رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل السادس 6 بقلم نسرين نادر


 رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل السادس 

لم تكن «غَالِيَة» بالنسبة لـ«يُونُس» مجرد امرأة اختفت من الدوار في ظروف غامضة، بل كانت كرامته، قلبه، ونبضات صدره التي طالما حاول كتمانها.. كانت الخط الأحمر الذي لو مسه أحد لسالت الدماء!

جلس «يُونُس» خلف مكتبه، واضعًا رأسه بين كفيه العريضين، وأنفاسه المتسارعة تصدر من صدره كحشرجة جريح. عقله يشتعل بالأسئلة التي تكاد تجننه:

— «راحت فين؟! كيف اختفت إكده من غير ما حد يحس ولا ينطق برطين؟! الأرض انشقت وبلعتها إياك؟!»

فجأة.. ضرب «يُونُس» بيده على سطح المكتب الخشبي بقوة جعلت كل ما عليه ينتفض! شَخَصَت عيناه بنور مفاجئ، وضرب جبهته بكفه وهتف بذهول واستنكار من نفسه:

— «كيف غابت عن عقلي دي؟! الكاميرات! كيف نسيت إن الدوار متأمن بأحدث كاميرات مراقبة مغطية السور والبوابات كلياتها؟!»

قام من مقعده كالمجدوب، واتجه بخطوات حثيثة وسريعة نحو شاشة المراقبة الكبيرة الملحقة بالحائط. فتح النظام وبدأت أطراف أصابعه تتحرك بسرعة ودقة على لوحة التحكم، يراجع شريط التسجيل لحظة بلحظة، من أول الدقيقة التي أشرقت فيها شمس اليوم وقبلها ساعات الفجر الأولى.

عيناه تناظران حركة البوابات، السور، والزريبة بتركيز يقطع الشك باليقين.. مر الوقت وهو يفرز الشريط دقيقة بدقيقة، ولكن الصدمة كانت حاضرة.. لا أثر لـ«غَالِيَة»! لا أحد خرج من البوابة الرئيسية، ولا من البوابة الخلفية، ولا حتى طيف إنسان اقترب من الأسوار!

راجع الحركة من جديد، والتأكيد هو هو.. لم يعبر أحد!

مسح «يُونُس» على وجهه بكفه، وانطلقت من أعماقه زفرة حارقة هزت أركانه، ثم أغمض عينيه وتمتم بنبرة حادة وجازمة بينه وبين نفسه:

— «استحالة تكون خرجت بره السور واصل.. البت دي يا إما مستخبية في زاوية جوة الدوار محدش واصل لها.. يا إما في حد من جوة الدوار نفسه هربها وعارف حتة استخبوا فيها ما تخطرش على بال إنس ولا جان!»

كزّ على أسنانه بغل، وتحولت نظراته إلى شرار وهو يردف:

— «ولو طلع حد من جوة الدوار هو اللّي متسبب في حرقة قلبي دي... دغري أكون جاني عليه بأيدي!»

وقبل أن يغلق التسجيل، لمحت عيناه حركة سريعة عند الممر الخلفي للدوار.

توقف إصبعه فوق لوحة التحكم.

أعاد اللقطة مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

ظهر شخص يمر من الممر قبل اختفاء غالية بساعات، لكن الصورة لم تكن واضحة بما يكفي لتحديد ملامحه.

ضيّق يونس عينيه، وأعاد التسجيل ببطء شديد.

— «مين اللي كان هناك؟... وليه محدش قال لي؟»

ثبتت عيناه على الشاشة لحظات، ثم نهض فجأة وأخذ هاتفه وغادر المكتب بخطوات سريعة.

في جناحها بالدور العلوي، كانت «الحَاجَّة صَفِيَّة» تجلس على طرف الفراش، الحسرة تأكل في قلبها وعيناها زاغتان بشرود. كانت تحادث نفسها بأسى وحزن شديد:

«أنا لازم أقوم أروح لـ«يُونُس» وأتكلم معاه.. لازم أفهّمه إن مش أنا اللّي هربت «غَالِيَة» ولا أعرف هي فين، وإني عمري ما كرهتها واصل..»

حسمت أمرها ونهضت بخطوات متثاقلة، فتحت باب جناحها وخطت نحو السلم لتهبط إلى الدور الأرضي. وما إن وسعت خطواتها حتى أبصرت «يُونُس» يخرج من باب غرفة المكتب بخطوات متسارعة، والشرر يتطاير من عينيه ووجهه كقطعة الفحم المشتعلة!

رفعت يدها ونادت عليه بلهفة:

— «يُونُس!.. يا يُونُس يا ابني!»

لكنه لم يسمعها، أو ربما من شدة النار التي تغلي في رأسه لم يعد يسمع سوى صوت أفكاره؛ فتح باب الدوار الخارجي وخرج كالعاصفة يضرب الأرض بقدميه.

تنهدت «صَفِيَّة» بأسى، ومسحت على صدرها وقالت في سرها:

«ربنا يهديك يا ابني ويرد لك عقله.. أما أروح أشوف «حِكْمَة» المسكينة.»

نزلت «صَفِيَّة» ودخلت إلى المطبخ تبحث عن «حِكْمَة»، فلم تجدها. خمنت وجودها في غرفتها الصغيرة الملحقة بأطراف الدوار. اتجهت نحو باب الغرفة وطرقته بطرقات خفيفة ثم فتحته ببطء.

كان المنظر يعصر القلب.. كانت «حِكْمَة» تجلس على طرف سَرِير «غَالِيَة»، تحتضن قطعًا من ملابسها وتضم صورتها إلى صدرها، والدموع تسيل على خدها في صمت يقطع الأنفاس.

وقفت «صَفِيَّة» عند الباب وهتفت بنبرة حنونة ملأها الشفق:

— «وه!.. لساتك قاعد إكده مكانك يا «حِكْمَة»؟!»

فزعت «حِكْمَة» ومسحت دموعها بسرعة وهي تحاول النهوض بكبرياء الجرح:

— «معلش يا ست «صَفِيَّة».. هقوم دلوك أحضر الوكل، وأعمل لك كل اللّي أنتِ عايزاه من عينيا..»

ربتت «صَفِيَّة» على كتفها بحنو وجلست إلى جوارها على السرير، وقالت بصوت دافئ:

— «قاعدي يا «حِكْمَة».. إحنا مش عايزين وكل ولا حاجة، زي ما أنتِ زعلانة على «غَالِيَة» أنا كمان زعلانة عليها والله.. «غَالِيَة» اتربت معانا هنا في البيت، وأنتِ عارفة إني كنت بعتبرها كيف بنتي.»

رفعت «حِكْمَة» عينيها المغرورقتين بالدموع ونظرت لها بكسرة وقالت:

— «عارفة.. عارفة يا ست «صَفِيَّة».. بس أنتِ تعرفي إن ربنا ما رزقنيش بخلِفة واصل، ومن يوم ما «غَالِيَة» جت على الدار وهي بنتي اللّي ما ولدتهاش.. عمرها ما بعدت عن حضني ولا راحت في حتة ولا غابت عن عيني واصل.. بس يا ست «صَفِيَّة» ما تزعليش مني.. على قد ما أنتم اديتوها عطف ورعيتوها، على قد ما البيت ده ما كانتش بتسلم فيه من الألسنة الشديدة والتهزئ، وكل شوية يفكروها إنها مالهاش حد ويعيبوا فيها.. أنا خايفة بنتي تكون هربت بعيد ولا عملت في نفسها حاجة من كتر القهر! والأكتر من إكده إنها ما تعرفش حاجة بره الدوار، ما كانتش بتطلع غير معايا وهي صغيرة.. الله يسامح اللّي كان السبب إنها توصل للحال ده!»

تأثرت «صَفِيَّة» بكلامها وشعرت بغصة في حلقها، فربتت على يدها بطمأنينة وقالت:

— «قومي يا «حِكْمَة» استعيذي بالله، وإن شاء الله هنلاقيها وما تقلقيش.. رجالة الدوار كلياتها بيدوروا عليها ومش هيسيبوها.»

أومأت «حِكْمَة» برأسها وهي تمسح طرف ثوبها وقالت:

— «عارفة.. عارفة يا ست «صَفِيَّة»، وعارفة إن «يُونُس بيه» مش هيسكت واصل غير لما يوصل لها.»

هنا.. شَخَصَت عيون «صَفِيَّة» ونظرت أمامها بشرود تام، وتذكرت حزن ابنها ونار الغضب في عينيه، وتمتمت بصوت خافت مجهد:

— «عارفة.. عارفة يا «حِكْمَة» إنه مش هيسيبها واصل..»

في المطبخ، كانت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» تقفان بتوتر وهما تضعان أطباق الطعام والخبز على صينية كبيرة لتهريبها لـ«غَالِيَة» من غير ما حد يشوفهم.

وفجأة... انفتح باب المطبخ ودخلت «وِصَال»، تطلعت للصحون والصينية الكبيرة، وهتفت باستنكار وتعجب:

— «واه! واخدين كل الأكل ده فين يا بت أنتِ وهي؟!»

تبادلت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» نظرة خائفة ومذعورة، قبل أن تستجمع «زَيْنَب» شتات نفسها وترد بابتسامة مرتبكة:

— «واه يا خالتي! نسيتِ إني عروسة ياك ولا إيه؟! ولازم أتغذى كويس.»

اتسعت عيون «وِصَال» وتطلعت للأكل المصفوف وقالت بتكذيب:

— «واه! تتغذي بكل الأكل ده يا زينب؟! ده أنتِ أكلتك كيف أكلة العصفورة! معدتك.. معدتك كيف معدة العصفورة!»

سارعت «كَرِيمَة» كي تساند موقف أختها:

— «وأنا كمان يا خالة، بدّي أتغذى معاها.»

نظرت لهما «وِصَال» باستغراب وقالت بلوي بوز:

— «طيب يا أختي أنتِ وهي، كلوا يكش يبان عليكم!»

هتفت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» بسرعة وهما يتحركان للهروب:

— «تسلمي يا خالة، بعد إذنك.»

ومع أول خطوة خطتاها للخروج، هتفت «وِصَال» بتعجب أوقف دقات قلوبهما:

— «واه! مش هتاكلوا هنا في المطبخ؟»

التفتت «زَيْنَب» وقالت بلهفة:

— «لا، هناكل فوق في أوضتي عشان نكون على براحتنا يعني.»

انسحبت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» صاعدتين الدرج، بينما وقفت «وِصَال» تتابعهما بشك، وحدثت نفسها بشرود:

— «كيف الاثنين دول هيجي لهم نفس ياكلوا والبت المقطوعة ديت غايبة والاثنين كانوا أصحابها؟! والله ماني عارفة!»

ثم هزت رأسها وأردفت:

— «حاسة إن في إنَّ في الموضوع!»

في الأوضة المهجورة في أطراف الدور العلوي، كان النهار ينحسر والليل يرخي سدوله وبرودته الشديدة.

كانت «غَالِيَة» تجلس في الزاوية، تتكئ على الحائط وجسدها ينتفض برعشة قوية وجبينها يتصبب عرقًا، وقد عادت الحمى لتلتهم جسدها الضعيف.

رفعت عينيها الذابليتين ونطقت بصوت مبحوح ومشتعل بالرجاء والدموع:

— «يا رب.. يا رب ابعت لي زينب يا رب، أو كريمة.. أنا خايفة وما عدتش قادرة، وشكل الحمة رجعت لي تاني!»

في الممر العلوي، كان «مَنْصُور» يسير وهو يضع الهاتف على أذنه يتحدث مع «يُونُس»:

— «جاي جاي يا يُونُس، ما تقلقش أنا نازل طوالي أهو!»

أغلق الهاتف ومشى خطوتين ليتقاطع طريقه مع «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» وهما تصعدان باقي الدرج ومسكين الصينية كلها.

توقف «مَنْصُور» وتطلع للصينية بدهشة وهتف:

— «وااه! واخدين كل الوكل ده فين يا بت أنتِ وهي؟!»

ردت «زَيْنَب» بنفاذ صبر ونبرة حادة:

— «هو كل ما حد يشوفنا بواكل يقول واخدين الأكل ده فين؟! هنرموه يعني يا منصور؟!»

سارعت «كَرِيمَة» ونغزت «زَيْنَب» بكوعها في ذراعها بقوة كي تصمت.

ضيق «مَنْصُور» عينيه ونظر لـ«زَيْنَب» بشك وقال:

— «في إيه يا زينب مالك؟»

ردت «زَيْنَب» بصوت مكسور:

— «ما فيش حاجة، أنا بس زعلانة علشان غالية.»

ابتسم «مَنْصُور» بسخرية وقال:

— «زعلانة علشان غالية واخدين كل الأكل ده؟! ما شاء الله عليكم بصراحة يعني.. ونعم الصحبة!»

تنهدت «زَيْنَب» وقالت بلهفة تحول الموضوع:

— «أبا عليك بقى يا منصور، طمني يونس أخوي كيفه؟»

رد «مَنْصُور» بنبرة جازمة:

— «يونس حالف بالله إن اللي هيعرف مين اللي هرب غالية، أو اللي ليه يد في هروبها.. لهيكون موته على يده!»

تبادلت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» نظرات رعب انخطف فيها لونهما، فلاحظ «مَنْصُور» ارتباكهما وقال وهو يستعد للهبوط:

— «عموماً أنا نازل لأنه مولع حريقة تحت!»

تركهم ونزل. أمالت «زَيْنَب» رأسها بين يديها وهتفت بذعر:

— «يا مري يا مري! أخوي لو عرف إن أنا اللي كنت السبب في كل ده، والله ما هتهنى! والله هيموتني يا كريمة!»

مسكت «كَرِيمَة» يدها وقالت باستعجال:

— «مش وقته بقى، اللي حصل حصل، إحنا دلوقت المهم إن إحنا نودي الأكل لغالية علشان اتأخرنا عليها قوي وما تنسيش إن هي كانت تعبانة ولسه ما اتعافتش.»

تسللت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» حتى وصلتا لغرفة «غَالِيَة»، فتحتا الباب ودخلتا سريعًا وأغلقتاه.

كان المكان مظلمًا كالحًا، وريحة التراب والعفن تملأ الجو بشكل يكتم الأنفاس، فبدأتا تكحان بخفة.

أبصرتا «غَالِيَة» وهي قاعدة ممدودة ومش قادرة تتحرك واصل، فوضعت «كَرِيمَة» الصينية على الأرض وجرتا نحوها:

— «غالية.. غالية!»

لمست «كَرِيمَة» وجهها وصرخت بصدمة:

— «يا مري! البت سخنة مولعة كيف يا زينب؟»

امتقع وجه «زَيْنَب» وقالت بلهفة:

— «خليكِ معي يا كريمة، حاولي توكليها أي حاجة، وأنا هروح أجيب لها الدواء من غرفة يونس.. من أوضة يونس وأجي طوالي، تمام؟»

ردت «كَرِيمَة»:

— «طيب بسرعة بسرعة!»

فقالت «زَيْنَب»:

— «ماشي!»

وجرت مسرعة خارج الغرفة.

في غرفة «سَمَر»، كانت تجلس أمام المرآة بملامح حائرة، بينما تقف أمها «نِعْمَة» خلفها.

التفتت «سَمَر» لأمها وقالت بنبرة تردد وخوف:

— «يعني.. يعني أنتِ شايفة إن أنا أعمل كده يا أما؟»

نظرت «نِعْمَة» لابنتها بنفاذ صبر:

— «جرى لك إيه يا بت؟! من متى وأنا بكرر كلامي مرتين؟!»

ردت «سَمَر» بقلة حيلة وضيق:

— «بس أنتِ يا أما مش شايفة.. كيف يونس والدوار كله مقلوب، وأنتِ عارفة إن يونس بجي أتحدث معه.. ما بيتحادث معي منيح أو كويس واصل إيه؟»

لوحت «نِعْمَة» بيدها وهتفت بتهكم:

— «ما أنتِ اللي خايبة لو تسمعي كلام أمك.. دلعي عليه، غيري في نفسك، عندك الهدوم أشكال وألوان، غيري البسي!»

ردت «سَمَر» بزعل:

— «وهو حد قال لك إن أنا معفنة في نفسي ولا إيه؟! ما أنا بألبس على طول وبأسرح وبأعمل كل حاجة، هو اللي عينه ما بتدور على حد غير غالية بس!»

ردت «نِعْمَة» بإصرار وقوة:

— «وادي غالية اتشالت من طريقك خالص ما عادش وجود لها، هربت وما عادش هترجع تاني وأصل.. ودور الباقي بقى عليكِ إنكِ تحاولي تقربي منه.. تحاولي تقربي من صفية كمان.. كده ما تبقيش خايبة، ده أنتِ بنت نعمة!»

قامت «نِعْمَة» ووقفت وراحت ناحية الباب، والتفتت لـ«سَمَر» وقالت لها بنبرة حادة وماكرة:

— «أنا هقوم دلوك أروح أطل على أبوكِ وأشوفهم بيعملوا إيه تحت، تكوني أنتِ اتسبحتي وغيرتِ هدومكِ وتكوني على سنجة عشرة! وألاقيكي بتحومي حوالين يُونُس، تحاولي تحسسيه إنكِ مهتمة بيه.. خلي في بالك دي فرصتك! لو لقوا «غَالِيَة» خلاص، ما ترجعيش تعيطي لي تاني!»

تطلعت «سَمَر» أمامها بشرود، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مكر وقالت بثقة:

— «لا ما تقلقيش يا أما.. أنا عارفة أنا هعمل إيه واصل!»

ابتسمت لها «نِعْمَة» بمكر وغمزت لها بعينها، ثم تركتها وخرجت من الغرفة.

تسللت «زَيْنَب» بخطوات مرعوبة ونبضات قلبها تتسارع حتى وصلت إلى جناح «يُونُس»، فتحت الباب ببطء ودخلت تبحث بعينيها عن علبة الدواء الخاصة بـ«غَالِيَة». اقتربت من الطاولة وأخذت العلاج بسرعة، وفي اللحظة التي التفتت فيها لترحل... انفتح الباب ودخل «يُونُس»!

لم يكن يعلم بوجودها، فوجدها تقف في منتصف الغرفة والدواء في يدها.

تسمر «يُونُس» عند الباب، وضيّق عينيه وتطلع إلى العلبة في يدها بنظرة حادة كالخنجر، ثم هتف بنبرة قاطعة:

— «أنتِ واخدة علاج «غَالِيَة» ورايحة بيه فين يا زَيْنَب؟!»

اتسعت عيون «زَيْنَب» برعب وخوف، وتلجلجت في كلامها وهي ترتجف:

— «يا.. يا أخوي.. الخالة «حِكْمَة» طلبت مني إني أجيب حاجة «غَالِيَة» كلها وأنزلها تحت، عشان لما ترجع بالسلامة يعني.. لما ترجعوها إن شاء الله، تكون حاجتها كلها موجودة تحت!»

تفرّس «يُونُس» في وجهها ولجلجتها المريبة، الشك ينهك عقله، لكنه اكتفى بهز رأسه ببطء ودون أن ينطق بحرف.

سارعت «زَيْنَب» بالخروج، وطلعت جري من الغرفة وهي تحتضن الدواء لترمم خوفها.

بقي «يُونُس» واقفًا مكانه، يتابع أثرها بعد أن أغلقت الباب خلفها، ثم نظر أمامه بشرود تام وهتف بصوت خافت بينه وبين نفسه:

— «يا رب يكون اللّي بفكر فيه صح!..»

استدار «يُونُس» بخطوات واثقة وحثيثة، وخرج من الباب خلفها...

في الجناح الآخر من الدوار، كانت «وِصَال» تقف بجانب ولدها «رَجَب»، ونبرات صوتها تفيض بالشر والترقب، وقالت له بصوت خافت وحاد:

— «المفروض تدور على «غَالِيَة» زين يا «رَجَب».. أنا شفت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» واخدين صينية أكل كبِيرة وطالعين بيها، وحاسة إنهم مش على بعضهم واصل وكأنهم مخبيين بلاوي! تلاقي البت ديت لساتها هنا في الدوار ولا حاجة ومحدش داري بها.. عايزاك تراقب لي «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» خطوة بخطوة، ولو عرفت توقع «كَرِيمَة» أختك في الكلام تكون عملت فينا خير.. إحنا لازم نوصل لـ«غَالِيَة» قبل ما «يُونُس» يعرف يوصل لها!»

رد «رَجَب» بنبرة ملأها الغل والحقد، وعيناه تلمعان بشرر الانتقام:

— «ما تقلقيش يا أما.. أنا هعرف إذا كانت هنا ولا طارت، وساعتها والله لو لقيتها ما هسيبها! عشان آخد النَّمْرَة اللّي تحرق قلب «يُونُس»، وأطول اللّي عيني عليه.. أحرق قلبه وأكسر كسرتهم، وأخليها معايا وتحت إيدي!»

نظرت له «وِصَال» بلهفة وقالت بتشجيع:

— «طب استعجل يا روح أمك.. استعجل يا أخوي! عشان لو «يُونُس» لقاها قبلينا، صدقني ما عادش هتعرف تطل فيها حتى بنظرة من عينك دي!»

هز «رَجَب» رأسه وقال وهو يستعد للهبوط:

— «أنا نازل دلوك يا أما، وأبقى أقول لك على الحصول بعدين..»

تركها «رَجَب» ونزل بخطوات متسارعة.

التفتت «وِصَال» ونظرت لنفسها في المراية بابتسامة خبيثة تملؤها الكراهية، وقالت في سرها بتشفي:

— «صدقيني يا «صَفِيَّة».. زي ما أنتِ مفكرة إنك ست الدار دلوك، أنا اللّي هبقى ستها! وولدك اللّي أنتِ فرحانة بيه ومقوية قلبك بيه ده، والله ما ههنيه بحياته خالص واصل.. صبرك بس، هو الصبر!»

كان «مَنْصُور» يقف في زاوية الممر العلوي، وفجأة أبصر «زَيْنَب» تتسلل بخطوات مذعورة وهي تحتضن كيس الدواء في يدها، وتتجه نحو الغرفة المهجورة بالدور العلوي.

عقد «مَنْصُور» حاجبيه باستغراب وهتف في سره بتعجب:

— «وااه!.. رايحة فين المخبولة دي في الأوضة اللّي محدش بيدخلها بقى له سنين دي؟!»

اقترب بخطوات خفيفة ورأى كيس الدواء في يدها وهو يتأمل حركتها المرتبكة، فضرب كفًا بكف وانخطف لونه وهتف بصدمة بينه وبين نفسه:

— «يا نهار مطين يا زَيْنَب!.. تكون «غَالِيَة» هنا وأنتِ اللّي مخبياها؟!»

تسحّب «مَنْصُور» بخطوات خفيفة لا تُسمع، ومشى خلفها في الممر المظلم دون أن تشعر به، يراقب ما ستفعله بحذر شديد.

وصل إلى أمام الغرفة المهجورة، وتوقف لحظات وهو يراقب «زَيْنَب» وهي تدخل.

انتظر قليلًا، ثم اقترب ومد يده ناحية مقبض الباب.

لكن قبل أن يفتحه، جاءه من الداخل صوت ضعيف متقطع، بالكاد سمعه:

— «زينب... الدوا...»

تجمد «مَنْصُور» في مكانه.

اتسعت عيناه، وانحبست أنفاسه، ثم همس وهو ينظر للباب أمامه:

— «يا ساتر يا رب... دي فعلًا غالية!»

ظلت عيناه معلقتين بالباب، ويده لا تزال فوق المقبض، وكأنه لا يصدق أنه وصل إليها أخيرًا.

وقبل أن يفتح الباب...

جاءه صوت خطوات تقترب من آخر الممر.

توقفت أنفاس «مَنْصُور» للحظة، وظل واقفًا مكانه، لا يتحرك ولا يبعد يده عن المقبض، وعيناه معلقتان بالطريق المؤدي إلى الغرفة.

وفي الجانب الآخر من الدوار، كان الحاج «نُعْمَان» يجلس في البرندة الخاصة به وحده، يمسك بسبحته العتيقة ويحرك حباتها ببطء، وعيناه تنظران أمامه بشرود تام وثقل يزن الجبال.

انفتح الباب ببطء ودخلت «حِكْمَة»، وقفت عند العتبة بصوت يرتجف:

— «حاج «نُعْمَان»..»

التفت إليها الحاج «نُعْمَان» ونظر لملامحها المجهدة وقال بصوت هادئ:

— «تعالي يا «حِكْمَة».. ادخلي.»

دخلت «حِكْمَة» وأغلقت الباب خلفها، والدموع تسيل على خدودها دون انقطاع، وقالت بنبرة ملأها القهر والرجاء:

— «كنت عايزة أتحدث وياك في موضوع يا حاج «نُعْمَان».. موضوع مهم!»

تنهد الحاج «نُعْمَان» بتنهيدة ثقيلة خرجت من أعماق صدره، وقال:

— «قولي يا «حِكْمَة».. قولي أنا سامعك.»

شجعت «حِكْمَة» نفسها واقتربت منه خطوة وقالت بكسرة وصوت حاد من كثرة البكاء:

— «لازم تلاقي لي بنتي!.. لازم تلاقي «غَالِيَة» يا حاج «نُعْمَان».. ومش بس إكده! «غَالِيَة» اتظلمت كتير قوي ولازم ترد لها اعتبارها، وتعرّف كل اللّي هنا «غَالِيَة» دي تكون مين واصل! لأن أنا ما عدتش هسكت واصل.. البت اتبهدلت واتعذبت كتير، وهي أحق من كل اللّي في البيت ده، وهي اللّي المفروض تكون أصل الحق هنية أكتر من كل الموجودين!»

شَخَصَت عينا الحاج «نُعْمَان» وتوقف عن تحريك سبحته.

ظل صامتًا للحظات، وكأن كلمات حكمة أصابت جرحًا قديمًا حاول دفنه سنوات.

ثم رفع عينيه إليها ببطء، وقال بصوت منخفض:

— «إنتِ بتقولي إيه يا حكمة؟»

مسحت حكمة دموعها وقالت بإصرار:

— «بقول الحقيقة يا حاج.. الحقيقة اللّي أنت عارفها زين.»

تصلب وجه نعمان، وانقبضت أصابعه حول السبحة.

— «مش كل حاجة وقتها جه دلوك يا حكمة.»

شهقت حكمة وهي تنظر إليه:

— «وإمتى وقتها يا حاج؟! بعد ما البت تضيع؟! بعد ما يحصل لها حاجة؟! غالية ما تستاهلش اللي بيحصل لها ده!»

خفض نعمان عينيه للحظات، ثم قال بنبرة أثقل من أن تكون مجرد حزن:

— «غالية مش هتضيع... وأنا مش هسمح بده.»

تطلعت إليه حكمة باستغراب، وكأنها كانت تنتظر منه جملة أخرى.

لكنه رفع يده وأوقفها قبل أن تتحدث:

— «بس اللي بتطلبي مني إني أقوله للناس... مش سهل يا حكمة.»

سكتت حكمة، وحدقت فيه طويلًا.

— «يعني أنت لسه هتخبي؟»

لم يجبها.

فقط عاد يحرك حبات سبحته ببطء، لكن يده هذه المرة كانت ترتجف.

وفي عينيه كان هناك شيء لم تستطع حكمة أن تفسره...

شيء يشبه الخوف.

أو ربما... الندم.

رفعت حكمة رأسها وقالت بحسم:

— «أنا مش هسكت يا حاج نعمان.. ولو أنت خايف تقول الحقيقة، أنا مش خايفة.»

رفع نعمان عينيه إليها فجأة، وقال بصوت حازم:

— «حكمة... أوعاكِ تعملي حاجة من نفسك.»

ثم سكت لحظة، وأضاف بنبرة غامضة:

— «لأن لو الحقيقة خرجت في الوقت الغلط... مش غالية بس هي اللي هتدفع تمنها.»

اتسعت عينا حكمة، وتراجعت خطوة وهي لا تفهم ما الذي يعنيه.

أما نعمان، فعاد ببصره إلى الفراغ أمامه، وكأنه يرى أمامه ماضيًا كاملًا لا يريد لأحد أن يفتحه.

وفي تلك اللحظة...

كانت خطوات مجهولة تقترب من الغرفة التي تختبئ فيها «غَالِيَة».

خطوة...

ثم خطوة أخرى...

وكانت المسافة بينها وبين باب الغرفة تقل شيئًا فشيئًا...

تعليقات