رواية نعيم الجهل الفصل السادس 6 بقلم حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل السادس

فتحت قدر عينيها من جديد.. انتفضت فورا لتتفاجأ.. 
 برجل يجلس أمام سريرها.. يشعل سيجــ ـاره..
 ويتفحصها بنظرات باردة.. سحبت الغطاء عليها.. 
بسرعة.. وقالت بحدة:
ــ إنت دخلت هنا إزاي؟!
ضحك معتز الجمال بهدوء:
ــ غلط... مش ده السؤال...
أخذ نفسا من سيجاره.. ثم أضاف:
ــ السؤال الصح... أنا هنا ليه؟

نظرت إليه قدر بثبات.. فقد عرفت ما يريده..
وأشارت بيدها إلى باب الغرفة:
ــ عايزة أغير هدومي...

ابتسم معتز.. ثم نهض واتجه نحو الباب..
وقبل أن يخرج.. التفت إليها وغمز بسخرية:
ــ لو احتجتي مساعدة... 
ممكن أساعدك تغيري هدومك..

قدر نظرت إليه باشمئزاز:
ــ اطلع بره....

ضحك معتز.. ثم خرج وأغلق الباب خلفه..

انتظرت قدر للحظات..
ثم مدت يدها إلى عكازها.. ونهضت بصعوبة...

بعد وقت قليل...

خرجت قدر من الغرفة.. فتوقفت للحظة..
وهي ترى رجال معتز منتشرين في أرجاء المنزل..

جاءها صوته من المطبخ:
ــ تعالي يا قدر... أنا في المطبخ...

قدر تمتمت بضيق:
ــ المطبخ... بيت اللي خلفوك هو...

وصلت إلى المطبخ.. فكان معتز يجلس أمام الطاولة.. 
وقد سحب لها كرسي وأشار إليها بالجلوس..

جلست قدر.. ونظرت إلى الإفطار.. 
الموضوع أمامها باستغراب:
ــ عايز إيه؟ وعمتو فين؟

أخذ معتز لقمة من الخبز وقال بهدوء:
ــ جلنار نزلت شغلها... 
وأنا قولت أطلع أحضرلك الفطار بنفسي...

قدر نظرت إليه بسخرية:
ــ غريبة... ابنك كان عايز يقتــ ــلني...
وإنت بتحضرلي فطار....

وضع معتز قطعة من 
الجبن فوق الخبز.. وقال بلا مبالاة:
ــ بيني وبينك... أنا انشغلت شوية عن كريم..
فما اترباش كفاية....

ثم ابتسم ابتسامة باردة:
ــ بس أوعدك... هخصصله وقت وأربيه كويس.. 
وأعلمه إزاي يتعامل مع الستات الجميله اللي زيك..

نظرت إليه قدر بضيق:
ــ ممكن تبطل اللي بتعمله ده.. وتقول عايز إيه مني؟

توقف معتز عن تناول الطعام..
ورفع عينيه إليها بجدية:
ــ الميموري كارت... اللي عليه الصور ..
والفيديوهات اللي أخدتيها من الحفلة..

ثبتت قدر عينيها عليه:
ــ ولو رفضت؟

ابتسم معتز:
ــ مش من مصلحتك ترفضي....

صمت لحظة.. ثم قال وكأنه يلقي جملة عابرة:
ــ هيان وهيا كبروا دلوقتي... يعني قربوا من سن تلاتة.. وعشرين.. أربعة وعشرين... صح؟

اتسعت عينا قدر.. وتجمدت ملامحها...
ثم قالت بصدمة:
ــ إنت...

ابتلعت ريقها.. وأكملت:
ــ إنت اللي بعتلي الرسالة مع عمار؟

ابتسم معتز.. وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:
ــ أيوه...

مال إلى الخلف.. ثم قال بهدوء:
ــ لو عايزة إخواتك... وفوقيهم تعويض مالي كمان..
 عن اللي عمله كريم معاكي.. أنا ما عنديش مانع...

ثم ثبت عينيه عليها:
ــ بس الميموري كارت الأول...

اندفعت الكلمات من قدر دون تفكير:
ــ مستحيل أصدق كلامك ده! إنت كداب... 
إخواتي مــ ـــاتوا وهم لسه أطفال!

رفع معتز عينيه إليها..
وارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة:
ــ إخواتك عايشين... بس ده ما يمنعش إني كدبت عليكي.. بخصوص جلنار.. هي مع رجالي...مش في شغلها...

انتفضت قدر.. وقالت بقلق:
ــ لو عمتي حصلها حاجة...

قاطعها معتز بهدوء بارد:
ــ عمتك لسه ما حصلهاش حاجة... 
بس انتي اللي هتحددي هي هترجعلك إزاي..

تجمدت قدر مكانها.. وظلت تحدق فيه..
بعينين ممتلئتين بالخوف والغضب..

أما معتز، فأطفأ سيجاره بهدوء..
ثم نهض من مكانه واتجه نحو الباب...

وقبل أن يخرج.. التفت إليها وقال:
ــ دلوقتي بقى... عندك سبب تصدقيني...

ثم خرج وأغلق الباب خلفه...

ظلت قدر وحدها..
عاجزة عن استيعاب ما سمعته...
إخواتها أحياء....وعمتها بين رجال معتز..
ولأول مرة.. بدأت تشك أن كل ما عرفته..
عن ماضي عائلتها... ربما لم يكن سوى كذبة..

خرج معتز من بيت قدر.. واتجه إلى سيارته..
بخطوات هادئة.. كان رفعت ينتظره بالخارج..
وقبل أن يركب.. التفت إليه وقال بصرامة:
ــ رفعت... قدر ما تغبش عن عينك.. كل خطوة.. تخطيها.. أكون عارفها قبل ما تخطي الخطوة..
اللي بعدها.. وراقب تليفونها كويس..

أومأ رفعت بثقة:
ــ ما تقلقش... تحت عيني.. 
وشبابنا ركبين تليفونها..
يعني أي مكالمة تعملها بتوصلنا..

نظر معتز إلى منزل قدر للحظات وقال:
ــ عايز أعرف كل حاجة... قبل ما هي نفسها تعرفها.. 
حياتي في إيديها... فاهم؟

رد رفعت بثبات:
ــ فاهم....

أدار معتز محرك سيارته...
وانطلق مبتعدا عن المكان..
وظل رفعت واقفا يراقب منزل قدر..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«فــي المستشفــى ــ أمــام غرفــة العمليــ ــات»

كان الجميع يقف أمام غرفة العمـــ ــليات..
في خوف وقلق وظل صوت الأجهزة..
من الداخل يزيد من توترهم..

وفجأة اندفع كاهان نحو باهر..
وأمسكه من ياقة قميصه بعــ ـنف:
ــ مريم بتحــ ـارب المـــ ــوت جوه بسببك!
ليه عملت كده؟! ليه؟!

دفعه باهر بقوة في صدره.. وأبعده عنه بغــ ــضب:
ــ مش بسببي! إنت السبب في دمــ ــار حياتنا كلنا!

اقترب منه أكثر وصوته يزداد احتقانا:
ــ أنا عرفت بس دلوقتي ليه مراتك خدت ابنها 
وهــ ـــربت منك... أكيد بسبب القــ ــرف اللي كنت بتعمله! إنت إيه ياأخي؟! شيطـــ ــان؟! مافيش
حد سلم من شــ ـــرك!

نظر إليه كاهان بقهــ ــر.. وكأنه لا يصدق ما يسمعه:
ــ إنت بتقول إيه؟! إنت مش فاهم حاجة!

اقترب باهر منه...
ثم ضغط بإصبعه على كتفه بغــ ــضب:
ــ أنا مكنتش فاهم... بس دلوقتي فهمت...

سكت للحظة.. ثم قال بصوت حاسم:
ــ وحق مـــراتي... وحق مـــريم اللي..
بتحــ ــارب المـــ ــوت جوه لأنها أنقذتك..
هاخده منك يا كاهان... ومن اللحظة دي... 
أنا ماليش أخ....

ظل كاهان ينظر إليه بصــ ـــدمة...
عـــ ــاجزا عن استيعاب أن تلك الكلمات..
خرجت من أخيه....

وفجأة...

دوى صوت صفعة قوية في أرجاء المكان...
انتفض الجميع من شدتها.. ورفع كاهان عينيه ببطء...
كانت إلهام تقف في مواجهة باهر.. وظل يضع يده.. 
على وجهه.. ينظر إليها بذهول بعد الصفعة...

صــ ـــرخت في وجهه:
ــ إنت اتجــ ـــننت؟! امشي!
مش عايزة أشوف وشك!

وفي نفس اللحظة... اقترب عدد من..
العساكر وأمسكوا بباهر من ذراعيه..

ارتبكت رباب.. وأمسكت بيده بسرعة:
ــ إنتوا واخدينه على فين؟!

اندفع كاهان نحوهم.. وأبعد العساكر عن باهر..
ثم وقف أمامه في مواجهتهم:
ــ ابعدوا عن أخويا! عايزين منه إيه؟!

مسح ضياء يده على جبينه بتوتر.. وقال:
ــ سيبهم يشوفوا شغلهم يا كاهان...

اقترب العساكر من باهر مرة أخرى...
لكن كاهان دفعهم بعيدا:
ــ قولتلكم ما تقربوش! ارجعوا!

ثم التفت إلى ضياء:
ــ باهر مش هيروح في حتة...
ده موضوع عائلي.. والشرطة مش هتدخل..

تقدم الضابط المسؤول خطوة..
ووجه كلامه إلى ضياء:
ــ معانا أمر بالقبض عليه يا سيادة الرائد...

ثم نظر إلى كاهان.. 
قبل أن يعود بنظره إلى ضياء:
ــ فهمه إن اللي بيعمله ده لا في.. 
مصلحته ولا في مصلحة أخوه..

صاح كاهان بانفعال:
ــ محدش بلغ عن حاجة!
بقول لك ده موضوع عائلي!

فجاه خرج صوت إلهام هادئا:
ــ أنا بلغت... خده يا حضرة الرائد...

تجمد الجميع في أماكنهم...

التفت كاهان إليها ببطء، غير مصدق:
ــ ليه يا ماما؟! عملتي كده ليه؟! باهر...

وقبل أن يكمل جملته...
شعر بشيء حـــ ـاد يخترق جنبه..
تجمد مكانه.. خفض عينيه ببطء..
فرأى يدا ممسكة بسكــ ـــين مغروس في جانبه..
التفت بصعوبة... كان باهر خلفه رفع كاهان عينيه.. إليه.. وصوته خرج ضعيفا ومليئا بالصــ ــدمة:
ــ ليـــــه...؟

سحب باهر السكــ ـــين...
فتراجع كاهان خطوة... ثم سقط أرضا...

ــ كاهان!

صـــ ــرخت بها إلهام... واندفعت نحوه..
وسقط رأسه بين ذراعيها...

وفي اللحظة نفسها.. اندفع ضياء نحو باهر وانتزع.. 
السكــ ـــين من يده.. ظل باهر واقفا مكانه...
ينظر إلى كاهان غير مستوعب لما فعله..
كانت عيناه زائغتين.. وملامحه شاحبة وكأنه هو.. 
الآخر لم يصدق أن يده هي التي طــ ــعنت أخاه..

أما رباب...
فحدقت فيهما بصــ ـــدمة...
ثم تراجعت إلى الخلف ببطء..
وكأنها تخشى الاقتراب أكثر..

وفجأة اندفع الأطباء والممرضون..
نحو كاهان.. وأحاطوا به بسرعة..

ــ بسرعة! ارفعوه على الترولي!

حمله الأطباء وسط حالة من الارتباك..
وحاول أحدهم إيقاف النـــ ـــزيف..

صــ ــرخت إلهام وهي تتشبث بذراعه:
ــ كاهان! ابني!

الطبيب:
ــ ابعدي يا مدام.. لازم ندخله العمــ ــليات فورا!

ابتعدت إلهام مجبرة.. وظلت تراقبه بخوف..
اندفع الأطباء به نحو غرفة العمــ ــليات...
وفي الجهة الأخرى.. اقترب العساكر من باهر..
مرة أخرى وأمسكوا به.. هذه المرة لم يقاوم وذهب معهم..

ثم انفتح باب غرفة عمليـ ــات مريم...
وخرجت ممرضة مسرعة.. وملامح القلق.. 
تكسو وجهها:
ــ انتوا أهل مريم؟!

التفت الجميع إليها...
اقترب ضياء منها بسرعة:
ــ مــــريم مالها؟!

قالت الممرضة بأنفاس متقطعة:
ــ حالتها صعبة... ومحتاجة نقل د،م فورا...

تجمدت إلهام في مكانها..
نظرت إلى باب غرفة مريم...
ثم إلى الباب الآخر الذي دخل إليه كاهان..
وفي تلك اللحظة.. لم تعرف أيا منهما ستفقد أولا..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

« فــــــي دار الايتــــــــام »

كانت شهيرة تقف أمام تليد في الغرفة...
وراحت عيناها تتأكدان من خلو المكان..
قبل أن تتحدث... قالت بهدوء:
ــ سلمت الولاد؟

أومأ تليد:
ــ أيوه... الأربعة اتسلموا...

ظهرت على وجه شهيرة 
ابتسامة خفيفة.. ثم سألت:
ــ وهيخلصوا إمتى؟

رد تليد:
ــ قالوا هنخدهم بعد العمــ ـلية.. شهر بالكتير..

صمتت شهيرة للحظة.. ثم اقتربت منه:
ــ وبعدها؟

ابتسم تليد ابتسامة صغيرة:
ــ بعدها نبلغ إننا لقينا الأطفال.. وانتي تثبتي إنهم.. 
رجعوا للدار... وساعتها تبقي المديرة رسمي..

اتسعت ابتسامة شهيرة.. وقالت بثقة:
ــ يعني كل حاجة هتتمسح...
كأنهم ما اختفوش أصلا...

نظر إليها تليد.. وقال بهدوء:
ــ بالضبط... شهر واحد...
ونكون خلصنا من الموضوع ده..

ثم ابتسم ابتسامة جانبية.. وأضاف:
ــ وأحسن حاجة في الشغلانة دي...
إن مفيهاش مــــ ــــوت....
بس فيها فلوس... فلوس كتير...

ابتسمت شهيرة بهدوء:
ــ وهي دي حلاوة اللعبة يا تليد...

اقتربت منه.. وخفضت صوتها:
ــ المـــ ــوت كان هيخلصنا منهم مرة واحدة...
لكن اللي بنعمله أن الطفل بيفضل عايش...
وإحنا بنفضل نكسب....

اقترب تليد منها..
وسحبها إلى حضنه.. وقال بابتسامة:
ــ طب إيه... مش هنحتفل بالمنصب..
يا حضرة المديرة؟

اقتربت شهيرة منه أكثر بدلال.. وابتسمت:
ــ يلا بينا...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

« فــي المســـــاء بمنــزل قــدر »

طرق أحدهم باب المنزل..
استندت قدر على عكازها..
واتجهت بصعوبة نحو الباب.. ثم فتحته...

فتفاجأت بمجموعة من زملائها في الجريدة..
يتقدمهم حمزة.. ابتسمت قدر ابتسامة خفيفة..

اقترب حمزة منها خطوة وقال:
ــ قولنا نعملك مفاجأة ونجيلك نطمن عليكي..

اقتربت يافا واحتضنتها:
ــ حمدالله على سلامتك يا قدر..

ابتسمت قدر:
ــ الله يسلمك يا يافا..

تبادل باقي الزملاء معها التحية.. ثم دخلوا..
إلى المنزل.. يحملون بعض التورت والعصائر..
وبدأوا في خلق أجواء بسيطة تشبه الاحتفال.. 
محاولين إخراج قدر من حالة التوتر التي تعيشها..

انشغل الجميع بالحديث والضحك..

وقف حمـــزة إلى جوار قـــدر..
وتحدث معها بصوت منخفض:
ــ أنا عارف إن ده مش وقت احتفال..
بس دي كانت الطريقة الوحيدة اللي أقدر..
أشوفك بيها من غير ما حد يشك.. خصوصا إن.. 
رجالة معتز الجمال بيراقبوا النفس اللي بتاخديه..

نظرت إليه قدر بتفهم.. ثم قالت بصوت خافت:
ــ معتز خطف عمتي يا حمزة... وبيقول إن إخواتي..
 لسه عايشين.. ما مـ ــاتوش.. أنا مبقتش فاهمة حاجة..

نظر حمزة حوله بحذر.. ثم قال بجدية:
ــ أكيد معتز بيعمل كل ده عشان يوصل..
للميموري كارت.. أوعي تقعي في فخه وتصدقي.. 
حكاية إخواتك دي... أكيد بيلعب عليكي..

تنهدت قدر بحيرة:
ــ مش عارفة أتصرف إزاي...

ظل حمزة يتابع حركة..
زملائه للحظات..ثم قال بهدوء:
ــ قدر... الميموري كارت معايا..

اتسعت عيناها قليلا:
ــ معاك؟!

قال حمزة بهدوء:
ــ أيوه... أخدته من المكان اللي إنتي خبتيه فيه..
قبل ما رجالة كريم يمسكوكي..

صمت للحظة.. ثم أضاف بأسف:
ــ يوم الحفلة محدش كان مركز معايا...
كل تركيزهم كان عليكي.. وأنا آسف.. 
إني ما قدرتش أساعدك..

نظرت إليه قدر للحظات.. ثم قالت بحسم:
ــ حمزة.. أنا هدي الميموري كارت لمعتز... 
عشان يسيب عمتي.. وكمان أعرف إخواتي إزاي.. 
عايشين.. ولو فعلا موجودين... هم فين؟

تغيرت ملامح حمزة.. وقال بجدية:
ــ قدر... في حاجة لازم تعرفيها الأول..

قدر نظرت إليه باهتمام...

حمزة أخرج هاتفه.. وفتح مقطع فيديو:
ــ يوم الحفلة... صورت معتز الجمال...
كان معاه واحدة ست..

رفع الهاتف أمامها.. وأكمل:
ــ هي مش ظاهرة في الفيديو بشكل واضح...
بس كانوا لوحدهم.. وقريبين من بعض..

اقتربت قدر من الهاتف.. وراحت تدقق ..
في الفيديو محاولة رؤية ملامح المرأة..

ثم سألت بقلق:
ــ مين الست دي؟


تعليقات