رواية كبيرهم الفصل السادس 6 بقلم سهر احمد


 رواية كبيرهم الفصل السادس 

«الخاتم اللي فتح الباب... والورقة اللي ليلى خبّتها قبل موتها»

---

آدم .. يبقى أنا هفتحه.

الكلمة خرجت من بين سنانه هادية...

لكن وقعها كان أقوى من أي صرخة.

قبضة آدم كانت مقفولة على الخاتم الفضة.

الخاتم اللي ظهر فجأة في نص الطاحونة...

الخاتم اللي عليه نفس العلامة القديمة.

والحرف المحفور من جوه:

«ل»

رائد كان واقف قدامه، وملامحه لأول مرة فقدت ثباتها.

رائد .. آدم... اسمعني.

آدم .. لأ.

رائد .. إنت مش فاهم اللي ممكن يحصل.

آدم .. وأنا طول عمري مش فاهم.

رفع آدم الخاتم قدام عينه.

آدم .. عشرين سنة وأنا عايش باسم مش اسمي... وأب مش عارفه... وأم ماتت وأنا فاكر إني عارف سبب موتها.

ثم بص لجابر.

آدم .. وراجل رباني وقالي طول عمري "أنا أبوك اللي رباك".

صوته ارتفع.

آدم .. وفي الآخر أكتشف إن الراجل اللي رباني كان مخبي عني الحقيقة!

جابر نزل عينه.

آدم .. يبقى متطلبش مني أفهم.

جابر .. يا ولدي...

آدم .. متقوليش يا ولدي!

سكت جابر.

الكلمة وجعته أكتر من أي اتهام.

آدم قرب منه.

آدم .. أنا عايز إجابة واحدة بس.

جابر رفع عينه.

آدم .. إنت ليه أخفيت أبويا عني؟

جابر فتح بقه...

لكن صوته ما خرجش.

رائد تدخل.

رائد .. لأنه ما كانش يقدر يقولك.

آدم لف له.

آدم .. وإنت تقدر؟

رائد .. أنا عارف حاجات...

آدم .. حاجات ولا الحقيقة؟

رائد سكت.

آدم .. كل واحد فيكم ماسك حتة من حياتي... وكل واحد بيقول لي "لسه بدري".

ضحك بمرارة.

آدم .. طب أنا هكبر إمتى؟

ولا حد رد.

آدم نزل بعينه للخاتم.

آدم .. الحرف ده...

مرر إصبعه على النقش.

آدم .. «ل».

ثم رفع عينه ناحية سالم.

آدم .. ليلى؟

سالم اتغيرت ملامحه.

آدم لاحظ.

آدم .. صح؟

سالم .. الخاتم ده كان معاها.

الجميع بص له.

آدم .. كان معاها؟

سالم .. أيوه.

آدم .. وإنت كنت عارف؟

سالم .. كنت عارف إن ليلى كان معاها خاتم بالشكل ده.

آدم .. وإنت عارف معناه؟

سالم سكت.

آدم .. اتكلم!

سالم .. كنت أعرف إنه مفتاح.

رائد قرب منه.

رائد .. مفتاح لإيه؟

سالم .. لمكان جابر أقسم إنه عمره ما هيفتحه.

كل العيون راحت لجابر.

ناجي .. جابر؟

جابر تنهد.

جابر .. كنت أتمنى أموت قبل ما أشوف اليوم ده.

آدم .. بس اليوم جه.

جابر بص للحائط.

جابر .. أيوه... جه.

آدم مد إيده ناحية الحجر.

جابر اندفع ناحيته.

جابر .. استنى!

آدم رجع خطوة.

آدم .. ليه؟

جابر .. لأن الباب ده اتقفل عشان يحمي سر... لو خرج، مش هيفضل حد في النجع بعيد عنه.

آدم .. وأنا تعبت من الأسرار.

ثم وضع الخاتم داخل التجويف.

طَق!

صوت معدني قديم خرج من الحائط.

الطاحونة كلها سكتت.

ثم اهتز الحجر.

حجر اتحرك...

ثم حجر تاني...

وببطء ظهر باب حجري ضيق، وراه سلم نازل لتحت.

هواء بارد خرج من المكان.

هواء له رائحة تراب قديم...

ورائحة خشب عتيق...

وكأن المكان كان مستني حد يفتحه من سنين.

ناجي قرب من الباب.

ناجي .. جابر... إنت دخلت هنا قبل كده؟

جابر .. أيوه.

ناجي .. لوحدك؟

جابر سكت.

رائد .. لأ.

بص لجابر.

رائد .. كان معاك حد؟

جابر .. أيوه.

آدم لف بسرعة.

آدم .. أبويا؟

جابر .. متستعجلش.

آدم .. يعني إيه؟

جابر .. يعني إنك لسه ما تعرفش مين كان الراجل اللي خرج من النجع في الليلة دي... ولا ليه خرج.

رائد .. وإيه علاقة آدم بالليلة دي؟

جابر .. كل حاجة بدأت من آدم.

آدم .. وأنا طول عمري مش عارف.

جابر .. عشان ليلى كانت عايزة تفضل مش عارف.

سكت آدم.

ثم قال:

آدم .. يبقى هنزل.

رائد .. وأنا معاك.

جابر .. محدش ينزل لوحده.

ناجي .. يبقى ننزل كلنا.

ونزلوا.

---

الممر كان ضيق...

والحجارة على الجانبين قديمة لدرجة إن بعضها كان متآكل.

كل خطوة كانت بتطلع صوت مكتوم.

كأن المكان نفسه بيرفض يستقبلهم.

لجين كانت ماشية جنب رائد.

لجين .. رائد...

رائد .. نعم؟

لجين .. إنت كنت عارف إن المكان ده موجود؟

رائد سكت.

لجين .. رد.

رائد .. كنت أعرف إن أبويا كان بيمنع أي حد يقرب من الطاحونة.

لجين .. وليه؟

رائد .. لأنه كان خايف عليكِ.

لجين وقفت.

لجين .. عليا أنا؟

رائد .. أيوه.

لجين .. من مين؟

رائد لم يجب.

لجين .. طول عمري وأنا فاكرة إن مفيش حد عايزني غيرك.

رائد بص لها.

لجين .. كل مرة أسألك عن أصلي، تقولي "لما ييجي الوقت".

رائد .. لجين...

لجين .. والوقت جه؟

رائد سكت.

لجين .. ولا لسه؟

سالم كان ماشي خلفهم.

سالم .. أصل لجين مش هيتكشف هنا.

لجين التفتت له.

لجين .. وإنت تعرف؟

سالم .. أعرف أكتر مما تتخيلي.

لجين .. يبقى قولي.

سالم .. مش كل اللي نعرفه ينفع يتقال.

لجين .. وليه؟

سالم .. لأن في ناس دفعت عمرها تمن كلمة واحدة.

لجين بصت لرائد.

لجين .. وإنت واحد منهم؟

رائد لم يجب.

---

وصلوا لنهاية الممر.

كانت هناك غرفة صغيرة.

في منتصفها صندوق خشبي قديم.

وفوقه قطعة قماش بيضاء متربة.

جابر قرب منه.

جابر .. ده هو.

آدم .. إيه ده؟

جابر .. الحاجة اللي ليلى سابتها.

رائد .. إنت كنت عارف إنها هنا؟

جابر .. أيوه.

رائد .. وفضلت ساكت؟

جابر .. لأني وعدتها.

آدم .. وعدتها بإيه؟

جابر .. إني أحافظ على اللي طلبت مني أحافظ عليه... مهما حصل.

ثم فتح الصندوق.

كان بداخله ظرف قديم...

وسلسلة فضية صغيرة...

وصورة ممزقة.

آدم أخذ الصورة.

كانت ليلى واقفة أمام باب قديم.

وفي يدها شيء صغير ملفوف بقطعة قماش.

لكن وجه الرجل الواقف خلفها كان ممزقًا من الصورة.

آدم .. ليه وشه متقطع؟

جابر .. أنا اللي قطعته.

رائد .. ليه؟

جابر .. عشان محدش يعرفه.

آدم .. وإنت عارفه؟

جابر .. أيوه.

آدم .. مين؟

جابر رفع عينه لآدم.

جابر .. الراجل اللي خرج من النجع في الليلة اللي اختفت فيها ليلى.

آدم .. أبويا؟

جابر .. يمكن.

آدم .. "يمكن" تاني؟

جابر .. لأن ليلى نفسها ما كانتش عايزة اسمه يفضل موجود.

آدم .. كانت بتحميه؟

جابر .. كانت بتحمي سر أكبر منه.

آدم .. إيه هو؟

جابر .. افتح الظرف.

---

آدم مد إيده.

لكن جابر أمسك معصمه.

جابر .. استنى.

آدم .. تاني؟

جابر .. الورقة دي مش هتقولك مين أبوك بس.

آدم .. أمال؟

جابر .. هتقولك مين كان بيكدب عليك طول عمرك.

رائد .. افتحها.

جابر ترك إيد آدم.

آدم فتح الظرف.

طلع منه ورقة قديمة، والخط كان واضح رغم السنين.

آدم أخذها.

وقرأ أول سطر...

ثم اتغير وجهه.

آدم .. دي بخط أمي.

رائد قرب.

رائد .. مكتوب إيه؟

آدم بدأ يقرأ بصوت مرتعش:

آدم .. "يا جابر..."

جابر غمض عينه.

آدم كمل:

آدم .. "لو إنت بتقرأ الورقة دي، يبقى أنا مشيت من الدنيا قبل ما أقدر أرجع..."

سكت.

ثم تابع:

آدم .. "أنا عارفة إنك هتكرهني عشان اللي هطلبه منك..."

جابر دموعه لمعت.

آدم .. "بس أوعى تسلّم آدم للرجل اللي طلبه منك..."

رفع عينه لجابر.

آدم .. ليه؟

جابر لم يرد.

آدم رجع للورقة.

آدم .. "وأوعى تصدق الرجل اللي هيقول لك إنه يعرف أبو آدم..."

رائد اتجمد.

رائد .. استنى.

آدم كمل:

آدم .. "لأن الراجل اللي هيوعدك بالحماية... هو نفسه اللي كان لازم تخاف منه."

الصمت ضرب الغرفة.

لجين .. يعني إيه؟

جابر أخذ نفسًا طويلًا.

لكن آدم تابع القراءة.

آدم .. "ولو سألك آدم يومًا عن أبوه..."

توقّف.

عيناه تحركتا بين السطور.

آدم .. "قوله إن أبوه مش هو الرجل اللي رباه..."

سكت.

ثم قلب الورقة.

وفي ظهرها جملة واحدة فقط:

"لكن أوعى تقول له مين هو... قبل ما تعرف مين قتله."

آدم نزل الورقة ببطء.

رائد .. مين قتله؟

جابر لم يجب.

آدم .. جابر!

جابر ظل ساكتًا.

آدم .. إنت كنت عارف؟

جابر .. أيوه.

آدم .. وعارف مين أبويا؟

جابر .. أيوه.

آدم .. وعارف مين قتله؟

جابر لم يرد.

آدم قرب منه.

آدم .. بص في عيني.

جابر رفع عينه.

آدم .. مين قتل أبويا؟

قبل أن يجيب جابر...

صدر صوت من خلفهم.

طَق...

الجميع التفت.

الباب الحجري اللي دخلوا منه...

كان بيتقفل ببطء.

ناجي .. الباب!

آدم جرى ناحيته.

لكن قبل ما يوصل...

خرج صوت رجل من ممر جانبي مظلم:

الصوت .. متتعبوش نفسكم.

الجميع استدار.

رجل مسن خرج من الظلام.

وشه كان نصفه غارق في العتمة.

جابر أول ما شافه...

اتراجع خطوة.

جابر .. إنت؟!

الرجل ابتسم.

الرجل .. أيوه يا جابر.

رائد .. مين ده؟

جابر لم يجب.

الرجل بص لآدم طويلًا.

الرجل .. كبرت يا ابن ليلى.

آدم اتجمد.

آدم .. تعرف أمي؟

الرجل .. كنت آخر واحد شافها وهي عايشة.

آدم .. وإنت مين؟

الرجل ابتسم.

الرجل .. أنا الرجل اللي جابر أخفى وجوده عنك عشرين سنة.

رائد تقدم خطوة.

رائد .. إنت تعرف أبو آدم؟

الرجل .. أعرف أبوه...

ثم نظر لجابر.

الرجل .. وأعرف ليه جابر أخفى الحقيقة.

جابر .. متتكلمش.

الرجل .. ليه؟

ابتسم.

الرجل .. خايف يسمع اللي حصل في الليلة اللي خرج فيها أبوه من النجع؟

آدم .. إنت كنت هناك؟

الرجل .. كنت آخر شاهد.

آدم .. على إيه؟

الرجل اقترب خطوة.

الرجل .. على اللي حصل لأبوك.

آدم مد إيده.

آدم .. قول.

الرجل أخرج ورقة قديمة من جيبه.

ورفعها أمامه.

الرجل .. الورقة دي فيها اسم الرجل اللي قتل أبوك.

آدم .. هاتها.

الرجل .. بس فيها حاجة أهم.

آدم .. إيه؟

الرجل نظر إلى جابر.

ثم قال:

الرجل .. فيها الاسم اللي جابر قضى عشرين سنة بيحاول يخبيه.

جابر .. متفتحش الورقة.

الرجل ابتسم.

الرجل .. فات الأوان.

ثم نظر إلى آدم.

الرجل .. لأن الاسم اللي فيها...

هو نفس الاسم اللي ليلى كانت بتحاول تحميك منه.

آدم مد إيده.

لكن قبل ما تلمس أصابعه الورقة...

انطفأت الشعلة.

الظلام ابتلع الغرفة.

ثم جاء صوت جابر من وسط العتمة:

جابر .. آدم...

سكت لحظة.

ثم قال بصوت مكسور:

جابر .. لو عرفت اسم الراجل ده... هتعرف ليه أمك ماتت.

وفي نفس اللحظة...

جاء صوت ارتطام قوي من خلف الباب.

دَوّي!

ثم صوت الرجل المسن من الظلام:

الرجل .. وجيت متأخر يا جابر... لأن اللي قتل أبو آدم... رجع.


تعليقات