رواية كيفك انت الفصل الخامس 5 بقلم مياده يوسف الذغندي


 رواية كيفك انت الفصل الخامس 


الفصل الخامس
رواية كيفك أنت 
بقلم ميادةيوسف الذغندى 

فلاش باك...

مرت الأيام على نعمات ثقيلة كأنها سنوات.

كانت تستيقظ كل صباح على أمل أن يتراجع محمود عن قراره، لكن اليوم الذي كانت تخشاه جاء أخيرًا...

يوم زفاف محمود ونجوى.

منذ الصباح، امتلأ الشارع بالأنوار والزينة التي امتدت بطوله، حتى بدا وكأنه يحتفل بعيد كبير.

كان محمود قد أصر أن يحقق لنجوى كل ما تمنته، أما نجوى، فرغم أنها كانت أرملة، أصرت أن ترتدي فستان زفاف أبيض.

قالت له يومها بابتسامة امتزجت بالحياء:

نجوى: "نفسى البس فستان فرح يا محمود... نفسي أفرح زي أي بنت."

ابتسم محمود وهو ينظر إليها بحنان.

محمود: "ومن حقك تفرحي... واللي فات ربنا يعوضك عنه خير."

---

بدأت الزغاريد تعلو في كل مكان، بينما اصطف أهل البلد أمام البيوت يباركون للعروسين.

كانت نجوى تسير بجوار محمود، ترتدي فستانها الأبيض البسيط، وعلى وجهها ابتسامة خجولة، بينما كان محمود يسير بجوارها مرفوع الرأس، وكأنه يعلن أمام الجميع أنه لا يخجل من هذا الزواج، بل يفخر به.

---

في الجهة المقابلة...

وقفت نعمات خلف نافذة غرفتها.

كانت الستارة تتحرك بين أصابعها المرتعشة، وعيناها لا تفارقان المشهد.

رأت زوجها... الرجل الذي أحبته سنوات طويلة... يسير بجوار امرأة أخرى.

وامرأة ليست أي امرأة...

بل نجوى.

تجمعت الدموع في عينيها، لكنها حاولت أن تمنعها.

ثوانٍ فقط...

وانهارت.

انسابت دموعها بغزارة، حتى ابتلت وجنتاها.

كانت تشعر أن قلبها يُنتزع من بين ضلوعها وهي تراه يبتسم لغيرها.

وضعت يدها على فمها حتى لا يسمع أحد شهقاتها.

ثم همست بصوت متقطع:

نعمات: "كنت فاكرة إنك ليا... وإن العمر اللي بينا هيشفعلي عندك."

ازداد صوت الزغاريد في الخارج.

أما في الداخل...

فلم يكن يُسمع سوى صوت بكائها.

جلست على الأرض أسفل النافذة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وهي تردد بين دموعها:

نعمات: "ليه يا محمود... ليه كسرتني بالطريقة دي؟"

لكن الموكب كان قد ابتعد...

واختفت أصوات الفرح تدريجيًا.

أما داخل قلب نعمات...

ففي تلك اللحظة تحديدًا...

لم يولد الحزن فقط...

بل وُلد الحقد أيضًا.

حقد ظل يكبر عامًا بعد عام...

حتى أصبح نارًا لا تنطفئ، تنتظر اللحظة المناسبة لتنتقم من نجوى، ثم من كل من يحمل اسمها أو أثرها... وعلى رأسهم يحيى.
فاقت نعمات من شرودها، وفتحت عينيها ببطء.
تنهدت وهي تتمتم بصوت خافت، وقد عاد الحقد القديم يشتعل داخلها.
نعمات (في سرها): والله ما هسيبك ترتاحي يا نجوى... حتى بعد موتك. وهخلي ابنك يدوق نفس الوجع اللي دوقتهولي.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة، ثم نهضت وكأن شيئًا لم يكن.
حلَّ المساء...
واجتمع الحاج محمود مع أولاده حول مائدة العشاء.
ساد الهدوء للحظات، حتى قطعت نعمات الصمت وهي تنظر إلى زوجها.
نعمات: بقولك يا حاج... إيه رأيك؟ أنا لقيت عروسة لإبراهيم.
رفع إبراهيم رأسه من طبقه، ثم قال بضيق وهو يضع الملعقة جانبًا:
إبراهيم: عروسة زي اللي قبلهم؟ خلاص يا أمي... أنا هحجز تذكرة السفر وأرجع الإمارات، وأريح دماغي من سيرة الجواز دي.
ابتسمت نعمات بثقة.
نعمات: لا يا ابني... المرة دي غير. عروسة مضمونة، وبنت أصول، وتدخل أي بيت تشرفه.
نظر إليها الحاج محمود باهتمام.
الحاج محمود: هي بنت مين؟ قولي.
تعمدت نعمات أن تتأخر في الرد، ثم قالت وهي تراقب ملامح محمود:
نعمات: زهرة.
توقف محمود عن الأكل، ونظر إليها باستغراب.
الحاج محمود: زهرة... بنت خالة يحيى؟
هزت نعمات رأسها.
نعمات: أيوه هي. بنت جميلة، ومتعلمة، وعيلتها ناس محترمين.
نظر إبراهيم إلى والدته بتردد.
إبراهيم: بس دي لسه في الجامعة... وأنا معايا دبلوم، وهترضى بيا؟
ابتسمت نعمات وهي تنظر إليه.
نعمات: ومالها ما ترضاش ليه؟! إنت شاب محترم، وشغال في الإمارات، وربنا فاتحها عليك. معاك قرش، وشكلك حلو، وألف بنت تتمناك.
ابتسم إبراهيم بخجل، لكنه ظل مترددًا.
أما الحاج محمود، فظل صامتًا للحظات، ثم قال وهو ينظر إلى نعمات نظرة فاحصة:
الحاج محمود: بس على حد علمي... يحيى كان بيعتبر زهرة زي أخته من وهم صغيرين.
ابتسمت نعمات ابتسامة خفيفة، تخفي خلفها ما يدور في عقلها.
نعمات: وهو حد قال إن بينهم حاجة؟ دي مجرد بنت قريبة ليهم، وإحنا رايحين ندخل البيت من بابه. لو فيه نصيب، خير وبركة.
لكن داخلها كانت تقول شيئًا آخر...
نعمات (في سرها): عارفة كويس إن زهرة هي نقطة ضعف يحيى... ولو اتجوزت إبراهيم، ساعتها هكون كسرت قلبه، وخليته ينسى يعني إيه فرحة... زي ما قلبي اتكسر زمان.
وانشغلت الأسرة في الطعام، بينما كانت نعمات وحدها تبتسم في صمت...
تبتسم لخطة بدأت أولى خطواتها، دون أن يدرك أحد أن العاصفة قد اقتربت.
بقلم ميادةيوسف الذغندى 

الفصل الخامس

بعد انتهاء العشاء...

دخل عامر إلى المطبخ، فوجد والدته تغسل الأطباق، وعلى وجهها ابتسامة غامضة.

وقف أمامها وقال بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد.

عامر: ماما... إنتِ ليه قولتي على زهرة؟

توقفت نعمات عن غسل الطبق، ثم التفتت إليه.

نعمات: مالها زهرة؟

عامر: إنتِ عارفة إن يحيى بيحبها... وهي كمان بتحبه. ليه تعملي كده؟

تغيرت ملامح نعمات في لحظة، وحدقت فيه بغضب.

نعمات: بقولك إيه... لو جبت سيرة الكلام ده قدام أبوك، والله لأكون متبرية منك. فاهم؟

ارتبك عامر.

عامر: يا ماما... أنا بس...

قاطعته وهي تشير بيدها نحو الباب.

نعمات: مفيش بس! اخرج بره... وماتدخلش في اللي مالكش فيه.

نظر إليها عامر بحزن، ثم خرج من المطبخ وهو يهز رأسه، وقد أدرك أن أمه تخفي شيئًا أكبر مما يتخيل.

أما نعمات...

فوقفت أمام حوض المطبخ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة.

نعمات (في سرها): ولا يحيى، ولا زهرة، هيعرفوا أنا ناوية على إيه.

---

بعد نحو ساعة...

كانت نعمات قد بدلت ملابسها، وارتدت عباءتها السوداء، ثم وضعت طرحتها على رأسها.

خرجت من المنزل.

استوقفها الحاج محمود وهو يجلس في الصالة.

الحاج محمود: رايحة فين دلوقتي؟

ابتسمت نعمات ابتسامة هادئة تخفي ما بداخلها.

نعمات: هعدي على أم زهرة شوية... بقالها فترة ما شوفتهاش.

هز محمود رأسه دون أن يشك في شيء.

الحاج محمود: ما تتأخريش.

نعمات: إن شاء الله.

أغلقت الباب خلفها، وسارت في شوارع القرية بخطوات ثابتة.

لكن داخلها...

كانت تخطو أول خطوة في خطتها.

وبعد دقائق...

وقفت أمام منزل خالة يحيى، والدة زهرة.

رفعت يدها، وطرقت الباب ثلاث طرقات متتالية...

لتبدأ أول خيوط اللعبة التي خططت لها منذ سنوات.

جرس الباب.
كانت صفية تجلس في الصالة، فنهضت وهي تتساءل في نفسها:
صفية: مين يا ترى جاي في الوقت ده؟
فتحت الباب، وما إن وقعت عيناها على نعمات حتى بدت الدهشة واضحة على وجهها.
فمنذ سنوات طويلة، لم تجمعهما زيارة ولا جلسة ود.
ابتسمت نعمات ابتسامة مصطنعة وقالت:
نعمات: إزيك يا صفية... عاملة إيه؟
ظلت صفية تنظر إليها للحظات، ثم قالت باستغراب:
صفية: الحمد لله... خير يا نعمات؟
ابتسمت نعمات وهي تتصنع العتاب.
نعمات: إيه يا ست؟ مش هتقوليلي اتفضلي ولا هتفضليني واقفة على الباب؟
انتبهت صفية إلى نفسها سريعًا.
صفية: آه... آه طبعًا، اتفضلي.
تنحت جانبًا لتفسح لها الطريق.
دخلت نعمات إلى المنزل وهي تتلفت حولها في هدوء، كأنها تبحث عن شيء بعينه.
أغلقت صفية الباب خلفها، ثم أشارت إليها لتجلس.
صفية: اتفضلي... البيت نور.
جلست نعمات على الأريكة وهي تبتسم، بينما جلست صفية أمامها، وما زالت الحيرة تملأ ملامحها.
صفية: قولي بقى... خير؟ أصل دي أول مرة تيجي عندي من سنين.
تنهدت نعمات، ثم قالت بنبرة هادئة تخفي ما وراءها:
نعمات: بصراحة... جاية في موضوع مهم يخص زهرة.
تغيرت ملامح صفية، واعتدلت في جلستها.
صفية: زهرة؟! خير يا رب... حصل لها حاجة؟
هزت نعمات رأسها وهي تبتسم.



تعليقات