رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الرابع والخمسون 54 والاخير بقلم ميفو السلطان


 رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الرابع والخمسون والاخير 

كان عامر هاما مع ملوك في عالمهم الخاص علي وشك ان تكون زوجته  ليعم الصراخ أرجاء القصر المظلم فجاه لينتفضا من خلوتهما  وفزع الزوجين  وهبوا  مذعورين على صوت صرخات فؤاده المدوية التي تشق الليلة.

كانت صرخات نواح متتاليه كان حنجرتها شقت من مكانها .خرجو جميعا الردهه ليقابلهم عمار ومليكه هنا تلفت الكل برعب فصرخ عمار....... امي بتصوت فين ده .

صرخ عامر بلهفه وهو يعدو ... من جناح جدي.

واندفعو جميعا الي جناح الجد .دخلوا الغرفة ليجدوا الجد واقعاً بلا حراك على فراشه قاطع النفس وساكناً سكون الموت. وفؤاده تحركه يمينا ويسارا وتصرخ وتلطم علي وجهها .

وقفت ملوك مكانها وكأن قلبها هو من سقط على الأرض وتهشم وبأقدام ترتجف وذعر يكاد يفقدها عقلها اندفعت لتقفز عالفراش وتوسطته لتكشف عليه. وضعت كفها على صدره فوقف قلبها عن النبض تماماً فلم تشعر بأي نبض ولم تجد سوى برد يغزو جسده فقد فارق الجد الحياه .

شهقت بصرخة مرعبة تشعر معها أنها دخلت أبواب الجحيم مرة واحدة و بلا مقدمات قفزت  عليه بهياج جنوني وبدأت تضغط بقوة على صدره بيديها الاثنتين وهي تقوم بعمل إنعاش قلبي رئوي وسط دموعها المتحجره بداخل عيونها تصرخ بجنون وانهيار تام.....
لا..... لا هتعيش لا والنبي لا لا ...جدي ارجع بالله عليك لا ما تسيبنيش لوحدي لا يا جدي بالله عليك رايح فين يا جدي ابوس إيدك لا.

ظلت تسعفه بهياج هستيري تضغط علي قلبه تاره وتدلكه تاره  وعامر يقف خلفها مذهولا متجمداً من هول هياجها كانت كالممسوسه تتصرف بجنون وخوفها الذي فاق كل حدود حتى كأن حزنه هو لا يمثل ربع ذعرها. استوعب الصدمة ولاحظ ذعرها وتصرفاتها المرتعشه فصرخ بصوت رجولي مهتز....
ملللللللك.. اهدي.

ثم اندفع بسرعة البرق الي جده يبعدها نظر لعمار صارخا  .....
هات العربية بسرعه حالا وجهزها أنا هشيلو انزلو  يلاااا.

لكن ملوك لم تكن تسمع أحدا كانت تضرب بيديها على صدر الجد باستماتة وانهيار وهي تستجدي عمره ان يبقي معها ان لا يتركها للضياع .....
قوم يا جدي قوم أنا كدة هضيع قوم ما تسيبنيش إنت الوحيد اللي ليّا وفاضل لي في الدنيا دي كلها. قوم يا جدي هضيع والله لا لا انا مرعوبه قوم .

اندفع عامر وشدها بعيداً عن الفراش بصعوبة بالغة وهي تقاوم وتصرخ ثم حمل الجد بين ذراعيه وركض به خارج الغرفة.

أما هي فتراجعت بذعر كانها تري اشباحا وخيالات لتتعثر وتسقط ارضا بذعر فانكمشت على نفسها في ركن الغرفة برعب أعمق من الموت تشعر بخطوات جهنم تقترب منها لتلتهمها حية. لم تكن مذعوره فقط على السند الوحيد بل كانت تستوعب بفزع مهلك أن السر الأعظم الذي يحفظ سترها وحياتها قد دفن للتو في قلب ذلك الرجل وأن ضياعه يعني ضياعها الأبدي. فالعارف الوحيد بحقيقتها وبراءتها رحل قبل أن يخبر عامر بالحقائق التي تقيها شر ظنونه وتخيلاته البشعه التي ستنهال عليها . العارف والسند الذي كان سيردع حبيبها عن اي تهور رحل .كأن الدنيا عادت لتلطمها بقسوه تقف بذعر تتخيل وتنتظر سلم الموت . لتهب بهياج وتندفع للاسفل تلحقهم .

وصلوا إلى المستشفى في حالة من الفوضى العارمة وتجمعت العائلة وكبار العائلة  بأكملها والكل في حالة من الذهول والذعر دخلوا به إلى الطوارئ واندفع الأطباء ليخطفوه من بين أيديهم. في تلك اللحظة  اندفعت ملوك نحو أدهم  تتشبث بردائه بجنون.....
أنا هدخل معاك دخلني معاك أرجوك.

كانت تشعر وكأنها فقدت صوابها أو أن جنة كاملة تنهار أمام عينيها وهي تحارب من أجل إنقاذه وكأنها تحارب لإنقاذ روحها هي من الضياع. 

حاول الأطباء إبعادها فاندفعت خلفهم محاولة اللحاق بهم حتى مسكها عامر من ذراعيها بقوة محاولاً تهدئتها....
اهدي يا حبيبي اهدي هيكون كويس.

كانت ترتجف كعصفور مذبوح عيناها زائغتان......
هو.. هو هيعيش صح هيعيش يا عامر. قولي إنه هيعيش ماينفعش يروح ماينفعش. أنا..... أنا هروح أشرف مع أدهم أنا هعرف أنا شاطرة أنا بعرف في الطب. أنا زي الدكاترة هروح هنقذه آه هنقذه هيقوم وهيبقى زي الفل ايوه هو قالي انا معمر اطمني. هو ماينفعش يسيبني لوحدي . لوحدي انا هبقي لوحدي تاني .

وفجأة توقفت عن الهذيان لتسهم قليلا  ونظرت إلى عامر برهبة وخوف غير مبرر ثم انكمشت بعيدا عنه بذعر وكأنه خطر يهددها. كان عامر لم يعد مصدر امان .

اقترب منها عامر بقلب يتقطع من محياها المرتعب ....
حبيبي مالك يا ملك فيه إيه.

ظلت تتلفت حولها بذعر أنفاسها متسارعة تتراجع جاحظه العينين ....
ملك ...ملك ....انا ..أنا خايفة.. أنا خايفة. انا خايفه اهوه جاي السلم جاي انا خايفه لا لا مش هقعد هناك لا لا .لا مش هقعد تاني لا مش هبقي لوحدي لا السلم لا السلم لا .

اندفع عامر واحتضنها بقوة لكنها لم تتحمل كل هذا الضغط النفسي وفجأة ارتخت أعصابها وسقطت مغشياً عليها بين يديه. ارتعب عامر حملها بين ذراعيه بجنون ونقلها إلى حجرة خاصة وهو يصرخ.....
ملك فيه ايه  حد يجي يشوفها.

اندفعت الممرضات اليه وحضر الطبيب وباشر في الكشف عليها وسط زعر عامر من حالتها الغريبه .

بعد دقائق وصلت مليكة مرعوبة تلهث.....
جدو فين هو كويس.

ضمها عمار بصدره المثقل بالهموم ونبره خوف .....
لسه ما نعرفش حاجة يا مليكة لسه. خدوه ربنا يستر 

تلفتت مليكة حولها بلهفة تبحث عن ملوك فصرخت بلهفه ....
أختي فين أختي ملوك فين؟

تنهد عمار بوجع...
اهدي يا حبيبي هيا بس تعبانة شوية.

صرخت مليكة بذعر :
مالها قولي مالها؟

طلبت مليكة رؤية أختها فأخذها عمار إلى الغرفة حيث كانت ملوك غائبة عن الوعي فاندفعت نحوها برعب تمسك يدها ....
إيه مالها يا عامر؟

أجابها بنبره خوف وبقلة حيلة ......
ما أعرفش قعدت تصرخ انا خايفه وماعرفش فيه ايه  وجعت فجأة. ماعرفش جرالها ايه بس انا جلبي واجعني حاسس ان بيها حاجه  .

انكمشت مليكه وجلست بجانبها تحتضنها تعلم جيدا ما باختها جلست تشعر بالذعر فاختها فقدت قوتها فكيف تفعل هيا .

وفي هذه اللحظة نادى الممرضون على الرجال لمراجعة الطبيب فخرج عامر وعمار وترك مليكة بجانب أختها. فجأة بدأت ملوك تستعيد وعيها فتحت عينيها لتجد مليكة أمامها فانتفضت بذعر....
مات هو مات يا مليكة؟

ضمتها مليكة بقوه وهمست بلين ....
اهدي لسه لسه كويس ادعي له.

جلست ملوك في فراشها قلبها ممزق اشلاء  وهي تلطم خدها بهستيريا......
يا مصيبتي السودة أروح فين وأعمل إيه أنا هموت لو جراله حاجة. مين هيقف جنبي من بعده. مين هيقول لعامر الحقيقة. أنا خايفة مرعوبة قلبي هيقف يا مليكة. يا مصيبتي يا مصيبتي  إيه ده اللي انا فيه .مكتوب عليا القهر  مكتوب عليا ما أعيش يوم في أمان. الجحيم بيطاردني في كل حتة. عارفه  لو مات جدي سعفان  أنا ضعت. عامر هيعرف كل حاجة وهيدبحني هيدبحني بأيده اللي اللي كانت بتضمني وتطمني  . ماهيصدقش حاجه اه عامر مش هيصدق كان بيقولي مابسامحش بالكذب يا مصيبتي يا مصيبتي انا كدبت اه كدابه بس غصب عني  .

مسكت صدرها كانه سينفجر منها .....انا هموت اروح فين يا ريتني قولت يا جدي من الاول قبل ماحبه ماكنتش هنقهر . يا ريتني قولت قلبي بيتقطع اتكتب عليا اضيع عمري كله اتكتب عليا ابقي لوحدي ماهو هيعتبرني خاينه وكدابه .طب ايه اعمل ايه .يا رب أنا خايفة يقتلني قبل ما يرحمني. يا رب لا حرام  السكينة محطوطة على رقبتي وأنا مش قادرة أتنفس. يا رب انا بحبه دانا مالحقتش اقولو بحبك ايه هيبعدني اه ما جدي مش موجود يا مصيبتي يانا اعمل ايه سلم ابوكي شايفاه والله شايفاه .

ضمّتها مليكة بقوة إلى صدرها وهي تحاول تهدئتها وتخفيف رعبها....
اهدي يا ملوك إن شاء الله هيقوم بالسلامة وهما بيحبونا ومش هيعملوا حاجة أمال إيه بقا لازمة الحب؟

نظرت إليها ملوك بدموع تملأ عينيها وقالت بصوت يقطر ألماً متذكره  وجع السنين....
حب إيه يا مليكة أبوكِ كان بيحب أمك وسابها عادي جداً. الحب ممكن يتحول لكابوس يقتل صاحبه. أنا قلبي دلوقتي جواه سكاكين. خايفة خايفة يضيع مني أو يبعد ساعتها أنا أموت بجد أنا سلمت قلبي ليه خلاص اعتبرته بتاعي أنا وبس. بقي زيك وزي عمر ماينفعش يخرج بره دايرتي والا اموت فيها . قلبي ما يتحملش أرجع تاني ميتة زي الجثة مش هتحمل والله انا اتحملت كتير الا انه يبعد اموت ولا يبعد دابقي روحي  . أنا ما كنتش بخاف عشان مابحسش . أنا دوقت الحب يا مليكة وبقيت أحس. زمان ما كنتش بعرف أحس بأي حاجة عشان أعرف أعيش وسطكو وليكو  وكان لازم أدفن مشاعري وأقتل قلبي عشان اي حد يوجعني ماحسش . بس هو رجعلي نفسي وحياها تاني.. وأنا.. أنا ما أعرفش أرجع لجهنم اللي كنت فيها ما أعرفش هموت. ماعرفش ارجع ميته الموت صعب وانا دلوقتي نفسي افضل قلبي بيدق قلبي حاساه عايش بعامر.ارجع ازاي دانا دقت علي ايده اول مشاعر ليا .رجعت بنت ستاشر تاني ولقيت مشاعري بتتحرك زي العيله الصغيره .عشقته والله عشقته بس بس  عامر صعب انا خايفه قالي مابحبش الكدب ليه يا جدي ليه انا هيرميني مين هيقفله يا مصيبتي انا ضعت لا انا مت .

حضنتها مليكة بحنان تمسد عليها بلين تقبل راسها .....
بطلي كلام السوء ده والله. أنا واثقة فيهم مش بعد اللي عشناه هنرجع نتوجع تاني ثقي بربنا شوية.

نظرت ملوك إليها وأغمضت عيونها بقوة كأنها تناجي السماء:
يا رب.. يا رب اقف جنبي ما ترجعنيش تاني لوحدي مش عايزه أبقى لوحدي تاني  أبدا يا رب انا عشت سواد ماستحقش ده انا بحبو وهموت عليه يا رب نولهالي اقولو وابقي معاه يفضل حبيبي وراجلي.يا رب انت عارف انا مريت بايه مش هتحمل رميه السلم سلم عامر موت .لا لا لا والله لا  ماينفعش لا مش متخيله الموته هتبقي دبح حي.يا رب خليهولي احفظلي قلبه وحبه انا غلبانه من حقي اتحب واعيش معاه و افرح . يا رب اهديهولي دا روحي من جوا اقولها طيب اقولها واحس بيها وخدني بعدها اهو هبقي مت انا اموت ولا يسيبني يا رب احفظلي قلبه من كبره يا رب يا رب ماليش غيرك .اااه يا امي اااه هموت يا رب ماليش غيرك.

احتضنتها مليكه بقوه ودموعها تتساقط بعد قليل تماسكت على روحها بصعوبة بالغة وخرجت لتجد عامر وعمار يقفون مع أدهم. اندفعت إليه بلهفة قاتلة .....
طمني يا أدهم إيه الحالة جوه ايه الحالة خطيرة كده؟

نظر إليها أدهم بأسف ووجه مجهد.....
للأسف الحالة خطيرة جداً جلطات متعددة في أماكن حساسة وتقريبا جدي كان تعبان ومخبي لو كان جال كنا لحجناه . لازم يخش عمليات فورا.

هتف عامر بنبرة محطمة .....
أعمل الصالح يا أدهم دا جدك  وأنت عارف مصلحته زين.

التفتت ملوك إلى أدهم بانهيار ورجاء.....
أنا هخش معاك دخلني أوضة العمليات أرجوك.

حاول عامر منعها بحزم....
بطلي جنان يا ملك أنتِ تعبانة ومش جادرة تصلبي طولك .

نظرت اليه بوجع  وهي تمسك بيديه برجاء قاتل....
عشان خاطري يا عامر ما تمنعنيش والله ما هعطلهم.

تنهد بقوة واستسلم لها اسرعت وارتدت ثياب التعقيم ودخلت مع أدهم إلى غرفة العمليات. كانت جراحة بارعة بالفطرة والدراسة رغم أنها كانت تخفي ذلك  وقفت تشير لأدهم بدقة مذهلة توجهه وتساعده في أدق التفاصيل وكأنها طبيبة مخضرمة رغم صغر سنها حتى تمت العملية بنجاح مستميت.

وقف أدهم مذهولا ينظر إليها بعينين متسعتين.....
ملك أنا حاسس إن فيكي حاجة مش طبيعية ولا انا غلطان  إزاي السن ده وعندك الخبرة دي كلها مش غريبة شوية دا فيه حاجات هنا إنتِ طلعتِ أشطر مني فيها بكتير.

تنهدت بتعب يكسر صوتها وهمست بحزن ...
مانا قلت لك من سن صغير وأنا بدرس التمريض مع دكاتره كبار  بس أرجوك أرجوك ما تقولش لحد عن اللي حصل جوه العمليات دي ممكن؟

هز رأسه بتعجب واحترام وشعر أنها تخبيء خلفها أسراراً تفوق العقول ولكنه احترم طلبها فادهم شخص جدير فعلا بالثقه .هتف انا هخرج اشوف عملياته الحيويه واعرف درجه الغيبوبه اخرجي ريحيى.

خرجت هيا بذعر تنتظر ادهم الي ان خرج اخيرا ووقف مع عامر ليبلغهم بالوضع......
للأسف يا عامر الجد دخل في غيبوبة عميقة جدا والله أعلم إيه اللي جاي نتمنى يتخطى ويخف بس للأسف درجة الغيبوبة كبيرة جداً ومقلقة .الاعمار بيد الله بس الجلطه كانت شديده الله اعلم هيرجع من الغيبوبه امتي  . وماقدامنا الا الدعاء والصبر .

كانت ملوك في عالم آخر انفصلت عن الواقع الوجع أصبح أكبر من أن تحمله كانت هناك نغزه تدق صدرها تقبض قلبها . مر الوقت بطيئاً كالسُم وأخذ عمار مليكة وطلب منها العودة للبيت للراحة ثم اقترب عامر من ملوك بحنان محاولاً أخذها  لكنها رفضت باستماتة.

تنهد عامر بقلب مثقل ووجع عليها وعلي منظرها ....
ما عادش ينفع تقعدي لوحدك. جدي بين إيدين ربنا والله أعلم هيفوق أمتي يوم يومين شهر سنة دي بتاعة ربنا يا ملك.

كانت تعلم فعلا ان جلوسها لا يفيد تنهدت بضعف وانكسار....
طيب هخش له بس أطمن عليه دقيقة واحدة.

دخلت الغرفة وحدها واقتربت بخطوات ميتة لتجلس بجانب الفراش ومسكت يد الجد الباردة ودموعها تلسع عيونها  كالجمر  وهي تهمس بصوت يقطع القلب من وجعه .....
انت سامعني صح يا جدي أنا بقيت لوحدي. بقيت مرعوبة من غيرك. إنت مش هتسيبني كده وتروح مش كده؟ هتصحي وتقول الحق. هتصحي وتقول لعامر إن كل اللي حصل كان غصب عني. هتفهمه الحقيقة وتنقذني قبل ما يذبحني. جدي بالله عليك ماتمشيش وتسيبني للضياع وتقضي عليّا. أنا والله ما فرحت يوم في دنيتي هو أنا ماقدرش أفرح ساعة وكل ما أقول هعيش الدنيا تكسرني بالطريقة دي؟ ليه يا جدي تسيبني وحدي؟ عامر لو عرف السر من غيرك هيخلص عليّا بايديه هيفتكر اني غفلته زي ماكنت بتقول  ومش هيحن لدموعي. هيفتكر اني خدعته وانت عارف عامر وكبرياءه قلت لو زعل هتديله بالمركوبانت فين فين . ليه يا جدي انا مرعوبه اعمل ايه هقول ازاي دانا لسه ماقولت بحبك. هقولو ايه دخلت عليك وضحكت عليك واتجوزتك خداع انت متخيل عامر هيعمل ايه. قوم يا سندي قوم ما توجعش قلبي أكتر ما هو موجوع. مين هيحوشو عني .

قبضت علي يده تان  بصوت مختنق يحمل كل مرارة الكون ووضعت رأسها قرب يده ثم قبلت يده  خرجت  من الغرفة بخطوات مترنحة كأنها تسحب معها جثمانها لا روحها والوجع ينهش صدرها بلا رحمة.

خرجت ملوك مع عامر  كأنها طيفٌ يسير بلا روح مسلوبة الإرادة مسجونة في عالمٍ خاص من الرعب والوجع الصامت. وصلا إلى البيت وجلسا قليلا يطمئنان فؤاده التي كانت في حالة انهيار. بينما ظلت ملوك صامتة لا تنطق بحرف وعيونها زائغة في الفراغ مما جعل عامر يراقبها بقلقٍ ينهش قلبه.

صعدا إلى غرفتهما دخل عامر واتجه للحمام ليعد لها ماء دافئا لعله يفك عنها هذا التجمد وحين خرج وجدها كما تركها جالسةً ساهمة تنظر إلى لا شيء. اقترب منها ببطء وجلس أمامها واحتضن كفّيها بين يديه بحنانٍ يشع خوفا عليها...
مالك يا حبيبي فيه إيه إنتِ حالتك غريبة ومن لحظة ما خرجنا وأنتِ مش معانا.

ظلت ساهمة لفترة وكأنها تعيد ترتيب فوضى روحها ثم رفعت عيونها إليه بضعفٍ وانكسار وقالت فجأة بصوتٍ ضعيف ......
عامر إنت بتحبني صح؟

استعجب عامر من سؤالها الذي حمل نبرة استنكار أو شك فمسك يدها وقبلها بعمقٍ وشوق.....
حبيبي أنا بعشجك مش بس بحبك دا سوال .

اقتربت أكثر ووضعت كفيها على وجهه ونظرت في عينيه بتركيزٍ مؤلم.....
عامر إنت مش هتتخلى عني أبداً صح؟

نظر إليها باستغراب وقلقٍ متزايد.....
فيه إيه يا حبيبي ليه كلامك ده ليه حاسس إنك خايفة؟

قامت ووقفت أمام الشباك تنظر للأفق المظلم وكأنها تبحث فيه عن مهرب. قام واتجه إليها وطوق خصرها من الخلف لكنها ظلت ساهمة. استدارت ببطء ونظرت إليه بنبرة مرتجفة....
إنت عارف إن طول عمري لوحدي أنا وأختي. حتى لما ماما ماتت ما جاتليش مرة في المنام. حاسة إن الدنيا دي كلها بتسحب مني كل اللي بحبهم.

اقترب منها أكثر وحاوطها بذراعيه.....
حبيبي انامعاكي يسحب ايه  أنتِ قلقتيني عليكي مالك؟

استدارت لتواجهه وقالت بضعف......
عامر أنا خايفة احضني.

اندفع عامر واحتضنها بقوة يعتصرها بين ذراعيه كأنه يحاول دمجها في كيانه بينما كانت هي ترتجف بعنف ورفعت يديها لتطوق خصره وتعتصره وكأنها تتشبث بآخر قشة في بحر الضياع. 

شعر عامر بذعرٍ حقيقي كان يشعر أن هناك خطرا داهماً يحيط بها فهمس بجوار أذنها.....
حبيبي أنا جنبك خايفة من إيه؟

همست بصوتٍ يملؤه اليأس.....
خايفة جدي يروح زي أمي وماحدش يجيلي وأبقى لوحدي تاني.

همس بحنانٍ مداعبا جسدها ....
وأنا فين يا جلبي أنا فين أنا هنا إنتِ بحضني ومحدش هيجدر يبعدنا عن بعض.

همست بتمسكٍ طفولي....
عامر مش عايزه أخرج من حضنك بالله عليك خليك كده.

ابتسم عامر ابتسامةً خفيفة لتخفيف التوتر....
دا يوم المني يا جلبي والله. بس يلا الأول هتاخدي شاور دافئ وبعدين تأكلي وتنامي إنتِ وشك شاحب جداً.

ردت بضعف وقهر ومسكت يده  .....
لا مش عايزه أكل ولا عايزه حاجة أنا هنام بحضنك وبس.

ظل محتضنا اياها وهيا تكلبش فيه تضع يدها علي قلبه تتمتم في سرها ادعيه تناجي ربها ان يحفظه لها. احست بنغزه مفاجاه لتكلبش في قلبه بيدها  فشعر بها نظر اليها برهبه فرفعت عيونها اليه هامسه بقهر الدنيا  .....
بتحبني صح . انت بتحبني عامر بيحب ملوك صح .

ثم قامت واحتضنته بقوه ليحتضنها ويمسد عليها هامسا ......
حبيبي مالك بس يا روحي . والله دا سؤال هزعل كده دانت روحي يمين الله اهدي كده مافيش حاجه يلا قومي الميه هيا اللي هتريحك .

حملها عامر برفقٍ وأدخلها الحمام وأنزلها على حرف البانيو...
خدي شاور الأول وأنا هنزل أجيبلك حاجة تشربيها يلا.

تركها وخرج ليحضر لها مشروبا فدخلت هي تحت المياه الساخنة التي أحست معها براحةٍ غريبة أغمضت عيونها لوهلة وبدأ الصابون يداعب جسدها ومع توالي تدفق الماء الدافئ بدأ جسدها يسترخي وتراخت أعصابها التي كانت مشدودة كأوتار القوس حتى غلبها النوم رغما عنها وهي جالسة تحت خرير الماء.

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

عاد عامر بعد قليل يطرق الباب فلم يأته رد.حس بالقلق البالغ حين تأخر صوتها فطرق الباب بخفة فلم تجبه فدفع الباب ودخل ليجدها مغمضة العينين ونائمة بعمق تحت تدفق الماء الساخن وكان الصابون يغطي جسدها ويخفيه .

اقترب بخطوات سريعة وخاف أن تغرق أو تتأذى من الماء فاتجه فورا وأحضر البرنس القطني وجلس على حرف البانيو يداعب وجنتيها برقة بالغة هامساً........
ملوكي جلبي فوجي يا حبيبي.

بدأت تفتح عيونها ببطء ووهن فابتسم لها بحنان طفولي........
جومي يا عمري يلا أنتِ نمتي تحت المية.

فانكمشت على نفسها من الخجل فابتسم يشاكسها بصوت دافئ........
واللا حابه تشوفي لهفتي عليكي وأنتِ جمر كده.

غطست بالماء حتى رقبتها بخجل وهروب وهمست بصوت مرتجف........
عامر بطل قلة أدب اخرج.

تنهد بقلب خائف وهتف معترضا بلين ........
أخاف أخرج والله بصي أنا هجف مديّكي ضهري أنتِ مش جادره حتى تصلبي طولك نزلي الصابون والبرنس أهو جنبك.

هزت رأسها باعتراض وخجل........
عامر بطل عيب اخرج.

هتف بإصرار ومشاكسة........
والله ما أنا خارج مش حبيبي عايزني أبقى بحضنه أهوه أنا بقا ببتزك لو عايزه حضني سيبيني هنا أنا خايف عليكي.

تنهدت بقلة حيلة واستدار هو للباب بظهره تماماً فقامت بخجل وتملصت من الماء أزالت الصابون بالماء المنهمر  وانهت حمامها الدافئ لكنها شعرت بدوار شديد يضرب راسها بغباوة ومدت يدها بصعوبة للبرنس وارتدته بأعجوبة وهمت أن تخرج فاستعاد الدوار قوتها وضعفت قدماها فهمست بصوت ضعيف خافت........عامر.

استدار مسرعاً ولمحها وهي تكاد تقع فاندفع واحتضنها بلهفة وخوف شديد........
جلبي مالك أنتِ وشك أصفر ليه كده  أنا جولت تعبانه  والله كويس إني ما خرجت.

حملها بين ذراعيه وخرج بها من الحمام وكان البرنس قصيراً وهي تشتعل خجلاً وجسدها مبلل بالماء وضعها على الفراش برفق وذهب ليحضر فوطة قطنية ونشف قدميها ورجليها المرتجفتين وهي مشتعلة حياءً وذعراً تلملم ثيابها .ثم اتجه لشعرها وظل ينشفه بحنان لا يصف حتى انتهى.

ذهب وأحضر كوباً من اللبن الدافئ المحلي بالعسل وأعطاه إياها ومسك يدها المرتجفة لتشربه وظل يسقيها بنفسه حتى انتهى تماماً وضع الكوب جانبا  وبدون تفكير ولا تردد اندفعت ملوك نحوه والتصقت به محتضنة إياه بقوة .

تنهد عامر مبتسماً بفرحة فهذه أول مرة تلتصق به هكذا بمثل هذا الاحتياج قبل يديها المرتجفتين وهمس بصوت عذب........
حاسه بايه فيه حاجه بتوجعك طيب اجيب حكيم .

نظرت اليه تشبع عيونها منه مدت يدها ومسكت يده واحتضنتها علي قلبها تضغط علي قلبها بيده .شعر بالقلق هم ان يشد يده ويقترب منها يكلمها فهمست بوجع ......
عامر بالله عليك سيب ايدك قلبي بس فيه وجع خلي ايدك عليه وبس .

اقترب وحاوطها بيده الاخري وضغط بكف يده علي قلبها وبدات هيا تشعر براحه وهو بلين بدا يحرك يديه حركه دائريه حنونه وهيا تتنهد تشعر بيديه تبعث فيها دفيء غريب اغمضت عيونها وبقلبها تناجي ربها .....
يا رب احفظهولي يا رب مانحرم منه يا رب يجعل يومي قبل مايسيبني خدني لو هيسيبني .

مر وقت ليهمس هو بجوار اذنها بتعومه .....
جلبي هجوم أغير هدومي بس ممكن.

فتحت عيونها ونظرت إليه بعشق دامع ........
عامر ما تتاخرش.

ابتسم بحب وقام مسرعاً أخذ حماماً سريعاً هو الآخر ولبس بيجاما بيتية مريحة.

كانت تفرك عالفراش تشعر بذعر من بعده لتنزل وتتجه للحمام تلتصق بالباب كان قربه يزيل عنها قهرها ملست عالباب هامسه .......
يا رب خلهولي يا رب انا غلبانه .

انهي عامر لبسه  وما إن خرج حتى تفاجأ بها تقف له عند باب الغرفة تنتظره فاندفعت مباشرة لحضنه .

شعر بقلق بالغ عليها فاحتضنها واقترب بها........
حبيبي فيكي إيه بس جلجتيني عليكي زيادة عن اللزوم. انت بيكي ايه .

نظرت إليه بعينين تفيضان خوفاً وعشقاً........
عامر إنت بتحبني ومش هتسيبني أبداً صح.

حملها واتجه بها إلى الفراش وجلس واجلسها بحضنه باحتواء كامل........
ممكن بقا نهدى وتجوليلي فيكي إيه مخليكِ مرعوبة كده.

نظرت إليه بعشق وغصة تذبح حلقها........
في إني ما أعرفش أعيش من غيرك فيه انك بقيت روحي فيه اني من غيرك اموت  . لو ضعت مني أموت.

ابتسم بحب واحتواء وهو يلمس خدها البارد........
وحبيبي مفكر إني في يوم هبعُد أو ماكونش معاكي . دانا يجرالي حاجة .انت ليه بتجولي كده دانا عامر حبيبك .دانا مستني اللحظة اللي تجوليلي فيها بحبك يا عامر بطلوع روحي.

سهمت هيا تماماً وتذكرت كلام الجد الأخير ووصيته عندما قال انه ينتظر اعترافها حتي يقول لعامر الحقيقه .فكلبشت فيه بوجع وتنهدت واعتصرت صدره بقوة ....
اه هقول والله هقول انا جوايا كتير وهقول كل حاجه هقولك اللي بتتمناه وهبقي زي مابتحب هقول يا عامر والله هقول .
.

ابتسم واحتضنها ......عارفه حاسس والله ومستني يا جلبي .
ظل يهدئها بكلماته الحانية ويحاوطها بذراعيه حتى نامت في حضنه وهدأت أنفاسها بينما ظل هو ساهراً يفكر بحالها المحير لا يعلم ما هذا الرعب الخفي الذي ينهش روحها من الداخل.

عند مليكه ....

دخل عمار إلى الغرفة بخطوات واسعة وما إن رأته مليكة حتى انطلقت تجري نحوه بلهفة عارمة وألقت بنفسها بين أحضانه فاحتضنها بقوة وكأنها قطة صغيرة تبحث عن الأمان بين ضلوعه وظل يربت على ظهرها بحنان طاغ حتى تنهدت بعمق واستكانا جالسين على الأريكة لتستقر هي متربعة على قدميه وتلف ذراعيها حول عنقه فهمس........
مالك يا جلبي بتترعشي من ساعه ماجينا اهدي يا جلبي كل حاجه هتبقي كويسه .

ابتعدت قليلا لتلتقي عيناه بعينيها المليئتين بالدموع والتساؤلات ونظرت إليه بعشق ممزوج بخوف خفي........
عمار أنا بحبك قوي مش مجرد بحبك وبس دانا بموت فيك.

ابتسم باتساع تذوب ملامحه شوقاً ومسك يدها يطبع عليها قبلة دافئة مطولة........
وأنا اكتر يا عمري أنا بحبك أضعاف ما تتخيلي ولو العشج بينباع لكنت اشتريت عمر تاني عشان أحبك فيه.

تنهدت بعمق وكأنها تحاول إخراج الهم  من صدرها وقالت بصوت مرتبك ........
عمار أوعى يجي يوم تزعل مني أنا لو عملت حاجة تزعلك في يوم من الأيام يبقى غصب عني ساعات الظروف بتجبرنا نمشي في طرق ما نتحملهاش.

قال بنبرة مطمئنة وابتسامة حانية وهو يمسح على شعرها........
جلبي هو أنا أجدر أزعل منك يا روحي ده أنتِ عيوني اللي بشوف بيها. عارفه يا مليكه انت نقيه جوي وبسيطه انا ماشفت نقاء زيك مش متخيل انك تعرفي تخبي حاجه او توجعي حد اصلا .

تنهدت بقوة وكأن كلماته تزيدها وجعاً وقالت........
عمار أوعى في يوم تقسي عليا ولا على أختي الغلبان.

ابتسم  باستغراب وضحكة خفيفة يكسوها الود......
أجسي على مين دأنتِ روحي. وبعدين مين اختك دي اللي بتجولي عليها غلبانه. دي لسانها يجطع البلد والبلاد المجاوره  دا جبروت  ولا أجدر أصلا أزعلها أو أجسي عليها .بس طول ما أنتِ في جلبي عمري ماهتخبط معاها تاني.

تنهدت مليكة بأسى ومرارة يولمها  سرهم المخيف ........
آه غلبانه رغم كل قوتها دي هيا  أضعف مما تتخيل يا عمار غلبانه من جوه ومكسورة من جوه زيي بالظبط.

تأملت وجهه بملامح يغلبها الانكسار والخوف الدفين ثم تابعت حديثها بصوت يقطر ألماً .......
انت مش فاهم حاجة يا عمار فاكر إن القوة اللي بتشوفها في أختي دي حقيقة دي مجرد درع ماسكه بيه نفسها عشان ما تقعش قدام حد. أختي من يوم ما فتحت عيناها على الدنيا وهي ماشية في طريق كله شوك لوحدها ما حدش طبطب عليها ولا عرفت يعني ايه أمان أو حضن دافي يلمها.

تنهدت بحرقة شديدة وعيونها تلمع بالدموع وهي تستحضر قسوة الأيام التي عاشتها اختها .......
أنت ماتعرفش يعني إيه إنسانة تعيش عمرها كله محرومة حتى من أبسط حقوقها في الفرح .الوحدة والوجع كانوا أهلها وناسها يا عمار أختي ما عاشتش حياتها لنفسها ولا لقلبها دي كرست كل سنينها عشاني وعشان تحميني وتقف صخرة قدام الدنيا كلها .قلبها ده ما عرفش طعم الحب ولا فرّح يوم . كانت وحيدة ودايماً شايلة هم الدنيا كلها على كتافها من غير ما تلاقي حتى كلمة حلوة تجبر خاطرها.

شددت على يده بقوة أكبر ودموعها تسيل على وجنتيها كأنها تسترحمه مقدماً........
عشان كدة بقولك أوعى في يوم تقسى عليها أو تخدعك قشرتها القوية دي والله العظيم أضعف مخلوق ممكن تشوفه بس بتداري خوفها وكسرتها ورا جبل من الصبر والقوه . أرجوك لو حبيتني بجد اعتبرها روحك زيي وخليها في عينك لأنها لو اتكسرت تاني مفيش قوة في الكون هتقدر تلمها وانا هضيع معاها .

ضمها عمار إلى صدره بحنان  وهمس بنبرة رجولية دافئة تملؤها الطمأنينة........
اولا انت اللي روحي مافيش روح غيرك .أنتو بعيوني إن كان أنتِ والا اختك يا جلبي. نامي بأمان وربنا ما يفرجنا أبداً. دا حبيبي عندي بالدنيا والله واختك بعيوني .

مرت الأيام ثقيلة ومرعبة وظلت ملوك مهزوزة ساهمة لا تتكلم تذهب مع عامر للمشفى بلا فائدة فالجد ضاع في غياهب الغيبوبة وترك الدنيا ولم يعد  يعِ شيئا والله وحده يعلم هل ستظل أنفاسه معلقة أم لا. 

ظلت حالتها ممزوجة بذعر وخوف عميق كل كلمة وكل حركة تجعلها تنتفض وتتخبط بينما يحاول عامر جاهدا ألا يتركها لثانية واحدة رغم عودته من اجازه القضا الصيفيه وبدا ينشغل في قضاياه.

بعد مرور فتره وفي يوم من الأيام وهما جالسون جميعاً في الهول الكبير وقف عامر  يتحدث  بجدية وحزم........
دلوقتي التوكيل إللي معايا هيديني الصلاحية أتابع شغل العيلة وطبعا عمار معايا ومعانا الاستاذ منصور دراع جدي اليمين .وجلستنا دي عشان نحط النجط عالحروف . اولا الاعمار بيد الله واللي جاي ماهنعرفهوش . وإن شاء الله أرباحكو هتتوزع بما يرضي الله كيف ماجدي كان موصي ومجسم في حاله جراله حاجه . الغيب بأيد ربنا وعشان ما يجيش حد يجول أنت اتصرفت غلط. الجد صحيح ده ماله بس برضك الأعمار بيد الله ولازم تبقي كل حاجه  على نور والا ايه يا مرت عمي حصتك بالشركة معروفة من زمن عشان عمي كان خد كل نصيبه بس انتو معاكو لسه حج صحيح صغير بس محفوظ  بتجسيمته اللي جدي جال عليها والأرباح هتتوزع بالعدل.

نظرت إليه سعدات بنظرة جادة ........هتوزعها إزاي يا ولدي؟

هتف بهدوء وثبات........علينا كلنا أنا وعامر وعمر. وطبعا ليكو نسبه يا مرت عمي  وجدي كاتب كل ده وانا هخرجلكو حصه برضك مش هسيبكو .

نظرت اليه  سعدات بدهشة ورفض قاطع........عمر عمر مين؟

رد بنبرة عادية........عمر أخوي ورثه شرعي ولازم يوصله.

هبت  سعدات من مكانها بغضب عارم وصوت عالٍ........أنت بتجول إيه هو مالوش ورث هِنا. أنت هتضيع أموالنا عشان خاطر مرتك بقه؟ هتاخد فلوسنا تديهالها .

كانت ملوك بعيدة عنهم تماما غارقة في أفكارها وذعرها لا تكاد تركز مع تفاصيل الحديث من اساسه ولا تسمعهم منفصله مع قهرها  . الا ان عامر انفعل بقوة لدفاعه عن كرامتها ........
خلي بالك من كلامك يا مرت عمي . وبعدين أنا مش هاجي ناحية فلوسكم دي أصلا وانت عارفه ان فلوسكو نجطه في بحر يعني هاخد منها ايه اصلا .دي من مالي الخاص وماحدش ليه صالح بيها والا إيه لما ينجص جنيه من مالك ابقي اتكلمي انما غير كده مايخصكيش مين ياخد . انا هدي عمر الصغير نصيبه ومعاه نصيب ملك علي بعضو  وهتبقي وصيه عليه تتحكم براحتها ولحد مالورج يتم هعملها فيزتها الخاصه تسحب براحتها وهخلي المحامي يحط النصيب وهيا تتصرف .

نظرت اليه سعدات بغضب واشتعال وانخرست ولم تنطق بحرف فليس لها مال من الاساس كله فتات .

التفت عامر نحو ملوك التي كانت ساهية وابتسم لها بحنان........حبيبي ماشي تمام موافقه ؟

نظرت إليه وملامح وجهها شاحبة ولا تفهم شيئا مما دار لا تعلم عن الورث والاتفاق من اساسه فهزت رأسها بوهن وبطء وتغيب ساهمه في وجهه تجاريه  . 

ظن انها وافقت علي التقسيمه فابتسم عامر بارتياح........
يبقي كده استقرينا على كل حاجة ونجفل عالموضوع ده نهائي.

استمرت الايام بوتيره واحده مابين المشفي والبيت وتتوالي ايام مميته وحال ملوك في الذبول والانهيار البطىء. سافر عامر لقضية مهمة وملحة استدعت غيابه لفتره وهيا لا تفارق المشفي تناجي جدها ليعود اليها وينقذها من عذابها .

في احد الايام الكاحله بعد ان نامت من كثره القهر كانت نائمة تحلم بحياتها معه شعرت بحركه عالية وفجأة استيقظت لترتعب عندما  رأت عامر القديم يظهر لها بعيونه الحادة وقسوته. عاد جبروت ابن الراوي يشعل الحجره نارا لترتعب وتصاب بالذعر  اندفع يشدها بقسوة من على السرير وهو يصرخ فيها بغضب أعمى........
إطلعي برة يا كدابة أنا تضحكي عليا انا بقيت مغفل انا يا جربوعه تتجوزيني كدب ؟

كانت تصرخ وتبكي بانهيار تتوسل اليه .......
أنا ما كدبتش والله بحبك والله ماكدبت لا لا يا عامر .

كانت تستميت في التشبث به وتمسك فيه وهو يرميها بالخارج وتصرخ........
لا.. لا أنا بحبك والله بحبك لا وماتعملش فيا كده .

شدها بكل قوة يخرجها خارج الغرفة وهي تكلبش في ملابسه بوجع........
لا مش عايزه أسيبك مش هارجع تاني ما بحسش والله لا يا عامر لا السلم لا السلم لا .

صرخ فيها بصوت كالرعد يمزق قلبها........
انا عرفت كل حاجه يا زباله جاي تعترفي لي بحبك بعد إيه أصدجك إزاي برة.. برة.

كانت تنتفض وهو يشدها لتصرخ بعلو صوتها و..

****

عاد عامر اخيرا من سفره دخل الغرفة متعبا ومهرولا من عناء السفر ومشتاقا لرؤيتها فوجدها نائمة بهدوء على الفراش. اقترب منها وطبع قبلة حانية على رأسها ثم دخل إلى الحمام ليأخذ شاور سريع لإزالة تعب الطريق.

كانت تتلوي عالسرير وتان بقهر....
السلم لا لا لا السلم لا لاااااا.

خرج علي صوتها كانت تنتفض  على الفراش وتتعرق بغزارة وتطلق أنات عالية من شدة الرعب. 

خرج عامر بسرعة من الحمام على صوت أناتها المفجعة رمى الفوطة من يده واندفع إليها بذعر شديد يحتضنها بقوة يربت على ظهرها برفق واهتزاز........
حبيبي جومي حبيبي اصحي  أنا هنا جلبي فوجي دا كابوس.

هبت مفزوعة غصب عنها وما إن فتحت عينيها ورأته أمامها حتى اندفعت بلا تفكير قامت وقفزت لتجلس على رجليه وتحتضن كتفيه بجنون. شعرت بذعر كانت ترتجف بشدة ثم تبتعد عنه فجأة لتنظر إليه برهبة وتعود ترتمي في أحضانه مرة أخرى وهو مذهول تماما من حالتها المزرية والمرعبة فقال بقلق .....
جلبي فوجي أنا هنا فيكي إيه أنتِ ما بقيتيش طبيعية أبداً مالك ده كابوس اهدي ؟

ابتعدت عنه لحظة وشعرت أنها على وشك الجنون فهيا تعشقه لدرجة الهلاك فاندفعت نحوه لاول مره  وقبلته قبلة عنيفة قبلة شوق وعذاب تضع فيها ألم الدنيا كلها وذعرها  من أنه سيبتعد عنها أو يعرف الحقيقة. انهالت عليه بقبله لم تعهدها من قبل تريد ان تذوب فيه ان تصبح معه لا تنفصل عنه ابدا أودعت كل عشقها فيها. 

ذهل هو من تلك القبلة العنيفة المفاجئة فهيا تفعلها لاول مره . ولكنه تقبلها بلين وحنان بالغ وبدأ يتجاوب معها برفق حتى يخفف عنها هذا الذعر المهول. علم تماماً أنها تعاني من أثر كابوس سيء فظل يمسد على شعرها وظهرها وهو يقبلها بلين حتى لانت تماماً وهدأت أنفاسها المرتجفة وتحولت القبلة من عاصفة إلى نعومة وفيضان حنان أراح أعصابها المتعبة ظل يرويها من حبه ويسقيها عشقه ليطمنها تماماً ليبتعد أخيراً برفق وهي في عالم آخر من التوهان.

فتحت عيونها بوهن اخيرا فأبتسم بعشق دافئ........
وحشتيني جوي.... إيه الاستجبال النار ده هو أنا كل ما أغيب هنطور كده وترزعيني بوسة جمر كده دانا هغيب كل يوم علي كده .

احمرت وجنتاها خجلاً وأشاحت بوجهها بعيدا فاعاد وجهها بيديه بحنان هامساً........
حبيبي مكسوف مني دانا حتى حبيبو وواحشني يومين ما شفتش عيون الجمر.وحشتيني موت والله جيت جري ماكملت شغلي حتي. 

نظرت إليه بعشق ممزوج بدموع الندم والخوف وهنا قررت أن تعترف بحبها له  قررت أن تعترف بكل شيء ولا تهرب أكثر فجحيم الانتظار والترقب اهلكها ويدفعها للجنون .......
عامر انا انا ....

هنا قاطعها ووضع اصبعه علي شفتيها بنعومه ثم لامس وجهها بحنان واحتواء........
انت....انت  جلبي والله  بس ماعتش اتحمل اشوفك كده من بكره هنحجز ونسافر أسبوع عشان حبيبي دبلان وأنا جلجان عليه جداً.

ابتسمت بابتسامة باهتة محملة بألف غصة فداعب خدها بعشق........
وحشتيني جوي  هنجضي أسبوع في مكان لوحدنا وأنا واثج إنك هتبقي أحسن من شدة الأعصاب دي هنبعد عن جو البيت شوية.

نظرت إليه بوجع وهزت رأسها تريد أن تأخذه وتبتعد لتريح قلبها.تريد ان تختلي به وتخرج مكنون قلبها له. 

قبل أنفها بحنان ومشاكسة........
بس اعملي حسابك هنروح نجل أدبنا أنا صبرت كتير. أنا كده ماعتش هينفع من الكتمه. 

انكمشت خجلا فضحك بصوت عالي........لا يا جلبي بهزر والله رغم إني حاسس إني هنجلط بس أعمل إيه. تخيلي يومياً تنامي بحضني مكلبشه فيا وانا ببص في السحف هنهبل وهنجلط. يا بت أنتِ فيكي إيه أنتِ مش حاسه زيي دانا لمستك ليا هتجنني.

تنهد بغلب وشوق .... طب ممكن أسال سؤال على بال ما نعدي المراحل دي؟

همست بخجل........إيه قول.

همس وعيونه تشع رغبه ....
حبيبي أنا هتجنن عليكي وتبقي بتاعتي إنتِ كمان عايزاني أبقي بتاعك؟

من دون تفكير أجابت بقوة........
أنت بتاعي أصلا ولو بعدت هقتلك.

ضحك عالياً وقلبه ينبض عشقا .......
مين ده اللي يبعد بس ما علينا. أنا بسأل بتتهربي ليه عايزاني أبقي بتاعك ونكون لبعض وما فيش حاجة تفصلنا؟

أحنت رأسها خجلا وهزت رأسها إيجابا فتنهد واستنشق الصعداء........
يا دين النبي هنوصل أمتي. حبيبي لسة ما حستش بالامان يا ملوعني. عايز أسمعها يا بنتي راجل جاعد نار جنبِك ليه ما فيش أي حاجة تبل ريجي طيب ؟

نظرت لعيونه بشوق وقررت ان تخبره كلى شيء في تلك السفريه وان تريح قلبها فهمست.......
عارف في السفرية دي هقولك على كل حاجة كل اللي يفرحك ويطمن قلبك.هقولك واخرج كل قلبي ليك والله هخرج كل حاجه. 

هنا هب من مكانه........
طب يلا جومي جومي طالما فيها جواله  هنسافر دلوقتي.

ضحكت وشدته من ثيابه........
بطل يا مجنون لا الصبح أنا عايزة أنام بحضنك دلوقتي.

اندفع وشدها نحوه وقال مشاكسا اياها .......
حضني بس مش عايزة حاجة تانية أنا كلي متاح خدي الحته اللي تعجبك!

أخفضت عيونها بحياء........
عامر أنت قليل الأدب على فكرة.

ضحك وقال باستمتاع ........
عارفه يوم ما بكون نايم جنبك بحلم إني أجل أدبي معاكي يا بنتي بجولك نايمة بحضني وأنا مشتاج على الآخر وعايز أي حاجة تبل ريجي. 

هنا رفعت راسها عليه وركن هو المخدة خلفه وهمست بلين........وعد مني لأقولك كل اللي يسعدك. أنا مشاعري ناحيتك عدت حدود اي مشاعر أنا عمري ما حسيت أصلا بكده.

داعبت عيونه التي تنظر إليها بعشق واقتربت وقبلت عيونه وهو مستسلماً لدلالها العفوي عليه بدأت تخرج مكنون قلبها وهمست بالقرب من شفتيه........
عيونك دي ونظرتهم دي هي اللي بتخليني عايشة. مسكت يده ولمست قلبها هامسه... انت هنا كلك علي بعضك هنا قاعد متربع ملكت هنا واستحاله عت تخرج... عامر.. أنا.. أنا......

كانت تلجلج وتدفع نفسها لتقول له بحبك ولكنها أرادت أن تعترف له بكل شيء أولا.

فتح عيونه وقبل شفتيها بنعومة........
عارف إنك بتحبيني والله عارف وهنروح السفرية وهستناكي تجوليها لي براحتك.

كانت تريده بشكل كبير وعيونها تصرخ برغبتها الدفينة فهمس بشوق وهيام ........
بطلي تبصي لي كده أنا مش ثلاجة.

همست بدلال........ببصلك إزاي؟

مسك يدها ووضعها على قلبه........
بصاتك بتخلي جلبي يدج شايف نار بعيونك وشايف شوجك ليا وأنا مانع نفسي بالعافية.

همست بخجل ودلال ........
طب ما تمنعش نفسك قوي عشان ما تتعبش.

فتح عيونه ونبضات قلبه تطرق صدره بقوة فهتف........لا لا لا.. ده ماهتحملش كده  وترجعي تجولي لي بجل أدبي  بس عموماً أنا ما عادش مستحمل وهجل أدبي على خفيف مانا مش ثلاجة.

ونزل عليها وتاها معاً في وصلة من العشق وهي تعطيه من نفسها بلا حدود ليبتعد أخيراً كابتاً رغبته المميتة من أجلها فاخدها في حضنه لينام وهي تتمتم داعيه بقلب خائف أن يمر هذا الأمر على خير.

في الصباح توجهت ملوك إلى المستشفى لتطمئن على الجد قبل السفر دخلت غرفته بخطوات ثقيلة وتمسك يده الباردة تهمس بدموع الأمل والرجاء.....
أنا هسافر يا جدي وهقول لعامر على كل حاجة. أنا تعبت وهو بيحبني زي ما انت بتقول وإن الحب هيدوب اي خلاف  وهيحميني من عذابي ووحدتي. أنا واثقة إن رجولته هتحس باللي جرالي ومش هيتخلي عني أنا واثقة فيه. عارف يا جدي أنا حاسه إني هسعد وإنه هيبقي ليا بجد. انت كنت سندي ربنا يردك لينا بالسلامة بس عامر هيبقي ضهري اللي اتعرى من سنين هعمله أبويا وأخويا وأحطه في عيوني. دا عيوني وروحي مش هسمح إنه يبعد وهحارب الدنيا عشان يصدقني لأني ما عادش أعرف أرجع تاني لملوك اللي ما بتحسش الإحساس بقى قوي يا جدي أول مرة أفرح أول مرة أحس إني ست وبني آدمة أنا بقيت إنسانة مش مسخ ما بيحسش.

قبلت يده بحرارة وأكملت بصوت يتقطع شوقا....
مستنياك تصحي تشوفنا فرحانين هفرحك وهعمل عيلة وأجيب عيال أنا نفسي في عيلة كبيره  عشان تعبت من الوحدة. يا رب تقوم بالسلامة أسيبك يا جدي بقا ادعيلي بقلبك.

تركت المستشفى وعادت إلى القصر ودخلت على مليكة التي استقبلتها بلهفة......
قلبي أنا هسافر أسبوع مع عامر.

اقتربت مليكة بحب واحتواء...
ملوك قوليلو بقا كفاية إنتِ حالتك بقت صعبة ووشك أصفر من الهم قوليلو عامر بيحبك بجنون.

ابتسمت ملوك بابتسامة تملؤها السكينة واحتضنتها بقوة....
هقولو هقولو الأول إني بحبه وبعدين هقوله اني بنت حقيقية وماحدش مسني عشان يفرح هقولو إن كل اللي عملته كان غصب عني.

ابتسمت مليكة بتشجيع....
أنا متأكدة لما يعرف إنك ملوك أخت ملك مش ملك نفسها هيقدر إحنا عملنا كده ليه وكنا خايفين ياخد الواد مننا عشان إحنا خالاته مش أمه. قوليلو عن خوفنا وعذابنا والوعد بتاع أختك أنا واثقة إنه هيقدر ويفهمك ومش هيفكر اننا خدعناهم ومثلنا عليهم .

ردت ملوك بعيون تلمع فيها النور....
أنا مش واثقة وبس أنا من عيونه متأكدة إنه هيقدر ويفهمني. أنا أصلا مش متخيله سيناريو تاني عامر بقا حاجة تانية . والله قلبي وروحي ربنا يخليه ليا.

قبلتها مليكة بحرارة....
روحي وافرحي خودي نصيبك من الدنيا وعيشي يا ملوك.

تنهدت ملوك براحة وخرجت سعيدة متجهة لغرفة عامر ولم تكن تري تلك الحية التي تقف في الزاوية وتلك العيون التي تلمع بشر وحقد بغل استقر عنان السماء .

قبل أن تغادر ملوك القصر متجهة نحو تلك الرحلة التي تمنتها طويلاً مع عامر وقفت معه لحظات على الشرفة الهادئة وكأنها تريد أن تطبع في روحها ملامح هذا المكان قبل أن ترحل. اقتربت منه بخطوات بطيئة محملة برائحة الشوق والخوف الدفين ولفّت ذراعيها حول عنقه واحتضنته بقوة وكأنها تودعه أو تخبئ نفسها داخله للأبد.

تحدثت بنبرة يملؤها الغموض الممزوج برجاء خفي وهي تغمض عينيها لتستنشق عطره.... 
 عامر احنا رايحين بس اوعدني إننا راجعين راجعين مع بعض زي ما احنا صح؟ إحنا راجعين يا عامر اوعدني.

نظر إليها بابتسامة دافئة وهو يشد على احتضانها بحنان غير مدرك لصوت الرعب المكتوم خلف كلماتها ولم يكن يعلم أن هذا الغموض ليس إلا درعاً تخفي به خوفها المرعب من أن ينكشف سرها الضخم وتتطاير أحلامهم في الهواء.همس بنعومه .....
هنسافر نعيش الجنه ونرجع نكمل حياتنا جنه يا جلبي وعد اعيشك الجنه هنا لما نرجع .

حان وقت الرحيل وهما يخطوان خارج أبواب القصر الكبير استوقفتها اللحظة فوقفت ساهمة تطيل النظر إلى جدرانه العتيقة وكأنها تريد أن تحفر تفاصيله في أعمق نقطة بذاكرتها. تركت العنان لمخيلتها الوردية فراحت ترسم سيناريو عودتها قريباً تتخيل نفسها وهي عائدة من رحلتها جنباً إلى جنب مع حبيبها يداً بيد وقلبان ينبضان بنغم واحد.
أخذت تطوف بعينيها في أرجاء الحديقة الواسعة متخيلة أطفالها الصغار من عامر وهم يركضون ويمرحون حولهما ببراءة. نظرت الي المندره خفق قلبها ورات ابنها يخرج منها وهيا معه وخلفهم عامر يتاملهم بعشق .رات اختها تعيش السعاده عن حق رات نفسها تكبر وتشيخ في المكان وعامرها لا يتركها. رات اولادها واحفادها وسرحت في افراحهم وكأنها تبني بأسوار خيالها بيتاً ومستقبلاً دافئاً يضم شتات عمرها الضائع ووحدتها المخيفه .

غرقت في تلك الأحلام الدافئة وهمست لنفسها بصوت خافت يملؤه اليقين والحب.....

هرجع وهقف أبص لمكان حبيبي فوق وهو هياخدني معاه فوق ونقف نخطط لحياتنا سوا .هرجع مع روحي يا رب أرجع معاه لأني بعشقه وهقوله إني بعشقه. هرجع تاني دا بيتي ودا جوزي وعشقي هرجع بروح تانيه روح بتعشق وبتصرخ بعشقها .عهد عليا يا عامر يوم ماقولك وتضمني لقلبك لاعيشك الحلو كلو ولا يوم ازعلك احطك بنن عيوني مانت حبيبي اللي رجعتلي قلبي قلب بيحس .
نظرت للسماء تتنهد هامسه.... شايفه يا أمي بنتك بقت بتحب وتحس هرجع بحس هرجع وهكمل احس عشر سنين كفايه موت. حبيبي استحاله يموتني دانا جوايا عشق الدنيا .ملوك تستحق ترجع ملوك تستحق تنسعد وتعيش وإلا يا رب ما أرجع وإلا أخطى عتبتها إلا وأنا ميتة.

وفي تلك اللحظة المعلقة بين الرجاء والرعب أحست بذراعيه القويتين تحيطان بها من الخلف بدفء وامتلاك وهمس صوته الخشن بقربه من أذنها بحنان طاغٍ......

واجفة بتعملي إيه يا جلبي اركبي.

التفتت إليه بعيون تفيض بالعشق والهيام وقالت بصوت متهدج يغلب عليه الحنين.......

واقفة بتخيل رجوعنا يا قلبي وأنا مراتك واقفة بودع مكانا.هنمشي ونرجع اسعدك وتسعدني . هيوحشني بيتي مش كده يا عامر ده بيتي وهنرجع مع بعض صح.

ضمها إلى صدره بقوة وكأنه يغرسها بين أضلاعه وهمس بعينين تلمعان بالحب والعهود الصادقة......

هرجعك متشالة بنن عيوني هرجعك وعيونك دي جواها نور الدنيا كله. دا عيون حبيبي جواها دفا ماشفتوش عمري .

ابتسمت وهمست ....عيون حبيبك فيها انت فيها روح انت رجعتها عيون حبيبك هايمه بيك وبحبك وطول مانت جنبي وبقلبي عيوني ماهيروح منها الدفا .

ابتسمت له باطمئنان واستدارت لتصعد السيارة وهي لا تعلم أبداً ماذا تخبئ لها الأقدار وكيف ستكون ملامح تلك العيون عندما تعود.

حين صعدت إلى السيارة كانت تلتفت إليه بنظرات تفيض بالدفء والأمان كأن يديها المرتجفتين تستمدان القوة من طمأنينته وعهوده الصادقة بأنها ستعود وعيناها تلمعان بنور الدنيا. أغمضت عينيها لثانية وهي تتشبت بذلك اليقين الحالم بأن حبها لعامر هو الحصن الذي سيحميها وأن عودتها ستكون إلى أحضانه الدافئة حيث لا مكان للبرد أو الخوف. كانت تشعر بغمرة من السعادة والاطمئنان يغريان قلبها بالاستسلام التام للحلم غير مدركة أن الأمل الذي يعانق روحها الآن هو النور الوحيد الذي ينير طريقاً مظلماً ومرعباً ينتظرها في النهاية، لتترك قلبها معلقاً بين حلاوة الأمان المرتجى ورهبة المجهول القادم. 

 وبينما كانت تبتسم له كان ألم الخوف المخفي يعتصر روحها بصمت مميت فكلما تخيلت لحظة عودتها واكتشافه للحقيقة كان شبح الرعب يمزق قلبها ارباً كانت تسأل نفسها بفزع مهلك ماذا لو عرف ماذا لو رأى في عينيها خديعة البدايات .الخوف من أن يطردها من أن يتحول عشقه الجارف إلى احتقار وانتقام ومن أن يلفظها خارج حياته ويسلب منها بيتها وعامرها وحياتها التي للتو بدأت تعشها. كان هذا الهاجس كافياً ليجعل أنفاسها تضيق كانت تعلم أن كبرياء عامر لا يطاق إذا جُرح وأن السعادة التي تبنيها الآن قد تتبخر في ثانية واحدة إذا سقط قناع السر ومع ذلك سارت نحو مصيرها وهي معلقة بخيط رفيع من الأمل تاركة خلفها قصراً يشتعل وعيوناً تتربص بكل نبضة حب تعيشها.

رحلت ملوك تبدأ  حياة جديدة نقية كالملائكة تاركةً وراءها دنيا أخرى تشتعل بالنيران. كانت هناك في الظل خلفها عيون أخرى ترقب وتترصد .عيون الخراب فلقد تركت وراءها ثلاثي الخراب ذلك المثلث المرعب الذي تجمعت الشياطين بأكملها في قلوبهم وفوحت رائحة سمومهم الممزوجة بالحقد الأسود لتزكم الأنفاس.

ثلاثي الغدر والشر المستطير الذين تجردوا من كل مشاعر الإنسانية والتفوا معاً كالأفعى الحاضنة لبيضها الفاسد يتربصون بكل لحظة فراق ويدبرون في الخفاء مكائد تفوح منها رائحة الموت والدمار. كانت قلوبهم عبارة عن بؤرة مظلمة من الكراهية والغل ينظرون الي ماليس لهم كانه حق لا مفر من استرداده . ينتظرون عودتهم ليزرعوا أشواكهم في طريق سعادتها الوليدة غير آبهين بشيء سوى إحراق كل جميل وتحويل حياة الجميع إلى جحيم لا يطاق.فلنري ماتخبيء لنا الاقدار.

وسط هذا الصراع الخفي بين نعيم العشق وجحيم المتربصين، بقيت ملوك معلقة على حافة اعتراف مؤجل فهي لم تكن تحمل في حقائبها ملابسها فحسب بل كانت تحمل عبئاً أثقل من الجبال. سرّ الحقيقة الذي لو انكشف لهدم كل ما بنياه. كانت تعلم جيداً أن كبرياء عامر كحد السيف وأن السعادة التي روتها بدموع الخوف قد تحترق بنظرة غضب واحدة. 

هنا يتصاعد السؤال الجوهري الذي بنيت عليه تلك الرواية هل قبضة أولاد الراوي الهلامية التي انفرجت ولامست جسد الملائكة بحنان ستظل مفرودة تلامس الأجساد كالهلام. أم ستتحول وتقبض على أجيادهم البرية تعتصرهم بلا رحمة ولا شفقة؟
نقف على حافة الهاوية نترقب أيهما سيغلب: لينة الحنين أم قسوة القبضة؟ إن الصراع بين أن نكون غرقى في نعيم ملوك العشق وبين أن نكون أسرى لقبضة أولاد الراوي الهلامية ليس سوى انعكاس لصراعنا الداخلي الأبدي فنحن نبحث عن الدفء حتى لو كان ومضة وهم ونخشى القسوة حتى لو كانت قدراً محتوماً.

 تلك الأرواح التي تسلم قيادها للمحب قبل الحبيب ليست إلا مرآة لقلوب أنهكها الانتظار. فبين لينة اللمسة وصلابة القبضة تضيع الحدود ويبقى السؤال معلقاً في سماء التوهان هل نحن حقاً نصنع أقدارنا العاطفية أم أننا لسنا سوى أحرف عابرة في رواية يخطها الراوي بقلم من جمر وهلام؟

هل نحن حقاً في طريق عنوان الرواية الأساسي ملوك العشق نعيشه حقيقياً لا وهماً أم سنستمر أسرى لقبضة أولاد الراوي وهي تقبض على أرواح المحب قبل الحبيب؟


تعليقات