رواية عيون حنين الفصل الرابع 4 بقلم نون لاشين


 رواية عيون حنين الفصل الرابع 


في غرفة يوسف صباحا عمر كان واقف بيبدل الضمادة اللي على عين يوسف بمنتهىى التركيز. حنين كانت واقفة في الكورنر، إيديها متشابكة في بعض، وعينيها بتراقب كل حركة بيعملها عمر. كانت بتبصله بانبهار

"ها يا بطل.. حسيت بوجع وأنا بشيل اللزق؟"
يوسف هز راسه بـ "لا" وهو بيبتسم: "إيدك خفيفة أوي يا دكتور عمر.. أنا بحبك أوي."

عمر ضحك ضحكة صافية، ورفع عينه بص لحنين اللي وشها احمر ونزلت عينيها في الأرض هرباً من نظرته.
"وأنا كمان بحبك يا يوسف.. بكرة الصبح هنشيل الشاش ده خالص، وهتشوف الدنيا من تاني."

خلص عمر شغله حنين قربت منه  "أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. كل اللي بتعمله معانا ده كتير أوي أنا حاسة إني عليا دين تقيل "

عمر نشف إيده و بصلها بعينيه  اللي كانت بتقرا كل تفصيلة في وشها: "عمرك ما هتكونى حمل يا حنين.. إنتي ويوسف بقيتوا جزء من مسؤوليتي، وأنا ما بتخلاش عن مسؤولياتي أبداً."

سكت ثانية وكمل  "أنا جهزت شقة قريبة من المركز، هتقعدي فيها إنتي ويوسف لحد ما يخف تماماً.. المكان اللى انتو فيها مش هترجعيها تاني."

حنين شهقت برفض وكبرياء: "لا طبعاً يا دكتور! أنا أشتغل هنا آه عشان أسدد ديني، لكن أسكن في شقتك وعلى حسابك؟ ده مستحيل، أنا كرامتي متسمحليش."

عمر ابتسم ..... عجبه عنادها وعزة نفسها ..."كرامتك دي أكتر حاجة بحترمها فيكي.. بس ده أمر طبيب عشان صحة المريض، المكان هناك فيه تلوث وممكن ينقل ميكروب لعين يوسف.. اعتبريها سلفة يا ستي واخصميها من مرتبك، بس هتروحيها يعني هتروحيها."

لسه حنين هترد وتعاند، الباب اتفتح فجأة ..
دخل كمال الشافعي (والد عمر) ووشه أصفر كأنه شاف شبح، وكان بيشاور بإيده بعصبية: "عمر! انزل تحت فوراً.. المركز مقلوب بوليس وقوة من الحي!"

عمر  باستغراب ملامحه اتبدلت  "بوليس؟ حي؟ في إيه يا بابا؟"
كمال بيه مسك راسه بإيديه الاتنين وقال بصوت بيترعش

"بيقولوا المركز مبني على أملاك دولة.. وجايبين قرار إزالة فوري، ومعاهم إنذار بإخلاء المرضى في خلال 24 ساعة!"

الكلمة نزلت على عمر زي الصاعقة. المركز؟ حلم عمره وتعب السنين اللي كبره  بيتهد؟
عمر خرج بسرعة ونزل على السلم  حنين قلبها اتقبض، حسّت إن في كارثة هتحصل، جريت وراه على طول وهي مرعوبة.

في  الاستقبال..
المكان كان مليان عساكر وموظفين من الحي. رئيس الحي كان واقف ببرود وماسك في إيده ملف 

عمر نزل ووقف قدامه بكب قوة  رغم النار اللي قايدة جواه...."إيه المهزلة دي؟ مركز الشافعي مبني على أرض ملك حر، وورقنا كله سليم ومترخص من وزارة الصحة!"

رئيس الحي بصله بسخرية واداله ورقة مختومة  "ده كان زمان يا دكتور. جرد السجلات الأخير أثبت إن عقد التمليك بتاعكم مزور، والأرض دي تابعة لأملاك الدولة. القرار طالع من المحافظة شخصياً.. قدامك 24 ساعة تخلي المبنى من المرضى والمعدات، وإلا الإزالة هتم فوق دماغكم، وهتتحول للنيابة بتهمة الاستيلاء على المال العام."

كمال بيه انهار على كرسي في الريسبشن، ودموعه نزلت على تعب عمره: "رأفت.. الكلب رأفت عملها.. دمرنا عشان فسخت خطوبتك من بنته.. قولتلك بلاش تعند، قولتلك بلاش تعند عشان شوية شحاتين ما يسووش مليم!" قالها كمال وهو بيبص لحنين اللي كانت واقفة بعيد بتسمع كل حاجة.

الكلمة دبحـت حنين.. حست إنها نحس، إنها السبب في خراب بيت الراجل الوحيد اللي مدلها إيده ورحمها. 

عمر خسر حلمه ومستقبله ومركزه.. عشانها! دموعها نزلت شلالات على خدها، بصت لعمر اللي كان واقف بيقرا الورقة وعينيه بتطق شرار، بس باين علية إنه في مأزق حقيقي.. الورق اللي معاهم رسمي، ورأفت بيه ظبط لعبته صح.

حنين مقدرتش تستحمل تبص في عين عمر.. جريت على السلالم ونزلت لغرفة "الأرشيف المركزي" اللي استلمت شغلها فيها من يومين.

دخلت الأوضة  المليانة رفوف وصناديق، قفلت الباب وراها وسندت عليه وانهارت من العياط.
"يارب.. يارب أنا السبب.. الراجل ده وقف جنبي، متخليهوش يتكسر بسببي.. يارب دلني أعمل إيه!" كانت بتدعي بصوت مخنوق ودموعها بتنزب على وشها.

وهي بتعيط، عينيها وقعت على صندوق كانت لسه بترتبه امبارح ومكتوب عليه 

"شراكات وعقود قديمة - د. كمال الشافعي ود. رأفت الحديدي"*.
حنين 

مسحت دموعها بسرعة و فتحت الصندوق بلهفة، وبدأت تقلب في الورق القديم، ورق  مليان تراب.. ملفات من أكتر من 25 سنة.
فضلت تدور وتدور وإيديها بتترعش.. "لازم ألاقي حاجة.. لازم يكون في حاجة تثبت إن الأرض دي ملكهم مش أملاك دولة!"

وفجأة.. إيدها سحبت دوسيه بلاستيك 
فتحت الدوسيه، لقت جواه ظرف.. فتحته، وطلعت منه ورق!

كان ....العقد الأزرق الأصلي الموثق في الشهر العقاري، بس المفاجأة مكنتش هنا.. المفاجأة كانت في الورقة اللي مرفقة بالعقد.

إقرار بخط الإيد وتوقيع من (رأفت الحديدي) بالتنازل الكامل عن حصته في الأرض لكمال الشافعي، وورقة تانية بتثبت تورط رأفت الحديدي في قضايا استيلاء على أراضي مجاورة وتم التستر عليها مقابل شراكته في مستشفى تانية!
الورق ده مش بس يثبت حق عمر.. ده يسجن الدكتور رأفت وبنته ويشطبهم من نقابة الأطباء للأبد!

حنين بفرحة مش مصدقة عينيها "لقيتها!! الحمد لله يارب لقيتها!"
ضمت الورق لقلبها ولسه هتلف عشان تجري تطلع لعمر تنجده بالورق ده..

**طــــــخ!**
النور قطع فجأة في الأرشيف كله..  بقى ضلمة كحل ميتشافش فيها كف الإيد.
حنين قلبها وقع في رجلها، جسمها اتجمد في مكانها.. الأرشيف مبيقطعش عنه النور أبداً لأنه متوصل بمولد المستشفى.

وقبل ما تاخد نفسها، سمعت صوت خطوات مخيفة.
وصوت خشن  اتكلم في الضلمة "هاتي الورق اللي في إيدك ده يا حلوة بهدوء.. عشان متحصليش أمك وأبوكي بدري."

حنين رجعت لورا برعب لحد ما ضهرها خبط في الحيط ضمت الورق في حضنها أكتر، وعينيها بتدور في الضلمة على أي مهرب.. باب الأرشيف مقفول، والشخص ده واقف سادد الطريق عليها تماماً!


تعليقات