رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل الرابع
"بسم الله الرحمن الرحيم.. يا رب تطلع فتحة تهوية توديني على الشارع، مش ناقصة هي مقابر فرعونية وسراديب تحت الأرض !"
همست نور لنفسها وهي بتزق الباب السري الصغير اللي متداري ورا الستارة الحرير. الباب زقته كانت تقيلة، بس بمجرد ما اتفتح، طلع منه تيار هوا دافي ريحته مسك وعنبر خام وصوت خرير ماية هادي جداً.
بلعت ريقها، ومسكت طرف فستانها الزمردي الطويل عشان ما تكعيلش فيه، وخطت أول خطوة لجواء المكان كان ضلمة في الأول، عبارة عن ممر ضيق مبني من الحجر البازلت الأسود، ومنور بمشاعل صغيرة متعلقة على الحيطان.
يا ترى الممر ده بيودي على فين؟ متقوليش بيودي على زنزانة تحت الأرض وفيها هياكل عظمية للجواري اللي طولوا لسانهم قبلي لا يا نور أحمدي كده، دي فرصة للهروب من المجنون المزده.. أقصد من السلطان الديكتاتور"
مشیت نور بحذر على طراطيف صوابعها، وكل خطوة بتعمل صدى خفيف الممر مكنش طويل أوي، وبعد ثواني لقت نفسها قدام باب خشب متزخرف بالصدف. زقته براحة وعينيها وسعت على آخرها من الصدمة.
" يا نهار ألوان إيه ده ؟ جاكوزي العصر المملوكي ؟ لا بجد قصر بيصرف ومكلف !"
المكان كان عبارة عن حمام سباحة داخلي (مغطس) محفور في الأرض من الرخام الأبيض المجزع بالدهب الماية فيه دافية وبيطلع منها بخار خفيف معطر، وحوالين المغطس كراسي منقوشة متغطية بقطيفة حمرا، وفيه شباك واحد عالي جدا بيدخل نور القمر الصافي دي مكنتش طريق للهروب أبداً.. ده كان الملاذ السري للسلطان
نور ضربت كف على كف بغيظ: " يعني دخلت الباب السري عشان أهرب، ألاقي نفسي في الحمام الخاص بتاعه ؟ حظى مهبب طول عمره أعمل إيه دلوقتي ؟ أرجع الأوضة قبل ما
يخلص الميتنج بتاع الوزير ده ويقفشني؟"
وقبل ما تلف وتدي ضهرها للباب عشان ترجع، سمعت صوت خشن وعميق جاي من وراها خلاها تتسمر في مكانها كان حد دلق عليها جردل تلج
"ألم أحذرك من محاولة الهرب أيتها الجارية ؟ أم أن فضولك فادك إلى مهلكك بقدميك ؟"
نور شهقت و راحت لغة بسرعة، فستانها لف معاها، ولقت السلطان مالك واقف ساند على إطار الباب، مربع إيديه على صدره العريض، وبيبصلها بنظرة كلها تسلية وخبت.
كان قلع العباية القطيفة التقيلة، وفضل بقميص أبيض واسع من الكتان مفتوح من عند الصدر، وبنطلون أسود واسع، شكله كان كفيل يخلي أي بنت تنسى اسمها.. بس نور كالعادة، كابرت.
"إنت بتطلع منين؟ من الحنفية ؟" صرخت نور وهي بترجع لورا خطوة ووشها أحمر من الخضة.
" وبعدين إنت مش قولت رايح تقابل الوزير بتاعك ؟ لحقت تخلص ؟ إنتوا بتسلقوا الميتنج ولا إيه ؟"
مالك عقد حواجبه السودا الكثيفة، وتقدم خطوة لجوا وقفل الباب السري وراه ببطء:
"ميتنج ؟ حنفية ؟ ما هذه الطلاسم التي تتفوهين بها؟ حقاً، أبدأ أشك أن النخاس قد باعني ساحرة من بلاد الجن وليس جارية !"
نور حطت إيدها في وسطها، ورفعت راسها بتحدي رغم إن قلبها كان بيدق زي الطبلة :
" أنا لا ساحرة ولا جارية ! أنا قولتلك أنا من قبيلة بعيدة .. بعيدة جداً! كلامنا كده، مش عاجبك سيبني أمشي وبعدين إنت إزاي تقفل الباب علينا كده؟ افتح الباب ده أحسنلك، أنا مبقعدش مع رجالة غريبة في مكان مقفول !"
مالك ضحك ضحكة مكتومة، وخطى كمان خطوة ناحيتها، صوته كان هادي بس بيرن في المكان كله
"رجالة غربية ؟ أيتها الحمقاء الصغيرة، أنت في قصري في جناحي، وفي خلوتي الخاصة. كل ما في هذا المكان، وكل من فيه ملك يميني. لا يوجد شيء اسمه "رجل غريب هنا.. أنا سيدك "
سيد مين يا عم إنت؟ لا فوق كده لنفسك " نور انفعلت ورفعت صباعها في وشه محذرة متجاهلة تماماً فرق الحجم والقوة والسلطة.
"أنا سيدة نفسي ومفيش راجل على وجه الأرض يملكني! إحنا في قبيلتنا الستات ليهم صوت، وليهم ذمة مالية مستقلة، ومحدش بيغصبهم على حاجة إنت مفكرني هقف أقولك شبيك لبيك ؟ تبقي بتحلم ! "
مالك وقف مكانه، عينيه كانت بتلمع بشغف غريب الكلمات دي جديدة عليه تماماً، الجواري بيبكوا، بينوسلوا، أو بيحاولوا يغزوه عشان يكسبوا رضاه لكن دي؟ دي بتتحداه كأنها ند لند.
ابتسم مالك بسخرية وقال : "قبيلة غريبة حقاً تلك التي تترك نساؤها يترترن كالببغاوات دون عقاب، لسانك أطول من قامتك، وتحتاجين إلى من يعلمك أصول الحديث في حضرة السلاطين "
نور برقت عينيها بغيظ: "يبغاء مين يا أبو ببغاء ؟ ده أنا لولا إني محترمة نفسي كنت رديت عليك رد يخليك تنسى لغة الفصحى بتاعتك دي! ابعد عن طريقي بقى خليني أرجع الأوضة المكان هنا حر وخنقة !"
حاولت نور تمشي من جنبه عشان توصل للباب، بس مالك من إيده بسرعة وثبتها على الحيطة وراها، وحبسها بين دراعه والحيطة.
ريحته القوية حاصرتها، ونظرة عينيه كانت قريبة جداً، لدرجة إنها حست إنها مش قادرة تاخد نفسها.
همس مالك بصوت خشن جنب ودنها، مخلي قشعريرة تسري في جسمها كله: " إلى أين تهربين؟ لقد دخلت عرين الأسد بإرادتك، والآن تخافين من زئيره؟"
نور بلعت ريقها، وغمضت عينيها ثانية عشان تستجمع شجاعتها، وفتحتهم وقالت بتوتر حاولت تداريه
"أسد إيه وزئير إيه ؟ إحنا في حديقة الحيوان؟ شيل إيدك دي من جنبي لا أقسم بالله أصوت ألم عليك حراس القصر كلهم، وأقولهم السلطان بيتحرش بیا!"
مالك رفع حاجبه باستغراب شديد يتحرش ؟ ما هذا اللفظ الغريب أيضاً؟ وهل تظنين أن حراسي سيجرؤون على اقتحام خلوتي حتى لو صرخت حتى يتمزق حنجرتك؟ أنت ساذجة حقل "
وهنا، نور حسن إن الموقف بيفلت منها اتوترت أكثر، وحاولت تزقه بإيديها الاثنين من صدره عشان تبعده " يا عم وسع بقى ! إنت مبتفهمش ؟"
ومع زقتها دي رجلها لفت على حافة الرخام المبلول بتاع المغطس. وفي ثانية، فقدت توازنها بالكامل، وصرخت صرخة رعب وهي بتميل لورا.
مالك حاول يمسك إيدها بسرعة عشان يلحقها، بس نور من كثر الخضة والغباء اللحظي، بدل ما تمسك في إيده مسكت في ياقة قميصه بكل قوتها .. والنتيجة ؟
كانت ...
نور والسلطان مالك، بجلالة قدره وهيبته، سقطوا هما الاثنين في حوض الماية السخنة دفعة واحدة !
الماية طرطشت في كل حتة نور طلعت راسها من الماية وهي ينكح وتنهج، فستانها الحرير الزق على جسمها، وشعرها نزل على وشها مغطيه.
" يا لهوي ! غرقت بكره الماية منك لله يا شيخ ضيعت مستقبلي وموتني غريقة !" نور كانت
بتضرب في الماية بإيديها بعشوائية وهي بتحاول تقف مع إن الماية كانت واصلة لحد
وسطها بس.
أما مالك.. فطلع راسه من الماية ببطء. شعره الأسود الطويل لزق على وشه، وقميصه الكتان الأبيض لزق على صدره وعضلاته بشكل خلى نور، ورغم الكارتة اللي هي فيها، تبرق وتنح لثانية وهي بتبلع ريقها وتقول في سرها:
يخربيت كده هو في حلاوة بتزيد في الماية ؟ ده إعلان شاور جل مش بني آدم!"
بس ملامح مالك مكنتش بتبشر بالخير أبداً، كان بيمسح الماية من على وشه ببطء مميت وعينيه السودا بتبصلها بنظرة ممكن تحرق مدينة بحالها.
"إنني.. أيتها المعنوهة ... صوته كان واطي بس مرعب تجرئين على سحب السلطان مالك شاه إلى الماء ؟"
نور، بدل ما تخاف وتعتذر ، الرعب خلاها تهاجم أكثر، زقت الماية في وشه بإيديها الاثنين وقالت بعصبية :
"ما إنت اللي قافل عليا السكة وخضتني وبعدين ما الماية دافية وحلوة أهي، خدلك شاور بالمرة بدل ما إنت ماشي تخوف في خلق الله كده إنت اللي غلطان من الأول !"
مالك مسح الماية من على وشه تاني وهو مش مصدق اللي بيحصل. دي مش بس جرته ووقعته في الماية دي كمان بتطرطش عليه ميه وبتبجح !
الأول مرة، السلطان اللي كل الناس بترتعد من اسمه ملقاش نفسه غضبان. لقى نفسه... مستمتع !
الشخصية دي غريبة، متمردة مجنونة، ومليانة حياة بشكل مكسر كل القواعد الكتيبة اللي متعود عليها في القصر.
بدون سابق إنذار، ابتسم مالك. وبعدين الابتسامة وسعت، وتحولت لضحكة حقيقية، قوية ورجولية رنت في المكان كله، كان بيضحك من قلبه بطريقة خلته يبان أصغر في السن وأجمل بمراحل.
نور وقفت مكانها مصدومة، بتبصله وهو بيضحك ونسيت لسانها الطويل لثانية.
" إيه ده؟ هو بيضحك ليه ؟ هو اتجنن ؟ ولا الماية سخنة على نافوخه؟ بس يخربيت ضحكته.. هو فيه كده.. لا لا ركزي يا نور!"
مالك بطل ضحك بصعوبة، وقرب منها في الماية بخطوات هادية نور تراجعت لورا بخوف لحد ما ضهرها خبط في جدار الرخام بتاع الحوض.
حط إيديه الاثنين على الجدار، محاوطها بالكامل، ووشه بقى قريب جداً من وشها، قطرات الماية بتنزل من شعره على جبهته، ونظرة عينيه اتغيرت من السخرية لنظرة عميقة.
غامضة، ومليانة إعجاب مداريه بالعافية.
" أنت حقاً كارتة تمشي على قدمين" همس مالك بصوت دافي، عينيه بتتنقل بين عينيها العسلية الواسعة وبين شفايفها اللي يترتجف من التوتر.
" لا أدري من أي عالم جنت.. ولكنني متأكد من شيء واحد.. لن أسمح لك بالخروج من عالمي أبدا"
نور قلبها كان هيقف التوتر في اللحظة دي كان كفيل يكهرب الماية اللي هما فيها.
حاولت تلملم شتات نفسها وترد بلسانها السليط المعتاد: "عالم إيه بس؟ ما قولتلك أنا من قسم"
وفجأة !
قبل ما تكمل كلمتها، سمعوا صوت فرقعة قوية جداً جاية من ورا الجدار الرخامي اللي في ضهر نورا
المكان كله اهتز، وصوت صراخ حراس من برا الباب الرئيسي للجناح وصلهم بوضوح:
حذار يا مولاي مؤامرة هناك متسللون في القصر ! "
عروق الرقبة عند مالك برزت في ثانية، ونظرته اتحولت لحدة قاتلة، ملامح الأسد الكاسر رجعتله في جزء من الثانية.
وفي نفس اللحظة اللي الباب السري اللي دخلوا منه اتكسر ووقع حتت، وظهر منه شخصين متلثمين ماسكين سيوف بتلمع في الضلمة وموجهينها ناحية الحوض
نور صرخت بأعلى صوتها : "يا نهار أسوووود هنموت في الجاكوزي ؟!"
مالك مضعش ولا ثانية شد نور من وسطها بقوة جبارة، وغطس بيها الاثنين تحت الماية في اللحظة اللي سيف واحد من المتلثمين اخترق الهوا وكان هيطير راسها !
