رواية نعيم الجهل الفصل الخامس
ــ ليه بتبعدي كل ما أقرب منك؟ انتي مراتي..
رباب حاولت تهدئته:
ــ نام يا باهر... إنت لسه تعبان...
باهر انتفض من مكانه وجلس على طرف السرير:
ــ أنا مش تعبان! قولتلك بقيت كويس..
اقتربت منه رباب بحذر:
ــ طيب ممكن تهدى؟
رفع باهر يده ولمس خدها.. وقال بنبرة تحمل وجع:
ــ أنا اتجوزتك رغم رفض الكل ليكي... عشان بحبك..
رباب نظرت إليه وقالت بهدوء:
ــ وأنا كمان بحبك... بس...
باهر اشتدت ملامحه:
ــ بس إيه؟ اتكلمي! قوليلي إيه السبب..
اللي مخليكي بتبعدي عني؟
أشاحت رباب بوجهها:
ــ مش وقته يا باهر...
لما نرجع بيتنا ونطمن عليك الأول..
باهر اقترب منها أكثر:
ــ لا... وقته...
ثم تابع بصوت أكثر انفعالا:
ــ أنا سايبك من يوم ما اتجوزنا...
وقلت ما أضغطش عليكي...
يمكن لسه مكسوفة.. يمكن لسه ماخدتيش عليا..
توقف لحظة.. ونظر في عينيها:
ــ بس أنا متأكد إن في حاجة تانية...
وهي اللي بتبعدك عني...
اقترب منها خطوة.. وقال بصوت خافت:
ــ وأنا خلاص... مش قادر أبعد عنك أكتر من كده...
نظرت رباب إليه.. وكأنها تحاول أن تجد
الكلمات المناسبة.. ثم قالت بصوت خافت:
ــ في حاجات يا باهر... لو اتقالت...
عمر حاجات كتير ما هترجع زي الأول...
عقد باهر حاجبيه:
ــ قصدك إيه؟
رباب أشاحت بوجهها.. وقالت:
ــ أخوك... مش كل اللي حصل بيني وبينه
كان زي ما إنت فاكر....
تجمد باهر مكانه:
ــ كاهان؟
صمتت رباب.. وانخفضت عيناها...
اقترب منها باهر بقلق:
ــ رباب... إيه اللي حصل بينك وبين كاهان؟
رفعت عينيها إليه.. وقالت بصوت مكسور:
ــ أنا كنت محتاجة حد يصدقني...
قبل ما تسألني أنا عملت إيه...
اقترب باهر منها.. وأمسك يدها:
ــ أنا مصدقك... اتكلمي...
ارتجفت شفتاها..
وظلت تنظر إليه للحظات.. ثم قالت:
ــ كاهان... هو السبب إني بقيت بخاف كل ما تقرب مني...؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور بعض الوقت...
وصل كاهان إلى المكان.. أمام منزل قدر...
فوجد كايا يقف بجوار سيارته...
نزل مسرعا واتجه إليه:
ــ كايا! إنت كويس؟ إيه اللي حصل؟
أجابه محاول تهدئته:
ــ اهدى... مفيش حاجة..
كاهان نظر إليه بحدة:
ــ أنا سمعت صوت ضــ ـرب نــ ـــار!
ثم التفت سريعا نحو منزل قدر..
واتسعت عيناه بقلق:
ــ قدر!
اندفع ناحية المنزل.. لكن كايا أسرع وأوقفه:
ــ قدر بخير! رجالة معتز الجمال انسحبوا..
توقف كاهان.. ونظر إليه بعدم فهم:
ــ يعني إيه انسحبوا؟
هز كايا رأسه:
ــ معرفش... واحد منهم ضــ ـرب رصــ ـاصة ناحية..
شباك البيت.. نزلت أحاول أعمل أي حاجة لحد..
ما تيجي... بس فجأة انسحبوا كلهم...
ظل كاهان ينظر إلى المنزل للحظات..
ثم قال دون تردد:
ــ خليك هنا...
وصعد إلى منزل قدر...
ما إن دخل حتى استقبلته جلنار...
لكن ملامحها تغيرت فور رؤيته...
وتجوزته بحدة دون أن تنطق..
اتجه كاهان مباشرة إلى قدر..
كانت واقفة بجوار النافذة.. مستندة إليها..
وعيناها معلقتان بالخارج...
وقف أمامها.. وقال بحدة:
ــ ليه رافضة تساعديني؟
قدر لم تلتفت إليه.. وأجابته بهدوء:
ــ لاني.. ما عنديش حاجة أقدر أساعدك بيها...
اقترب منها خطوة.. لكنه حافظ على مسافة بينهما:
ــ كان المفروض أنا اللي أدخل الحفلة..
وآخد الصور... بس ما قدرتش أدخل..
صمت لحظة.. ثم تابع وهو يراقبها:
ــ لكن إنتي قدرتي تدخلي... وأنا متأكد إنك أخدتي..
الصور اللي تدين معتز الجمال...
قدر التفتت إليه أخيرا.. وقالت ببرود:
ــ أنا مش عارفة إنت بتتكلم عن إيه...
أخرج كاهان ظرفا من جيبه..
وألقاه على الطاولة أمامها:
ــ بصي عليهم... يمكن تعرفي..
نظرت قدر إلى الظرف بتردد..
كانت بعض الصور قد خرجت منه..
فاقتربت منها بعينيها...
صور متتالية لكريم... يوم الحـ ــادثة..
تغيرت ملامحها للحظة..
لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها..
قال كاهان:
ــ ليه كان عايز يقتــ ــلك
وإنتي ما تعرفيش حاجة؟
أجابته وهي تحاول إنهاء الحديث:
ــ ده واحد مجنـ ــون... وأنا قدمت فيه بلاغ..
ضحك كاهان بسخرية قصيرة:
ــ بلاغ؟
اقترب من الطاولة.. وأشار إلى الصور:
ــ تحبي أقولك خرج بعد قد إيه من القبض عليه؟
نظرت إليه بصمت ثم اكمل هو :
ــ ربع ساعة...
ثم أضاف بلهجة أكثر قسوة:
ــ تعرفي انتي فوقتي بعد الحـ ــادثة بكام؟
صمتت قدر....
تابع كاهان:
ــ تمانية وأربعين ساعة...يعني حياتك..
ما كانش ليها قيمة عندهم من الأساس..
أدارت قدر وجهها عنه.. وقالت بضيق:
ــ لو سمحت... سبني في حالي..
كاهان نظر إليها للحظات.. ثم قال بجدية:
ــ حتى لو انا سبتك.. معتز الجمال وابنه..
مش هيسبوكي في حالك... غير لما ياخدوا..
اللي عندك!
لم تجبه...
اقترب كاهان خطوة.. ثم قال بوضوح:
ــ ساعديني... عشان أقدر أساعدك أنا كمان...
أنا مش هضرك يا قدر... لكن لو فضلتي مصرة..
على.. رفضك.. إنتي اللي هتضري نفسك...
نظر إليها للحظات.. قبل أن يهتز هاتفه برسالة...
أخرج هاتفه وقرأها... فتبدلت ملامحه فجأة..
وعقد حاجبيه بقلق.. أغلق الهاتف دون كلمة أخر...
ثم استدار وغادر سريعا.. تاركا قدر واقفة أمام.. النافذة.. وعيناها معلقتان بالصور فوق الطاولة..
اقتربت جلنار منها وقالت بقلق:
ــ يا بنتي... اديهم اللي عايزينه..
إحنا مش قد الناس دي...
التفتت إليها قدر فجأة:
ــ عمتو... انتي فاكرة هيان وهيا مــ ــاتوا إزاي؟
ارتبكت جلنار.. وتغيرت ملامحها قبل أن تسأل:
ــ إيه اللي فكرك بيهم بعد كل السنين دي؟
قالت قدر بهدوء يحمل وجعا قديما:
ــ أنا عمري ما نسيتهم... آه.. كنت طفلة..
بس فاكراهم ....
ابتلعت جلنار ريقها..
ثم قالت وهي تتجنب عينيها:
ــ إخواتك اتولدوا بمــ ــرض...
كانوا ضعاف من يوم ما اتولدوا...
والدكاترة قالوا إن حالتهم صعبة...
نظرت إليها قدر في صمت.. ثم سألت:
ــ يعني... هم فعلا مــ ــاتوا بسبب المــ ــرض؟
أومأت جلنار سريعا:
ــ أيوه يا بنتي... مــ ــاتوا وهم لسه صغيرين...
ظلت قدر تنظر إليها للحظات...
وكأن شيئا في داخلها لم يقتنع تماما:
ــ غريبة... أنا مش فاكرة إنهم كانوا..
مـــ ـــرضى بالشكل ده...
تجمدت جلنار للحظة.. قبل أن تقول:
ــ كنتي طفلة يا قدر...
طبيعي ما تفتكريش كل حاجة...
ظلت قدر تنظر إليها للحظات...
ثم أبعدت عينيها عنها دون تعليق...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«فــي فيــلا معتــز الجمــال»
دخل معتز غرفة كريم.. فوجده جالس بهدوء..
اتجه إلى الدولاب دون كلمة.. وسحب حقيبة سفر..
من جانبه.. ثم فتح الدولاب وبدأ يخرج ملابس..
كريم.. ويلقي بها داخل الحقيبة بعصبية...
اقترب كريم منه باستغراب:
ــ إنت بتعمل إيه؟
ألقى معتز قميص داخل الحقيبة.. وقال بغضب:
ــ بلملك هدومك... عشان هتسافر..
عقد كريم حاجبيه بدهشة:
ــ هسافر فين؟ وليه؟
التفت إليه معتز بحدة:
ــ هتسيب البلد كلها كام شهر...
لحد ما أخلص موضوع الصحفية..
رد كريم فورا:
ــ مش مسافر...
توقف معتز عن الحركة...
ورفع عينيه إليه ببطء:
ــ نعم؟
كريم :
ــ سمعتني... أنا مش مسافر...
قال معتز بغضب:
ــ هتسافر... لأني ما عنديش استعداد..
أخسر كل اللي بنيته عشان ابني غبي...
رد كريم بانفعال:
ــ أنا هجيبلك الصور من قدر..
قاطعه معتز بعنف:
ــ هششش! إنت هتسافر..
وأنا اللي هتصرف مع قدر..
إنت مش هتدخل في الموضوع ده تاني... فاهم؟
كريم بعناد:
ــ ولو رفضت؟
رفع معتز صوته:
ــ رفعت!
انفتح باب الغرفة..
ودخل رفعت وبرفقته اثنان من الحراس..
اتجهوا مباشرة نحو كريم وأمسكاه من ذراعيه..
حاول كريم الإفلات منهم:
ــ إنتوا بتعملوا إيه؟! أنا ابنك!
وقبل أن يكمل.. غرز رفعت حقنة في رقبته..
تراخت مقاومة كريم تدريجيا.. وفقد وعيه..
بين ذراعي الحراس...
قال معتز ببرود:
ــ كريم مسؤوليتك يا رفعت... من اللحظة دي..
رفعت:
ــ تحت أمرك...
نظر معتز إلى كريم للحظات.. ثم قال بصرامة:
ــ رفضك لكلامي كان غلط...
صمت قليلا.. ثم أضاف:
ــ واقتحامك لبيت قدر... كان الغلط الأكبر...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«مــرت الأيـــام سريعـــا.. فـــــي دار الأيتــــام»
وقف أحد المسؤولين أمام إنصاف بصرامة:
ــ أربع أطفال بقالهم خمس أيام متغيبين...
لا بلغتوا الشرطة ولا حتى بلغتونا!
ارتبكت إنصاف:
ــ أنا... كنت فاكرة إنهم هيرجعوا...
قال :
ــ ده إهمال جسيم! ومسؤولية..
اختفائهم تقع على الإدارة...
توسلت إنصاف:
ــ اديني فرصة...
قاطعها بحسم:
ــ انتي موقوفة عن العمل.. وهيتم إحالتك للتحقيق.. فورا... والمدام شهيرة هتمسك إدارة الدار مؤقتا.. لحين انتهاء التحقيق...
تجمدت إنصاف في مكانها..
بينما أخفت شهيرة ابتسامة..
انتصار خلف ملامح مصطنعة من الحزن:
ــ تحت أمرك...
ثم غادر المسؤول.. وما إن أُغلق الباب..
حتى ظهرت ابتسامة شهيرة بوضوح..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«فــي صبــاح اليــوم التــالي ــ منزل كاهــــان»
كانت إلهام تجلس مع مريم في غرفة المعيشة..
بينما وقف كاهان بجوار النافذة.. يقلب في هاتفه.. بهدوء...
رن جرس الباب!
نهضت مريم واتجهت لفتحه..
وما إن رأت ضياء حتى ابتسمت:
ــ اهلا وسهلا... اتفضل...
تجنب ضياء النظر إليها.. ومد يده بورقة:
ــ لا شكرا... أنا جبتلك إذن من النيابة..
بفتح قبـــ ــر آدم....
نظرت مريم إلى الورقة.. ثم أخذتها منه ببطء...
ظلت عيناها معلقتين بها.. دون أن تنطق بكلمة...
نظر إليها ضياء بألم...
فما زال يرى حب آدم في عينيها...
وفجأة...
اندفع باهر إلى المكان كالإعصار..
ودفع ضياء جانبا وهو يمر...
ــ باهر!
حمدالله على سلامتك!
قالتها مريم بصدمه...
لكن باهر لم يلتفت إليها.. ودخل وهو يصـ ــرخ:
ــ كاهان فين؟! كاهان!
التفتت مريم إلى رباب
التي دخلت خلفه.. وسألتها بقلق:
ــ رباب... في إيه؟
اقتربت رباب بخطوات مترددة...
وملامح القلق مرسومة على وجهها:
ــ باهر... معاه مســ ـــدس...
تجمد ضياء مكانه.. ثم دخل مسرعا إلى الداخل.. وتبعته مريم بخوف...في غرفة المعيشة...
كان كاهان قد استدار.. ووقفت إلهام أمامه...
وما إن رأت باهر يرفع المســـ ــدس حتى شهقت:
ــ باهر! نزل اللي في إيدك ده!
رفع باهر المســ ــدس...
ووجهه مباشرة نحو كاهان:
ــ هقتــ ــلك يا كاهان!
أبعد كاهان والدته عن طريقه..
ووقف أمام فوهة المســ ـــدس بثبات:
ــ باهر... إنت مش في وعيك!
بترفع ســـ ـــلاح في وش أخوك؟!
كانت الدموع متحجرة في عيني باهر...
وصوته يخرج مختنقا بالغضب:
ــ إنت شيــ ــطان... وأنا هخلص عليك!
تقدم ضياء خطوة بحذر:
ــ باهر... نزل المســــ ــدس وخلينا نتكلم....
اقتربت رباب منه، وبدأت دموعها تنساب:
ــ اهدى يا حبيبي... ونزل المســ ـــدس...
أما مريم، فظلت واقفة مكانها...
تنظر بين باهر وكاهان في صدمة...
عاجزة عن فهم ما يحدث....
ساد صمت ثقيل للحظة...
ثم... ارتفعت يد باهر قليلا...
ــ باهر استنى!
صـــ ــرخت بها مريم...
وفي اللحظة نفسها تحرك كاهان خطوة للأمام..
بينما اندفع ضياء نحوهما...
دوى صوت الرصــ ـــاصة...
شهقت إلهام.. وتراجعت رباب للخلف...
تجمد الجميع...؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«عنـــــــــد قـــــــدر»
انتفضت قدر من نومها فجأة...
تفتح عينيها بفزع.. وأنفاسها متسارعة...
رفعت يدها إلى صدرها... وضغطت على قلبها..
الذي كان يخفق بعــ ـــنف.. وتنظر حولها بارتباك...
حاولت تهدئة أنفاسها.. ثم أغمضت عينيها للحظة...
ــ كان حلم...
لكن ملامح الخوف على وجهها لم تتغير...
وكأن شيئا مما رأته في كابوسها لم يكن مجرد حلم؟!
