كانت تقيلة، مش خطوات راجل عاشق، دي خطوات حد رايح يتأكد إن ملكيته بقت حقيقة ومفيهاش تراجع.
أول ما مد إيده ولمس كتفها، جسمها اتنفض نفضة بشعة.. إيديه كانت بالنسبة ليها باردة وغريبة، حسّت كأن ثعبان بيلتف حوالين رقبتها. سحبت نفسها لورا بسرعة وعنف، وبصت له بعيون مفزوعة، وكأنها بتشوفه لأول مرة.
يوسف حواجبة اتقاطعت بغضب، وملامحه اتغيرت لقسوة مريضة:
ـ إيه الحركة دي؟! أنتِ بتتهربي مني يا حبيبة؟ أنتِ فاكرة نفسك فين وبتتعاملي مع مين؟!
ـ متلمسنيش! أرجوك.. متقربش مني دلوقتي يا يوسف!
قالتها بصوت مرتعش وشهقة مكتومة طلعت من أعماق صدرها، وفي ثانية، كل السدود اللي بنتها طوال السنين اللي فاتت انهارت دفعة واحدة.
وقعت على ركبها على أرضية الصالة الباردة بفستانها التقيل، وحطت وشها بين إيديها وبدأت تبكي بكاء هيستيري، بكاء يزلزل المكان. دموعها نازلة بغزارة على البلاط، شهقاتها كانت طالعة بوجع وقهر سنين، وجع الخيانة، وجع الكسر، والأمرّ من ده كله.. وجع وجودها في بيت راجل مش هو اللي كانت تتمنى تكون معاه، راجل دخلت معاه سجنه بموافقتها عشان تهرب من ماضي ما سابهاش في حالها.
يوسف وقف مكانه فوق راسها، يبص لها ببرود وأنانية تامة، من غير ما يحاول يوطي أو يطبطب عليها، وقال بنبرة مليانة قسوة واستحقار:
ـ اي النكد دا في يوم زي دا يعني ....عيطي براحتك.. طالعي النكد اللي جواكي ده كله، بس حطي في دماغك حاجة واحدة: أنتِ مراتي، ومش هسمحلك تخليني أبان عبيط أو مضحكة قدام نفسك أو قدام حد.. قدامك نص ساعة تلمي القرف ده وتقومي، لأني مش جايبك هنا عشان أعيش في نكد!.... انا بحبك وجوزك وليا الحق فيكي
لف ضهره وسابها على الأرض في الضلمة، ودخل الأوضة وقفل الباب وراه بقوة، وسايب حبيبة بتنزف دموع على أرض السجن الجديد، عارفة إن المأساة الحقيقية هتبدا
حاولت تلملم أجزاء روحها المكسورة على الأرض، مسحت دموعها بأطراف إيدها المرتعشة، وقامت ببطء وهي بتتنفس بصعوبة. حاولت تقنع نفسها إنها لازم تكون عادية، لازم تمشي الليلة عشان تعدي الشاصية، بس كل خلية في جسمها كانت بترفض ومذعورة.
قلعت الفستان ببطء، ولبست قميص نوم دافي ومستور، وقفت قدام مراية التواليت بتحاول تظبط ملامح وشها وتبان متماسكة، بس أول ما فتحت باب الأوضة ودخلت، اتجمدت مكانها.
يوسف كان قاعد على السرير، عيونه مش بتبص لها بحب أو اهتمام بوجعها، عينيه كانت مليانة رغبة عمياء وطمع حيواني صريح. بالنسبة لـ يوسف، الرغبة مش مجرد جزء من الجواز.. ده الرقم واحد، الغاية الأساسية، وهو كان شايف حبيبة بالذات صيد خاص؛ جمالها ونظرة الانكسار اللي في عينيها كانت بتزود رغبته المريضة فيها وتخليه عايز يمتلكها بأي طريقة.
أول ما قربت من السرير، يوسف قام بسرعة زي الضبع، شدها من دراعها بعنف ورماها على السرير وقرب منها بشراهة، بيحاول يبوسها وبيتعامل معاها بطريقة مرعبة ومفاجأة.
حبيبة حسّت بخنقة بشعة، وكأن الهواء اتسحب من الأوضة. النظرة اللي في عينيه وملمس إيده المفاجئ فكرها باللحظة الملعونة اللي كاسر كان هيعتدي عليها فيها!
صرخت بعالي صوتها وهي بتزقه بإيديها ورجليها بكل قوتها، انهارت تماماً وصوت شهقاتها بقى يرن في الأوضة:
ـ لأ! ابعد عني! متلمسنيش! أبوس إيدك ابعد!
يوسف اتفاجأ من دفاعها المستميت، حاولت إيده تسيطر عليها بغضب وهو بيقول بنبرة محشورة وقسوة:
ـ أنتِ بتعملي إيه؟! أنتِ مراتي! اتهدي بقى وبلاش شغل الأطفال ده!
ـ أنا خايفة! مش قادرة والله ما قادرة!
قالتها وهي بتنكمش على نفسها في زاوية السرير، بتعيط ورجليها بتترعش كأنها بتموت، ورفعت إيديها تتوسل له بنبرة مكسورة تماماً:
ـ اديني فرصة.. أرجوك يا يوسف اديني وقت! أنا متوترة وخايفة اوي، والله جسمي كله بيموت.. سيبني أهدى بس، مش قادرة أستوعب أي حاجة دلوقتي، أرجوك افهمني!
يوسف فضل واقف و ينفخ بغضب مكتوم، جسمه كله مشدود برغبة عماها العند. فضل يتنفس بصوت عالي وعينيه رايحة جاية على جسمها المكموش، مش قادر يستوعب إن فيه ست ترفضه في ليلة زي دي، ولا فارق معاه خوفها، بس منظر إنهيارها المرعب ورعشة جسمها خلاه يدرك بالعافية إنها لو استمرت كده ممكن يطب لها ساكتة أو تعمل كارثة.
بعد عنها بالعافية وبخطوات تقيلة وهو بيجز على سنانه بغل ، مسح وشه بإيده وقال بنبرة حادة وخالية من أي رحمة:
ـ ماشي يا حبيبة.. هسيبك الليلة دي بس عشان خايفة ومتوترة، بس تحطي في دماغك إن الصبر ده مش هيطول.. أنا مش متجوز واحدة عشان تقعد تتفرج عليا، والدلع ده هينتهي الصبح!
سابها وخرج من الأوضة وهبد الباب وراه بقوة، وسايب حبيبة حاضنة نفسها بكتف يرتعش في الضلمة، بتتلمس انفاسها بالعافية وتدعوا ربنا ينجيها من السجن الجديد اللي دخلته برجليها.
على الناحية التانية.. في شقة كاسر.
الضلمة كانت خناقة في الأوضة، وكاسر قاعد على الأرض وساند راسه على حرف السرير. فجأة، ساد صمت مرعب.. صمت خلى الأفكار تتردد في دماغه زي الصدى. السيناريو البشع بدأ يمر قدام عينيه ببطء قاتل: حبيبة دلوقتي مش بتاعته.. حبيبة في بيت راجل تاني.. حبيبة بقيت في حضنه!
الداخل عنده اتزلزل، وحس بنغزة في قلبه كأنها طعنة سكين حامي. الصورة المريضة دي وهي بتتجسد في عقله خلته يفقد العقل تماماً. قام وقوف زي المجنون، مسك الفازة الأنتيك وضربها في الحيطة اتفتت، وبدأ يكسر كل حاجة تطالها إيده.. التسريحة، الأباجورات، اللوحات، المراية كسرها بقبضة إيده لحد ما الدم غرق المكان. كان بيصرخ بصوت مكتوم وطالع من أعماق قلبه المجروح من الندم والعجز، لحد ما نفسه اتطمع وجسمه اتخشب، ووقع على الأرض فاقد الوعي من شدة الصدمة والانهيار العصبي.
طارق قلق عليه لما ماردش على تليفوناته، جه واقتحم الشقة ولقاه غرقان في دمه.. نقله المستشفى وقضى هناك شهور بين المحاليل والمهدئات. ولما فاق، كان إنسان تاني خالص؛ عينيه اتطفت تماماً، وجسمه خَسّ. خد قرار قاسي: هيقفل قلبه للأبد، ويرجع يرمي نفسه في الشغل والطحن زي زمان، ويعيش بقية عمره على بقايا ذكراها اللي مش هتفارقه.
وفي السجن التاني.. عند حبيبة.
المرور بتاع الأيام والأسابيع والشهور كان أبطأ من الموت. رفض حبيبة لـ يوسف كان بيزيد كل يوم عن اليوم اللي قبله... والمشاكل بينهم تزيد ويدخل احلام امها ...
ويحاول يفهم اي سبب الرفض وسبب تشنج جسمها لما يجي يلمسها
وامها حاولت كتير تتكلم معاها بس رافضه تماما
المشاكل يعتبر كانت كل دقيقه ... كل ما يحاول يقرب منها، كانت تترعب، تحس بقرف وخنقة وتسحب نفسها لورا. يوسف نفد صبره تماماً؛ الراجل الأناني اللي الرغبة عنده المحرك الاساسي ، مابقاش قادر يستحمل أكتر من كده.
وفي ليلة، دخل الأوضة وهبد الباب. الشجار بينهم طول، وصوته كان جايب آخر الشارع وهي واقفه بتتنفض قدامه بدموعها.
يوسف قرب منها بزعيق وشر ومسك كتفها بعنف لحد ما صوابعه غرزت في لحمها، وقالها بصراحة قبيحة وخالية من أي مشاعر:
ـ أنا تعبت وقرفت من شغل الأطفال ده! أفهمي بقى.. أنا لا فارق معايا حزنك ولا نكدك، أنا كل اللي عايزه ومحتاجه منك هو جسمك! أنا اتجوزتك عشان كده، ومش هفضل عايش كدا أنا عشان حضرة الهانم مش قادرة تقرب مني!... بجد مش قادر
الكلام نزل على حبيبة زي القلم الصارم على وشها، الصراحة البشعة والقذارة اللي اتكلم بيها يوسف جردت أي برقع كان متبقي للزواج ده. بصت له بعيون متسعة من الصدمة والقرف، جسمها كله بيترعش بس المرة دي مش من الخوف.. من الاشمئزاز
حبيبة رجعت خطوة لورا بخطوات ميتة، وصوتها خرج مبحوح ومكسور:
ـ أنت... أنت بني آدم مريض وأنا بقرف منك! أنت ما تجوزتنيش عشان بتحبني، أنت أخدتني كأنك شاري حتة أثاث أو لعبة !
يوسف ضحك ضحكة قاسية وسخرية أطلقت كل أنانيته، قرب منها بسرعة وضغط على دراعها بغل:
ـ لا طبعا اتجوزتك عشان بحبك وبحبك اوي كمان ..أنا يوسف اللي كل الستات بتتمنى نظرة منه، مش هسيبك انتي الوحيده اللي مشيتي كلمتلك عليا وحسستيني اني ناقص. حقوقي هأخدها منك يا حبيبة، برضاكي أو بالغصب، واللي عندك اعمليه!
زقها على السرير بقوة وجاء يقرب عليها، بس حبيبة في لحظة دفاع مستميت عن آخر ما تبقى من كرامتها وجسدها، مسكت الأباجورة الخشب الصغيرة اللي كانت جنب السرير وضربته بيها على كتفه ووشه بكل قوتها!
يوسف صرخ وتراجع لورا وهو ماسك وشه اللي اتجرح، وعينيه اتملت بشر وغضب مرعب:
ـ أنتِ اتجننتي؟! بتمدي إيدك عليا؟!
حبيبة وقفت على السرير، شعرها ثائر وعيونها بتلمع بدموع وشرار حسم ما شافهوش فيها قبل كده، وقالت بصوت يهز أركان الأوضة:
ـ لو قربت مني خطوة واحدة تانية، أقسم بالله هموت نفسي مش هسيبك تلمسني يا يوسف.. طلقني وسبني في حالي
في اللحظة دي، يوسف أدرك إنها فعلاً ممكن تعمل حاجة في نفسها أو فيه، والغضب الأعمى عنده اتحول لكبرياء مجروح. تف على الأرض بقرف ومسح الدم الخفيف اللي على خده، وقال بصوت حاد كالسكين:
ـ أطلقك؟ بالبساطة دي لأ يا حبيبة.. طلاق مش هطلق، وهسيبك معلقة زي البيت الوقف، لا أنتِ طايلة سماء ولا أرض، لحد ما تجيلي زاحفة تحت رجلي وتترجيني أني بس ابص في وشك مش بس المسك
خرج وهبد الباب وراه بالمفتاح وقفل عليها من برة، وسابها محبوسة في الأوضة بين الضلمة وشهقاتها.
حبيبة وقعت على الأرض، حطت راسها بين ركبتيها وبكت.. بس المرة دي بكاها كان مختلف؛ كان فيه نضج وقوة جديدة بتتولد من رحم الجحيم ده. أدركت إنها مش هترحم نفسها تاني، وإن السجن ده لازم ينتهي حتى لو هتخسر فيه كل حاجة.
مر يوم طويل وحبيبة محبوسة في الأوضة، بين أفكارها ودموعها اللي جفت وتحولت لصلابة متخفية. مع ساعات الليل الأخيرة، تسمع صوت المفتاح وهو بيلف في الباب ببطء.
دخل يوسف.. بس ملامحه كانت متغيرة تماماً. الغضب والغطرسة اختفوا، وحل محلهم شكل بني آدم مكسور وندمان، أو على الأقل ده المنظر اللي قرر يظهر بيه. قرب من حبيبة بخطوات بطيئة وهادية جداً، ولما شافها قاعدة على طرف السرير بثبات متخشب، نزل على ركبه قدامها وتحت رجليها.
حط إيديه الاثنين على ركبتها بنبرة ندم ممزوج بترجي:
ـ حبيبة.. أنا أسف. أنا الأيام اللي فاتت اتصرفت بغباء واندفاع.. أعذريبني، أنا بني آدم وبحبك ومش قادر أتحمل فكرة إنك معايا في نفس البيت وبعيدة عني كده.
رفع عينيه ليها وكمل بنبرة محايلة محشورة برغبة مش عارف يداريها:
ـ أنا مش هضغط عليكِ تاني.. سامحيني وكوني براحتك خالص، بس أرجوكِ ادي لنفسك وليا فرصة... انا عارف ان جوازنا جه بسرعه حتي مكنش فيه فتره خطوبه .... مش لازم كل حاجة تتصلح في يوم.. خلينا نقرب قرب بسيط الأول، يعني حضن دافي.. بوسة هادية. وتقعدي معايا، نطيب الخاطر بس يا حبيبة.
حبيبة فضلت باصة له بجمود صلب، عينيها ما رفّتش ولا ظهر فيها أي أثر للشفقة من وقفته تحت رجليها. النظرة اللي في عينيه—رغم كلامه الهادي—كانت لسه كاشفة رغبته الشديدة ونفس الرغبة اللي مش عارف يغلفها بإنكاف حقيقي.... او خلاص حتي لو صادق حبيبه بقيت شيفاه بالعين دي
سحبت رجليها من تحت إيديه ببرود أشد من الجليد، وقالت بنبرة حادة وصارمة كحد السيف:
ـ أنت بتبصلي إزاي يا يوسف؟! النظرات دي إيه بالضبط؟ أنا حاسة إنك شوية وهتغتصبني! على فكرة.. أنا مراتك، مش واحدة شاقطها من الشارع عشان تقايمني بالطريقة دي وتتساوم معايا على حتة القماش ولا الحضن!
الكلام نزل على يوسف زي المية الساقعة، وش جف واتحجر مكانه وهو شايف إن كل محاولاته الناعمة للسيطرة عليها والوصول لعا خلته حتي لو صادق مش هتصدقه وهو أيقن دا وندم
عدت الأيام، ووراها أسابيع، ولفت الاشهر على نفس الحال.. يوسف حاول يديها فرصة ويغير أسلوبه، بس طبع الأنانية جواه كان يخليه يزهق ويرجع يضغط، وحبيبة ثابته زي الصخر. اتحول وجودها في الشقة لشيء شبه الروتين؛ عايشين زي الأخوات أو اثنين أغراب مقيمين تحت سقف واحد. يوسف رجع لحياته العملية وطحنة شغله بكل قوة، ومبقاش فيه مظاهر إنه عريس جديد وحبيبة فضلت على وضعها.. هادية، انطوائية، وقافلة على روحها كل الأبواب.
وفي وسط العزلة دي، العقل بدأ يهرب للماضي. حبيبة رجعت تفكر في كاسر؛ تسهر بالليل تفتح الأكونت بتاعه من بعيد لبعيد، تبص لعدسة عينيه في الصور، وتتأمل الملامح اللي وحشتها رغم كل الوجع.
جا ببالها مشاهد الفلاش باك:
(فلاش باك)
كانت واقفة مع كاسر في بداية حبهم في شارع فاضي وقت الغروب. كاسر كان ماسك لها أيس كريم وبيضحك بنشاط وهو بيحاول يمسح نقطة شيكولاتة جت على مناخيرها:
ـ أنتِ طفلة يا حبيبة؟ حد بياكل أيس كريم ويرسمه على وشه كده؟!
حبيبة ضحكت بصوت عالي وهي بتبعد إيده:
ـ ما أنت اللي جيبته سريع الذوبان يا كاسر! وبعدين أنت مالك، أنا بحب أطعم كل حاجة بطريقتي.
كاسر بص لها بنظرة مليانة عشق نقي وقال بصوت واطي:
ـ أنا مالي؟ أنا ليا الدنيا كلها طول ما الضحكة دي طالعة من قلبك يا حبيبة.. أوعديني نفضل كده على طول.
ابتسمت حبيبة في الضلمة ودمعة دافية هربت من عينها وهي بتفتكر الذكرى الحلوة، والضحكة خرجت من بين شفايفها مخنوقة بالشوق والندم على أيام راحت ولن ترجع.
فجأة.. اتفتح باب الأوضة ودخل يوسف. بص لها بنظرة جريئة ومفيهاش أي مقدمات، وقرب منها بثقة وصوت مليان نفاد صبر:
ـ وبعدين يا حبيبة؟ بقالنا شهور على الوضع ده وأنا تعبت.. أنا عايزك النهاردة، وبكفاية لحد كده!
حبيبة قفلت التليفون بسرعة وحطته ورا ظهرها، وقامت وقفت وردت بجمود ورفض حاسم:
ـ قلتلك مية مرة يا يوسف.. أنا مش جاهزة، ومحدش هيبصبصلي أو يلمسني بالعافية!
يوسف ابتسم ابتسامة ساخرة وقبيحة، وقرب منها خطوة وهو بيضيّق عينيه بشك حاد:
ـ مش جاهزة برضه؟! ولا أنتِ لسه بتحبي الواد بتاع زمان ده ومُعلقة نفسك بأوهام؟!
حبيبة اتوترت، قلبها دق بسرعة وجسمها اتخشب، بس جمعت شتات نفسها بسرعة، رفعت راسها وبصت في عينيه بثبات وقالت بنبرة حادة وواثقة:
ـ لا طبعاً! ما تحاولش ترمي خيبتك وقسوتك على شماعة حد تاني يا يوسف.. الموضوع بيني وبينك أنت، وأنت اللي مش عارف تديني أمان.
يوسف هز رأسه بضيق وسابها لأن حس أن كلامها صح ونزل القاهرة لشغله. وبعد أيام، أخدها هي وأمها ونقلوا لبيت جديد وكبير اشتراه في القاهرة عشان يكون قريب من مشاريعه.
في البيت الجديد.. دخل عليها يوسف في ليلة، وزي كل مرة حاول يفرض رغبته وتقرب منها، بس حبيبة زقته بزهق وقرف واضح:
ـ يوسف! افهم بقى وخف عني، أنا زهقت من المحاولات الرخيصة دي كل شوية!
يوسف بلع غيظه وسكت،
وبعدها بيومين دخل عليها بثبات وقال ببرود:
ـ جهزي نفسك بكرة بالليل.. خطوبه ايتن اختي اتحددت
حبيبه بلامبالاه: اعتبرني جاهز من دلوقتي
في ليلة خطوبه ايتن
.. القاعة في القاهرة كانت فخمة جداً، أضواء وديكورات أسطورية وشخصيات رفيعة المستوى. حبيبة كانت ماشية جنب يوسف بفستان أنيق ورسمي، عيونها تايهة ومفيهاش أي روح.
وقف يوسف يسلم على بعض رجال الأعمال، وفجأة الحركة هديت والمزيكا اشتغلت لإعلان دخول العروسين.
لفت حبيبة بفضول هادي ناحية الكوشة عشان تشوف العرسان
وفي لحظة واحدة.. العالم اتوقف، والهواء اتسحب من صدرها، وقلبها اتخلع من مكانه!
العريس اللي واقف بأناقته، ببدلته السودا وملامحه الجادة الحزينة وهو ماسك إيد العروسة.. كان كاسر!
اتسمرت حبيبة مكانها، عينيها اتسعت بذهول وصدمة زلزلت كيانها كله، ودمها اتجمد في عروقها وهي شايفاه بيبدأ حياة جديدة مع غيرها قدام عيونها.
