رواية كبيرهم الفصل الرابع 4 بقلم سهر احمد


 رواية كبيرهم الفصل الرابع 

بسم الحق بسم الملك بسم الفتاح
بسم الله صاحب التسعة والتسعون اسم

«الراجل اللي ربّى... والراجل اللي اتقتل... والاسم اللي اتدفن معاهم»

آدم فضل واقف مكانه...

ولا رمش بعينه.

ولا حتى حاول يفهم إذا كان اللي سمعه حقيقة... ولا كذبة جديدة من الكذبات اللي عاش عمره كله وسطها.

كان باصص لجابر بس.

الراجل اللي ناداه طول عشرين سنة:

أبوي.

الراجل اللي علمه يمشي.

ويقف.

ويدافع عن الحق.

ويحترم الكبير.

وما يظلمش الضعيف.

الراجل اللي كان دايمًا بيقول له:

"الاسم مش هو اللي يعمل الراجل... اللي يعمل الراجل موقفه."

لكن دلوقتي...

آدم لأول مرة حس إن الاسم نفسه ممكن يكون سجن.

وصوت رائد كان لسه بيرن في ودنه:

"ليه خلّى ابن الراجل اللي قتله... يعيش تحت اسمه عشرين سنة؟"

آدم بلع ريقه بصعوبة.

وبص لجابر.

آدم .. أنا سألتك سؤال.

جابر ما ردش.

آدم قرب خطوة.

آدم .. قتلت أبويا؟

الصمت كان أثقل من أي إجابة.

آدم .. رد عليا يا جابر.

جابر رفع عينه ببطء.

لكن عينه ما كانتش فيها غضب.

كانت فيها حاجة أسوأ...

خوف.

آدم لاحظ.

والخوف ده وجعه أكتر من أي اعتراف.

آدم .. ليه بتبصلي كده؟

جابر .. آدم...

آدم .. لأ.

هز راسه.

آدم .. متقولش اسمي بالطريقة دي.

جابر .. اسمعني.

آدم .. أنا سمعتك عشرين سنة.

صوته بدأ يهتز.

آدم .. كل مرة كنت بتقولي "ثق فيا"... كنت بثق.

كل مرة كنت بتقولي "أنا عارف مصلحتك"... كنت بمشي وراك.

كل مرة كنت بتقولي "في حاجات لما تكبر هتفهمها"... كنت بستنى أكبر.

وبعدين ضحك بمرارة.

آدم .. أهو أنا كبرت يا جابر.

قرب أكتر.

آدم .. ولسه مش فاهم.

جابر غمض عينه.

آدم .. قتلت أبويا؟

رائد من بعيد قال بهدوء:

رائد .. هو مش هيقول.

آدم لف له.

آدم .. وإنت هتقولي؟

رائد .. لو قلتلك كل اللي أعرفه... هتكره ناس كتير.

آدم .. أنا أصلًا مش عارف أثق في حد.

رائد .. ودي أول مرة تقول فيها حاجة صح.

جابر لف له بعصبية.

جابر .. إنت آخر واحد يتكلم عن الثقة!

رائد ابتسم.

رائد .. على الأقل أنا مش مخبي عنك إني عدوك.

جابر .. إنت مش عدو آدم بس.

رائد .. عارف.

جابر .. إنت عايز تحرق النجع كله.

رائد .. لا.

رائد قرب خطوة.

رائد .. أنا عايز النار توصل للمكان اللي بدأت منه.

سالم تدخل:

سالم .. كفاية.

رائد لف له.

رائد .. إنت بقى عايزني أسكت؟

سالم .. أنا عايزك تفتكر إن فيه ناس مالهاش ذنب.

رائد .. مين؟

سالم .. آدم.

رائد سكت.

سالم .. ولجين.

رائد بص للجين.

لجين كانت واقفة مش فاهمة.

لكنها كانت حاسة إن اسمها دخل الحكاية بشكل ما كانتش مستعدة له.

رائد رجع بص لسالم.

رائد .. الاتنين أصلًا دخلوا الحكاية من يوم ما اتولدوا.

آدم .. يعني إيه؟

سالم .. رائد...

رائد .. لأ يا أبوي.

سالم بص له.

رائد .. المرة دي مش هنسكت.

ثم بص لآدم.

رائد .. لأنك طول عمرك عايش جوه قصة ناس تانية كتبوها لك.

آدم .. وإنت؟

رائد .. أنا؟

آدم .. إنت عايز تكتبها لي؟

رائد .. لا.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

رائد .. أنا عايز أمزق الصفحة كلها.

آدم .. وبعدين؟

رائد .. وبعدين كل واحد هيكتب اسمه بإيده.

جابر قال بصوت حاسم:

جابر .. آدم، متسمعش كلامه.

آدم لف له.

آدم .. ليه؟

جابر .. لأنه عايز يوقعك فينا.

آدم .. وإنت؟

جابر سكت.

آدم .. إنت عايز توقعني في مين؟

جابر .. أنا عايز أحميك.

آدم انفجر:

آدم .. من مين؟!

جابر ما ردش.

آدم .. من رائد؟

ولا من السالمي؟

ولا من الناس اللي دخلت الطاحونة؟

ولا من أبويا الحقيقي؟!

جابر رفع عينه.

آدم .. ولا مني أنا؟

جابر .. منك؟

آدم .. أيوه.

قرب منه.

آدم .. يمكن أنا الحقيقة اللي خايفين منها.

الجملة خلت سالم يرفع عينه فجأة.

رائد ابتسامته اختفت.

ناجي قال:

ناجي .. آدم...

آدم .. لأ يا عمي ناجي.

بص للجميع.

آدم .. الليلة دي محدش هيسكت.

سالم أخذ نفسًا طويلًا.

ثم قال:

سالم .. طيب.

آدم بص له.

سالم .. اسمع.

جابر هز راسه.

جابر .. سالم...

سالم .. الوعد انتهى.

جابر .. إنت عارف إحنا وعدنا بإيه.

سالم .. وعارف كمان إن الوعد ده دفن حياة ناس.

ثم بص لآدم.

سالم .. أبوك الحقيقي...

آدم شد نفسه.

سالم .. ما ماتش بالطريقة اللي اتقالت لك.

آدم اتجمد.

آدم .. يعني إيه؟

سالم .. يعني الحكاية اللي اتقالت لك من وأنت صغير ناقصة.

آدم .. مات؟

سالم سكت.

آدم .. عايش؟

سالم .. أنا ما قلتش إنه عايش.

آدم صرخ:

آدم .. أمال قلت إيه؟!

سالم .. قلت إن آخر مرة شفته فيها... كان حي.

الهواء نفسه كأنه اتقطع.

لجين حطت إيدها على بوقها.

ناجي بص لجابر.

أما رائد...

ففضل ثابت.

كأنه كان مستني الجملة دي من سنين.

آدم .. آخر مرة شفته فيها إمتى؟

سالم .. ليلة اختفاء ليلى.

آدم .. أمي.

سالم .. أيوه.

آدم .. كانت هنا؟

سالم .. كانت في الطاحونة.

آدم بص حوالين المكان.

الحوائط القديمة.

الحجر.

الباب الحديد.

السلم.

كل حاجة بقت فجأة شاهدة على طفولة ما يفتكرش منها حاجة.

آدم .. وأنا؟

سالم .. كنت معاها.

آدم .. وأبويا؟

سالم .. كان معاها.

آدم .. وجابر؟

الصمت رجع.

آدم بص لجابر.

آدم .. كنت هنا؟

جابر .. أيوه.

آدم .. وشفت أبويا؟

جابر .. أيوه.

آدم .. كان حي؟

جابر .. أيوه.

آدم .. خرج من الطاحونة؟

جابر .. أيوه.

آدم .. ومين أخده؟

جابر سكت.

آدم قرب.

آدم .. مين أخده يا جابر؟

جابر .. ما أعرفش.

رائد ضحك.

رائد .. كدبة قديمة.

جابر .. اسكت.

رائد .. إنت كنت هناك.

جابر .. كنت بحاول أنقذهم.

رائد .. أنقذ مين؟

جابر سكت.

رائد .. ليلى؟

جابر سكت.

رائد .. آدم؟

سكت.

رائد .. ولا أبو آدم؟

جابر رفع عينه.

رائد .. أهو.

رائد ابتسم بمرارة.

رائد .. دي أول مرة عينيك تفضحك.

آدم بص لجابر.

آدم .. كنت بتحاول تنقذ أبويا؟

جابر .. أيوه.

آدم .. من مين؟

جابر .. من ناس أخطر مني ومن رائد ومن السالمي كلهم.

آدم .. مين؟

جابر .. معرفش.

آدم .. مستحيل.

جابر .. والله ما أعرف.

آدم .. طب ليه ما طلبتش مساعدة؟

جابر .. لأن لو كنت طلبت... كنت هقتل اللي بحاول أحميه بإيدي.

آدم سكت.

الجملة كانت غامضة.

لكنها كانت صادقة.

وده اللي خوّفه.

آدم .. أمي كانت بتحاول تهرب؟

جابر .. أيوه.

آدم .. من مين؟

جابر .. كانت شايلة ورقة.

آدم .. إيه الورقة؟

جابر .. أسماء.

آدم .. أسماء مين؟

جابر .. أسماء ناس.

آدم .. من العيلة؟

جابر .. من عيلة النجار... ومن ناس كانوا تابعين للسالمي.

رائد شد فكه.

رائد .. أبويا كان اسمه فيها؟

جابر .. أيوه.

رائد .. وإنت؟

جابر سكت.

رائد .. اسمك كان موجود؟

جابر .. أيوه.

رائد .. وناجي؟

ناجي بص لجابر.

جابر .. أيوه.

ناجي اتنفس ببطء.

ناجي .. أنا؟

جابر .. أيوه.

ناجي .. إنت مخبي عني كمان؟

جابر .. كنت بحميك.

ناجي ضحك بمرارة.

ناجي .. نفس الجملة.

رائد قال:

رائد .. "كنت بحميك."

ثم بص لآدم.

رائد .. فاكر؟

آدم .. فاكر.

رائد .. كل واحد هنا بيستخدمها لما يعجز يقول الحقيقة.

سالم قال:

سالم .. لأن الحقيقة ساعات بتكون أغلى من حياة الواحد.

رائد .. وأنا دفعت تمنها.

سالم .. وأنا دفعت أكتر منك.

رائد .. لا.

صوته انخفض.

رائد .. إنت خسرتني.

سالم بص له.

رائد .. لكن أنا خسرت أبوي... وبيتي... واسمي... وحياتي.

سالم .. اسمك ما ضاعش.

رائد .. لأ.

ابتسم بمرارة.

رائد .. الاسم اتدفن.

آدم .. أي اسم؟

رائد بص له.

رائد .. الاسم اللي كانوا بينادوني بيه قبل ما أبقى رائد السالمي.

آدم .. وإيه هو؟

رائد .. مش وقته.

آدم .. كل حاجة مش وقتها!

صرخ.

آدم .. من إمتى وأنا عايش في الدنيا دي وكل حاجة "مش وقتها"؟!

ثم أشار لجابر.

آدم .. أبويا مش أبويا.

وأشار لسالم.

آدم .. أمي ماتت وهي بتستخبى.

وأشار لرائد.

آدم .. وإنت كنت عارفني قبل ما أعرف نفسي.

ثم ضرب بيده على الطاولة.

آدم .. وحتى اسمي مش عارف إذا كان اسمي!

سالم قرب منه.

سالم .. آدم.

آدم .. متقربش.

سالم وقف.

آدم .. أنا عايز أعرف حاجة واحدة.

سالم .. اسأل.

آدم .. أبويا الحقيقي كان اسمه إيه؟

سالم سكت.

آدم .. إنت تعرف.

سالم .. أيوه.

آدم .. جابر يعرف.

جابر .. أيوه.

آدم .. ورائد يعرف.

رائد .. أيوه.

آدم .. طب ليه أنا الوحيد اللي ما أعرفش؟

ولا واحد رد.

آدم ابتسم بحزن.

آدم .. عشان أنا كنت الطفل اللي لازم يفضل جاهل.

سالم .. كنت الطفل اللي لازم يفضل حي.

آدم .. على حساب مين؟

سالم .. على حساب الكل.

آدم .. وأمي؟

سالم سكت.

آدم .. ماتت عشاني؟

سالم .. ماتت وهي بتحاول تحميك.

آدم .. يعني أيوه.

سالم .. أيوه.

آدم نزل عينه.

دمعة نزلت منه رغماً عنه.

مسحها بسرعة.

آدم .. طول عمري فاكر إنها ماتت من المرض.

جابر غمض عينه.

آدم .. إنت قلتلي إنها كانت تعبانة.

جابر .. كنت صغير.

آدم .. وإنت كذبت عليا.

جابر .. كنت بحاول أخلي عندك أم تموت في ذاكرتك بهدوء... مش أم تموت وهي بتجري من ناس.

آدم .. ليه؟

جابر .. لأن الطفل لو عرف إنه مطارد... هيعيش طول عمره خايف.

آدم .. وأنا عشت طول عمري فاكر إني ابنك.

جابر صوته انكسر:

جابر .. وكنت ابني.

آدم بص له.

جابر .. بالدم ولا من غير دم... كنت ابني.

آدم .. بس أنا مش ابنك.

جابر .. إنت ابني.

آدم .. لأ.

جابر .. آدم...

آدم .. أنا مش بقول إنك ما ربيتنيش.

صوته هدي.

آدم .. أنا بقول إن فيه راجل تاني كان أبويا... وإنت تعرفه.

جابر .. أيوه.

آدم .. وشوفته.

جابر .. أيوه.

آدم .. وكان حي.

جابر .. أيوه.

آدم .. وبعدها اختفى.

جابر سكت.

آدم .. وإنت عارف راح فين.

جابر رفع عينه.

جابر .. مش بالضبط.

رائد قال:

رائد .. لكنه يعرف مين سلّمه.

آدم لف له.

آدم .. سلّمه؟

جابر بص لرائد بغضب.

جابر .. إنت عرفت منين؟

رائد .. لأنك ما كنتش لوحدك الليلة دي.

جابر .. مين قالك؟

رائد .. الشخص اللي شافك.

سالم .. مين؟

رائد سكت.

سالم .. رائد.

رائد .. الاسم مش مهم دلوقتي.

آدم .. لأ.

قرب منه.

آدم .. كل اسم مهم.

رائد .. مش كل اسم لازم تعرفه دلوقتي.

آدم .. إنت مش اللي تقرر.

رائد ابتسم.

رائد .. بدأت تتعلم.

ثم مد إيده في جيبه.

وطلع قطعة قماش صغيرة.

حطها على الطاولة.

فتحها.

ظهر خاتم فضة قديم.

عليه علامة محفورة.

آدم قرب.

آدم .. ده إيه؟

سالم بص للخاتم.

وتغيرت ملامحه.

آدم لاحظ.

آدم .. تعرفه؟

سالم .. أيوه.

آدم .. بتاع مين؟

سالم سكت.

جابر قال:

جابر .. بتاع أبوك.

آدم رفع عينه بسرعة.

آدم .. متأكد؟

جابر .. أنا شفته في إيده.

آدم .. وإزاي وصل هنا؟

جابر .. لقيته.

آدم .. فين؟

جابر سكت.

آدم .. فين يا جابر؟

جابر .. جنب ليلى.

آدم .. بعد ما ماتت؟

جابر .. أيوه.

آدم .. وأبويا؟

جابر .. ما كانش موجود.

آدم .. يعني الخاتم بتاعه كان جنب أمي... وهو اختفى؟

جابر .. أيوه.

آدم .. طب مين أخده؟

جابر .. معرفش.

رائد قال:

رائد .. تعرف.

جابر .. قلت معرفش!

رائد .. لأنك لسه فاكر إن السكوت هيحميك.

جابر .. وإنت فاكر إن الانتقام هيجيب لك أبوك؟

رائد سكت.

الجملة أصابته.

سالم بص له.

سالم .. رائد...

رائد .. ما تقولش.

سالم .. أنا أبوك.

رائد بص له.

رائد .. عارف.

سالم .. ومش عايزك تكمل الطريق ده.

رائد .. الطريق ده أنا ما اخترتوش.

سالم .. لكنك كملته.

رائد .. لأن مفيش حد رجعني.

سالم .. كان ممكن ترجع.

رائد .. لفين؟

سالم سكت.

رائد .. للبيت اللي مات فيه كل اللي أعرفهم؟

ثم أشار لجابر.

رائد .. ولا للراجل اللي أخد ابنه وربّاه باسمه؟

جابر .. كنت بحميه.

رائد .. وإنت عارف إني أكره الجملة دي؟

جابر .. عارف.

رائد .. عشان كل مرة أسمعها... بفتكر إنك نجحت في حماية آدم.

سكت.

رائد .. وأنا؟

لم يرد أحد.

رائد .. مين حماني؟

الصمت كان جوابًا.

رائد ابتسم.

رائد .. ولا حد.

ثم بص للجين.

لجين كانت تبكي بصمت.

رائد .. وإنتِ كمان.

لجين رفعت عينيها.

لجين .. أنا مالي؟

رائد .. ليكي كل حاجة.

لجين .. عمي...

رائد قاطعها:

رائد .. أنا مش عمك.

لجين اتراجعت.

لجين .. إنت قلتلي طول عمري...

رائد .. عارف.

لجين .. قلتلي إنك أخدتني وأنا صغيرة عشان أمي ماتت وأبويا اختفى.

رائد سكت.

لجين .. قلتلي إن عيلة النجار سبب كل اللي حصل.

رائد .. وده جزء من الحقيقة.

لجين .. جزء؟

رائد .. أيوه.

لجين .. طب الباقي إيه؟

رائد مد إيده.

طلع ورقة قديمة.

حطها قدامها.

كان مكتوب عليها اسم واحد:

ليلى.

لجين بصت للاسم.

لجين .. ليلى؟

آدم قرب.

آدم .. أمي؟

رائد .. أيوه.

آدم .. إيه علاقتها بيها؟

رائد بص للجين.

رائد .. علاقتها بيها... أكبر مما تتخيلي.

لجين هزت راسها.

لجين .. لأ.

رائد .. لازم تعرفي.

لجين .. أعرف إيه؟

رائد .. ليلى ما كانتش بتحمي آدم لوحده.

لجين بصت له.

رائد .. كانت بتحمي طفلين.

آدم اتغيرت ملامحه.

آدم .. طفلين؟

سالم أغمض عينه.

آدم .. مين الطفل التاني؟

رائد بص للجين.

لجين بدأت تهز راسها.

لجين .. لأ.

رائد .. إنتِ.

لجين .. مستحيل.

رائد .. كنتِ هناك.

لجين .. أنا ما فاكرش.

رائد .. كنتِ صغيرة.

لجين .. ليه ما قلتليش؟

رائد .. لأنك لو عرفتي بدري... كانوا هيوصلوا لك.

لجين .. مين؟

رائد .. نفس الناس اللي كانوا بيدوروا على آدم.

آدم بص لرائد.

آدم .. ليه؟

رائد .. لأنكوا الاتنين مرتبطين بحاجة واحدة.

آدم .. بإيه؟

رائد سكت.

ثم قال:

رائد .. بالدم.

جابر ضرب كفه على الطاولة.

جابر .. خلاص!

آدم لف له.

آدم .. إنت خايف من إيه؟

جابر .. من اللي جاي.

آدم .. وإيه اللي جاي؟

جابر .. يوم تعرف الحقيقة كاملة.

آدم .. أنا مستعد.

جابر .. لأ.

آدم .. ليه؟

جابر .. لأنك لما تعرف... مش هتقدر ترجع زي الأول.

آدم .. أنا أصلًا مش زي الأول.

ثم أشار للخاتم.

آدم .. عايز أعرف أبويا.

وأشار للصورة.

آدم .. عايز أعرف أمي.

وأشار للجين.

آدم .. وعايز أعرف هي كانت إيه بالنسبة لهم.

ثم نظر لجابر.

آدم .. وعايز أعرف إنت كنت بتعمل إيه في الليلة دي.

جابر لم يجب.

فجأة...

خبط.

الصوت جه من فوق.

الجميع رفع رأسه.

خبط تاني.

خبط... خبط.

ناجي وضع يده على سلاحه.

ناجي .. مين هناك؟

ولا رد.

سالم بص ناحية السقف.

سالم .. هو لسه هنا.

رائد .. مين؟

سالم .. اللي كان بيسمعنا.

آدم .. يعني حد كان واقف فوق؟

سالم .. أيوه.

رائد ابتسم.

رائد .. كنت مستنيه.

جابر .. متتحركش.

رائد .. ليه؟

جابر .. لأنك لو طلعت... ممكن ما تنزلش.

رائد .. وأنا من إمتى بخاف؟

جابر .. من يوم ما فقدت أبوك.

رائد سكت.

لكن قبل ما يتحرك...

وقع شيء من بين ألواح السقف.

ظرف قديم.

وقع قدام آدم.

انحنى والتقطه.

كان مكتوب عليه:

آدم.

وتحت الاسم:

"لو وصلت للورقة دي... يبقى جابر فشل يحميك."

آدم بص لجابر.

ثم فتح الظرف.

طلع ورقة واحدة.

قرأ أول سطر.

وجهه اتغير.

رائد .. إيه المكتوب؟

آدم ما ردش.

جابر .. آدم...

آدم رفع عينه له.

آدم .. إنت كنت عارف؟

جابر سكت.

آدم .. كنت عارف إن أبويا ما ماتش؟

جابر لم يرد.

آدم .. ولا كنت عارف إنه اختفى؟

صمت.

آدم قرب منه.

آدم .. ولا إنت اللي خليته يختفي؟

جابر أخذ نفسًا طويلًا.

ثم قال بصوت منخفض:

جابر .. أبوك...

سكت.

آدم .. اتكلم.

جابر رفع عينه.

وفي عينه وجع عشرين سنة.

جابر .. أبوك أنا شفته حي.

آدم .. وبعدها؟

جابر .. حصلت حاجة.

آدم .. إيه؟

جابر .. دخل ناس.

آدم .. مين؟

جابر .. ما أعرفش كلهم.

آدم .. وأبويا؟

جابر سكت.

آدم .. فين أبويا؟

جابر .. خرج من الطاحونة.

آدم .. مع مين؟

جابر .. معايا.

آدم اتصدم.

آدم .. معاك؟

جابر .. أيوه.

آدم .. وراح فين؟

جابر نزل عينه.

آدم .. جابر!

جابر رفع عينه.

وقال:

جابر .. أنا اللي سلّمته.

آدم اتراجع خطوة.

آدم .. سلّمته لمين؟

جابر ما ردش.

آدم .. لمين يا جابر؟

رائد اقترب ببطء.

سالم وقف مكانه.

ناجي بص لجابر كأنه لأول مرة يشوفه.

أما لجين...

فكانت بتبص للورقة اللي في إيد آدم.

وفجأة قالت بصوت مرتعش:

لجين .. الاسم...

آدم بص لها.

لجين .. الاسم اللي في الورقة...

آدم .. إيه؟

لجين قربت خطوة.

وعينيها اتعلقت بأول سطر.

لجين .. أنا شفته قبل كده.

رائد التفت لها بسرعة.

رائد .. فين؟

لجين حطت إيدها على قلبها.

لجين .. في الصورة القديمة.

سالم اتغيرت ملامحه.

جابر همس:

جابر .. يا ساتر...

آدم بص للورقة مرة تانية.

ثم رفع عينه ناحية جابر.

آدم .. إنت ما سلّمتش أبويا لحد غريب...

جابر سكت.

آدم .. إنت سلّمته لحد من النجع.

رائد اقترب.

رائد .. لمين يا جابر؟

جابر ما ردش.

آدم .. لمين؟

جابر أخيرًا رفع عينه.

لكن قبل ما ينطق...

جاء صوت الرجل العجوز من خلف الباب:

الصوت .. لو عايز تعرف أبوك مين... متسألش عن اسمه الأول.

الكل بص ناحية الباب.

الصوت أكمل:

الصوت .. اسألوا الأول... مين اللي غيّر اسمه.

ثم ساد الصمت.

وبعد ثوانٍ...

جاءت الجملة التي جعلت وجه سالم ينهار:

الصوت .. لأن الراجل اللي بتدوروا عليه... مات باسم واحد، وعاش باسم تاني.

رائد بص لسالم.

سالم لم يتحرك.

آدم قبض على الورقة.

آدم .. يعني أبويا ممكن يكون عايش؟

سالم لم يجب.

آدم .. رد!

لكن قبل ما حد يرد...

انطفأت الشمعة.

وغرق المكان كله في الظلام.

ثم جاء صوت واحد من آخر الطاحونة:

الصوت .. أبو آدم مش أول اسم اتدفن هنا...

وسكت لحظة.

الصوت .. ولا آدم هو أول طفل اتولد من الحكاية دي.

صرخة لجين خرجت:

لجين .. يعني إيه؟!

ولا رد.

وفجأة...

اشتعلت نار صغيرة عند طرف الغرفة.

ظهرت لثوانٍ صورة الرجل الممزقة التي كانت في يد رائد.

لكن هذه المرة...

كان خلف الصورة اسم مكتوب.

اسم واحد فقط.

ولما آدم شافه...

اتغيرت ملامحه.

وبص لجابر.

آدم .. الاسم ده...

جابر أغلق عينيه.

آدم .. إنت قلتلي طول عمري إن الراجل ده مات.

جابر فتح عينه ببطء.

آدم .. لكن الورقة بتقول إنه...

وتوقّف.

لأن رائد خطف الورقة من إيده.

رائد قرأها.

ثم رفع عينه لسالم.

رائد .. إنت كنت عارف.

سالم لم يرد.

رائد .. طول السنين دي... كنت عارف.

سالم .. رائد...

رائد صرخ:

رائد .. أبويا كان عايش؟!

الصمت انفجر في الطاحونة.

وجابر لم يجد هذه المرة مكانًا يهرب إليه.

لأن السر الذي دُفن عشرين سنة...

بدأ يحفر قبره بنفسه.

تعليقات