رواية كيفك انت الفصل الرابع
بعد مرور شهر...
انتهى يحيى من جميع إجراءات التقديم، وحصل رسميًا على مقعده في كلية الطب بجامعة القاهرة.
ومنذ إعلان قبوله، لم يكن للحاج محمود حديث إلا عن مستقبل ابنه، فقد كان يشعر أن حلم نجوى بدأ يتحقق، وأن عليه أن يكمل الطريق الذي كانت تتمنى أن تسير فيه مع ابنها.
وقبل بداية الدراسة بأيام...
جلس الحاج محمود مع يحيى في شرفة المنزل.
الحاج محمود:
أنا رتبت لك كل حاجة يا دكتور.
نظر إليه يحيى باهتمام.
يحيى:
خير يا بابا؟
ابتسم الحاج محمود وقال:
الحاج محمود:
مش هتقعد في المدينة الجامعية. ليَّا قرايب في القاهرة، والأستاذ سعد هيكون جنبك. لقيت لك شقة صغيرة في نفس العمارة اللي ساكن فيها، والمكان هادي وقريب من الكلية، وكمان بيطل على النيل.
ابتسم يحيى وهو ينظر إلى والده.
يحيى:
ربنا يخليك ليا يا بابا... تعبت نفسك معايا أوي.
ربت الحاج محمود على كتفه.
الحاج محمود:
إنت تستاهل أكتر من كده. أهم حاجة تركز في دراستك، ومتخليش حاجة تشغلك عن حلمك.
أومأ يحيى برأسه.
يحيى:
إن شاء الله يا بابا.
---
بعد يومين...
انطلقت السيارة من الشرقية في طريقها إلى القاهرة.
جلس يحيى بجوار والده، ينظر من نافذة السيارة إلى الطريق الطويل، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسه.
لأول مرة سيترك بيته، ويعيش بعيدًا عن والده، ويبدأ حياة جديدة لا يعرف عنها شيئًا.
وبعد ساعات من السفر...
دخلت السيارة شوارع القاهرة، حتى توقفت أمام عمارة قديمة تطل مباشرة على نهر النيل.
رفع يحيى رأسه يتأمل المبنى، ثم نظر إلى صفحة النيل الهادئة، فابتسم دون أن يشعر.
الحاج محمود:
إيه رأيك؟
يحيى:
جميل أوي يا بابا... المكان يفتح النفس.
ابتسم الحاج محمود وهو يلتقط حقيبتي السفر.
الحاج محمود:
يلا بينا.
صعد الاثنان السلالم حتى وصلا إلى الطابق الثالث.
وقف الحاج محمود أمام إحدى الشقق، ثم ضغط على جرس الباب.
وبعد لحظات...
فُتح الباب، وظهر رجل في منتصف الخمسينيات، تبدو على وجهه ملامح الوقار والبشاشة.
ابتسم بمجرد أن رأى الحاج محمود.
الأستاذ سعد:
أهلًا وسهلًا يا حاج محمود... نورت القاهرة.
صافحه الحاج محمود بحرارة.
الحاج محمود:
الله ينور عليك يا أستاذ سعد. معلش تعبناك معانا.
ابتسم الأستاذ سعد.
الأستاذ سعد:
تعب إيه بس؟ ده بيتك.
ثم نظر إلى يحيى مبتسمًا.
الأستاذ سعد:
إنت بقى الدكتور يحيى؟
ابتسم يحيى باحترام.
يحيى:
تشرفت بمعرفتك يا أستاذ سعد.
ربت الأستاذ سعد على كتفه.
الأستاذ سعد:
وأنا أتشرفت بيك يا ابني. أنا شغال موظف بالإذاعة والتلفزيون، وبحكم شغلي ساعات برجع متأخر، لكن طول ما أنت هنا اعتبرني والدك. أي حاجة تحتاجها، متترددش.
ابتسم يحيى في امتنان.
يحيى:
ربنا يخليك.
أخرج الأستاذ سعد مفتاحًا من جيبه، واتجه إلى باب الشقة المقابلة لشقته.
فتح الباب وهو يبتسم.
الأستاذ سعد:
اتفضل... دي شقتك.
دخل يحيى الشقة وهو يتأملها في صمت.
كانت صغيرة، لكنها نظيفة ومرتبة بعناية.
غرفة نوم بسيطة، وصالة متواضعة، ومطبخ صغير، وأجمل ما فيها شرفة واسعة تطل مباشرة على النيل.
اقترب يحيى من الشرفة.
وقف يتأمل المياه الهادئة وهي تعكس أشعة الشمس، وشعر لأول مرة أن حياته تبدأ من جديد.
وقف الحاج محمود بجواره.
الحاج محمود:
عجبتك؟
ابتسم يحيى.
يحيى:
جداً يا بابا... كأنها معمولة عشاني.
ابتسم الحاج محمود، وشعر براحة كبيرة لأنه اطمأن على ابنه.
وبعد أن انتهوا من ترتيب الأغراض...
جلس الأب وابنه في الشرفة.
ساد بينهما صمت طويل، فقد كانت لحظة الوداع تقترب.
قطع الحاج محمود الصمت وقال بهدوء:
الحاج محمود:
من النهارده... إنت مسؤول عن نفسك.
الغربة مش سهلة، لكني واثق إنك قدها.
ولو حسيت يوم إن الدنيا ضاقت بيك... افتكر أمك، وافتكر إنها كانت بتحلم تشوفك دكتور.
اغرورقت عينا يحيى بالدموع.
ثم احتضن والده بقوة.
يحيى:
أوعدك يا بابا... هرجعلك دكتور ترفع راسك بيا.
ابتسم الحاج محمود وهو يقبل رأس ابنه.
الحاج محمود:
أنا رافع راسي بيك من دلوقتي يا ابني.
غادر الحاج محمود الشقة، بينما ظل يحيى واقفًا في الشرفة يتابعه بعينيه حتى اختفت السيارة من أمام العمارة.
دخل بعدها إلى شقته الجديدة، وجلس على الأريكة يتأمل المكان من حوله.
مدينة جديدة...
وحياة جديدة...
وحلم كبير ينتظره.
وفجأة...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة عندما قرأ الاسم...
"زهرة ❤️"
ابتسم وهو يضغط على زر الإجابة...
لتبدأ أولى لحظاته الحقيقية في الغربة.
تفضل، وهذا حوار طبيعي ورومانسي هادئ يناسب شخصيتي يحيى وزهرة:
وقف يحيى في شرفة الشقة، وأخذ يتأمل مياه النيل وهي تنساب في هدوء.
شعر بوحدة غريبة بعد رحيل والده، فأخرج هاتفه من جيبه، وضغط على اسم واحد فقط...
"زهرة ❤️"
لم يكد الهاتف يرن مرتين حتى جاءه صوتها المليء بالشوق.
زهرة:
ألو... يحيى.
ابتسم تلقائيًا عندما سمع صوتها.
يحيى:
وحشتيني.
ابتسمت زهرة وهي تحاول إخفاء فرحتها.
زهرة:
وأنت أكتر... وصلت بالسلامة؟
يحيى:
آه الحمد لله... بابا كان معايا لحد دلوقتي، ولسه نازل من شوية.
زهرة:
طمني... المكان عامل إيه؟
نظر يحيى إلى النيل من أمامه.
يحيى:
جميل أوي... الشقة صغيرة، بس مرتبة، والبلكونة بتطل على النيل مباشرة. أول ما شوفت المنظر افتكرتك، وقولت يا ريتك كنتِ واقفة جنبي.
سكتت زهرة لحظة، ثم قالت بخجل:
زهرة:
إن شاء الله في يوم من الأيام... ربنا يجمعنا بالحلال.
ابتسم يحيى.
يحيى:
وده أكتر حلم نفسي أحققه.
ثم تنهد وقال:
يحيى:
بس بصراحة... حاسس بغربة لأول مرة.
زهرة:
طبيعي تحس كده، لكن متخليش الغربة تكسرك. افتكر إنك رايح تحقق حلمك، وحلم طنط نجوى الله يرحمها.
أغمض يحيى عينيه متأثرًا.
يحيى:
كل كلمة قلتيها صح... أوعدك هتعب وأذاكر لحد ما أبقى دكتور يليق بيكي.
ضحكت زهرة بخفة.
زهرة:
وأنا مش مستنية دكتور... أنا مستنية يحيى اللي عرفته. الطيب، والجدع، واللي عمره ما بيكسر وعد.
ابتسم يحيى.
يحيى:
وأنا أوعدك... مهما بعدت بينا المسافات، عمري ما هتغير.
زهرة:
وأنا هستناك... سنة ورا سنة، لحد ما تحقق حلمك، وتيجي تخطبني من خالي.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ...
كان كل واحد منهما يبتسم دون أن يراه الآخر.
ثم قال يحيى بصوت هادئ:
يحيى:
ادعيلي يا زهرة.
زهرة:
ربنا يوفقك، ويحفظك، ويبعد عنك ولاد الحرام، ويرجعك لينا بألف خير.
ابتسم يحيى وهو يشعر براحة غريبة تسللت إلى قلبه.
يحيى:
وجودك في حياتي نعمة كبيرة.
احمر وجه زهرة، وقالت بخجل:
زهرة:
يلا بقى... روح رتب حاجتك، وكل كويس، ومتسهرش.
ضحك يحيى.
يحيى:
حاضر يا دكتورة قلبى وروحى ومراتى وأم عيالى
ضحكت هي الأخرى.
زهرة:
لسه بدري على كلمة دى يا دكتور.
يحيى:
بس هسمعها منك قريب إن شاء الله ، جوزى وابو عيالى مش بعيد
أنهى المكالمة وهو يبتسم، ثم نظر إلى السماء وهمس:
يحيى:
يارب... حقق حلمي، واجمعني بزهرة بالحلال.
بقلم ميادةيوسف الذغندى
في صباح اليوم التالي...
استيقظت نعمات مبكرًا على غير عادتها.
كانت تتجول في أرجاء المنزل بخطوات هادئة، تتأمل كل ركن فيه، وعلى وجهها ابتسامة لم تستطع إخفاءها.
توقفت في منتصف الصالة، ونظرت حولها، ثم أطلقت زفرة طويلة وهي تهمس لنفسها:
نعمات (في سرها):
أخيرًا... أخيرًا البيت رجع ليا تاني.
ابتسمت في شماتة وهي تكمل حديثها مع نفسها.
نعمات:
بعد ما خلصت من نجوى... وابنها ساب البيت وراح القاهرة، بقى المكان هادي. أخيرًا يا نعمات... مفيش حد كل شوية يفكر محمود بنجوى.
سارت ببطء وهي تمرر يدها على الأثاث.
نعمات:
نجوى... اللي سرقت مني جوزي. كانت سبب طلاقي منه زمان، وخلتني أبقى سيرة على كل لسان. الكل كان بيقول إن محمود اختارها وسيب نعمات... وأهان كرامتي قدام الناس.
اشتدت ملامحها قسوة، وتحولت ابتسامتها إلى نظرة حاقدة.
نعمات:
افتكرتِ إنك كسبتي يا نجوى؟ لا... حتى بعد موتك، كنتِ لسه واقفة بيني وبين جوزي. صورتك في أوضته، واسمك على لسانه، وقلبه لحد النهارده ملكك.
ثم ضحكت ضحكة خافتة، وقالت بثقة:
نعمات:
بس دلوقتي... الدور على ابنك.
تذكرت المكالمة التي سمعتها بين يحيى وزهرة، فارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة.
نعمات:
فاكرة يا يحيى إنك هتعيش سعيد؟ لا يا حبيبي... أنا ناوية أحرق قلبك زي ما قلبي اتحرق سنين.
رفعت رأسها، وقالت وهي تضيق عينيها:
نعمات:
وهبدأ من نقطة ضعفك... زهرة.
ابتسمت ابتسامة خبيثة، بينما كانت في عقلها خطة جديدة، لا تعرف الرحمة... خطة إذا نجحت، فلن تدمر يحيى وحده، بل ستدمر كل أحلامه.
جلست نعمات على أول كرسي صادفها، وأسندت ظهرها إليه.
أغمضت عينيها للحظات...
لتعود بها الذاكرة سنوات طويلة إلى الوراء.
فلاش باك...
فتحت نعمات باب المنزل بعنف، بعدما سمعت حديثًا بين نساء المنطقة.
دخلت تبحث عن محمود، حتى وجدته يقف بجوار الهاتف الأرضي، ينهي مكالمة طويلة.
ما إن أغلق السماعة حتى وقفت أمامه، وعيناها تقدحان غضبًا.
نعمات:
يعني الكلام اللي سمعته من النسوان طلع صح؟
نظر إليها محمود في استغراب.
محمود:
كلام إيه؟
نعمات:
عايز تتجوز أرملة ابن عمك... نجوى؟! صحيح الكلام ده؟
ارتبك محمود للحظة، ثم قال وهو يضيق عينيه:
محمود:
إنتِ كنتِ بتتجسسي عليا يا نعمات؟
نظرت إليه بصدمة وغضب.
نعمات:
هو ده اللي همك دلوقتي؟! جاوبني... هتتجوزها ولا لأ؟
تنهد محمود، ثم اعتدل في وقفته، وكأنه حسم أمره.
محمود:
طالما عرفتي... يبقى أوفر على نفسي كلام كتير.
وسكت ثانية، ثم قال بثبات:
محمود:
أيوه... هتجوز نجوى.
تجمدت نعمات في مكانها.
نعمات:
وأنا؟
رد محمود بهدوء:
محمود:
إنتِ زي ما إنتِ... في بيتك، وليكي كل حقوقك. وأنا هتجوز نجوى ونعيش في البيت الجديد.
شهقت نعمات غير مصدقة ما سمعت.
نعمات:
البيت الجديد؟! البيت اللي طلع عيني وأنا بجهزه، ووقفت جنبك فيه حجر بحجر... هي اللي هتعيش فيه؟
نظر إليها محمود دون أن يغير نبرة صوته.
محمود:
البيت ده كان من البداية معمول علشان أبدأ فيه حياة جديدة... ونجوى محتاجة حد يحتويها بعد اللي مرت بيه.
اشتعلت عينا نعمات بالغضب، وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
نعمات:
وأنا؟! أنا مراتك يا محمود... بعد العمر ده كله، جاي تقول لي هتجيب واحدة تانية وتديها البيت اللي حلمت بيه؟
ظل محمود صامتًا للحظات، ثم قال بحزم:
محمود:
أنا خدت قراري يا نعمات... ومش هرجع فيه.
ساد الصمت...
وكانت تلك الكلمات كفيلة بأن تزرع داخل نعمات جرحًا لم يلتئم أبدًا.
