رواية لأنك انت الحب الفصل الخامس 5 بقلم منار الشريف


 

رواية لأنك انت الحب الفصل الخامس 

تجمّدت الدماء في عروق يارا، وكانت الحروف السوداء على شاشة السيارة تصفع عينها، كأنها طلقة حيه «استلم البنت والشريحة، وانهي المهمة زي ما اتفقنا مع شريف.»
انفتحت عين يارا عن آخرهما بصدمة امتزجت بمرارة لا تُطاق. جذبت يدها من نسيج قميصه المبتل بدمائه، وكأن لمسه أصبح يفرز سمًا ناقعًا. اندفعت بجسدها نحو باب السيارة، وفتحت المقبض بحركة جنونية:
- يا خاين يا ابن الكلب. كنت بتلعب بيا طول الوقت؟! الحضن ده، والبوسة، وكلامك عن أخويا كل ده عشان تسلمني لشريف وسكنتك فوق رقبتي؟!

انقضّ سليم عبر مقعد القيادة كالفهد المحاصر، ورغم الجرح النازف في خاصرته والذي انفجر بالدم مجددًا، امتدت ذراعه الفولاذية تعصر معصمها، وجذبها بكل قوته إلى الداخل يغلق الباب بصوت رزع حاد هز أركان السيارة.

- سيبني. أبعد إيدك عني. قسمًا بالله لأصرخ وألم عليك الناس كلها.
 صرخت يارا وهي تضربه بقبضتيها المضمومتين في صدره بكل غل، وأظافرها تغرس في كتفه. قبض سليم على معصميها الاثنين بيد واحدة وضغطهما بعنف نحو صدريها، بينما وجهه الملتصق بوجنتها كان يقطرعرقًا ودمًا، وعيناه البنيتان تشتعلان بحدّة مرعبة لم ترها فيه من قبل.
قال بصوت خفيض جدًا، يحمل بحّة اختناق غاضبة:
 - اسمعي يا يارا لو كنت عايز أسلمك لشريف، مكنتش طلعت بيكِ من النفق، وأنا جمبي مفتوح. الرسالة دي اختراق لسيستم العربية. شريف بيعمل الحركة دي عشان يهز ثقتك فيا، ويخليكِ تسبيني وتمشي فتقعي في إيد رجالته اللي مالين المنطقة.

- كذاب، كذاااااب.
 هتفت يارا والدموع تقفز من عينيها بغزارة: 
- التوقيع في الملف كان بخط إيدك، والرسالة جاية على خطك المشفر. أنت ورجلتك وشريف زهران عملة واحدة.

أمسك سليم بفكها بقسوة وجذب وجهها ينظر في عينيه مباشرة حتى تلاقت أنفاسهما الملتهبة في مساحة الإنش المتبقية بينهما:
- الخط في الملف كان خطي. ايوة، بس مش عشان بعت أخوكِ، عشان أنا اللي كنت شغال عملية اختراق سرية للشركة الأمنية بتاعة شريف من أربع سنين. التفويض ده كان فخ أنا اللي عملته عشان أثبت إن شريف بيهرّب أموال عن طريق حراسات الدولة.

توقفت يارا عن المقاومة لثانية، فكها يرتجف بين أصابعه، وأنفاسها المتلاحقة تصدم ببشرته:
 - إيه....؟

- أخوكِ زياد لاقى الملف ده بالصدفة واستغله.
 واصل سليم بكلام ينزل كالمطارق:
- زياد لما عرف الفلوس كام طمع، وحاول يستغل الملف ويساوم عليه ويطلب رشوة أو يشتغل معاهم. شريف اكتشفه، وكان هيصفيه. أنا التوقيع بتاعي كان محطوط عشان الموضوع يمشي بدون أي شك فيا، ولما النيابة دخلت في الموضوع أنا اللي سربت اسم زياد عشان يدخل السجن تحت حراسة مشددة ميعرفش شريف يوصل له فيها. فهمتِ يا غبية ولا لسه فاكرة إن اللي حصل بينا ده تمثيلية؟
______________________

هبط سكون خادع داخل كابينة السيارة، لا يقطعه سوى أنفاسهما المجهدة وصوت تنبيه السيارة الذي توقف فجأة بعد أن قام سليم بضرب الشاشة الإلكترونية بقبضته ليتلف نظام الاستقبال كليًا.
أرخى قبضته عن معصميها ببطء شديد، وتهاوى جسده للورا، وسند رأسه على المقعد وهو يلهث، بينما بدأت بقعة الدم تدفق بغزارة من خصره تغرق جينزه الأزرق.
نظرت يارا إلى أصابعها الملطخة بدمائه، ثم إلى وجهه الذي بدأ يشحب بطريقة مخيفة. الشك واليقين يتصارعان داخل رأسها كإعصار.
سحبت قطعة الشاش بدون كلمة واحدة، واقتربت منه. هذه المرة لم يدفعها. رفعت قميصه بالكامل، ليظهر الجرح العميق وهو ينزف بغزارة تحت ضوء الكشاف الرأسي للسيارة.
ضغطت بنسيج الشاش بقوة على نسيجه اللحمي المفتوح. تأوه سليم بصوت مكتوم، وضغط بفكيه حتى كادت أسنانه تتكسر، لكنه لم يتحرك.
قالت بصوت خفيض، نبرتها اهتزت بتشوش عاطفي عارم:
- لو كلامك صح ليه معرفتنيش أول ما شريف بدأ يطاردني؟

فتح سليم عينيه ببطء، ونظر إليها بنظرة عارية من أي قناع عسكري. امتدت يده المرتجفة تغرس في خصلات شعرها الغجري المنسدلة على وجهها، ويُرجعها خلف أذنها بلمسة رقيقة طالت وجنتها المبتلة بالدموع:
- عشان الجهاز اللي كنت تابع ليه فيه حد خاين يا يارا. شريف زهران مش مجرد رجل أعمال، شريف معاه لواءات ومستشارين في جيبه. لو كنت قلت لك. كنتِ هتجري على الجريدة ونشرتي الخبر، وكانوا هيقتلوكِ في ميدان عام ووسط للناس كلها، ويقيدوها ضد مجهول زي ما عملوا مع غيرك.

انقبض قلبها أثر لمسته الدافئة. كانت يده باردة من أثر النزيف، لكنها تحمل حرارة مشاعر لم يستطع حبسها بعد الآن. أضاف سليم بصوت خفيض وهو ينظر لعينها مباشرة:
- أنا سِبت الخدمة، وبعت نفسي لشريف كحارس حر من سنة كاملة، عشان أكون الشخص الوحيد اللي يترشح لتصفيتك لما تنزلي الملف. كنت عارف إن اليوم ده هيجي، وكنت عارف إن مفيش حد هيحميكِ منه غيري.

تلاقت أعينهما في الظلام. كل الكراهية والشك اللذين بنتهما طوال السنوات الماضية انهارا، كأنهم قلاع من رمل أمام حقيقة الدم المسفوك على مقعد السيارة. وضعت يارا يدها فوق يده الممسكة بوجنتها، وقالت بصوت خفيض، لكنه يتفجر بصلابة جديدة:
- الشريحة اللي معايا فيها كشوفات الحسابات المزدوجة بتاعة شريف. فيها أسماء الناس اللي بيحموه، وفيها التفويض الأخير اللي عليه بصمة شريف المباشرة.

سحب سليم نفس عميق متألمًا، وابتسم ابتسامة مجهدة:
 - معنى كده إننا لو عرضنا الشريحة دي في البث المباشر في التلفزيون أو وصلناها للجريدة اللي شغالة فيها. شريف مش هيلاقي وقت ينقذ نفسه.
قالت يارا وعيناها تلمعان بذكاء صحفي متقد: 
- بس ده هيبقى مش مجرد بث. أنا عندي وصول لسيرفر الحفظ السحابي الطارئ الخاص بجريدتي. لو قدرت أترجم البيانات وأرفعها على السيرفر ده، البيانات هتتنشر أوتوماتيكي لـ 12 شبكة إخبارية دولية في نفس الدقيقة. شريف مش هيقدر يوقفها حتى لو قتلنا إحنا الاتنين.
__________________

لم يكن هناك وقت للراحة. ربطت يارا جرح سليم برداء ضاغط استخرجته من الحقيبة، ثم انتقلت إلى مقعد القيادة بنفسها، بينما تمدد سليم في المقعد المجاور، يسحب مسدسه ويجهز الذخيرة بجهد.
انطلقت السيارة تحت إدارتها عبر الطرق الفرعية المظلمة، تتفادى الطريق الرئيسي الذي يسيطر عليه رجال شريف.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجرًا عندما بدأت أضواء القاهرة تظهر في الأفق، وفي تلك الأثناء، كان هاتف سليم الصغير يعزف نغمة اتصال مجهولة مشفرة.
نظر سليم إلى الشاشة، ثم فتح مكبر الصوت دون أن يتكلم.
انطلق صوت «شريف زهران» عبر السماعة، هادئًا، واثقًا، ويكاد يكون أبوي:
- سليم.. أنا عارف إنك سامعني، والبنت معاك. الحركة بتاعة الرسالة كانت مجرد تذكير بسيطة بأن عيوني معاك في كل مكان.

لم يرد سليم، بل اكتفى بالتنفس الثقيل. تابع شريف بنبرة أكثر قسوة تحت تغليف الهدوء:
- أنت عارف كويس إن القناة والجريدة بتوع نور تحت سيطرتي المباشرة من أسبوعين. لو فكرتوا تقلبوا الدنيا عليا هناك. تبقوا غلطانين. أنا منتظركم في مقر الجريدة نفسه. تعالى يا سليم عشان ننهي الحساب القديم، وناخد الشريحة ونقفل ملف زياد للأبد.

أغلق شريف الخط من جانبه.
التفتت يارا نحو سليم بذهول، وهي تضغط على عجلة القيادة:
- هو عارف إننا رايحين هناك؟! والجريدة تحت سيطرته إزاي؟!

مسح سليم قطرات العرق عن جبهته، ونظر إليها بملامح حادة كالسيف:
 - شريف مش عارف كل حاجة، هو فاكر إننا بنلعب بالأسلوب القديم. بس هو مستنينا هناك كنوع من التهديد بس وده الأحسن.

 سألت يارا بذهول:
-  ليه الأحسن؟ 

- عشان لما الحية تخرج رأسها من جحرها وتستنى الفريسة بتكون دي اللحظة الوحيدة اللي ينفع نقتلها فيها.
 قالها سليم، وهو يرفع رأس مسدسه ويضعه بحزام كتفه.
_________________

وصلت السيارة إلى مبنى الجريدة في وسط البلد قبل بزوغ الفجر بساعة. كان المبنى الضخم المكون من ثمانية طوابق يبدو مظلمًا وشبه مهجور، سوى من إضاءة مدخل البهو الرئيسي.
قامت يارا بركن السيارة في حارة جانبية خفية. نزلا معًا. كانت يارا  تدعم سليم الذي كان يتحرك بصلابة جبارة رغم ألم جرحه.
دخلا الأثنان عبر الباب الخلفي للمطابع باستخدام بطاقة وصول طوارئ كانت تملكها يارا كصحفية تحقيقات. المكان كان غارقًا في صمت مريب، ورائحة الحبر والورق المطبوع تملا الأجواء.
انتقلا عبر سلم الخدمة نحو طابق التحكم المركزي والشبكات في الدور السادس، وعندما انفتح باب الدور السادس توقفا في مكانهما فورًا.
كان البهو الممتد أمام غرفة السيرفرات مليئًا بخمسة رجال مسلحين بملابس مدنية، يلتفون حول طاولات التحرير، وفي المنتصف كان شريف يجلس على مقعد رئيس التحرير، يتناول قهوته بهدوء تام، وعن يمينه طارق مدير أعماله.

عندما رأى شريف يارا وسليم يدخلان، وضع فنجان القهوة على الطاولة بصوت ناعم، ووقف يبتسم ابتسامة خطيرة:
- وصلتم في ميعادكم تمامًا، أهلًا بيكِ يا يارا في بيتك التاني، وأهلًا بيك يا سليم في محطتك الأخيرة.

أشهر المسلحون أسلحتهم فورًا ووجهوها نحو سليم ويارا.
خطت يارا خطوة إلى الأمام، ووضعت يدها في جيب معطفها، وأخرجت الشريحة الرقمية ترفعها في الهواء تحت أضواء الفلورسنت الشديدة:
- الشريحة اهي يا شريف، بس أنت متأخر دقيقة واحدة.

ضيّق شريف عينيه فورًا، وانطفأت ابتسامته:
-تقصدي إيه؟

ابتسمت يارا ابتسامة تحدٍ قاتلة، وقالت بثقة هزت الجميع:
- أول ما دخلنا من باب المطابع الشريحة دي ارتبطت بشبكة الواي فاي المفتوحة للمبنى، ونقلت النسخة المشفرة تلقائيًا لسيرفر البث المباشر. البث بدأ من ثلاثين ثانية، وكل القنوات الإخبارية بتعرض دلوقتي تفاصيل حساباتك وبصماتك.

اتسعت عينا شريف بصدمة صريحة لأول مرة. التفت بحركة جنونية نحو طارق:
- افصلوا سيرفرات المبنى، وفك الربط فورًا.

وفي تلك اللحظة بالذات حانت لحظة سليم. سحب سليم قنبلة صوتية شديدة الانفجار كان يحتفظ بها في حزامه، وألقاها في منتصف رجال شريف، بينما أمسك بيارا وغطى جسدها بجسده وهوى بها خلف جدار خرساني. انفجرت القنبلة بضوء وصوت مرعبين أطاحا بالمسلحين أرضًا وعطلا رؤيتهم. سحب سليم مسدسه وبدأ إطلاق النار بدقة مرعبة لتصفية العناصر المسلحة، بينما صرخ في يارا وسط جحيم الضوضاء:
- ادخلي غرفة التحكم واقفلي على نفسك، وأنشري البث اليدوي واقفل الشبكة من جوه.

ركضت يارا نحو غرفة التحكم الزجاجية، بينما استدار شريف  وسط الدخان، وسحب مسدسه الشخصي يصوب مباشرة نحو ظهر يارا، وهي تركض. صرخ سليم:
- يارااااااا.....

واندفع بجسده في الهواء ليتلقى الرصاصة بدلًا منها. انطلقت الطلقة، وصوت الصرخة دَوّى في أرجاء المبنى.



تعليقات