رواية الصياد والفريسة الفصل السادس 6 بقلم ملكة الروايات


 رواية الصياد والفريسة الفصل السادس 

​عمت الزغاريد أرجاء الحي الشعبي بعد قرار "مراد" الشجاع أمام الجميع، لكن خلف ذلك الفرح الذي غمر وجوه الجيران، كان قلب "نور" يتخبط في عاصفة شوجاء من التردد والخوف. كانت تنظر إلى "مراد" الشامخ أمامها، يرتدي هيبته كدرع صلب، وتتساءل في سريرتها: هل هذا العشق الجارف حقيقة ستصمد أمام زوايا القصور؟ أم أنه مجرد "نزوة صائد" استثاره الامتناع، وسينطفئ شغفه فور أن يمتلك الفريسة وتصبح بين يديه؟
​بعد انفضاض الجمع، صعد "مراد" برفقة الحاجة فاطمة ونور إلى الشقة البسيطة. ساد الهدوء أرجاء الصالة الصغيرة، ووقفت "نور" عند أعتاب النافذة تُسند جبينها إلى زجاجها البارد، وتتجنب التياع عينيه الداكنتين.
​استأذنت الحاجة فاطمة ودخلت حجرتها لتترك لهما مساحة للحديث، فتقدم "مراد" بخطوات بطيئة وواثقة حتى صار يقف خلف "نور" مباشرة. كان عبق عطره الرجولي الفاخر يلف المكان، وينسكب في أرجاء روحها دفئاً يربك كل حصونها المنيعة.
​قال بنبرة خفيضة، حنونة ومشبعة بالرجولة الطاغية:
"أعلم ما يدور في رأسكِ الصغير يا نور.. أقرأ الخوف في عينيكِ كأنه كتاب مفتوح. ألم يئن الأوان لتلقي بتلك الدروع جانباً؟"
​التفتت "نور" ببطء، وتلاقت عينان ملتهبتان بالشغف مع عينين واسعتين تطفوان بالحيرة والكبرياء. بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت متقطع يقطر شجاعة جريئة:
"أنا خائفة يا مراد.. خائفة من أن أكون بالنسبة لك مجرد تحدٍ أوشكت على الفوز به. أنت رجل اعتاد أن ينال كل ما يرغب فيه.. ماذا سيحدث عندما أصير زوجتك؟ ماذا لو كانت هذه المشاعر مجرد نزوة موقوتة، تنتهي حين تجدني بين يديك امرأة عادية بلا غموض ولا تحدٍ؟"
​سكنت ملامح "مراد"، واختفت السخرية من وجهه تماماً ليحل محلها عمق وجداني صادق هز أركان كيانها. الخطا خطوة واحدة أذابت المساحة بينهما، ورفع كفه القوية ليمسك بكفها المرتجفة بين يديه، يحيطها بدفء حاسم.
​نظر في أعماق عينيها وقال بصوت دافئ ينسكب كالسحر:
"النزوة يا نور تخبو عند أول اختبار، وأنا وقفت أمام الموت وأمام عائلتي ونفوذي من أجلكِ.. أنتِ لستِ تحدياً أردت كسبه، بل أنتِ الوطن الذي ظللت أبحث عنه طوال حياتي بين زيف القصور وأوهام الأكابر. أنا لا أريد امتلاككِ لكسر كبريائكِ.. أنا أريد احتواءكِ لتكوني تاجاً على رأسي وحبيبة قلبي التي لا تتبدل."
​انقبض قلب "نور" لمس كفه، ونسيت كل ردودها الحادة أمام هذا الطوفان من الرومانسية الصادقة. اقترب "مراد" أكثر، ورفع كفه الأخرى ليمسح بإبهامه على حافة وجنتها الناعمة في لمسة حانية أوقفت الزمان حولهما، ومال بنبرة هادئة أربكت دقات قلبها المفتونة:
"أقسم لكِ بكرامتي التي لم أنحنِ بها لأحد، أنكِ لن تكوني يومياً إلا ملكتي.. وكل يوم يمر بيننا ستزدادين في عيني سمواً وحباً. صيد اليوم لم يكن فريسة يا نور.. بل كان صياداً استولى على قلبي وقيدني بحبه للأبد."
​ارتجفت أنفاس "نور"، ونظرت إلى الشغف الصريح المشتعل في عينيه الداكنتين، وشعرت لأول مرة بأن دروع الخوف قد انصهرت تماماً تحت حرارة مشاعره ونبضه الصادق. ابتسمت بابتسامة خجولة وساحرة أشرقت في عتمة حجرتها البسيطة، وقالت بصوت خفيض رقيق:
"وأنا أقبل أن أكون في حماك يا مراد.. بشرط ألا تنسى يوماً أن كرامتي هي أثمن ما أملك."
​ابتسم "مراد" ابتسامة آثرة أظهرت كامل وسامته، وضم كفها إلى صدره عند موضع قلبه المشتعل، ليجعلها تشعر بضرباته المتسارعة من أجلها وحدها، وقال بثقة هزت كيانها:
"كرامتكِ هي كرامتي يا نور.. ومن الغد ستصبحين رسمياً حرم الرائد مراد الحسيني، وليشرب الأكابر من البحر!"
​في القصر المذهب على الجانب الآخر من المدينة..
​وصل خبر الإعلان الرسمي للزواج كالنزلة الصاعقة! كانت "درية" تصرخ بجنون وتطيح بالمزهريات الكريستالية على الأرض، بينما كانت "سعاد هانم" تجلس على مقعدها وجنتيها تشتعلان حنقاً وغضباً أرستقراطياً جامحاً.
​قالت "درية" بصوت يقطر سماً وغلّاً:
"تزوجها رسمياً يا خالتو! فضّل هذه النادلة الفقيرة عليّ وأمام أوباش الحارة! أقسم لكِ لن أتركها تنعم بيوم واحد في بيته!"
​وقفت "سعاد هانم" بصرامة قاسية، وقالت بنبرة تشبه هسيس الأفاعي:
"اهدئي يا درية.. مراد طائش بفتنة هذه الفتاة، لكن القصور لها قواعدها الخاصة. دعيه يجلبها إلى هنا، وسنجعلها تتمنى الموت ولا تباهي بهذا الزواج.. سنكسر هذا الشموخ تحت أقدام عائلتنا!"
​أشرقت شمس يوم جديد لتعلن عن بداية فصل مغاير تماماً في حياة "نور"؛ فصل يطوي صفحات الشقاء في الشوارع الماطرة، ليفتح أبواب أسوار قصور الأكابر حيث تُنسج المؤامرات بدهاء ونعومة.
​انتهت مراسم الزواج البسيطة والمهيبة في أزقة الحي الشعبي، وسط فرحة عارمة ودعوات صادقة من أهل الحارة الشريفات. اقتاد "مراد" عروسه بيده نحو سيارته السوداء، تاركين خلفهما حماية المألوف ليخطوا نحو عالم المجهول.
​طوال الطريق، كانت "نور" تتطلع عبر نافذة السيارة المعتمة، وتشبث بأطراف فستانها الأبيض البسيط المصنوع برقة ونعومة. كان قلبها ينبض بوجيب متسارع، وكلما اتسعت الشوارع واقتربوا من المنطقة الأرستقراطية، شعرت بالبرودة تتسلل إلى أطرافها.
​شعر "مراد" بارتجافة كفها، فمال بنظراته الداكنة نحوها، وأمسك بيدها بضغط دافئ وحنون، وقربها من شفتيه ليقبلها بنبل ورجولة وقال بصوت خفيض:
"أعلم أن هذا العالم جديد عليكِ يا نور.. لكن تذكري دائماً، أنتِ تدخلين قصر الحسيني بصفتكِ زوجتي وملكة قلبي، وكرامتكِ خط أحمر يدعمه اسمي وسلاحي."
​التقت عيناها بعينيه الشامختين، واستمدت من ثباته وقوته سكينة طمأنت روعها، وقالت بصوت هادئ يحمل كبرياءها المعتاد:
"أنا لا أخشى الأكابر يا مراد.. من صان كرامته في الفقر، لن يكسره جدار القصور."
​توقفت السيارة عند مدخل القصر المذهب العتيق. فتحت الأبواب الحديدية الضخمة، ودخلت السيارة بين الأشجار العالية والنوافير الرخامية. نزل "مراد" وأمسك بيد "نور" ليدخلا إلى الصالون الرئيسي، حيث كانت تنتظرهما مواجهة محتومة.
​في منتصف الصالون المذهب، تحت الثريا الكريستالية الضخمة، كانت تقف "سعاد هانم" بكامل أناقتها الأرستقراطية الصارمة، وبجوارها تقف "درية" بملامح يملؤها الغل والنظرات الحاقدة التي تقطر سماً.
​ساد صمت ثقيل القاعة فور دخول "مراد" و"نور" يداً بيد. أمعنت "سعاد هانم" نظراتها القاسية في وجه "نور"، تفحص ثوبها البسيط وملامحها الشرقية الأصيلة بنظرة ازدراء وعلائية، محاولة إشعال حرب نفسية قبل أن تبدأ أي كلمة.
​تقدم "مراد" بثبات وقار، وقال بصوت حاسم يتردد في أنحاء القاعة:
"أمي.. أقدم لكِ رسمياً (نور)، زوجتي وحرم مراد الحسيني."
​خطت "درية" خطوة للأمام، وضحكت ضحكة ساخرة ومصتنعة وقالت بنبرة حادة:
"مبارك يا مراد.. يبدو أنك استبدلت الفخامة بـ (الرخص)، وجلبت نادلة المطاعم لتجلس على أثاث بيت الحسيني الفاخر!"
​قبل أن يتحرك "مراد" أو ينطق بكلمة، خطت "نور" خطوة حازمة للأمام بنفس السمت والشموخ الذي واجهت به بلطجية الشارع، ونظرت في عيني "درية" بثبات ناري وقالت بنبرة واثقة وساحرة هزت أرجاء المكان:
"الأثاث والذهب يُشترى بالمال يا آنسة.. لكن الشرف وعزة النفس والكرامة أمور لا تملكها خزائن الدنيا. وأنا لم أدخل هذا البيت متسولة، بل دخلته مرفوعة الرأس بدعوات أمي وعرق جبيني الشريف!"
​اتسعت عينا "درية" بالصدمة والذهول من هذه الندّية الصريحة، بينما التهبت عينا "سعاد هانم" بغضب مكتوم؛ إذ لم تتوقع أن تملك هذه الفتاة البسيطة جسارة لسان وقوة شخصية تجعلها تقف أمامهم بهذا الصمود.
​ابتسم "مراد" ابتسامة إعجاب وعشق جارف لم يستطع إخفاءها، وقال لوالدته بصرامة قاطعة:
"أظن أن الحدود أصبحت واضحة للجميع يا أمي.. من يحترم زوجتي يحترمني، ومن يفكر في المساس بكرامتها أو توجيه كلمة تجرحها، فليعتبر نفسه يقطع علاقته بي للأبد."
​ثم التفت لـ "نور"، وضم معصمها بحنان وأخذها نحو الجناح الخاص بهما في الطابق العلوي، تاركاً خلفه "درية" تغلي كاالبركان، و"سعاد هانم" تقسم بعزة نفسها أن تجعل حياة "نور" داخل القصر جحيماً لا يطاق.
​في الجناح الفاخر المليء بالأثاث الراقي والورود البيضاء..
​أغلق "مراد" الباب، والتفت إلى "نور" التي وقفت تتأمل الشرفة المطلة على حدائق القصر. اقترب منها بخطوات هادئة حتى صار خلفها، وأحاط خصرها بذراعيه القويتين، واضعاً ذقنه على كتفها بنبل ودفء رجولي أذاب كل توترها.
​همس في أذنها بصوت دافئ يطفو بالشغف والرومانسية:
"أبدعتِ يا ملكتي.. كنتِ شامخة كعادتكِ، وأثبتِ للجميع أن الفريسة أصبحت صيادة للقلوب العاصية."
​استدارت "نور" بين ذراعيه، والتقت عيناها بعينيه الداكنتين المشتعلتين بالحب، وقالت بابتسامة رقيقة وشفافة:
"أنا لا أحارب من أجلي فقط يا مراد.. أنا أحارب لأكون جديرة بحبك الشريف وشجاعتك التي حميتني بها."
​ابتسم "مراد" ابتسامة آثرة، ونظر إلى شفتيها برغبة وشغف صادق، ثم ضمها إلى صدره في عناق طويل أعلن فيه انتصار حبهما على كل الفوارق والعقبات، وهتف بنبرة آثرة:
"أعدكِ يا نور.. لن يدخل الحزن هذا القلب ما دمتُ حياً."
​لكن خلف الأبواب المغلقة في أسفل القصر، كانت "سعاد هانم" تعقد اجتماعاً سرياً مع طبيب العائلة الخاص ودرية.. لخطة خبيثة جديدة تستهدف سم نور وشرفها داخل القصر نفسه!
​تُرى.. ما هي المؤامرة القادمة التي تحاك لـ "نور" داخل قصر الحسيني؟
وهل ستنطلي الحيلة على "مراد" أم أن حبهم سيكون الدرع الحصين؟


تعليقات