رواية الصياد والفريسة الفصل الخامس 5 بقلم ملكة الروايات


 رواية الصياد والفريسة الفصل الخامس 

​في الجانب الآخر من العاصمة، بعيداً عن أزقة الحي الشعبي ورائحة الشاي بالنعناع، تقبع السرايا العريقة لعائلة "الحسيني" في قلب المنطقة الأرستقراطية. القصر يمتد بحدائقه الغناء، وجدرانه الرخامية العالية تعكس ثروة طائلة وسلطة تمتد لعقود. لكن خلف تلك الفخامة الظاهرة، كانت تدور معارك ناعمة وشديدة القسوة؛ معارك لا تُستخدم فيها الأسلحة البيضاء، بل تُدار بالمال والنفوذ وحياكة الدسائس.
​في الصالون المذهب الواسع، كانت تجلس "درية"، ابنة خالة مراد، تتعمد الجلوس بدلال أنيق وهي تتفحص أظافرها المزينةبالخواتم الباهظه الثمن، وترشف الشاي التركي من فنجان خرساني مذهب. بجوارها كانت تجلس "سعاد هانم"، والدة مراد، امرأة ستينية ذات ملامح حادة وشخصية أرستقراطية صارمة، ترى الحياة بأسرها كرقعة شطرنج يجب أن تتحرك فيها القطع وفقاً لمصالح العائلة وحسب.
​انفتح الباب الخشب الضخم، ودخل "مراد" بخطواته الثقيلة المعتادة، يرتدي قميصه الأسود الداكن الذي يبرز عرض كتفيه وهيبته الصارمة. كان الإرهاق بادياً على عينيه بعد ليلة طويلة قضاها في متابعة قضية "سعيد" ورجاله بالقسم.
​ابتسمت "سعاد هانم" بابتسامة راقية متكلفة وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل التردد:
"أهلاً بشرس الشرطة.. أخيراً تذكرت أن لك بيتاً وقصراً يا مراد؟ اجلس يا حبيبي، كنا نتحدث أنا ودرية عن ترتيبات حفلة خطبتكما الشهر القادم!"
​عدلت "درية" جلستها بابتسامة خبيثة، وقالت بصوت ناعم ومائع:
"أهلاً يا مراد.. طالت غيبتك، خالتو سعاد اختارت القاعة والديكورات من أكبر شركة تنظيم في باريس، ولم يبقَ إلا أن نتفق على الشبكة وتفاصيل السفر."
​توقف "مراد" في منتصف القاعة الفخمة، ووضع يديه في جيبي بنطاله، ونظر إليهما بنظرة حادة كالنصل السقيل، ساد بعدها صمت ثقيل ومقلق جعل "درية" ترتبك في جلستها وتهبط ابتسامتها.
​قال "مراد" بنبرة جليّة، خفيضة لكنها تحبس الأنفاس لشدة ثباتها:
"أظن أنني تحدثت في هذا الموضوع سابقاً يا أمي.. وحسمت أمري تماماً قبل أشهر. لن تكون هناك خطبة، ولن أكون لدرية."
​اتسعت عينا "درية" بالصدمة والذهول، بينما وقفت "سعاد هانم" بغضب أرستقراطي جامح، واهتز الفنجان في يدها حتى كاد ينكسر، وقالت بنبرة حادة:
"مراد! درية ابنة خالتك، ومن ثوبنا ونسبنا ومقامنا الاجتماعي! ما هذا الهراء الذي تكرره؟ من هذه التي تتخيل أنها يمكن أن تأخذ مكانها في بيت الحسيني؟ ألم يحين الوقت لـ تتخلى عن هذا العناد والأوهام؟"
​اقترب "مراد" خطوات وثيقة نحو أمه، واشتعلت عينيه الصقريتان ببريق العشق والتحدي الشرس، وهو يطلق اعترافه المباغت كالقنبلة التي هزت أركان القصر:
"القلب لا يعرف الطبقات ولا الأثواب يا أمي.. القلب يعرف فقط من يمتلكه. أنا أحب امرأة أخرى.. امرأة شموخها يعادل الجبال، ولا تشتريها كل أموال ونفوذ عائلتنا!"
​شهقت "درية" ووقفت بذهول وقد تحول وجهها إلى اللون الأحمر من شدة الإهانة:
"امرأة أخرى؟! من هذه التي تجرأت وأخذت مكانتي؟ من تكون هذه الفتاة؟!"
​التفت "مراد" إليها ببرود قاتل، ونظر إليها من الأعلى إلى الأسفل وقال:
"تكون من علمتني أن القوة الحقيقية في العزة والكرامة وعرق الجبين الشريف، وليست في الألقاب والأوراق الرسمية والدلال الزائف."
​ثم التفت إلى والدته التي شحب وجهها من شدة الصدمة وقالت بصوت يرتجف غضباً وحنقاً:
"من هي يا مراد؟ لا تقل لي أنها إحدى نادلات المطاعم أو فتاة بلا نسب ولا أصل!" من اللي تعرفهم!!؟؟ 
​قال "مراد" بصوت قوي كأنما ينقشه على الصخر الرخامي تحت أقدامهم:
"اسمها (نور).. وهي أرفع نسباً بكرامتها وعزة نفسها وأصلها من أباطرة المال جميعاً. وسوف تكون حرم مراد الحسيني، شاء من شاء وأبى من أبى!"
​أنهى كلماته وأدار ظهره وانصرف بخطوات حازمة، تاركاً خلفه زلزالاً مدوياً في القصر؛ "درية" تغلي بالغل والحقد وتتوعد بالانتقام، و"سعاد هانم" تقسم بعزة عائلتها على تدمير هذه الفتاة قبل أن تخطو قدمها عتبة القصر.
​على الجانب الآخر، وفي الشقة البسيطة بالحي الشعبي..
​كانت "نور" تجلس على الفراش بجوار شقيقتها "منار"، وعيناها شاردتان في الفراغ عبر النافذة الخشبية. كانت تتذكر لمسة يده الحانية حين حماها من البلطجية، وتتذكر نبرة صوته الدافئة وهو يعلن حمايتها أمام أمها وأهل الحارة جميعاً.
​سألتها "منار" بابتسامة خبث حنونة وهي تكزها بكوعها:
"سرحانة في سيادة الرائد برضو يا نور؟ اعترفي.. الحصون الحديدية بتاعتك بدأت تقع صح؟ النظرة اللي كان بيبصها لك البارحة مش نظرة ظابط بيأدي واجبه خالص!"
​تنهدت "نور" بصدر ضيق وقلب يخفق بشدة، وقالت بنبرة ملؤها الخوف والحيرة:
"يا منار.. مراد من عالم تاني خالص. عالم الفلوس والسلطة والنفوذ والقصور.. وإحنا هنا في حارتنا البسيطة. الحب مش كفاية لما تكون الفوارق بيننا زي الجبال، وأنا خايفة كرامتي تتجرح أو  تتهان بسبب الفوارق دي."
​دخلت "الحاجة فاطمة" الحجرة وهي تحمل صينية الشاي الدافيء، وجلست بجوارهما وقالت برزانة وحكمة الأم:
"الرجل أفعال يا نور.. ومراد بك أثبت في ساعة شدة إنه راجل يتقال له يا سيد الناس. بس كلامك صح.. الأكابر ليهم طبع وإحنا لنا طبع، واللهم إلا إذا كان شاريكي بجد ومستعد يقف قدام الدنيا عشانك، ساعتها بس الكرامة بتت صان بوجوده."
​لكن الأقدار كانت تتحرك في الخفاء بأسرع مما يتوقعون؛ ففي تلك اللحظة بالذات، كانت "درية" تجلس في سيارتها الفارهة بالقرب من مدخل الحي الشعبي، وتسلم صرة مالية لأحد المسجلين خطر بالمنطقة، وهي تقول بشر وعيون يملؤها الغل:
"عايزة ملف الفتاة دي بكل تفصيلة في حياتها.. أختها، أمها، شغلها. والدرس الأول ليها هيكون قريب جداً عشان تعرف حجمها الطبيعي وما تفكرش تطاول على أسيادها. 
​تسللت خيوط الفجر الأولى لتصبغ أزقة الحي الشعبي بلون رمادي دافئ، لكن هذا الهدوء الساكن لم يكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة. في أعماق الزقاق المظلم المحاذي لعمارة "نور"، كانت سيارة سوداء زجاجها معتم تقبع كوحش كاسر يترقب طريدته. في داخلها، كان ينبعث دخان السجائر الكثيف مجسداً جلسة شيطانية بين "درية" وذراعها الأيمن "شوقي"، أحد العتاة المسجلين خطر ممن يقتنون ذممهم بالمال.
​ألقت "درية" بصرة مالية ثقيلة على مقعد السيارة الجلدي، ونظرات أظافرها الملونة باللون الأحمر القاني تعكس غلاً جارفاً وهي تقول بنبرة تقطر سماً:
"هذا مجرد عربون يا شوقي.. المطلوب ليس مجرد تخويف عابر، بل ضربة في الأعراض وكسرة نفس لا تقوم لها قائمة بعد اليوم! أريد أن تنزل إلى الحارة وتدعي أمام أهالي الحي بأكمله أنك متزوج من هذه المسمى (نور) عرفياً! ترفع ورقة مزورة بوجه الجميع وتفضحها في شرفها لتتوسل لرحمتي، وتفهم أن بنات القصور لا يُسلب منهن رجالهن بجمال فقير ورخيص!"
​ابتسم "شوقي" ابتسامة صفراء أظهرت أسنانه المتهالكة، وقال بنبرة ملؤها الجشع:
"اعتبريه حصل يا هانم.. الخطة دي هتكسر عينها وعين أهليها، والحارة بكرة كلها هتحكي عن الفضيحة، وبنت الحاجة فاطمة مش هتلاقي مكان تستخبى فيه!"
​في تلك الأثناء، وفي جناح القصر الفاخر، لم يذق "مراد" طعم النوم. كان يتنقل في الغرفة كالموج الثائر، وصورة "نور" بعينيها المشتعلتين كبرياءً لا تفارق مخيلته. انتابه شعور غريب بالضيق، حس أصيل يمتلكه الضباط كأنما نذير الخطر يقرع أجراس قلبه.
​فجأة، اهتز هاتفه على الطاولة برنين متواصل. قفز إليه بلهفة ليجد المتصل أحد رجاله الموثوقين من العيون السريين الذين وضعهم لمراقبة الحي لحماية عائلة نور.
​"مراد باشا! الحقنا يا فندم!" جاءه الصوت مضطرباً يلهث: "فيه مصيبة في الشارع الشعبي، شوقي البلطجي ورجالته نازلين على عمارة الأنسة نور ولموا أهالي الحارة كلهم، وبيزعق بقلة أدب وبيرفع ورقة بيدعي فيها إنه متزوجها عرفي وبيفضحها في شرفها أمام الناس!"
​احتدمت عينا "مراد" بشرار قاتل وانعقدت حواجبه في خط حاد كالسيف. لم يتكلم بكلمة واحدة، بل ألقى بجراب سلاحه حول كتفه، وجذب مفاتيح سيارته وانطلق كالبرق الناري نحو السلم، غير أبهٍ بصوت أمه "سعاد هانم" التي نادت عليه بصرامة وهي تراه يقتحم الباب الخارجي كالعاصفة.
​تلاحقت الأحداث في الحي الشعبي بسرعة جنونية؛ انكسر سكون الصباح على أصوات صراخ وضجيج مدوٍ أمام عمارة "نور". اتلم أهالي الحارة المصدومون، بينما كان "شوقي" يقف في المنتصف يلوح بورقة مزورة ويصرخ بأعلى صوته بكل دناءة:
"اسمعوا يا أهل الحارة! الست المصونة اللي عاملة فيها خضرة الشريفة متجوزاني عرفي من شهور! وادي الورقة بيني وبينها، ولما طلبتها في بيتى قفلت بابها وأنكرتني!"
​خرجت "نور" إلى مدخل العمارة كالشجرة الشامخة التي تأبى الانحناء، وتتبعها شقيقتها "منار" ووالدتها "الحاجة فاطمة" التي كانت تسند جدار السلم ودموع القهر تملأ عينيها.
​رغم ارتجاف جسد "نور" الغريزي من هول الفضيحة والظلم، رفعت رأسها بعينين تفيضان بشجاعة وبسالة، وصرخت بوجه "شوقي" بصوت هز أرجاء الشارع:
"يا كذاب يا رخيص! ألا لعنة الله على المال اللي يشتري ذممكم! أنا أطهر من إن واحد واطي زيك يذكر اسمي على لسانه، والورقة دي تبلها وتشرب ميتها يا بلطجي!"
​اقترب منها "شوقي" بجرأة وقسوة محاولاً الإمساك بمعصمها لترهيبها أمام الجيران، ورفع يده محاولاً العبث بكرامتها... وفي اللحظة التي حبست فيها "نور" أنفاسها واستعدت للمواجهة...
​طرااااااق!
​انفجر الشارع عن حضور مرعب زلزل أركان الحي بأكمله!
​اقتحمت سيارة "مراد الحسيني" المكان كالعاصفة، ونزل منها كملك الموت؛ تتطاير من عينيه الصقريتين شرارات الغضب الجارف! وقبل أن يدرك "شوقي" ما يحدث، كانت قبضة "مراد" الفولاذية تستقر في منتصف وجهه بلكمة قاضية أطارت به ليرتطم بالرصيف وتتناثر دماؤه على الأرض!
​سحب "مراد" الورقة المزورة من يد "شوقي" ومزقها إرباً وقذفها في وجهه، ثم تحرك بمهارة قتالية مرعبة؛ فقبض على المعتدي الثاني الذي حاول مساندته، ولوى ذراعه خلف ظهره حتى سمع الجميع صوت انكسار عظام يده، ليطرحه أرضاً بضربة قدم حاسمة! أما الثالث، فقد ذعر وركض للهرب، لكن "مراد" جذبه من ياقته ورماه بصلابة فوق هيكل إحدى السيارات المتروكة!
​ساد صمت جداري خنق الأنفاس في الشارع. كان "مراد" يلهث بشدة، وقميصه الأسود قد تمزق عند الكتف من أثر الشراس، بينما وقف أهالي الحارة يتطلعون إليه بذهول وإجلال لشهامته وقوته الجبارة.
​جذب "مراد" البلطجي "شوقي" من شعره ليرفع رأسه الملطخ بالدماء، وقرّب وجهه منه بنبرة جليّة حادة كالصلب هزت قلوب الحاضرين:
"من أرسلك يا حقير؟ تتجاسر وتلعب بأعراض الشرفاء في حماياتي وتتكلم في شرف بنت أطهر منك ومن اللي شغلوك؟ أقسم بعزة جلال الله إن لم تنطق باسم من دفعك الآن لتشويه سمعتها، فلن تخرج من هذه الحارة إلا على نعش!"
​اضطرب "شوقي" برعب قاتل وشعر بملك الموت يلوح أمام عينيه، فقال بصوت متقطع يقطر خذلاناً:
"درية هانم!.. درية بنت خالتك هي اللي دفعت لي الفلوس وأدتنا الورقة المزورة عشان نعمل الفضيحة دي ونكسر دماغ البنت قدام الحارة!"
​شهق الجميع في المكان، واتسعت عينا "نور" بالصدمة والذهول، بينما سكن جسد "مراد" لثوانٍ معدودة تحولت فيها نظراته إلى برود قاتل وأشد خطورة من الغضب.
​ترك "شوقي" يسقط كالجثة المتهالكة، والتفت نحو القوات الأمنية المكثفة التي وصلت فوراً وسيطرت على الموقف بالكامل، وألقوا القبض على العصابة المسلحة بتهم التزوير والتعدي والقذف.
​خطا "مراد" بخطوات ثقيلة ودافئة نحو "نور" التي كانت تقف لاهثة، والدموع تحتبس في عينيها الواسعتين بين الخوف والكبرياء والذهول. توقف أمامها مباشرة، واختفت كل علامات القسوة من وجهه ليحل محلها حنان جارف وألم ندم على ما تسببت به عائلته لها.
​​رفع كفه المرتجف ببطء شديد، ولأول مرة يجرؤ على ملامسة وجنتها بلطف أمام الجميع، يمسح قطرة دمع حائرة سقطت من عينها، وقال بصوت خفيض وعميق ينسكب في وجدانها كالبلم الشافي:
"سامحيني يا نور.. حقكِ وشرفكِ على رأسي من فوق. أقسم لكِ بالذي خلق السماء بلا عمد، أن كرامتكِ وكرامة أهلكِ أثمن عندي من روح ونفوذ كل من يتطاول عليكِ."
​انقبض قلب "نور" لمس كفه الدافئة، وشعرت لأول مرة بأن دروع كبريائها المنيعة قد ذابت تماماً تحت حرارة صدقه ورجولته. لم تعد تراه ضابطاً مغروراً أو ابناً للقصور، بل رأته سنداً وحصناً لا يتزعزع.
​التفت "مراد" بثبات ووقار ونادى بأعلى صوته أمام أهالي الحارة جميعاً:
"يا أهل الحارة الشرفاء.. نور شريفة وأطهر من أي كلمة اتقالت، وأنا مراد الحسيني، أطلب يد ابنتكم (نور) على سنة الله ورسوله فوراً أمامكم جميعاً.. أطلبها لملكة تُتوّج على عرش قلبي وبيتي، وليست فريسة لأحد!"
​سادت حالة من الذهول والزغاريد المدوية التي انطلقت من نساء الحارة الشريفات ليغسلوا بهجة المكان، وتلاقت أعين "مراد" و"نور" في أعمق وأصدق مواجهة حاسمة؛ مواجهة أعلنت استسلام الصياد والفريسة معاً في رحاب حبٍ شريف لا يقهر.
​تُرى.. كيف ستكون ردة فعل "درية" و"سعاد هانم" عند سماع خبر هذا الزواج الرسمي الصريح؟
وهل ستوافق "نور" على دخول قصر الحسيني وتحدي عالم الأكابر بقوة كبريائها؟


تعليقات