رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل الخامس
" والله العظيم لو طلعت من الماية دي عايشة، الأرفع قضية على القصر كله! هو إنتوا معند كمش أمن ونظافة ؟ إيه القصر اللي مخرم من كل ناحية ده يا السلطان؟"
طلعت نور رأسها من الماية وهي بتكح وتشهق، مبلولة من الساس للرأس، وشعرها كأنه طحالب لازقة على وشها.
كانت ماسكة في قميص مالك بكل قوتها كأنها كوالا ماسك في شجرة، ورجليها بتخبط في الماية برعب، رغم إن مالك كان واقف بثبات الجبال، محاوطها بإيد واحدة، والإيد الثانية ماسك بيها سيف واحد من المتلتمين اللي كان لسه نازل عليهم!
مالك بصلها وسط المعمعة بذهول، وعينيه بتلمع بحدة مرعبة : "اخرسي أيتها المجنونة واغطسي أنت في وسط معركة وليس في سوق الجواري!"
"أغطس فين تاني؟ هغرق يا متخلف !" صرخت نور وهي بتمسح الماية من عينيها " وبعدين سيبني أساعدك، أنا واحدة كورس دفاع عن النفس .. أقصد بعرف أضرب بالبوكس !"
أحد المتلثمين هجم بالسيف بغل، مالك يزق نور لورا في زاوية الحوض: "ايقى مكانك ولا تتحركي !"
في أسرع من البرق مالك لف دراعه حولين رقبة المتلثم الأول، وبحركة خاطفة كسره ورمى جنته في الماية.
المتلثم الثاني حاول يطعنه بس مالك تفادى الضربة بمهارة جبارة، وشادد السيف من إيد الأولاني وطعن بيه الثاني في صدره الماية السخنة اتحولت أجزاء منها للون الأحمر.
نور برقت عينيها، ولطمت على خدودها وهي واقفة في حافة الحوض : " يا مامي! يا لهوي يا لهوي ! إيه الدم ده كله ؟ إنت قتلتهم في ثواني ؟ إيه القوة دي يا مالك؟ ده انت طلعت أكشن أكثر من فان دام نفسه !"
مالك خرج من المغطس الماني ببطء، الماية بتنقط منه، وصدره بيعلى وينزل بنشاط والسيف في إيده بينقط دم.
يص النور اللي كانت بتترعش بس لسانها شغال، وقال بصوت جهوري يرعب
فان دام؟ من هذا الصعلوك الآخر الذي تنطقين باسمه ؟ أهو عاشق آخر لك في قبيلتك الملعونة ؟ "
نور، برغم الرعب والدم اللي حواليها نسيت الخوف لثانية وحطت إيدها في وسطها وهي لسه جوة الماية :
"صعلوك؟ فان دام صعلوك ؟ ده نجم الأفلام.. قصدي ده بطل القبيلة المجاورة! وبعدين إنت يتغير عليا وأحنا في وسط محاولة اغتيال ؟ فوق لنفسك با عظمه سلطان !"
وقبل ما مالك يرد اتفتح الباب الرئيسي للمغطس بقوة، ودخل قائد الحراس ومعه عشرة من الجنود بالسيوف، ومعاهم الوزير يعقوب وهو بينهج ووشه أصفر.
قائد الحراس انحنى بسرعة برعب مولاي السلطان هل أنت بخير؟ سمعنا جلبة واقتحمنا الجناح !"
مالك يصلهم بنظرة قاتلة، وشاور بالسيف على الجثتين في الماية : "كيف يدخل المتلثمون إلى خلوتي الخاصة ؟ أين كان الحراس؟ أين الخفر؟"
الوزير يعقوب بلع ريقها بخوف وقال بالفصحى
" يا مولاي.. يبدو أن هناك خيانة في القصر، استغلوا انشغال الحراس بعرض الجواري ودخلوا من السراديب القديمة. "
ثم بص للماية ولفت انتباهه نور اللي واقفة وسط الماية وفستانها مبلول ومبهدلة.
الوزير أشار بإيده بنظرة شك: " من هذه الجارية يا مولاي؟ وكيف تكون معك في هذا الموقف؟ أيعقل أن تكون هي الجاسوسة التي سهلت دخولهم ؟ "
نور عينيها النطت لبرة، وطلعت من الحوض بغضب الماية بتنقط منها وهي بتجر فستانها التقيل، ووقفت قدام الوزير بثقة ولسان سليط
"جاسوسة في عينك يا مخلل جبل إيه ونيلة إيه؟ أنا كانت هطير رقبتي معاكوا هنا بدل ما تشكروني إني تبت مع السلطان وبشجعه، جاي تتهمني؟ إنت مين انت أصلاً عشان تتكلم معايا كده؟"
الوزير يعقوب اتصدم من وقاحتها : " ويحك أيتها الجارية أتخاطبين وزير الدولة بهذه الطريقة ؟ مولاي السلطان، هذه الأمة يجب أن تقطع رأسها فوراً !"
مالك خطى خطوة واحدة بقامته الطويلة، وقام واقف بين نور وبين الوزير حائل بينهم بالسيف المبلول بالدم، وقال بصوت هادي بس حازم
" إياك أن ترفع صوتك في حضوري يا يعقوب.. وهذه المرأة بالذات، لا يلمسها أحد إلا بأمري. "
الوزير تراجع خطوة للخلف وانحنى بسرعة: "أمرك يا مولاي.. ولكن المحققين يجب أن يستجوبوا الجميع."
مالك بص لنور اللي كانت واقفة وراه وبتبص للوزير بتحدي وتطلع له لسانها من ورا ضهر مالك.
مالك ضحك في سره على تصرفاتها الأطفال، بس رجع الصرامته فوراً:
" يا قائد الحراس ! خذ الجثث، وظهر المكان، وضاعف الحراسة على القصر كله، والوزير يعقوب يتبعني إلى مجلس الحرب فوراً."
التفت مالك النور، ويصلها من فوق لتحت قميصه المبلول لسه لازق عليه، وقال بنبرة أمرة " أما أنت.. أيتها المتمردة، فستعودين إلى جناحي الآن تحت حراسة مشددة. لن تخرجي منه حتى أنتهي من هذا الأمر."
نور ربعت إيدها: "جناحك ؟ قصدك سجني ! وبعدين أنا هدومي مبلولة، وممكن يجيلي برد في العظام، إنت مش شايف الثلج اللي إحنا فيه ؟ هاتلي هدوم ناشفة وشوربة فراخ سخنة الأول !"
مالك هز رأسه بيأس ضاحك من جرأتها التي لا تنتهي في أشد الأوقات خطورة :
" هدوم ناشفة ؟ شوربة ؟ حقاً أنت أعجب مخلوق رأيته في حياتي، خذوها إلى الجناحووفروا لها ما تطلب من ثياب.. حتى لا تموت علينا هذه الناشطة المستقلة !"
نور برفت: "ناشطة ؟ إنت بتسخر مني يا مالك؟ ماشي الميدان بيننا يا سلطان!"
رجعت نور للجناح بعد ما الجواري غير ولها هدومها وجابولها فستان ثاني دافي من القطيفة الكحلي المطرز بالفضة، وجابولها أكل وشوربة سخنة.
قعدت على السرير تقلب في أفكارها وتكلم نفسها بصوت عالى كالعادة:
" يعني لا طالب هروب، ولا طالت استقلال، وكمان بقيت في نص محاولة اغتيال السلطان القصر الواد مالك ده مش سهل شجاع ومز وضخم، بس ديكتاتور ومتسلط بس بصراحة .. لما وقف قدام الوزير وقالهم محدش يلمسها .. حسيت بكهربا غريبة كده.. لا لا يا نورا اصحي دي حركات سلاطين عشان يثبتوا ملكيتهم إنتي امرأة حرة، مش هتقعي في فخ العيون السودا والعضلات دي!"
وقفت نور وبدأت تتمشى في الجناح الدافي، الشموع منورة، وصوت الريح من برة الشباك عالي.
فتحت الشباك العالي شوية تبص منه، لقت القصر كله مشتعل بالمشاعل، والحراس بيجروا في كل مكان، والوضع برة شعلة نار.
وفجأة .. سمعت صوت حركة خفيفة ورا الستارة الضخمة بتاعة الجناح
تتحت نور ودمها انجمد مسكت شوكة نحاس كبيرة من على ترابيزة الأكل، وقربت
بخطوات مرعوبة :
مين هناك؟ والله لو طلع متلثم ثاني لأزرع الشوكة دي في عينك ! أنا مبخافش !"
من ورا الستارة، خرجت بنت صغيرة في حدود الـ ١٦ سنة لابسة ليس جواري بس مقطع وشكلها مرعوب دموعها نازلة على خدودها، وكانت بتترعش وتشهق.
نور نزلت الشوكة بسرعة وصدمت "إيه ده ؟ إنتي مين يا شاطرة ؟ وداخلة هنا إزاي ؟"
البنت وقعت على ركبتيها قدام نور ومسكت في طرف فستانها، وقالت: "أرجوك يا سيدتي انقذيني أرجوك لا تخيري الحراس !"
نور قعدت قصادها على الأرض وطبطبت عليها :
" اهدئي يا حبيبتي اهدئي .. أنا مش سيدتك ولا حاجة، أنا نور اتكلمي بالراحة، إنتي مين وبتعملي إيه هنا ؟ ومين اللي بيجري وراكي ؟"
البنت قالت وهي بتشهق : " اسمي زليخة .. أنا جارية في المطبخ السفلي. لقد.. لقد رأيت شيئاً مرعباً الليلة رأيت الوزير يعقوب يتحدث مع رجل متلثم قرب السراديب قبل الاغتيال بساعة ! وكان يسلمه خريطة القصر! ولما رآني أحدهم، جرو خلفي لأموت حتى لا أفشي السر!"
نور فتحت بوها بصدمة وجسمها قشعر: "نهار" أسود الوزير يعقوب هو الخاين؟ هو اللي جايب المتلثمين عشان يقتلوا مالك؟"
زليخة هرت رأسها بالإيجاب: "نعم يا سيدتي وهو الآن يبحث عني في القصر لقتلي، ولان السلطان لم يمت، سيحاول قتله مرة أخرى الليلة باستخدام السم في مشروب المساء !"
نور قامت وقفت على حيلها، والشرار بيطلع من عينيها، وجينات الشجاعة والجدعنة المصرية اشتغلت فوراً:
يا ابن اللعيبة يا يعقوب أصل أنا قولت وشه مشوش وزراء ده وش تاجر مخدرات عاوز يقتل مالك بالسم؟ وحياة أمي ما هسمحله !"
زليخة بصتلها بذهول: "ماذا تقولين يا سيدتي؟ كيف ستمنعينه ؟ السلطان لا يستمع للجواري، والوزير ذو سلطة جبارة !"
نور بصت الزليخة بثقة وشعاع تمزد في عينيها: "لا يا حبيبتي، السلطان ممكن مبيسمعش للجواري، بس هيسمع لنور القصر ده لازم يفوق، وأنا مش هسيب الراجل المزده يموت ببطء عشان شوية حقد وزراء !"
في اللحظة دي سمعوا صوت خطوات تقيلة وحراس بيقربوا من باب الجناح، وصوت قائد الحراس برة
"افتحوا الجناح الوزير يعقوب أمر بتفتيش الجناح بحثاً عن الجارية الهاربة زليخة !" زليخة صرخت بصوت واطي ومسكت في نور:
"لقد وصلوا يا سيدتي ! سيموتني !"
نور رقت زليخة بسرعة ورا الدولاب الضخم
" استخبي هنا ومطلعيش أي صوت، لو سألوك عليا قولي معرفش !"
نور راحت على الترابيزة مسكت كاس المشروب الذهبي الكبير، ووقفت في نص الجناح. الباب اتفتح بقوة ودخل قائد الحراس ومعه أربعة جنود ومعاهم الوزير يعقوب نفسه بابتسامة خبيثة !
الوزير يعقوب بص حوليه وقال ببرود: "أيتها الجارية الغريبة.. هل رأيت جارية صغيرة مرت من هنا ؟"
نور حطت إيدها في وسطها، ورفعت رأسها بأعلى درجات البجاحة والتحدي، وقالت بلسانها السليط:
جارية مين يا أبو جارية ؟ إنت داخل عليا الجناح كأنه بيتك؟ إنت إزاي تتجرأ تدخل جناحالسلطان الخاص من غير إذن؟ فين الأدب وفين البروتوكول يا سيادة الوزير المخلل؟"
الوزير وشه الغير للغضب الشديد: "الزمي حدودك أيتها الأمة الوقحة ! هيا فتشوا الجناحفوراً !"
نور وقفت قدامهم ومسكت الكاس النحاسي الكبير ورامته في وش قائد الحراس، المشروب اتدلق عليه، والكل اتصدم
صرخت نور بأعلى صوتها وهي بتبص للوزير بتحدي يطير العقل :
" والله ما حد هيحرك خطوة هنا وأعلى ما في خيلك اركبه يا يعقوب يا خاين ووريني هتفتش إزاي وأنا واقفة !"
وفي اللحظة دي سمعوا صوت سيف بينسحب من قرابه بصوت مرعب وراهم عند الباب...
وكان السلطان مالك واقف هناك بصدره العريض، وعينيه الأسود اللي المليانة شرار، وهو
باصص للوزير يعقوب ولنور!
وقال مالك بصوت يرج جدران القصر: "ما الذي يحدث في جناحي بدون إذني يا يعقوب ؟"
