رواية كيفك انت الفصل السادس
وقفت صفية تنظر إلى نعمات باستغراب، فما زالت زيارة نعمات المفاجئة لها بعد سنوات طويلة تثير دهشتها.
ابتسمت نعمات وهي تنظر إليها وقالت بهدوء:
نعمات:
إيه يا صفية... هنفضل واقفين على الباب؟ ولا نقعد ونتكلم؟
انتبهت صفية إلى نفسها سريعًا.
صفية:
يا ساتر... حقك عليا. اتفضلي... البيت بيتك.
تنحت جانبًا، فدخلت نعمات إلى المنزل، وأغلقت صفية الباب خلفها.
أشارت لها نحو الصالة.
صفية:
اتفضلي اقعدي... هعملنا كبايتين شاي.
جلست نعمات على الأريكة وهي تتلفت حولها في هدوء، بينما اتجهت صفية إلى المطبخ.
أشعلت الموقد، ووضعت براد الشاي فوقه، لكن عقلها كان مشغولًا بزيارة نعمات المفاجئة.
صفية (في سرها):
يا ترى إيه اللي جاب نعمات بعد السنين دي كلها؟ لا عمرها زارتني، ولا حتى سألت عني. أكيد وراها موضوع... بس يا ترى إيه هو؟
أخرجت أكواب الشاي، وسكبت الشاي وهي ما زالت غارقة في التفكير.
صفية (في سرها):
يارب خير... قلبي مش مطمن.
حملت الصينية، وعادت إلى الصالة.
وضعت أكواب الشاي أمام نعمات، ثم جلست مقابلها وهي تبتسم في مجاملة.
صفية:
اتفضلي يا نعمات.
ارتشفت نعمات رشفة صغيرة من الشاي، ثم ابتسمت.
نعمات:
تسلم إيدك... شايك لسه زي ما هو.
ابتسمت صفية ابتسامة خفيفة، ثم نظرت إليها في انتظار أن تتحدث.
صفية:
خير بقى يا نعمات... أكيد جايالي في موضوع، لأن دي أول زيارة منك ليا من سنين.
وضعت نعمات الكوب على الطاولة، ثم قالت بهدوء:
نعمات:
خير إن شاء الله... أنا جاية في موضوع يخص زهرة.
انتفض قلب صفية، واعتدلت في جلستها.
صفية:
زهرة؟! خير يا نعمات... مالها بنتي؟
ابتسمت نعمات وهي تهز رأسها.
نعمات:
بشويش... بشويش عليا. أنا جاية في الخير.
تنهدت صفية براحة.
صفية:
الحمد لله... خوفتيني.
نظرت نعمات إليها مباشرة، ثم قالت:
نعمات:
أنا جاية أخطب زهرة.
اتسعت عينا صفية من المفاجأة، ثم سألت بسرعة:
صفية:
تخطبها؟! لمين؟
ابتسمت نعمات وقالت بثقة:
نعمات:
لابني... إبراهيم.
شهقت صفية دون أن تشعر، ثم وضعت يدها على صدرها من شدة المفاجأة.
صفية:
إبراهيم؟!
نظرت إليها نعمات باستغراب، ثم عقدت حاجبيها.
نعمات:
مالك؟! فيه إيه؟ مش عاجبك إبراهيم؟! ده شباب وجمال، الله أكبر، وشغال في الخليج، وربنا فاتحها عليه. هي تلاقي زيه فين؟
ارتبكت صفية، ولوحت بيدها سريعًا.
صفية:
أبدًا... مش قصدي كده خالص. إبراهيم ما يتعيبش، بس... هو معاه دبلوم صنايع، وزهرة في الكلية، يعني... أقصد...
قاطعتها نعمات قبل أن تكمل حديثها.
نعمات:
كلية إيه ودبلوم إيه يا صفية؟! الراجل ما يعيبوش غير جيبه، وابني الحمد لله ربنا رازقه. شغال في الخليج، ومرتبه ما شاء الله، وكل اللي هتطلبه هيجيبه. ده غير إن شقته جاهزة ومتشطبة أحسن تشطيب، وفرشها كله جديد، ومش ناقصها غير العروسة.
أطرقت صفية برأسها قليلًا، ثم قالت بهدوء:
صفية:
أنا مقدرش أديكي وعد دلوقتي يا نعمات. لازم أقعد مع زهرة الأول، وأتكلم كمان مع خالها، وبعدها أرد عليكي.
ابتسمت نعمات وهي تنهض من مكانها.
نعمات:
وده حقك طبعًا، وأنا هكون مستنية ردك.
ثم التقطت حقيبتها وقالت:
نعمات:
استأذن أنا.
نهضت صفية لتودعها حتى الباب.
صفية:
نورتي البيت يا نعمات.
ابتسمت نعمات ابتسامة هادئة، لكن عينيها كانتا تخفيان انتصارًا لم يظهر على لسانها.
نعمات (في سرها):
أول خطوة تمت... والباقي هييجي لوحده.بقلم ميادة يوسف الذغندى
أغلقت صفية الباب خلف نعمات، ثم عادت إلى الصالة ببطء.
جلست في مكانها، وأسندت ظهرها إلى الأريكة، وعيناها معلقتان في الفراغ.
كانت تفكر في الأمر من كل الجهات.
إبراهيم... شاب محترم، ويعمل في الخليج، ومستقبله المادي مطمئن.
لكن...
هل ستوافق زهرة؟
وهل ستتقبل أن تترك دراستها إن طلب منها ذلك؟
والأهم من كل هذا...
كانت صفية تشعر منذ سنوات أن هناك مشاعر خفية تجمع بين زهرة ويحيى، ابن أختها.
لم تسمع منهما اعترافًا، ولم ترَ شيئًا صريحًا، لكن نظراتهما، وخوف كل واحد منهما على الآخر، كانت كافية لتجعل قلب الأم يشعر بما لا يُقال.
تنهدت صفية وهي تتمتم:
صفية (في سرها):
يارب دلني على الصح... أنا آخر حاجة أتمنى أظلم بنتي.
نهضت من مكانها، واتجهت إلى غرفة زهرة.
وقفت أمام الباب للحظات، ثم طرقت طرقات خفيفة.
زهرة:
ادخلي يا ماما.
فتحت صفية الباب، ودخلت ببطء.
كانت زهرة تجلس إلى مكتبها، وبين يديها كتب الجامعة، منهمكة في المذاكرة.
رفعت رأسها، فلاحظت تردد والدتها وشرودها.
ظلت تنظر إليها باستغراب لثوانٍ، ثم نهضت من مكانها بسرعة.
زهرة:
مالك يا ماما؟ فيه إيه؟
ترددت صفية في الكلام، ثم جلست على طرف السرير وهي تعبث بطرف حجابها.
لاحظت زهرة ارتباكها، فازداد قلقها.
اقتربت منها وجلست بجوارها.
زهرة:
قلقتيني... خير إن شاء الله؟
تنهدت صفية بعمق، ثم قالت وهي ما زالت مترددة:
صفية:
والله يا زهرة... أنا مش عارفة أقولك ولا لأ.
عقدت زهرة حاجبيها، وأمسكت بيد والدتها.
زهرة:
ليه بس؟ خير... قولي، طمنيني.
نظرت صفية إلى ابنتها طويلًا، وكأنها تحاول أن تقرأ ما بداخل قلبها قبل أن تنطق بالحقيقة.
ثم قالت بصوت هادئ:
صفية:
النهارده... نعمات كانت هنا.
اتسعت عينا زهرة بدهشة.
زهرة:
طنط نعمات؟! عندنا؟ خير؟
هزت صفية رأسها ببطء، ثم قالت:
صفية:
كانت جاية... تطلب إيدك للجواز.
ما إن سمعت زهرة كلمات والدتها، حتى ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهها، وأضاءت عيناها بفرحة لم تستطع إخفاءها.
زهرة:
بجد يا ماما... جاية تخطبني؟
وفي داخلها كانت الأفكار تتسابق.
زهرة (في سرها):
يعني يحيى كلمهم؟! طب ليه ما قالّيش؟! إحنا كنا بنتكلم من ساعتين، وكان طبيعي جدًا... هو كان مخبي عليا المفاجأة؟!
راقبتها صفية في صمت.
ورغم أن الفرحة التي غمرت وجه ابنتها أسعدتها، إلا أنها أدركت في تلك اللحظة أن زهرة فهمت الأمر بشكلٍ خاطئ.
تنهدت صفية وهي تشعر بثقل الكلمات في حلقها.
صفية (في سرها):
يا خسارة يا بنتي... إنتِ فاكرة إن العريس يحيى. أقولها إزاي من غير ما أكسر فرحتها؟
ظلت تنظر إليها لثوانٍ، لا تعرف من أين تبدأ.
أما زهرة، فاقتربت منها أكثر وهي تبتسم بخجل.
زهرة:
هو... يحيى بعت ماما نعمات؟ ولا كلم خاله الأول؟
ازدادت حيرة صفية، وشعرت أن كل كلمة ستقولها الآن ستقلب ملامح ابنتها رأسًا على عقب.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أمسكت يد زهرة برفق وقالت بصوت هادئ:
صفية:
لا يا زهرة... افهميني الأول.
اختفت ابتسامة زهرة تدريجيًا، ونظرت إلى والدتها باستغراب.
زهرة:
يعني إيه يا ماما؟
أخذت صفية نفسًا عميقًا، ثم قالت:
صفية:
العريس... مش يحيى.
ساد الصمت...
وتجمدت ابتسامة زهرة على شفتيها.
عند يحيى...
كان يجلس داخل شقته، تبدو على وجهه علامات الضيق، بينما وقفت لوجين أمامه تحاول أن تتحدث معه.
نظر إليها ببرود، ثم أشار بيده ناحية باب الشقة.
يحيى: اتفضلي يا لوجين... اخرجي بره، لو سمحتي.
هزت لوجين رأسها برفض، واقتربت منه خطوة.
لوجين: يحيى... اسمعني بس. والله الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
تنهد يحيى بضيق، ثم أشاح بوجهه عنها........
