رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل السادس
" أنت تفتش جناحي الخاص في غيابي يا يعقوب؟ أصار هذا القصر يدار بدوني، أم أنك نسيت من يكون السلطان هنا؟"
صوت مالك خرج كأن الرعد انضرب في نص القاعة القامة الطويلة، الصدر العريض المبلول بالماء، والعيون الأسود اللي بتطلع شرار حقيقي، خلوا الوزير يعقوب وقائد الحراس يتسمروا في مكانهم كأنهم اتحولوا لتماثيل أصنام.
الوزير يعقوب اتغير لونه في ثانية من الغرور للاصفرار، وانحنى بسرعة لحد ما كاد جبهته تلمس الأرض، وقال بصوت بيترعش
"م.. مولاي السلطان العفو يا مولاي إنما جئنا لنحميك ! هناك جارية هاربة يشتبه في إنها على صلة بالمتلثمين الذين حاولوا اغتيالك، وأنتنا أنباء أنها اختبأت في هذا الجناح !"
نور حطت إيدها في وسطها، وخطت خطوتين لقدام بكل تبجح وتحدي، وزقت قائد الحراس يكتفها وهي بتبص ليعقوب بقرينة عينها :
"جارية هارية ؟ وحياة أمك؟ بقى إنت جايب الأربعة الجثث دول وداخل تبدد في الجناحوترمي المشروبات على الأرض، عشان خايف على السلطان؟ ده إنت وشك ده ما يعرفش الخوف على حد غير على كرسيك يا بتاع يا مفقع !"
الوزير يعقوب رفع راسه بصدمة ووجه صباعه لنور: "مولاي أتسكت لهذه الأمة الوقحة ؟ إنها تتطاول على وزير الدولة الأول لسانها هذا يتوجب قطعه فوراً !"
مالك مشي بخطوات هادية وتقيلة، وقف بين نور وبين الوزير الهيبة اللي طالعة منه كانت تكتم النفس.
بص ليعقوب من فوق لتحت بنظرة استحقار تخلي أعصاب أعتى الرجال تنسحب، وقال بصوت جهوري واطي بس يرعب
" منذ متى وأنت تتلقى الأوامر بقطع الألسنة في حضوري يا يعقوب ؟ أكررها للمرة الأخيرة ... هذه المرأة خط أحمر في هذا القصر من يلمسها بسوء، سأقطع رأسه وأعلقه على باب القصر ليكون عبرة. هل كلامي واضح ؟"
الوزير يعقوب بلع ريقه بعنف ونزل راسه واضح يا مولاي.. أعتذر عن التسرع."
مالك أشار بيده ناحية الباب بصرامة: "اخرجوا جميعاً وضاعفوا الحراسة على أسوار القصر الخارجية فقط. جناح السلطان لا يدخله إنس إلا بأمري. هيا !"
قائد الحراس أخد جنوده وجريوا لبرا كأنهم بيهربوا من حبل المشنقة، والوزير يعقوب بصل النور بنظرة كره وغل قبل ما ينحنى لمالك ببطء ويخرج وراهم والباب الضخم اتأفل برجة هزت الجناح.
أول ما الباب اتأفل نور تنفست الصعداء وقعدت على أقرب كرسي خشبي فخم وهي بتمسح العرق من جبهتها:
یا فتاح یا علیم یا رزاق يا كريم إيه الناس دي ؟ هو المخلل ده وزير إزاي؟ ده مفروض يشتغل بلطجي في سوق الجمعة !"
مالك التفت لها ببطء، قلع سيفه وحطه على الترابيزة برقعة قوية، وعقد حواجبة السودا الكثيفة وقرب منها بخطوات هادية، وعينيه مثبتة في عينيها العسلية :
والان يا ذات اللسان الطويل.. أوان الحساب. أفرغي ما في جرابك فوراً! لماذا هاجمت الوزير؟ ولماذا ألقيت الكأس في وجه الحراس؟ أكنت تحمين جارية بالفعل.. أم أنك جننت تماماً؟"
نور رفعت حواجبها بتحدي: "أنا مجننتش يا سيادة السلطان بس انت اللي حواليك ثعابين ولابسين عمم دهب وبعدين أنا مكنتش بهرج، أنا كنت بداري الخيط اللي هيكشفلك من الخاين الحقيقي !"
مالك ضيق عينيه باستغراب عميق : "خيط ؟ عن أي خيط تتحدثين ؟"
نور قامت وقفت وراحت ناحية الدولاب الضخم، وشاورت بإيدها: "اطلعي يا زليخة متخافيش.. المزده قصدي السلطان مش هيعملك حاجة، طالما أنا واقفة معاكي !"
خرجت البنت الصغيرة زليخة من ورا الدولاب وهي بتترعش من قمة رأسها الأخمص قدميها، وقعت على ركبتيها قدام مالك وهي بتبكي
"مولاي السلطان العفو والصفح يا مولاي ! أنا لم أفعل شيئاً، والله على ما أقول شهيد!"
مالك بصلها بجدية صلبة : تكلمي يا جارية .. ماذا رأيت؟"
زليخة وهي بتشهق اتكلمت وصوتها بيقطع: "الليلة.. قبل محاولة الاغتيال بساعة .. كنت في السراديب السفلى أحضر الفحم للمطابخ، رأيت الوزير يعقوب يتحدث مع رجلين متلثمين وسلمهما خريطة القصر السري ورقعة بها موعد وجودكم ولما لفت انتباههم، صرخ الوزير وأمر بقتلي حتى لا أفشي السر، فهربت إلى هذا الجناح أستغيث"
مكان الجناح بقى ساكت تماماً. مالك ملامحه اتصلبت كأنها اتحولت لقطعة حجر غرانيت. العروق في رقبته وفي إيديه برزت بوضوح، وعينيه السودا تحولت الظلام دامس الخيانة كانت أبشع حاجة ممكن يواجهها سلطان، بالذات لما تكون من أقرب الناس ليه!
نور قربت منه وحطت إيدها في وسطها وقالت بنيرة فيها نغمة شجاعة: "سمعت بعينك ورأيت بأذنك يا سيادة السلطان؟ ولا أقولك العكس ؟ المهم إن المخلل يعقوب ده هو الراس الكبيرة وكان مخطط كمان يخلص عليك الليلة بالسم في المشروب بتاعك لما يعرف إن الاغتيال فشل !"
مالك التفت النور بسرعة، ونظرته كانت مزيج غريب من الغضب العارم والإعجاب الخفي اللي بيحاول يداريه بصرامته: "سم ؟ أكان ينوي سمي الليلة ؟"
"أه والله العظيم نور هزت راسها بحماس : زليخة سمعتهم بيمهدوا للقطة دي! يعني لو كنت شربت كاس واحد من المشروب المسائي، كان زماننا بنقرأ عليك الفاتحة ونوزع قرص في أسبوعك !"
مالك خطى خطوة ناحية نور، وبص لها بتمعن شديد، وشه بقى قريب جداً من وشها وريحته الفواحة رجعت تحاصرها ثاني:
" وأنت .. لماذا تفعلين كل هذا؟ لماذا لم تتركيه يفرسني بالسم وتهربي في الفوضى؟ ألم تقولي أنك تكرهين السلاطين وتريدين حريتك واستقلالك ؟ أليس موت السلطان فرصة ذهبية لك؟"
نور اتوترت جداً من قربه قلبها بدأ يدق زي الطبلة، ووشها احمر بس لسانها السليط أبي يرحمها رجعت ضهرها لورا شوية وقالت بتمتمة وعصبية:
" أهرب فين يا عم إنت؟ وبعدين أنا أهلي مربونيش على الخيانة والندالة ! صحيح إنت متسلط ورجعي و ديكتاتور و مقتنع بفكره الجواري الباطلة دي.. بس الصراحة الموت بالسم حركة نذالة ومقبلهاش عليك أنا أهاجمك وش لوش أرفع عليك قازة، أطول لساني.. ماشي! إنما أسبب واحد نذل يقتلك بغدر؟ لا فشر! أنا بنت أصول و محترمة بفهم في الأصول !"
مالك فضل باصص لها لثواني كلماتها، رغم إن نصها غريب ومش مفهوم له كلياً زي "مستقلة وفشر"، بس حس بالصدق والنخوة اللي في عينيها العسلية.
ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة، دافية، وسحرت نور الدرجة إنها بلعت ريقها وقالت في سرها: " يخربيت الضحكة دي الموت بالسم أسهل من الضحكة دي والله ! اثبتي يا نور!"
قال مالك بصوته العذب الخشن: "أنت حقاً امرأة لا تشبه أحداً من النساء اللاتي قابلتهن في حياتي.. كأنك أسقطت علي من السماء لتزعزعي أركان عرشي بلسانك هذا "
نور ربعت إيدها وقالت بتكشيرة: "احم.. المهم دلوقتي هنعمل إيه في المصيبة دي؟ المخلل يعقوب هينفذ خطته الليلة في المأدبة، وإنت لو أعدمته دلوقتي من غير دليل قاطع، الوزراء
والجيش هيقولوا إنك بتستبد بيهم ويتموت وزرائك بدون حجة !"
مالك هز راسه بإعجاب بذكائها وسرعة تحليلها للموقف: "أحسنت القول أيتها الذكية.
يعقوب لديه نفوذ في المجلس، وأي تحرك متسرع سيعطي حلفائه ذريعة للتمرد. يجب أن
نوقع به متلبساً أمام الجميع في المأدبة."
زليخة قعدت تبكي : " وماذا عني يا مولاي ؟ سيعرفون أنني هنا !"
مالك بص لزليخة وقال بهيبة : ستبقين هنا في حماية حراسي الخواص، لن يجرؤ أحد على الاقتراب من الجناح "
تم التفت النور وقال بنبرة فيها أمر ومكر: "أما أنت.. فستكونين معي في المأدبة الليلة."
نور برقت عينيها بغضب: "نعم ؟! معاك فين يا إبراهيم ؟ أقف جنبك أهوى عليك بمروحة ريش نعام وأقولك تؤمر يا مولاي ؟ لا فتح عينك معايا، أنا مش جارية !"
مالك تقرب منها بثقة، حط إيده على السيف وقال بصوت واطي ومستفز
"ستكونين بجانبي بصفتك الجارية التي تميزت بالذكاء والشجاعة.. وأيضاً لتكوني عيني اللتين ترتبان الخطة. أليست هذه فرصة لتثبتي استقلالك وقدرتك على إدارة المعارك بدلاً من الثرثرة ؟"
نور حطت إيدها في وسطها، وفكرت ثانية.. "هو بيتحداني؟ المهندسة نور يتقال عليها ترثارة ومبتعرفش تدير معارك ؟"
رفعت دقتها بتحدي ينطق وقالت: ماشى يا سلطان محضر معاك المأدبة .. بس بشرط! لو وقعنا يعقوب ده و دبستوه في خيانته.. تديني ورقة حريتي واستقلالي ترجعني من مطرحما جيت، وتلغي فكرة إني جارية دي نهائياً! موافق ؟"
مالك بص لها بنظرة فيها غموض، وقال بابتسامة مبهمة : " إن نجحنا الليلة يا ذات اللسان السليط.. سنرى شروطك هذه !"
نور برطمت "سنری؟ كلمة سنرى دي تقلقني يا سيادة السلطان.. بس ماشي، الأيام بيننا !" حل المساء، والقصر الكبير كان مشتعل بألف شمعة ومشعل قاعة المأدبة الكبرى كانت عبارة عن متحف مفتوح للرفاهية والقوة.
السقف الخشبي المزخرف السجاد الشيرازي الأحمر الموائد الممتدة المليانة بأشهى أنواع اللحوم والمشويات والفواكه، والوزراء والقادة والفرسان قاعدين بملابسهم الفاخرة وسوفهم الجانبية.
في صدر القاعة، كان عرش السلطان المرفوع على ثلاث درجات رخامية، ووقف السلطان مالك شاه فوق العرش بكل هيبته، لابس عباية سودا مطرزة بخيوط الدهب الخالص، وفي وسطه حزام مرصع بالياقوت الأحمر، وشعره الفاحم متسرح لورا بكرامة سلاطين.
وعلى يمين العرش مباشرة .. كانت تقف نور!
الجواري والوزراء كلهم كانوا بيبصوا لنور بذهول وشرار. كانت لابسة فستان من القطيفة الكحلي الغامق، متطرز بفضة بتلمع تحت الشموع كأنها نجوم السماء، وشعرها الكستنائي المرفوع بأسلوب راقي نزلت منه خصلات على وشها الأبيض العاجي.
كانت طالعة أميرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، رغم إنها كانت واقفة مربعة إيدها
ومكشرة تكشيرة "بنت المتغاظة "!
همست نور لمالك من تحت ضرسها وهو قاعد على عرشه " بقولك ايه يا مالك.. الناس كلها بتبصلي كأني سرقت تمثال دهب من القصر هو أنا واقفة صح ولا مفروض أوزع شربات زي الخدم ؟"
مالك ابتسم من غير ما يلتفت لها، وقال بصوت واطي الفصحى
اخفضى صوتك أيتها الجريئة.. وانظري إلى يعقوب على يسار المائدة، إنه يرتقب الموقف كالثعلب "
نور بصت بطرف عينها. الوزير يعقوب كان قاعد على مائدة الوزراء الأولاد، وشكله متوتر جداً، بيفرك في إيديه كل شوية، وعينيه بتنودك بين مالك وبين الكأس الذهبي الفاخر المحطوط قدام السلطان
نور همست تاني الواد ده هيجيبلي هبوط بيبص للكاس كأنه مستني نتيجة الثانوية العامة الخطوة الجاية ايه؟"
مالك قال ببرود قاتل: "الخطوة الجاية .. سأطلب سكب الشربات الخاص بالسلطان، وهو سيشير للساقي المرتشي ليدلق السم في الكأس "
وبالفعل بعد لحظات، رفع الوزير يعقوب رأسه وقال بصوت عالي سمعه الجميع :
یا مولاى السلطان بمناسبة نصركم العظيم وسلامتكم من غدر الغادرين في الصباح
أستأذنكم بأن نرفع نخب صحتكم الغالية بشربات التوت الملكي الخاص بالقصر !"
مالك هز رأسه بهدوء ورزانة: "لك ذلك يا يعقوب"
قام الساقي الخاص، وهو راجل ملامحه مرعوبة وبيترعش، وقرب من طاولة السلطان ومعه إبريق ذهبي كبير.
أهوى بالإبريق وسكب السائل الأحمر الداكن في كاس السلطان، نور، بعينيها الدقيقة لاحظت حركة إيد الساقي وهو بيسقط حبة صغيرة جداً من خاتمه لجوا الكاس أثناء السكب
أول ما السائل استقر في الكاس، بقعة رغوة خفيفة جداً ظهرت واختفت في ثواني.
نور بلعت ريقها وجسمها قشعر: "نهار" أسود السم ده لو نزل في معدته يخليه فحم في ثانية !"
الوزير يعقوب وقف، ورفع كأسه الخاص، وقدم تحية بصوت جبار: " في صحة سيدنا السلطان مالك شاه دام ملكه و دام عز الديار في عهده !"
الوزراء والقادة كلهم وقفوا ورفعوا كؤوسهم وصاحوا : " في صحة مولانا السلطان !"
مالك من إيده ببطء شديد، وأخد الكأس الذهبي المسموم من على الطاولة. رفعه لمستوى شفايفه، وعينيه مثبتة على يعقوب اللي كانت حدقتا عينيه متسعتين بانتظار اللحظة القاتلة !
نور حست إن قلبها هيقف الرعب أكل أمعائها، مالك كان بيمثل إنه بيشرب، بس هي كانت عارفة إن غلطة صغيرة أو قطرة واحدة تصيب شفايفه هتنهي حياته!
"مالك لا " صرخت نور في سرها.
وقبل ما جدار الكأس يلمس شفة مالك بجزء من المليمتر نور نسبت كل الخطه، ونسيت إنها في حضرة الملوك والفرسان، وجينات الجنون والانفجار جتلها في ثانية !
مدت إيدها بكل قوتها، وضربت الكأس الذهبي من إيد مالك بقوة طيرته في الهواء! وفجأه !
الكأس طار ووقع في نص القاعة السائل الأحمر اتدلق على الأرض الرخامية البيضا.. وفي ثواني معدودة، الرخام الأبيض مكان المشروب بدأ يطلع منه دخان أسود ويفور ويتأكل كأنه اندلق عليه مية نار !
القاعة كلها شهقت بصوت زلزل المكان الفرسان سحبوا سيوفهم من القراب بصوت مرعب والوزراء اتراجوا لورا بصدمة ورعب!
نور وقفت، حطت إيدها في وسطها، وصوتها الراجع بلسانها السليط والبجح رن في أرجاء القاعة الكبرى
"أهو الشربات المسموم يابتاع المفتقة ! شفتوا الفوران اللي على الرخام؟ ده مش توت ده سم هاري يهد جبل تعالى هنا يا يعقوب يا خاين، إنت والساقي بتاعك اللي حط السم من الخاتم !"
الوزير يعقوب وشه تحول للون الرمادي كالموتى، وبدأ يتراجع لورا برعب وهو بيصرخ: " هذ.. هذه افتراءات الجارية مجنونة ! انقذوني !"
مالك قام وقف على حيله من على العرش القامة الطويلة والشرار اللي في عينيه خلوا القاعة كلها تخرس وتتصلب.
قلع سيفه الذهبي الثقيل، ونزل درجات العرش ببطء وثبات خطوات تقطع الأنفاس، وعينيه مثبتة على يعقوب:
" أكنت تظن أن سلطان مصر يغفل عن خيانة جحر الثعابين يا يعقوب ؟"
وفجأة .. وقبل ما الجنود يلحقوا يمسكوا يعقوب الوزير الخاين طلع خنجر مسموم صغير من جيبه، وبجنون اليأس والغل، هجم بسرعة الصارخ مش على مالك.. بل على نور اللي كانت
واقفة في وش المدفع !
"سأموت ولكنني ساخذ هذه الشيطانة معي !" صرخ يعقوب بغل.
نور برقت عينيها، ولسانها وقف من كثر الرعب: " يا مامييييي!"
مالك اندفع كالمصحوب بالبرق ليحميها، ولكن....
