رواية ألوان مستعاره الفصل السادس
وقفت حبيبة متسمرة في مكانها، الصدمة كانت أكبر من أن تستوعبها بدفعة واحدة. شريط حياتهم كُره كله قدام عينيها في ثوانٍ معدودة؛ كل كلمة حب، كل وعد بالبقاء، وكل لحظة وجع خاضوها سوا. كانت باصة له بعيون جافة تماماً، كأن الدموع نشفت وتخجرت في مجاريها من هول المشهد.
وفي اللحظة دي، كاسر لف وشه.. وجات عينيه في عينيها!
بدل ما يهرب بعينيه أو يظهر عليه ارتباك، ابتسم كاسر ابتسامة عريضة، وضحك بصوت باين للجميع، وزاد في مظاهر فرحته بعروسته واهتمامه بيها أول ما لمح حبيبة واقفة! كان بيصنع المشهد ببراعة، كأنه بيثبت لنفسه وللعالم إنها مابقتش تفرق معاه بشيء.
يوسف كان ماسك إيد حبيبة بيجرها وراه زي لوح خشب ملهوش روح ولا حركة. مشيت بخطوات ميتة لحد ما وصلوا قدام الكوشة عشان يسلموا على العروسين.
قرب كاسر بثبات ورسمية يخوفوا، مد إيده وسلم على يوسف بحرارة، وبعدين مد إيده لـ حبيبة.. سلم عليها ببرود تام ونظرة غريبة خالية تماماً من أي ذكرى، زي ما تكون فعلاً واحدة غريبة عنه ما شافهاش قبل كده في حياته!
ساد بينهما صمت مرعب وثوانٍ معدودة كانت أطول من السنين. حبيبة ما قدرتش تنطق بكلمة واحدة، واكتفت بهزة رأس مجبرة.
ايتن حضنت حبيبه جامد وكانت فرحانه جدا وعينيها كانت متعلقه بكاسر اللي بيضحك مع يوسف كأنه صحبه من زمان مش خطف حبيبته
بعد طول ضحك بينهم وصدمه حبيبه رجعتوقعدت على التراببزه جنب يوسف وهي غايبة عن الوعي والوجود، عينها متثبتة على الكوشة وعلى النواحي اللي بيتحرك فيها كاسر. كانت بتشوفه وهو بيمسك إيد ايتن اختي يوسف بحب، بيرقص معاها، بيهمس في أذنها بكلام يخليها تضحك بخجل وفرحة.. كل حركة وكل ضحكة منه كانت زي خنجر مسموم بيتغرس في قلب حبيبة بدون رحمة.
المشاهد كانت بتتوالى قدامها وتزيد من خنقتها، لحد ما الهواء اتسحب تماماً من القاعة، ورؤيتها بدأت تظلم تدريجياً.. وفجأة، سقطت حبيبة من على الكرسي ووقعت مغمى عليها على الأرض.
من على بعد خطوات، كاسر لمح الموقف.. في ثانية واحدة، اختفت الابتسامة المزيفة من على وشه، وملامحه اتغيرت لهرع وذعر حقيقي، وكان لسه هيجري ناحيتها بعفوية وقلبه هيقف من الخوف عليها.. بس اتجمد مكانة فجأة لما شاف يوسف بيميل عليها، بيحاول يفوقها بكل حدة وقلق.
قلب كاسر اتعصر بوجع بشع وهو شايف يوسف بيشيلها بين إيديه وبيجري بيها لبرة القاعة قدام عيون الجميع. فضل كاسر واقف متحن في مكانه، عينيه معلقة على الباب اللي اختفت منه، وروحه اتسحبت وراها.. ما أفاقتوش من الذهول ده غير إيد خطيبته اللي مسكت إيده وشدته: اي في اي بتبص علي اي
كاسر رجع لوعيه: احم.... الظاهر أن مرات اخوكي أغمي عليها
ايتن بخضه وبتبص عليهم ولسه هتتتحرك جات امها من وراها. : اي ي بنتي رايحه فين ؟
ايتن بقلق : ماما بيقول أن حبيبه اغمي عليها
امها بفرح : متقلقيش عليها تلقاها اعراض حمل
صدمه كاسر خليته يبصلها مبرق وشرد بعقله تمااما : حبيبه هتخلف من راجل غيري.... اولادها مش هيكونوا اولادي ... طيب ازاي .... يعني اولادها هيقولو ل راجل غيري يا بابا ... حبيبه للدرجه دي نسيتني ... طيب طالما نسيتني أغمي عليها ليه
فعلا عشان اعراض الحمل
غمض عنيه بالم شديد في قلبه ومفقش غير وأيتن مسكت في ايده تاني تاني
ايتن بضحك : الظاهر حامل فعلا
مرقها ابتسامه مزيفه وبارده جدا
بصتله بابتسامة عشان يكملوا رقص، فرجع يرقص بجسد بلا روح، وجرح أعمق من الأول.
كاسر كان وشه شاحب، وعينيه تايهة على الباب اللي اختفت فيه حبيبه ،
في لحظه صحاب ايتن قربوا منها
وطارق اخذ كاسر علي جمب
طارق : مالك في اي
صوته خرج محشور بالخوف والرعب:
ـ طارق.. أنت شفتها؟! وقعت بين إيديه كأنها اتقتلت! أنا قلبي هيقف من الخوف عليها، لازم أروح المستشفى.. لازم أطمن عليها يا طارق مش قادر أتنفس!
طارق بص له بقسوة وضيق، وهز راسه بيأس:
ـ تطمن على مين؟! أنت بتكدب على مين يا كاسر؟ أنت الخطوبة دي كلها والمهزلة اللي عملتها دي كانت ليه؟ مش عشان تغيظ حبيبة وتقلل منها؟ مش عشان تثبت لنفسك إنك تقدر تعيش من غيرها وتكمل حياتك؟! لا وكمان رايح تخطب اخت جوزها يعني الموضوع متعقد ....أديك بوظت الدنيا وخربتها على الكل! أنت بتخدع نفسك وبتظلم البنت دي معاك، وأنت لسه غرقان في حبيبة من رأسك لرجليك!
كاسر حط إيديه على وشه بكسرة وندم مش قادر ينكر كلمة واحدة من اللي قالها طارق.
طارق : اعقل ي صحبي ... انت مشايفش عيلتلك فرحانه بيك ازاي
بص علي ابوك .. امك ... ليان .. ..خالتك .... بص عليهم كلهم ي زين ... شايفهم دول هيموتوا من الفرحه ... انسي بقا انساها
وبعد ما رجعت البيت، حبيبة كانت دخلت في مرحلة غريبة من الجمود. حالة من الخرس الساكن؛ لا بتعيط، ولا بتشتكي، ولا حتى بترد على يوسف. لما كان بيقرب يتكلم معاها كانت بتبص له بنظرة ميتة وساكتة تماماً، كأنها جثة هامدة ملهاش أي وجود.
بس يوسف الأناني الجمود ده ما كانش يفرق معاه، بل بالعكس.. مزاجه المريض كان عايز يكسر الصمت ده بطريقته. وكان حابب يفرض سيطرته ويعيش اللحظات دي مع حبيبة بمنتهى الجرأة... تحت تأخديرها بمعني اصح ....
فضل جنبها بيواسيها ويكلمها بهدوء وهي صامته تماما
انتهز يوسف الوضع طالبًا منها تفاصيل وترتيبات في العلاقة وكأنه مع فتاة ليل مش مراته، عايز يقضي نزواته ومزاجه السادي من غير ما يراعي إنسانيتها أو وجعها.
قام يجبلها ميه ودخل يوسف الأوضة تاني وقفل الباب بالمفتاح ببطء رن في صمت المكان. قلع ساعته وجاكت بدلتو ورماهم على الكرسي بعد ما أداها الميه، وبص لـ حبيبة اللي كانت قاعدة على حرف السرير، سارحة وباصة للفراغ بجمود تام.
ملامح يوسف ما كانش فيها أي نوع من الحنية أو التفهم؛ كانت طافحة برغبة مجردة وأنانية مريضة. قرب منها بخطوات بطيئه، ومسكها من دراعها براحه عشان تقوم تقف قدامه. حبيبة ما قاومتوش، وقفت زي لوح التلج، ملامحها ميتة وعينيها مفيهاش أي لمعة حياة.
يوسف قرب وشه منها بجرأة وفرحه من هدوئها ، وهزها بشوية حب وقال بصوت مكتوم:
ـ أنا تعبت من دور الأخوات اللي عايشينه ده.. النهاردة الموال ده ينتهي. أنتِ مراتي، وأنا عايز حقوقي كاملة وبالمزاج اللي يرضيني... من الواضح انك كمان عايزه
بدأ يملي عليها شروطه وطريقتة بمنتهى الصراحة ، يطلب منها تلبس له أطقم معينة وبطريقة استعراضية رخيصة، وتتعامل معاه بجرأة مبتذلة كان كل همه مزاجه المريض ، وشايف إنها ملكية خاصة من حقه يتصرف فيها زي ما هو عايز.
حبيبة فضلت ساكتة تماماً.. ما صرختش، ما عيطتش، ولا حتى زقته زي كل مرة. الجمود اللي سكن روحها بعد شوفتها لـ كاسر في الخطوبة خلاها تحس إن جسمها ده مبقاش يخصها، وإن أي حاجة هتحصل مش هتوجعها أكتر من الوجع اللي جوة قلبها.
غمضت عينيها ببطء، وسابت جسمها حاضر وجسد بلا روح، تستقبل قسوته ونزواته بخرس تام، بينما كانت روحها بعيدة تماماً، بتغرق في محيط من الانكسار والنهاية.
وفي وسط الجحيم ده،.
قمة أنانيته خلتها توصل لمرحلة التجرد التام؛ قامت بجمود ولبست القميص اللي اختاره بقمة ابتذاله ورغبتها الميتة. رجعت وقفت قدامه زي الصنم، عينيه اتملت بشراهة وانتصار وهو شايفها بتستسلم لرغبته ومزاجه
قرب منها ببطء الاول وبعدها انقض عليها كأنها فريسة كسبها في معركة، نزلها على السرير وغرق في شرهه، مش فارق معاه غير أنها توافق ..
حبيبة غمضت عينيها، وحاولت تتخيل إنها في دنيا تانية، غابت بروحها عن المكان واستسلمت للحظات الأولى، ولأول مرة يوسف يحس إنها ما بتقاومش وبتبادله اللحظة، فزاد استغراقه وانشغاله باللحظة وهو حاسس إنه أخيرًا امتلكها وقدر يطوعها لمزاجه.
وفي قمة استغراقه وجنونه ..
حبيبة فتحت عينيها نص فتحة وهي غايبة تماماً عن الواقع، وخرجت منها تنهبدو مكسورة، ونطقت بصوت واطي بس واضح هز أركان الأوضة:
ـ كاسر..
في ثانية واحدة.. الموقف اتجمد!
يوسف اتخشب الدم اتسحب من وشه والصدمة شلّت حركته. الكلمة نزلت على دماغه زي الصاعقة، ودبّت في قلبه خنجر أهان كبرياءه ورجولته في أكتر لحظة كان فاكر إنه امتلكها فيها.
قام فجأة كأنه اتلسع بنار، وشها ووشه بقوا حمر من الغل والغضب المريض. بص لها بذهول وحقد مكتوم، وفي لحظة جنان زقها وهجم عليها يضربها بكفوفه على وشها وجسمها بعنف وغل ملهوش حدود، وصوته طالع بصراخ وشتائم:
ـ كاسر؟! بتنطقي اسم راجل وأنتِي معايا وفي حضني يا فاجرة؟! أنتِ بتفكري فيه ؟!
حبيبة كانت بتتلقى الضربات في صمت، حاطة إيديها على وشها ومستسلمة للوجع، مش بتصرخ ولا بتترجاه، وكأن الضرب الجسدي ده كان بالنسبة ليها أرحم بكتير من الجحيم والمهانة اللي كانت عايشاها معاها.
يوسف كان بيلطمها بكل غل ورجولته المجروحة بتصرخ جواها. الغضب العمي عمى عينيه، وبقى يضرب في كل مكان وهو بيشتمها بأبشع الألفاظ، حد ما صوابعه اتعلمت على وشها ودم نزل من شفايفها.
حبيبة ما صرختش.. ما بكتش.. كانت باصة للسقف بعيون فاضية تماماً، ومبتسمة ابتسامة مكسورة وباردة جداً. الابتسامة دي جننت يوسف زيادة، وقف ضرب فجأة وهو بيلهث وجسمه كله بيترعش من القهر والعجز، بص لها بقرف وذهول وقال بصوت جاف ومبحوح:
ـ أنتِ مش طبيعية.. أنتِ مريضة! عايشة معايا بجسمك وبس ... مين اللي بتقولي عليه دا
شدها من شعرها بعنف وخلاها تبص في عينيه بالعافية:
ـ أنا مش هقتلك ولا هريحك.. أنا هسيبك كده، زي الجثة! هكسر كبرياءك ده وهوريكي أيام ألعن من الجحيم!
رمى راسها على السرير بقوة، وخرج من الأوضة وهو بيهبد الباب وراه بالمفتاح، وسابها مرمية في الضلمة بقميصها الممزق ودمها اللي يسيل على الملاية.
حبيبة قعدت ببطء.. مسحت الدم اللي على شفايفها بإيدين بترتعش، ولأول مرة من يوم الخطوبة، تخرج منها ضحكة بصوت واطي.. ضحكة وجع وارتياح في نفس الوقت. حسّت إنها أخيراً صدمته في مقتله، وإنها دمرت كبرياءه الأنافي زي ما دمر حياتها.
مرت الأيام..
يوسف حبسها في البيت، كان بيجي بس يرمي لها الأكل ويخرج من غير ما يكلمها كلمة، بيعاملها زي الأسيرة. وفي نفس الوقت،
ظهر مجدي تاني في حياة أمها "أحلام".
مجدي رجع بني آدم تاني خالص.. انكسر منه الكبرياء والشر بعد ما اكتشف إنه مصاب بمرض السرطان في مراحل متقدمة. جابته أوجاعه لحد باب أحلام، ندمان وبيطلب منها التسامح ورجوعه ليها عشان يقضي أيامه الأخيرة جنبها. أحلام بحنيتها وطبيعتها الطيبة سامحته ورجعت له عشان ترعاه في مرضه.
حبيبة في الأول كانت رافضة، بس لما شافت وضع مجدي، وجسمه اللي هزل، والسرطان اللي نهك قوته وغيره تماماً لبني آدم مكسور بيبكي وبيطلب العفو.. قلبها لان وتأثرت بموقفه. تقبلت وجوده ورجوعه لأمها، وشافت إن الدنيا فعلاً ما تدومش لحد، وإن كل ظالم بياخد جزاءه في النهاية.
ومجدي—اللي كان السرطان بياكل في جسمه يوم عن يوم—كان قاعد تحت رجليها بيرعاها ويندم على كل لحظة أذاهم فيها زمان.
مجدي حاول يكلم حبيبة كذا مرة، ولما لاحظ غيابها وصوتها المجهد في التليفون، حس إن فيه مصيبة. رغم تعبه الشديد ومرضه، أصر إنه يروح لها الشقة في القاهرة عشان يطمن عليها بنفسه.
في يوم، جرس الباب رن.. حبيبة فتحت ببطء وهي فاكرة إنه يوسف واتصدمت لما لقيت الباب مفتوح، بس اتفاجأت بـ مجدي واقف على الباب.
مجدي كان خاسس جداً، وشه أصفر وجسمه نحيف من الكيماوي، بس أول ما شاف وش حبيبة والآثار الزرقا والجروح اللي عليه.. عينيه اتملت دموع وصرخ بوجع مكتوم:
ـ حبيبة! يا بنتي.. مين عمل فيكي كده؟! يوسف؟!
انخرطت حبيبة في نوبة بكاء هستيرية، ولأول مرة من شهور تنهار كل حصونها. اترمى في حضن مجدي—جوز أمها—اللي ضمها بحنية أب صادق، حنية عمرها ما شافتها منه قبل كده، كأنه بيحاول يعوضها ببدنه التعبان عن كل لحظة قسوة كان سبب فيها زمان.
مسح على رأسها بإيدين بترتعش وهو بيعيط بحرقة لما شاف وشها المتبهدل بآثار الضرب، وشدّ على إيدها بصوت خنقه المرض والبكاء:
ـ قومي معايا يا بنتي.. المكان ده مش مكانك، والله ما هسيبك له لحظة واحدة كمان!
جمعت حبيبة بقايا قوتها، ولمت شنطة صغيرة فيها حاجتها البسيطة وهي بترتجف، وخرجت مع مجدي اللي كان بيسندها وتسنده، وراجعين على بيت أمها.
أول ما "أحلام" فتحت الباب وشافت بنتها بالحالة دي—وش شاحب، وشفايف متفتحة، وعلامات أصابع زرقاء مالية جسمها—صرخت ولطمت على صدرها بذهول، وأخدتها في حضنها بدموع ما بتوقفش. قعدت حبيبة وسطهم، ونفسها طالع بصعوبة، وبدأت تحكي لهم كل حاجة بقلب مكسور.
حكت لهم عن القسوة والرعب، عن معاملة يوسف السادية والمهينة، وكيف كان بيتعامل معاها بأنانية ومشاعر مريضة مفيهاش أي إنسانية. حكت عن شروطه المبتذلة، وضربه المبرح ليها، وحبسه ليها في البيت زي الأسيرة، وأنه كان بيرمي لها الأكل بالعافية عشان تفضل عايشة بس.
بس كتمت السر القاتل جوة قلبها؛ ما نطقتش اسم "كاسر" خالص، ولا جابت سيرة اللحظة اللي نادت فيها باسمه وسط الجحيم ده، وحكت إن سبب غضبه وضربه الموت ده كان بسبب رفضها لإهانته ورغبتها إنها تبعد عنه وتوقف المهزلة دي.
ساد صمت مليان غل ودموع حارقة في الأوضة. وقف مجدي على رجليه بالعافية رغم ألم السرطان اللي بياكل في جسمه، ووشه بيولع نار:
ـ وحياة حرقة قلبك دي يا حبيبة، ما هسيبه.. الحقير ده فاكر إن مالكيش ظهر!
وأمها أخدتها في حضنها وهي بتعيط وتقول:
ـ الحمد لله إنك رجعتيلي بالسلامة يا حبيبة.. الحقير ده ورقتك هتوصلك لحد عندك، ولا هو ولا غيره هيقدر يلمس شعرة منك تاني.
في الليلة دي، نامت حبيبة في حضن أمها لأول مرة من زمان، حاسة بأمان دافي.. رغم الجراح اللي لسه بتنزف في أعماق روحها.
يوسف رجع البيت وفتحه بالمفتاح، أول ما دخل وشاف البيت فاضي، والهدوء المريب اللي فيه، جن جنونه. بص على السرير.. شاف الملاية اللي عليها آثار دمه من الليلة اللي فاتت، افتكر صرختها، والكلمة اللي قالتها، والوجع اللي سببهولها. في لحظة، الغضب اللي كان جواه اتحول لرغبة امتلاك هستيرية، مكنش قادر يتقبل فكرة إن "ملكيته" أفلتت من إيده.
من غير ما يفكر مرتين، خد مفاتيحه ونزل ركب عربيته وطار على بيت أهلها. كان بيخطط في دماغه "هعتذر، همثل دور الزوج المظلوم اللي بيحب مراته ومستعد يسامح على أي حاجة عشان يرجعها".
وصل هناك، خبط على الباب بكل قوة. لما فتحت أمها، دخل بكل ثقة وهيبة، ووشه مرسوم عليه ملامح الندم المصطنع. شاف حبيبة قاعدة، عيونها دبلانة ومكسورة، ومجدي قاعد جنبها.
بدأ يوسف يمثل أحسن تمثيلية في حياته:
ـ "أنا عارف إني غلطت في حقها، والضغط والشغل خلوني أخرج عن شعوري.. أنا جاي آخد مراتي اللي وحشتني، وبوعدكم إني هفتح صفحة جديدة."
بدأ يتكلم بكلام معسول قدام أهلها، بيستعطفهم وبيلعب على وتر "الصلح خير" و"بيت البنت بيتها". حبيبة كانت بتبص له بصمت، جوه منها صراع مرير، مش عايزة ترجع للجحيم، بس ضغط أهلها -وخاصة خوف أمها من كلام الناس- بدأ يحاصرها. مجدي نفسه، رغم مرضه، كان حاسس إن يوسف بيضغط عليهم بطريقة مريبة، بس مكنش عنده طاقة للمواجهة.
بعد ساعات من الكلام والضغط والمحايلة، وبسبب إنها مكنش قدامها حل تاني غير إنها تدمر حياتها وتخرب بيت عيلتها، وافقت حبيبة بضعف وإنكسار إنها ترجع معاه.
وهم في الطريق للبيت، كانت العربية غرقانة في صمت جنائزي. فجأة، يوسف كسر الصمت ده بصوت هادي، هدوء كان أخطر من عصبيته:
ـ "عارفة يا حبيبة؟ أنا مذهول من قوتك.. حكيتي لأهلك كل حاجة، كل اللي حصل، وكنتِ قادرة تطلعي فيهم بمظهر الضحية الكاملة.. بس فيه حاجة واحدة بس اللي ما نطقتيهاش."
حبيبة اتخضت وقلبها وقع في رجلها، خافت يكون عرف "الاسم". يوسف كمل ببرود وهو باصص للطريق:
ـ "الاسم اللي قلتيه وأحنا مع بعض.. الاسم اللي أنا سمعته بودني.. أنا مقدر جداً إنك ما قلتيش الاسم ده قدام حد، ولا فضحتِ الموقف ده عشان تحمي "كرامة" العلاقة بينا، أو يمكن عشان ما يتهزش صورتك.. وده في حد ذاته بيخليني أحترمك، وهنعتبر إن دي صفحة واتقفلت، وهنتكلم في تفاصيلها دي في بيتنا لوحدنا."
حبيبة بصت له بذهول. الكلام ده خبط في حتة في تفكيرها، بطريقة غريبة. حست إنه "رجل" لأول مرة؛ إنه بيحافظ على "سر" متهدد بيه، وإنه عنده حدود في الخصومة. التفكير ده -رغم إنه كان ساذج ومجرد خديعة من يوسف عشان يسيطر عليها أكتر- خلى صورتها عنه تتغير شوية. حست إن فيه "منطق" في كلامه، وإنها ممكن تكون فهمته غلط، وإن ورا قسوته "احترام" لخصوصياتهم.
جواها، بدأت خيوط الأمل الواهي تنسج في خيالها إن يوسف ممكن يتغير، وإنه مش بس ظالم، ده ممكن يكون "راجل بيحترم الخصوصية". يوسف، بذكائه الشيطاني، كان عارف بالظبط هو بيعمل إيه.. كان بيزرع في قلبها شعور زائف بالأمان عشان يكسرها تاني، بس بطريقة أعمق وأقسى بكتير.
