رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الخامس 5 بقلم نسرين نادر


 رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الخامس 

تسمرت الأقدام واتقطعت الأنفاس في صالة الدوار الواسعة...
صرخة «زينب» اللّي نزلت بيها بيجري من على السلم نزلت على رؤوس الكل كيف الصاعقة، ووراها على طول وقعة صينية الشاي وانكسار الكوبايات تحت إيد «الخالة حِكْمَت» اللّي جثيت على ركبتها في الأرض، بتلطم على كتافها وبتبكي بقلة حيلة ونار بتاكل في قلبها:

— «يا مري يا كبر حزني عليكِ يا غَالِيَة!... بنتي هتروح فين بس والنهار طالع والدنيا زحمة؟! دي ما تعرفش شبر بره الجدران دي واصل، ولا ليها حد في الدنيا يسندها ولا يسترها غيركم يا حاج نعمان!»

وقف «الحاج نعمان» في صدر الصالة، وشه اتخطف وأصفرّ من الصدمة وخوف أكبر بكتير من مجرد خدامة اختفت! مسك عصايته الأبنوس وضرب بيها الأرض ضربة هزت الدار، وبصوت مجروح ومشتعل بالخوف هتف بنبرة زلزلت المكان:

— «يا نَجَاتِي!... يا نَجَاتِي يا كَبِير الخَفَر!»
خلال ثوانٍ، دخل «نَجَاتِي» بيجري من باب الدوار الخارجي، وشه يعرق وحاطط إيده على بندقيته، وقف مكانُه وانحنى بهيبة واعتبار:
— «نعم يا سعادة العمدة... خير يا حاج؟!»
الحاج نعمان بنبرة حادة وعيونه بتطق شرار وقلق:
— «شفت «غَالِيَة» وهي طالعة من البوابة ولا حد لمحها في الحوش بره؟!»
رد «نَجَاتِي» باستغراب ودهشة وهو بيهز راسه بالنفي قاطعاً:
— «لا والله يا سعادة العمدة! أنا بايت على البوابة من البارح وما فارقتهاش دقيقة وحدة، والنهار طالع والشمس فوق رؤوسنا أهي، ما حدش خطى بره الباب الكبير واصل! لو البت اختفت يبقى لسه جوة البلد ولا خرجت من أطرافها من غير ما حد يحس!»
ضرب الحاج نعمان بعصايته في الأرض تاني وقال بحسم وقلق يقطع النفس:
— «تقلب لي البلد حارة حارة، وتدور لي عليها في كل شبر وفي كل دوار... وحسك عينك يا نَجَاتِي يطولها أي أذى ولا حد يقرب لها، سامع ولا لأ؟!»
— «أامرُك يا سعادة العمدة... البلد كلها هتقف على رجل دلوك!»
خرج نَجَاتِي بيجري يلم الخفر، وفي اللحظة دي... انتهزت «وَصَال» حالة الهرج والمجلاب، وقربت خطوات بنشوز وغل، ولفت لـ «نعمان» و«صفية» وبخت سمها بصوت عالي ومشتعل:
— «هتروح فين یعنی يا حاج نعمان؟! اللّي تعمل العملة دي وتختفي فجأة في النهار، تبقى طالعة وهي خايفة من عملتها! خايفة من الحقيقة اللّي كانت هتتكشف، ولا يمكن في راسها موال تاني وخايفة على روحها بعد اللّي حصل البارح بين الولاد! كلكم كذبتوني، وابنك ضرب ابني واتشاكل معاه بسبب 

بت خدامة كذابة كانت بترمي بلاها على ابني! قلتوا إن ابني هو اللّي غلطان وهي اللّي مظلومة، ودلوك بانت الحقيقة وهربت قبل ما ينكشف أمرها وتتضحك الناس علينا!»
اتدخلت «نِعمة» بسرعة، وحطت إيدها على صدرها بتمثيل الأسف، وبصت لـ «يُونُس» بنبرة خبيثة ومكر أفاعي وقالت:

— «عندك حق يا أم رَجَب... البت حست إن وجودها عمل حريقة بين الأخوة، وقالت تهرب قبل ما تتكشف وتبان عملتها اللّي عملتها! وخصوصاً إن يُونُس كان بيحميها وواقف في ظهرها... وأكيد قالت في بالها لو يُونُس عرف الحقيقة واللّي عملته، هو بنفسه اللّي هيرميها بره الدوار، فقالت تاخدها من قاصرها وتغور احسن!»
هنية اتجرأ «رَجَب» وقف بوشه المضروب، وبص لأعمامه بنظرة كلها شماتة وقال:

— «الحمد لله يا رب... عشان تبقوا تصدقوني لما أقول لكم إنها هي اللّي كانت بترمي بلاها عليّ وعايزة تتقرب مني بالعافية!»
هنية... طفح الكيل عند «يُونُس»!
كان واقف زي الجبل المشعول نار، عيونه المليانة دم حمرت من الغضب القاتل لما سمع طعنهم وتلفيقهم للبت. خطى خطوات حادة وسريعة، وعروق رقبته برزت، ومسك «رَجَب» من زمارة رقبته برزعة هزت الصالة، وصرف نظر غاضبة مرعبة لـ «وَصَال» و«نِعمة» خلتهم يرجعوا خطوة لورا بخوف:
— «بس انتِ وهي!!... قسماً بعزة جلال الله، اللّي هتنطق اسم «غَالِيَة» بكلمة ناقصة تاني ولا تتبلى عليها، لأكون قاطع لسانها ودافنه بأيدي هنية في حوش الدوار! غَالِيَة أشرف منكم كلكم، واللّي يلمس اسمها بكلمة، كأنه بيقل بكرامة يونس بن نعمان شخصياً!»

في وسط معمعة الكلام والصراخ اللّي كان شغال بين الرجالة والحريم... كانت «زينب» واقفة في الزاوية، إيدها على قلبها اللّي كان بينبض برعب، ووشها أصفر من الخوف، بتفرك في إيديها وتبص لـ «يُونُس» وهو ماسك «رَجَب» ومولع نار، وتقول في بالها برعب:

— «يا خبر أسود ومطين على دماغك يا زينب!... إيه اللّي أنا عملته ده؟! الدنيا ولعت وبقت حريقة، ولو يُونُس عرف إن دي خطتي لأكون مقتولة النهاردة بيده!»
في اللحظة دي، دخلت «كريمة» من الباب الجانبي، قربت من زينب بخطوات سريعة وحطت إيدها على كتفها بذهول واستغرب وهي بتبص للصالة المقلوبة:
— «في إيه يا زينب؟ إيه الصوت العالي ده كلياته؟! إيه اللّي بيحصل هنية؟! أنا رحت الأوضة عشان أطمن على غَالِيَة ملقتهاش!»
زينب بصت لها بلهفة وخوف، وشدت شالها وقالت بصوت واطي ومشتعل:
— «انتِ فين من الصبح يا كريمة؟! سبتيني في المعمعة والمشاكل دي لوحدي!»
ردت كريمة بقلق ودهشة:
— «خير يا زينب... إيه اللّي حصل بس؟ فهميني في إيه؟!»
زينب بقلة صبر وهي بتبص حواليها بخوف:
— «هقول لك بعدين... مش وقته واصل!»
وفجأة... دخل «منصور» من باب الدوار الخارجي، وشه باين عليه الذهول والاستغراب، وبص لهم كلياتهم وقال بنبرة مشدودة:
— «خير يا جماعة في إيه؟! الغفر بره قلبوا الدنيا وبيقولوا إن «غَالِيَة» هربت! إيه اللّي حصل جوة الدار؟!»
هنية... اتدخل «عبد الرحيم» أبوه، وبص لـ منصور ببرود وشماتة، ومال على عصايته وهو بيحرك كتافه باستخفاف:
— «أهو صحينا من النوم على خبر هروب اللّي ما تتسمى دي! وقاعدين يقلبوا البلد يدوروا عليها... ما تسيبها يا نعمان تغور وتطلع في داهية! إحنا هنشيل همها وهي صغيرة وهي كبيرة كمان؟!»
منصور بص لأبوه باستنكار شديد ورفض قاطع:
— «كلام إيه ده اللّي بتقوله يا أبوي؟! البت متربية معانا وفي بيتنا وكأنها أختنا بالضبط!»

هنية بص «عبد الحميد» لـ «يُونُس» اللّي كان لسه ماسك «رَجَب» من جلابيته وعروق رقبته هتنفجر من الغضب، وهتف عبد الحميد بنبرة حادة وزعيق:

— «جرى إيه يا يُونُس؟! نزل يدك عن ولد عمك! هو ما جابش حاجة غلط من عنده... أديكم شفتوا بعينكم البت هربت وخافت من عملتها لتتفضح! وانت كنت واقف لنا في ظهرها وقاعد تقول لنا غَالِيَة في حمايتي واللّي يمسها يمسني... وفي الآخر غفلتك وهربت!»
هنية... طفح الكيل عند الحاج «نعمان»!
مسك عصايته وضرب بيها الأرض ضربة قوية هزت الصالة كلياتها وصوتها يرن في الجدران، وهتف بنبرة جافة وقاطعة سكتت الكل:

— «ما أسمعش كلمة تاني منك ولا من حد واصل!! اكتموا كلكم!!... كل واحد يروح على أوضته، يلا مش عاوز أشوف وش حد هنية!»
لَف الحاج نعمان بنظرة حادة لابنه «يُونُس» و«منصور» وقال بأمر قاطع:
— «وانت يا يُونُس... انت ومَنْصُور تعالوا وياي على المضيفة جوة!»
وبص لـ «رَجَب» اللّي كان واقف بيظبط جلابيته بغل، وقال له بنبرة تحذير ترعب:
— «وانت يا رَجَب... تقعد هنية، وحسك عينك أشوف رجلك خطت بره الدوار ده واصل!»
عبد الحميد اتنفض بغضب وصدمة وهتف:
— «هتحبس ابني إياك يا نعمان؟! وعشان إيه كل ده؟!»
نعمان بص لـ عبد الحميد بنظرة حادة وثقيلة أكلت كلامه في حلقه، وقال بصوت حاسم يقطع العرق ويسيح دمه:
— «اكتم يا عبد الحميد!... اكتم وروح شوف شغلك!»
وبص لـ رَجَب تاني وحذره بنبرة أخيرة:
— «حذار ألاقيك بره الدوار ده يا رَجَب!»
انسحب الحاج نعمان ووراه يُونُس ومنصور بخطوات ثقيلة ومحشورة بالهم...
وفي الزاوية، قربت «كريمة» من «زينب» ومسكت إيدها برعب وذهول، وهمست بصوت يرتعش:

— «في إيه يا زينب؟ إيه اللّي حصل ده كلياته؟! يا نوري... هي غَالِيَة هربت بجد؟! وراحت فين بس؟ دي ما تعرفش حد هنية واصل... إيه اللّي جرى؟!»
زينب اتنهدت بقلة حيلة، ومسكت إيد كريمة بقوة وسحبتها ناحية السلم وقالت بلهفة وشوشة:
— «تعالي وياي على فوق... تعالي اما أقول لك اللّي فيها قبل ما تجنني!»
وسحبتها بسرعة وطلعت بيها على الأوضة وقفلت الباب وراهم بشويش...
بقلم: نسرين نادر
قفلت «زينب» باب الأوضة وراهم بالمفتاح ببطء، ولفت بوشها اللّي كان أصفر من الخوف. مسكت «كريمة» إيدها وهي بتترعش، وقعدتها على طرف السرير وهتفت بصوت واطي ومشتعل، حكت لها كل حاجة حصلت بالتفصيل... من أول كلام «نِعمة» الخبيث لـ «غَالِيَة»، لحد خطة الهروب والأوضة المقفولة.
شهقت «كريمة» بذهول وحطت إيدها على بقها، وبصت لزينب بفضول ورعب:

— «كل ده حصل النهار ده الفجرية وما تقوليليش؟! يا نهار مش فاوت يا زينب! انتِ شفتِ وش يُونُس عامل إزاي ولا الدار كلها مقلوبة كيف؟! يا لهوي يا لهوي... ده يُونُس لو عرف يقتلنا فيها! وعمي نعمان أبوي مش بعيد يقطع رقبتنا!»
نفخت «زينب» بقلة صبر ووجع، وحطت إيدها على راسها وقالت بصوت مكسور ومجهد:

— «بكفايتك بقى يا كريمة! أنا مانيش قادرة واصل... كانت لحظة طيش ورجولة مني، بس نعمل إيه يعني؟! ما هي غَالِيَة كانت عايزة تهرب بجد، أسيبها يعني تطلع في الشوارع وما لهاش حد بره؟! وغير إكده كلام أمك نِعمة اللّي بخته في ودنها زاد الطين بلة... ما عرفشت أتصرّف كيف والوقت كان بيسرقنا!»
اتنهدت كريمة بأسف، وطبطبت على كتف أختها ونبرتها هديت شويتين:
— «عذراكِ يا زينب... عذراكِ والله، بس دلوك هنعمل إيه في المصيبة دي؟! وغَالِيَة دي هنروحوا لها إزاي وهي محبوسة في الأوضة العفشة اللّي هناك دي؟! يعني من وسط المكان كلياته ما لقيتيش غير الأوضة المقفولة من سنين دي؟!»
ردت زينب بغيظ وهي بتهز كتافها:
— «واه! يعني كنت أفكر أوديها فين يعني يا ذكية؟! أوديها الزريبة يقعدوها مع المواشي ولا أحطها في صالة الدوار قدام أمك ووصال؟! الأوضة دي محدش بيفكر يخطى ناحيتها واصل!»
حكت كريمة دقنها بتفكير وقلق:
— «طيب... هنودي لها أكل وشرب كيف إحنا والدار كلها عيون بتراقب الرايح والجاي؟!»
زينب بصت لها بحدة وشدت إيدها:
— «ما انتِ هتقعدي تفكري معايا! أنا ما حكيتلكِش عشان تلطمي، أنا حكيتلكِ عشان نشيل الهم ده سوا!»
حطت الاتنين إيدهم على خدهم، وقعدوا يبصوا لبعض في صمت وخوف يقطع النفس، والهم راكبهم من الخطة اللّي بقيت أكبر منهم...
وفي نفس الوقت جوة أوضة المكتب... كان الحاج «نعمان» قاعد ورا مكتبه الخشب الثقيل، وقصاده واقف «منصور» و«يُونُس» اللّي كان ساكت وشه كيف لوح الثلج، وعيونه حمرة زي الجمر.
مسك الحاج نعمان عصايته وضرب بيها الأرض بقلة صبر، وبص لمنصور ويُونُس وقال بنبرة حازمة ومكتومة:

— «تقلبوا لي البلد والنجع كلياته... تجيبوا لي النجع كله، ومش عاوز حد بره الدوار يعرف إنها هربت ولا اختفت... أصلًا لو حد شافها بره هتبان عليه لأنها غريبة، وما طلعتش من صغرها بره الدوار واصل!»
رد «منصور» بسرعة وجدعنة عشان يطمن عمه:

— «ما تقلقش يا عمي... الغفر كلهم بيدوروا، وأنا كمان هدور بنفسي ومش هسيب شبر غير لما أفتش فيه.»
الحاج نعمان لاحظ سكات ابنه، فتلفت لـ «يُونُس» اللّي كان ساكت وسارح، وقال له بنبرة فيها قلق وتساؤل:
— «مالك يا يُونُس؟ هتفضل ساكت إكده؟! لازم ندور على البنية يا ولدي!»
رفع يُونُس نظره لأبوه ببطء، وعيونه فيها حسم، وقال بصوته الرخيم الهادي:
— «أكيد يا أبوي... هدور عليها ومش هسيبها، وهعرف هي فين لو كانت تحت تقاطيع الأرض جادبها ما تقلقش! أنا بس... عايز أعرف هي خرجت كيف وكلنا في الدار والغفر بره؟! حاسس إن في حاجة غلط في الموضوع كلياته!»
بص لهم الاتنين كمل:
— «بس ما تقلقوش... أنا هعرف أوصل لها زين.»
خرج «منصور» و«يُونُس» من أوضة المكتب وقفلوا الباب وراهم. وقفو في الممر، فمال منصور على يُونُس وقال له بلهفة:
— «أنا هروح أدور في الحواويش والأراضي اللّي حوالينا هنية... أكيد ما بعدتش كتير.»
رد يُونُس بجمود وهو بيعدل شاله على كتفه:
— «ماشي يا منصور... انزل انت، وأنا في حاجة لازم أعملها هنية الأول قبل ما أنزل.»
بقلم: نسرين نادر
نزلت خطوات «منصور» سريعة ناحية باب الدوار الخارجي عشان يدور في النجع، بينما فضل «يُونُس» واقف مكانُه في صالة السرايا الواسعة التحتانية... السرايا اللّي متكونة من دورين، وفي وسطها السلم الخشب العريض اللّي بيطلع للجنح الفوقاني.
رفع «يُونُس» عينيه الثاقبة الحادة ورفَع راسه لفوق، بص لـ أول السلم العالي ببطء وهو بيهز راسه كأنه بينطق مع نفسه اللي حاسس بيه:
— «ما حدش مرّ من البوابة اللّي بره... واللي حاسس بيه مظبوط، السر فوق!»
مشى بخطوات ثقيلة وحازمة طالع السلم، واتجه مباشرة لجنح أبوه وأمه... وقف قدام الباب، وخبط خبطتين هادئين بس فيهم ثقل، وفتح الباب ودخل.

كانت الحاجة «صفية» قاعد على الكنبة، منحنية على سبحتها والخوف ملا الدار. أول ما شافته داخل ووشه متجهم وعيونه المليانة دم بتطق شرار، حطت إيدها على صدرها وقالت بنبرة حنونة ومهمومة:
— «يُونُس!... تعال يا ولدي، اقفل الباب وقرب هنية...»
ما قعدش يُونُس، فضل واقف بطوله قدامها، وقرب خطوة واحدة وعيونه بتخترق ملامحها، وسألها بصوت حزين وثقيل:
— «هي فين يا أُمي؟... وديتِ «غَالِيَة» فين؟»
اتسعت عيون الحاجة صفية بذهول واستغراب، وردت بنبرة مرتعشة:
— «مين يا يُونُس؟! هوديها فين يا ولدي واصل؟! أنا زيي زيك... سمعت «زينب» نازلة بتصرخ وتقول إن هي هربت وما لقيتهاش في الأوضة!»
قرب يُونُس خطوة كمان، ونبرة صوته فيها عتاب وجع مكتوم:
— «لو هي هربت بجد يا أُمي... يبقى أنتِ اللّي هربتيها وساعدتيها تخرج من الدوار! قولي لي الحقيقة... وديتِ «غَالِيَة» فين؟!»
ضربت الحاجة صفية على صدرها بخوف ونفت بسرعة:
— «ما حصلش يا ولدي والله ما حصل! ما أعرفش عنها حاجة واصل!»
اتنهد يُونُس بكسرة وقرب وقعد على ركبته قصادها، بص في عيونها وقال:
— «ليه بتقولي ما حصلش يا أُمي؟... مش أنتِ اللّي قلتِ لي زمان من سنتين، قبل ما أسافر البندر، لما جيت لك وقلت لك إني بحب «غَالِيَة» وريدها، وعايز أكلم أبوي عشان تكون مكتوبة على اسمي؟ وقتها قلتِ لي إن لازم أشيل البت دي من دماغي، ولو ما شلتهاش من دماغي هتمشيها من هنا ومش هعرف أطريقها ولا أوصل لها تاني واصل؟ أهو النهاردة غَالِيَة مشت وما حدش عارف لها طريق... قولي لي الحقيقة يا أمي لو أنتِ اللّي مشيتيها!»

_اتسمرت الحاجة صفية مكانها، وبصت لابنها بذهول ووجع، وبُصت في الفراغ ودمعة نزلت من عينها وهي بتشوف ابنها واقف قصادها مكسور وحزين وموجوع من جواه عشان «غَالِيَة» مشيت وراحت من إيده...
بقلم: نسرين نادر
بص «يُونُس» لأمه بصلة حزينة ومكسورة كتمت النفس في صدره، وسابها ولف بضهره اتجه ناحية الباب بجمود...
اتفضت الحاجة «صفية» من مكانها، وقامت بيجري وراه ونادت عليه بصوت مرتعش ومحصور بدموعها:

— «يُونُس!... استنى يا ولدي! استنى يا يُونُس كلمني!»
ما ردش يُونُس عليها ولا لَف، قفل الباب وراه بثقل ومشى في الممر بخطوات جافة... رجعت الحاجة صفية وقعدت على طرف السرير، حطت إيدها على وشها وبكت بحسرة على وجع ولدها والهم اللّي نزل على الدار.
وفي الأوضة المقفولة المهجورة... كانت «غَالِيَة» قاعدة في الزاوية، ضامة ركبها لصدرها وبترتعش من الخوف. الأوضة كانت عتمة ومتربة وريحتها قش قديم، وصوت الصرصار في الخشب بيزيد رعبها.
كانت تبص حواليها في الظلمة بدموع نازلة على خدها، وتهتف بصوت واطي ومشتعل بالرجاء:

— «يا رب... يا رب أنا ما عرفش اللّي عملته ده صح ولا غلط! ما عرفش يُونُس ممكن يعمل إيه لو عرف... ولا الخالة حِكْمَت ولا الدار كلياتها! ولا حتى زينب وكريمة... كان لازم أقعد وأستحمل ولا كان لازم أمشي وأخلص؟! أنا ما فاهمة أي حاجة يا رب... ما فاهمة حاجة واصل! ساعدني يا رب، وعَجّل بسوق زينب ولا كريمة ليا هنية يا رب... قلبي هيقف من الخوف!»
بقلم: نسرين نادر
وفي الناحية التانية من الدوار... كان «رَجَب» قاعد في أوضته، بيمسح أثر ضربة يُونُس اللّي على وشه بغل، وقاعد معاه أخته «رَاوِيَة» وأمه «وَصَال» اللّي كانت واقفة في الزاوية بتسمع كلامهم وسارحة بتفكر.
لَف رَجَب لـ «رَاوِيَة» وسألها بحيرة وشرار في عينيه:

— «تفتكري يا راوية... تكون غَالِيَة هربت راحت فين؟! دي ما تعرفش مخلوق في البلد كلها!»
ردت «رَاوِيَة» ببرود واستخفاف، وهزت كتافها بلوي بوز:

— «تغور مطرح ما تغور يا خوي! بتسأل عليها ليه واصل؟! ما كفاكش اللّي عمله فيك يُونُس من تحت راسها بره في الصالة؟!»
اتنفض «رَجَب» بغضب وسخط وهتف بصوت عالي:
— «ما نسيتش! واللّه ما نسيت اللّي عمله يُونُس!... بس غريبة! ده ياما حصل في الدوار ده حاجات وأمرّ من إكده، وعمرها ما فكرت تهرب ولا تخطي بره الباب... اشمعنى دلوك يعني هربت؟! ويا ترى راح فين وأرض إيه اللّي بلعتها؟!»

بصت له «رَاوِيَة» بنظرة خبيثة ومكر، وقالت بسخرية:
— «وااه! بالك مشغول عليها إكده ليه يا رَجَب؟! وحشتك الغندورة اللّي ما كانت بتديك ريق حلو واصل، ولا حتى بترضى تبص في وشك؟! زعلان عليها دلوك؟!»
صرف رَجَب نظر غاضبة لأخته وزعق فيها بقلة صبر:

— «اسكتِ يا بت أنتِ!... أقول لك، غلطان أنا اللّي قعدتكِ معايا! امشي وغوري من قبالي، شوفِ لك حتة تانية اقعدي فيها يلا!»
قامت «رَاوِيَة» بغضب ولفت شالها، وخرجت ورزعت الباب وراها برزعة هزت الحيطة...
هتف رَجَب بضيق:
— «رزعة في نافوخك!»
أول ما خرجت راوية واتقفل الباب، التفتت «وَصَال» لابنها وقربت منه بخطوات بطيئة، وعيونها بتلمع بمكر وشماتة، وقالت بابتسامة خبيثة:
— «أخيراً لقيتك بتفهم يا رَجَب!... الحمد لله يا رب!»
بص لها رَجَب باستغراب وعدم فهم:
— «هو إيه اللّي بتفهم ياما؟! تقصدي إيه؟!»
قربت «وَصَال» أكتر ومالت عليه، وقالت بصوت واطي ومحمل بالغل والمكر:
— «هنعمل اللّي قلت لك عليه دلوك...»
رَجَب بص لها بحيرة وسألها:
— «اللّي قلت عليه؟! اللّي هو إيه يعني ياما؟!»
ردت «وَصَال» بنبرة حادة وقاسية، وعيونها بتطق شرار:
— «نلاقيها إحنا الأول يا رَجَب! وتاخدها وتتجوزها غصباً عنها وعن عين الكل... وساعتها يُونُس هيموت بحسرته وتطق العروق في قلبه ونخلص منه هو كمان! إحنا لازم نحسره عليها ونكسر عينه، ونثبت للدار كلها إن البت دي كانت رامية نفسها عليك وكانت عايزاك أنت من الأول!»
اتسعت عيون رَجَب وترسمت على وشه ابتسامة خبيثة وغل وهو بيتخيل المشهد...

تعليقات