رواية كبيرهم الفصل الخامس
بسم الحق بسم الملك بسم الفتاح
بسم الله صاحب التسعة والتسعون اسم
«الراجل اللي اتسلّم... والاسم اللي اتغير... والطفلين اللي كانوا سبب الحرب»
"أبويا كان عايش؟!"
صرخة رائد خرجت من أعماق سنين كاملة.
سنين من الغضب.
سنين من الانتظار.
سنين وهو فاكر إن أبوه مات، وإن عيلة النجار كانت السبب.
لكن سالم...
ما ردش.
فضل واقف مكانه.
وشه ساكت...
لكن عينه قالت كل حاجة.
رائد قرب منه.
رائد .. رد عليا يا أبويا.
سالم .. رائد...
رائد .. لا.
صوته كان بيرتعش.
رائد .. متقوليش اسمي وتسكت.
قرب أكتر.
رائد .. إنت كنت عارف إن أبويا كان عايش؟
سالم رفع عينه له.
سالم .. كنت عارف إن فيه احتمال.
رائد ضحك ضحكة موجوعة.
رائد .. احتمال؟
ثم ضرب إيده على صدره.
رائد .. أنا عشت عشرين سنة وأنا بدور على قبره!
سالم .. كنت بحاول أحميك.
رائد .. تاني؟
سالم سكت.
رائد .. كل ما أسألك تقول "بحميك".
ثم أشار لجابر.
رائد .. وهو يقول "بحمي آدم".
وبص لآدم.
رائد .. وإنت تقول "أنا عايز الحقيقة".
ضحك بمرارة.
رائد .. أهو الحقيقة واقفة قدامنا.
ثم رجع لسالم.
رائد .. أبويا كان عايش.
سالم .. وقتها.
رائد اتجمد.
رائد .. يعني إيه "وقتها"؟
سالم لم يرد.
رائد .. مات بعدين؟
سالم .. ما أعرفش.
رائد .. إنت ما تعرفش؟
سالم .. آخر حاجة وصلتني عنه... إنه خرج من هنا.
رائد .. خرج فين؟
سالم .. معرفش.
رائد .. مع مين؟
سالم سكت.
رائد قرب منه حتى أصبح وجهه أمام وجهه.
رائد .. مع جابر؟
سالم لم يجب.
رائد لف ناحية جابر.
رائد .. إنت.
جابر رفع عينه.
رائد .. إنت كنت آخر واحد معاه.
جابر .. أيوه.
رائد .. يبقى إنت تعرف.
جابر .. أعرف جزء.
رائد .. الجزء اللي يخليني أكرهك؟
جابر .. والجزء اللي لو عرفته كامل... يمكن تكره نفسك.
رائد سكت.
أما آدم...
فكان واقف وسطهم كأنه مش قادر يصدق إن حياته اتقلبت في ليلة واحدة.
آدم .. أنا مش فاهم.
ولا واحد رد.
آدم بص لجابر.
آدم .. من البداية.
ثم أشار لسالم.
آدم .. إنت بتقول أبويا كان حي.
وأشار لرائد.
آدم .. وإنت بتقول إنك كنت بتدور على أبوك.
ثم لجابر.
آدم .. وإنت بتقول إنك سلّمته.
آدم .. طب مين الراجل اللي سلّمته؟
جابر سكت.
آدم .. ومين اللي استلمه؟
جابر .. مش هقدر أقول.
آدم .. ليه؟
جابر .. لأن الاسم ده لو خرج من الطاحونة... مش هيقف عندنا.
آدم .. هيعمل إيه؟
جابر .. هيقلب النجع.
ناجي تدخل.
ناجي .. جابر، لازم تقول.
جابر بص له.
ناجي .. إحنا مش عيال صغيرة.
جابر .. وأنا عارف.
ناجي .. وأنا طول عمري واقف جنبك.
جابر .. وعشان كده مش عايز أدفنك معايا.
ناجي اتصدم.
ناجي .. تدفني؟
جابر .. السر ده دفن ناس قبلك.
آدم .. وأنا؟
جابر بص له.
آدم .. أنا ليه اتدفنت معاهم وأنا لسه عايش؟
جابر لم يرد.
آدم قرب.
آدم .. أنا مش عايز حماية تاني.
جابر .. الحماية هي اللي خلتك عايش.
آدم .. ولو كانت الحماية دي خلتني أعيش بكذبة؟
جابر .. الكذبة أهون من القبر.
آدم .. مش دايمًا.
سكت جابر.
آدم .. ساعات الحقيقة، حتى لو وجعت... أرحم من إن الواحد يعيش عمره مش عارف هو مين.
سالم بص لآدم.
سالم .. عشان كده لازم تعرف جزء من اللي حصل.
جابر .. سالم...
سالم .. المرة دي مش هسكت.
ثم جلس على الصندوق القديم.
وأشار لآدم.
سالم .. اقعد.
آدم لم يتحرك.
سالم .. اللي هقوله مش هيقولك اسم أبوك.
آدم .. ليه؟
سالم .. لأن اسم أبوك مش مجرد اسم.
آدم .. أمال إيه؟
سالم .. مفتاح.
آدم .. مفتاح لإيه؟
سالم .. لحكاية بدأت قبل ما تولد.
آدم سكت.
سالم بدأ يحكي:
سالم .. في الليلة دي... ليلى وصلت الطاحونة وهي شايلة ورقة.
كانت بتجري.
وكان نفسها مقطوع.
وكان معاها طفل في حضنها...
وطفلة ماسكة في هدومها.
آدم بص للجين.
لجين نزلت عينيها.
سالم .. كانت بتقول جملة واحدة.
آدم .. إيه؟
سالم .. "لازم أوصلهم لجابر."
جابر غمض عينه.
آدم .. ليه لجابر؟
سالم .. لأنها كانت واثقة إن جابر الوحيد اللي يقدر يخفيكم.
آدم .. أنا ولجين؟
سالم .. أيوه.
لجين رفعت عينيها.
لجين .. ليه؟
سالم بص لها.
سالم .. لأنهم كانوا بيدوروا عليكم.
لجين .. مين؟
سالم .. ناس كانت شايفة إن وجودكم خطر.
لجين .. علي مين؟
سالم .. على ناس كتير.
رائد قاطع:
رائد .. وإيه اللي كان في الورقة؟
سالم .. أسماء.
رائد .. دي عرفناها.
سالم .. لكن مش الأسماء اللي فاكرينها.
رائد .. أمال؟
سالم .. كان جنب كل اسم... رقم.
آدم عقد حاجبيه.
آدم .. رقم؟
سالم .. أيوه.
رائد .. يعني إيه؟
سالم .. ما عرفتش وقتها.
جابر .. أنا عرفت.
الكل بص له.
آدم .. عرفت إيه؟
جابر .. إن الأرقام دي مش أسماء ناس.
آدم .. أمال؟
جابر .. ترتيب.
آدم .. ترتيب إيه؟
جابر سكت.
رائد قال:
رائد .. أطفال.
جابر رفع عينه له.
رائد .. صح؟
جابر لم يجب.
رائد .. كانوا بيرقموا الأطفال.
لجين شهقت.
لجين .. ليه؟
سالم .. عشان يختفوا.
آدم .. مين؟
سالم .. اللي كان بيعمل كل ده.
آدم .. مين هو؟
جابر .. لسه مش وقته.
آدم انفجر:
آدم .. إنتوا هتفضلوا تقولوا "مش وقته" لحد إمتى؟!
ضرب بيده على الطاولة.
آدم .. أنا عايز اسم!
جابر .. الاسم اللي بندور عليه مش في النجع.
آدم .. أمال فين؟
جابر .. في حد عاش وسطنا... من غير ما نعرف حقيقته.
رائد .. يعني واحد من أهل النجع؟
جابر .. أيوه.
ناجي .. مستحيل.
جابر .. للأسف... مش مستحيل.
رائد .. وإنت عارفه؟
جابر .. كنت أعرف اسمه القديم.
آدم .. والاسم الجديد؟
جابر سكت.
رائد .. اتغير هو كمان؟
جابر .. أيوه.
رائد ضحك.
رائد .. بقى حتى الأسماء بقت بتتبدل.
ثم نظر لآدم.
رائد .. عارف إيه أسوأ حاجة؟
آدم .. إيه؟
رائد .. إن أبوك ممكن يكون عاش طول السنين دي قدام عينيك... وإنت ما تعرفوش.
الجملة وقعت على آدم كالصاعقة.
آدم .. قصدك إيه؟
رائد .. قصدي إن الراجل اللي بتدور عليه... ممكن يكون قريب أكتر مما تتخيل.
جابر .. رائد!
رائد .. أنا ما قلتش اسمه.
جابر .. لكنك بتلعب بالنار.
رائد .. وأنا طول عمري عايش فيها.
لجين كانت ساكتة.
لكن عينيها كانت على الصورة القديمة.
اقتربت منها.
لجين .. الصورة دي...
رائد .. مالها؟
لجين .. أنا فاكرة حاجة.
الجميع بص لها.
لجين حطت إيدها على رأسها.
لجين .. وأنا صغيرة...
سالم .. فاكرة إيه؟
لجين .. صوت.
آدم .. صوت مين؟
لجين .. راجل.
رائد اقترب.
رائد .. قال إيه؟
لجين أغمضت عينيها.
لجين .. كان بيقول لليلى...
سكتت.
رائد .. كملي.
لجين .. "خدي الولد... وسيبي البنت."
جابر انتفض.
جابر .. مستحيل.
آدم بص له.
آدم .. إنت تعرف الجملة دي؟
جابر لم يرد.
آدم .. جابر؟
جابر .. أيوه.
آدم .. مين قالها؟
جابر سكت.
رائد .. مين؟
جابر .. الراجل اللي دخل الطاحونة.
سالم .. فايز؟
جابر .. أيوه.
رائد .. وده كان عايز آدم؟
جابر .. لأ.
الجميع اتصدم.
آدم .. أمال كان عايز مين؟
جابر بص للجين.
لجين بدأت تبكي.
جابر .. كان عايزها هي.
لجين رجعت خطوة.
لجين .. أنا؟
جابر .. أيوه.
آدم وقف أمامها.
آدم .. ليه؟
جابر .. لأن ليلى كانت عارفة إنهم لو أخدوها... مش هترجع.
لجين .. وأنا كنت إيه بالنسبة لهم؟
جابر سكت.
لجين .. قول!
جابر .. ما أعرفش.
رائد .. كداب.
جابر بص له.
رائد .. إنت عارف.
جابر .. قلت ما أعرفش.
رائد .. لكنك عارف ليه ليلى حمتها.
جابر سكت.
رائد قرب.
رائد .. وعارف مين أبوها.
لجين شهقت.
آدم بص لرائد.
آدم .. إنت تعرف؟
رائد .. أعرف جزء.
لجين .. أبويا مين؟
رائد سكت.
لجين .. رائد!
رائد .. مش دلوقتي.
لجين .. إنت قلتلي إنك مش عمي.
رائد .. أيوه.
لجين .. يبقى مين أنا؟
رائد بص لها طويلًا.
ثم قال:
رائد .. إنتِ مش البنت اللي أنا لقيتها بالصدفة.
لجين دموعها نزلت.
رائد .. أنا أخدتك من الطاحونة في نفس الليلة.
آدم .. إنت كنت هناك؟
رائد .. أيوه.
آدم .. وإنت طفل.
رائد .. كنت صغير... لكن كنت هناك.
سالم .. رائد، كفاية.
رائد .. لأ.
ثم نظر للجين.
رائد .. أنا أخدتك لأن أبوكي طلب مني.
لجين شهقت.
لجين .. أبويا؟
رائد .. أيوه.
لجين .. أبويا كان عايش؟
رائد .. وقتها.
لجين .. وبعدها؟
رائد سكت.
لجين .. مات؟
رائد .. معرفش.
آدم بص له.
آدم .. نفس الحكاية.
رائد .. لأن نفس الليلة أخدت أكتر من حياة.
جابر قال بصوت منخفض:
جابر .. وكان لازم حد يدفع الثمن.
آدم .. مين؟
جابر .. ليلى.
سكت الجميع.
آدم قرب من جابر.
آدم .. أمي ماتت عشاننا؟
جابر .. أيوه.
آدم .. وإنت كنت آخر واحد شافها؟
جابر .. أيوه.
آدم .. وأبويا كان حي؟
جابر .. أيوه.
آدم .. وبعدين سلّمته؟
جابر .. أيوه.
آدم .. لمين؟
جابر أخيرًا رفع عينه.
لكن قبل ما يتكلم...
جاء صوت من خارج الطاحونة:
الصوت .. جابر ما سلّموش للراجل اللي فاكرينه.
الجميع التفت.
ناجي .. مين هناك؟
الصوت لم يجب.
آدم اتجه ناحية الباب.
جابر مسكه.
آدم .. سيبني.
جابر .. لأ.
آدم .. إنت خبيت عني عشرين سنة.
جابر .. عشان أحميك.
آدم .. المرة دي أنا اللي هحمي نفسي.
ثم أبعد يده.
خرج آدم خطوتين.
وفجأة...
سقط حجر من أعلى السور.
وتحته ورقة صغيرة.
آدم انحنى وأخذها.
فتحها.
كان مكتوبًا:
"جابر لم يخن أباك..."
آدم قرأ السطر الثاني.
فتغير وجهه.
"جابر اختار أي واحد منهم يعيش... وأي واحد منهم يختفي."
آدم رفع عينه ببطء.
بص لجابر.
آدم .. أي واحد؟
جابر لم يرد.
آدم .. اخترت بين مين ومين؟
سالم غمض عينه.
رائد ثبت نظره على جابر.
أما لجين...
فكانت بتبص للورقة كأنها بدأت تفتكر شيئًا قديمًا.
لجين .. أنا فاكرة.
رائد .. فاكرة إيه؟
لجين .. ليلة الطاحونة.
آدم .. إيه اللي حصل؟
لجين حطت إيدها على رأسها.
لجين .. ليلى كانت بتجري.
رائد .. أيوه.
لجين .. وكانت بتعيط.
سالم .. أيوه.
لجين .. وبعدين...
سكتت.
آدم .. وبعدين؟
لجين بصت لجابر.
لجين .. جابر دخل.
جابر تجمد.
لجين .. وكان شايل طفل.
آدم اتنفس بصعوبة.
لجين .. بس...
رائد .. بس إيه؟
لجين بدأت تبكي.
لجين .. الطفل اللي كان في إيده...
سكتت لحظة.
ثم قالت:
لجين .. ما كانش آدم.
الطاحونة كلها سكتت.
آدم بص لجابر.
جابر لم يتحرك.
رائد بص لسالم.
وسالم نزل عينه.
آدم .. لو أنا ما كنتش الطفل اللي جابر أخده...
قرب من جابر.
آدم .. يبقى مين الطفل اللي أخدته؟
جابر أغلق عينيه.
ثم قال بصوت خافت:
جابر .. الطفل اللي أخدته...
فتح عينه.
جابر .. هو أول سبب في كل اللي حصل.
رائد .. مين؟
جابر لم يجب.
لكن من خارج الطاحونة...
جاء نفس الصوت العجوز:
الصوت .. مش مين...
سكت لحظة.
الصوت .. السؤال الحقيقي: الطفل ده... كان ابن مين؟
ثم انطفأت آخر شعلة.
وساد الظلام.
وفي قلب الظلام...
سمع آدم صوتًا قريبًا جدًا من أذنه:
"أبوك مش هو الراجل اللي بتدور عليه..."
آدم لف بسرعة.
مفيش حد.
لكن على الأرض قدام رجليه...
كان فيه خاتم فضة تاني.
نفس العلامة.
لكن محفور من جوه حرف واحد فقط...
"ل".
آدم حمل الخاتم.
وبص لجابر.
آدم .. الحرف ده بتاع مين؟
جابر ما ردش.
رائد بص للخاتم...
ولأول مرة ظهر الخوف الحقيقي في عينه.
رائد .. ارمي الخاتم يا آدم.
آدم .. ليه؟
رائد .. لأن لو لبسته...
هتفتح باب محدش قدر يقفله من عشرين سنة.
آدم شد قبضته على الخاتم.
وقال:
آدم .. يبقى أنا هفتحه.
