رواية الوجه الاخر للرحمة الفصل الثاني والستون بقلم عبير إدريس
ظل يباوعلي بنفس النظرة ، نظرة ما عرفت أفسرها. توقعت راح بأي لحظة يثور ، يضربني ، ينتفض لكرامته ، ويمكن يطلكني وأخلص أخيراً من هذا الارتباط اللي بيه استنزفني.
بس اللي صار جان أبعد شي عن كل توقعاتي..
مد إيده بهدوء ،ورجع خصلة من شعري جانت نازلة على وجهي ، حطها ورا إذني، وهمس :
شهم : بعده الموقف ببالج ؟ ما نسيتيه ؟ولا انه ناسيه . اذا بعده ببالج ، انه أتفهم... الإنسان من ينجرح مو بسهولة ينسى، بس اللي يريد يحفظ كرامته ، ما يحتاج يكسر كرامة غيره حتى يثبتها ، حتى لو هذا الشخص غلطان بحقه.
سمر : اذا تعرف هيج ، ليش كسرتني وهنتني ؟
شهم : كرامتج محفوظة، وما عاش اللي يكسرها . وحقج اذا عندج عتاب ، انه ما أنكره . بس رد الأذى مو استرجاع للكرامة لا ، هذا التصرف مجرد استمرار للجرح ، واذا كل واحد بينا ظل ينتظر فرصته حتى يرد الوجع ، علاقتنا بالنهاية راح تصير مجرد تصفية حسابات.
سمر : كل هذا الحجي ما يهمني ، اعترف انجرحت وأذاك هذا الموقف ، مثل ما أذاني.
ابتسم ابتسامة هادئة ، بس هدوءه جان يوجعني أكثر من أي ردة فعل وعصبية ممكن أشوفها منه.
شهم : من أول ما دخلتي للغرفة بهذا لبسج ، حضر الموقف القديم كدامي. وعرفت ليش جايتني ، من غير ما أطلبج ولا أتعب ، ومن نظرتج عرفت إنج مو جاية حتى تنتقمين مني ، وانما جنتِ تريدين تثبتين لنفسج إنج تكدرين توجعيني مثل ما وجعتج .
سكت لحظة وبعدين كمل :
شهم : بس خلي بالج من شغلة ، اللي يحبج اذا وجعتيه ممكن يسامح ، أما اذا خليتيه يتعلم منج شلون يرد الوجع بوجع أكبر منه او مماثل إله ، يومها ما يبقى طرف ينتظر اعتذار ..لأن كل واحد راح يصير مشغول ويفكر شلون ينتصر على الثاني.
هنا انه انهاريت بدل ما أهدأ ، كل كلمة يحجيها بدل ما تطفيني ، جانت تزيد النار بداخلي ، حسيت حتى وهو بهالحالة ، وبعد كل اللي صار بينا ، دا يحجي وكأنه هو لازم زمام الأمور ومسيطر على الموقف ، حسسني هو المنتصر مو انه.
كمت أحجي ودموعي تنزل وحدها ، ما جنت أسيطر عليها وعلى ضعفي كدامه ، ليش أضعف ليش ما ابقى قوية واجاوبه بابتسامة توجعه مثل ما وجعني وهاني بيومها..
سمر : جذاب ، انت دائماً تريد تحط نفسك بموقف المنتصر ..ما تريد تبين شلون جنت رايدني بروح وبعدين كسرتك .
شهم : هسه انتِ تريدين تثبتين لنفسج إن انه بلا كرامة صح ؟
سمر : اي انت بلا كرامة من قبلت تعيش هاللحظات ، وانت تعرف من البداية انه جاية حتى أنتقم منك لموقف قديم . ورغم هذا سايرتني وقبلت.
شهم : وشنو عيب اذا جنت مشتاقلج اكولج مشتاق وفعلاً انه جنت رايدج ومتمنيج وكل كلمة كلتها صحيحة ما جذبت عليج بحرف واحد..
سمر : ما يهمني اسمع عن مشاعرك وبشنو تحس بس اريدك تعترف ، الكلمة جرحتك مثل ما جرحتني.
شهم : هسه انتِ تعتبرين نفسج أخذتي حقج ؟ صح ؟
هزيت راسي بأي .
شهم : وانه ساعدتج تردين حقج ، بس لا تسمين الوجع رد كرامة ، ﻷن الكرامة تخليج تتجاوزين الموقف ، مو تنتظرين سنين حتى ترديه .وبهيج صرنا متصافين.
سمر : يعني هسه انت بكلامك هذا تلف وتدور حتى بس تثبتلي هاي الكلمة ما وجعتك ولا تأثرت بيها ؟
شهم : لا ليش الف وأدور ؟ بالعكس ، خليتج تعيشين اللحظة ، والدليل من دخلتي لغرفتي ما حجيتي ولا كلمة. انه اللي حجيت وبادرت وجنت أعرف بنهاية الموقف راح تحجيلي هالكلمة ..
سكت وظل يباوعلي بعدين تنهد وكال :
بس تدرين شنو الفرق بيني وبينج ؟
بلعت ريگي وهمست :
سمر : شنو ؟
شهم : الفرق انه من أتعرض لشي يوجعني ، أواجهه بوقته ، ما أخليه سنين بگلبي وأبقى أنتظر فرصة حتى أرجعه . يا اما أتجاوزه ويبقى محفور بذاكرتي ، أو أنساه ..ﻷن اللي ينتظر الفرصة حتى يرد ، هذا مو دا يسترجع كرامته ، وأنما دا يكشف للمقابل شكد هو بعده متأثر ، وما ناسي .
سمر : وهسه انت فرحان لأن انه ما نسيت إهانتك ؟ ما نسيت جرحك ، وبقيت سنين ، على كولتك ، أتذكره وأنتظر فرصة حتى أرده ؟
شهم : سمر ، كل الأذية اللي صارت بينا انتِ جنتِ جزء جبير منها ، لا تنكرين .
سمر : جزء منها ؟ ليش انه شنو سويت ؟
شهم : يعني ما تدرين شنو سويتي ؟
سمر : لا ، ما أدري. كل اللي سويته ذبيت مي وجهي كدامك حتى بس أبقى وياك وما تطلكني .وبالنهاية طلكتني بسبب كذب مرتك وافتراءاتها علية .
شهم : والطلاك الثاني شنو سببه برأيج؟
سمر : اسأل نفسك ، طلكتني ، ودرت وجهك ، ورحت ....وحتى ما بررت ولا عاتبتني..شنو الذنب اللي سويته ويستحق تطلكني عليه مرتين.
شهم : ما بررت لأن انتِ كذبتي علية وما صارحتيني من البداية بكلشي.
سمر : بشنو كذبت عليك ؟ بشنو ؟ غير تحجي.
شهم : صوتج لا يكعدون.
سمر : احجي هسه ، وكل شي انه غلطانه بيه خليه كدامي ، لا تبقى عايش دور المظلوم براسي.
شهم : لا عليش أعيش دور المظلوم . بالعكس انه ظالم ، وعلى كل حال ، هسه صار دوري أفهم الدرس . وفهمته ، مو حتى أرده بعدين.. لا ، حتى أعرف شنو يستحق يبقى ، وشنو ما يستحق ...
سمر : شنو يعني ؟
ظل يباوعلي بنظرات ما كدرت أفهمها.
لا غضب لا شماتة ، ولا حتى نظرة انتصار...بس نظرة خلتني أحس بخسارة جبيرة ، حسيت باهانة أكبر من يوم اللي كالي هاي الكلمة.
وبدون ما يزيد حرف ، كام لبس ملابسه وطلع من الغرفة .
انهاريت وراه ، كمت أضرب بنفسي وأكسر كل شي ييجي كدامي ، وأبجي بصوت عالي ، لحد ما انفتح الباب ودخلت أمي مخروعة وصوتها يرجف:
رحيمة : شكو ؟شكو ؟ شبيج ؟
سمر : يمة ما أريده ! ما أريده بعد! طلكوني منه ، راح أمووووت !
رحيمة : ولج يمة صوتج ! بنيتج فزت مخترعة وأبوج كعد وصعدلها يهدي بيها، كافي ، أهدي واحجيلي شصاير وياج .
باوعتلها بهتت ، والدمعة واكفة بطرف بعيني .
سمر : أحجيلج شصاير؟ شنو تريدين بعد يصير أكثر ؟ إلا تشوفوني ميتة يلة تكولون : حقها سمر ، خطية من صدك تأذت ، صدك دمرها ، ما جنا حاسيين بيها ؟ ما جنا نشوفها شلون تموت كل يوم كدام عيونا وماسوينالها حل؟
رحيمة : بس كوليلي شنو اللي صار بينكم ؟ ليش هو طلع من البيت وليش انتِ تبجين؟ شنو ضربج ؟
سمر : لا ما ضربني بس لو ضاربني أرحم.
رحيمة : لعد شنو صار يابنيتي ؟
سمر : صارت بينا علاقة .
رحيمة : وجبرج ؟
سمر : لا انه رحتله برجلي ، وراها كلتله انت ما عندك كرامة.
رحيمة : عزة بعينج ! ولج شلون هيج تسوين ؟ ليش هيج حجيتي وياه ؟
سمر : ليش ما احجي وياه ؟ هو من حجاها بوجهي ودمر نفسيتي ، واجيت وحجيتلج هم عاتبتيه ؟ هم كلتليه ليش هيج حاجي وياها ؟ لو بس بيكم تلومون بية ؟ انه لحد الآن اعاني من هالكلمة ومدا أكدر اتخطاها.
رحيمة : حاجيناه ، انه وأبوج وما رضيناله . وراها ندم وتغير مو حتى انتِ شفتي تغييره وياكم ؟
سمر : لا ما شفت تغيير ، شفت شك، وإهانات ، وحقد ، وهجر .
رحيمة : والله ما أدري شنو أكولج ؟ حيرتكم حيرة ، زواجة الكشرة.
سمر : لا تكوليلي شي ، انه تعبت نفسياً وجسدياً. كارهة حياتي ، ما عشتها مثل ماجنت أحب وأتمنى .
مسحت دموعي بعصبية ، وكأن كل السنين اللي عشتها أجت تاخذ ثارها مني.
سمر : العمر ركض بية ركضة مجانين . لا عندي استقرار عاطفي ، ولا عائلي . يومية آخذ هدومي وأسكن بمكان . روحي لبيت عمج عبد الملك ، شهم رجعج . أخذي ملابسج من بيت عمج وارجعي لبيت أبوج اللي ما رباج ولا تعب عليج . روحي عيشي يم أمج اللي ذبتج وما سألت عليج . بعدين شهم رجعج... روحي لبيت عمج. وراها طلكج ، أخذي غراض وارجعي لبيت عمج قادر ، لأن أمج صالحة ما رضت ترجعين يمها .
صوتي اختنك وبلعت خصتي وكملت:
سمر : وراها شهم رجعج ، رجعي ياسمر لبيت عبد الملك. وسمر لمت غراضها ورجعت. وراها سوالي بيت عود وفرحت بيه وشلت أغراضي ورحت بيه ما طولت فرحتي أقل من السنة وانطردت منه مثل الجلبة ! واجيت لهنا ، ورا كم يوم برد الدكتور وتندم ، وتعالي ياسمر شيلي غراضج وارجعي لبيته . ومن ما قبلت جاب ملابسه وإجه كابلني وكعد !
ضحكت بمرارة وكمت ما أشوف أمي من كثر الدموع اللي نزلت من عيني .
سمر : هي هاي الحياة اللي عشتها ؟ هاي الحياة اللي وعدني بيها ابنج و عيشني بيها ؟ اللي تحبيه وتموتين عليه ودائماً تدافعين عنه.
رحيمة : يمة استهدي بالرحمن وكافي بعد.
ردت أجاوبها ، بس سمعنا صوت موبايل يدك.
رحيمة : صوت نقال يدك ، هذا نقالج ؟
سمر : لا، مال شهم يمكن عافه وطلع.
كامت أمي تدور على التليفون ، لكته على الميز باوعت للشاشة وبعدين رفعت عينها علية.
رحيمة : هاج شوفي منو هذا.
جابته يمي باوعت كلتلها : يوسف..
رحيمة : أرد عليه ؟
سمر : ردي ، شوفيه شنو يريد.
رفعت التليفون ردت وفتحت سبيكر..
رحيمة : ها يمة يوسف ، شلونك ؟
إجا صوته يرجف ويحجي سريع..
يوسف : عمة وينكم ؟ وينكم لخاطر الله؟ ليش محد يجاوبني ؟ شهم وينه ؟ ليش موبايله يمج ؟
رحيمة : والله مدري شگولك يايمة. بس صارت مشكلة، تعارك وي سمر وعاف البيت وطلع ، ويمكن نسى موبايله .
سمر : أحجيله السبب فد مرة ، يعني لازم الكل يعرف ؟
ماردت علية ..
يوسف : عمة ضروري تشوفين شهم وين وكوليله يحجي وياية ، زين فارس وينه؟ ليش محد يرد علية ؟ ترى الوضعية ما تتحمل تأجيل .
رحيمة : ما أدري عنهم ، ليش ؟ شنو صاير وياك ؟
يوسف : سمر يمج ؟ اذا يمج خلي تحاجيني .
رحيمة : اي يمي .
التفتت علية ومدتلي التليفون :
رحيمة : هذا يوسف يريدج .
أخذته منها ومسحت عيوني بسرعة ورديت..
سمر : ها يوسف ، خير ؟
يوسف : سمر راح يهجمون على القرية ! جايين مجموعة جبيرة من المسلحين ، والولد ما دا أحصلهم ، ولا واحد بيهم يرد علية!
بلعت ريگي بخوف ، حسيت الدم تجمد بعروقي .
سمر : منو ؟ ما فهمت ؟ عيدلي شنو حجيت ؟
يوسف : سمر بسرعة! روحي لواحد من الولد وانطيه الموبايل وخلي يحاجيني بسرعة.
سمر : شنو؟ فهمني ! يوسف مدا أكدر أوكف على رجلي .
يوسف : سمر بعدين أفهمج ، بعدين! بسرعة روحي لشهم لو لفارس ماكو وكت ، قسور وجماعته راح يهجمون القرية على راسنا.
سمر : يا يمة عزة بعيني ، يلة ، يلة، رايحتلهم .
سديت الخط ، وركضت لغرفتي ، لبست ملابسي ولبست عباية إسلامية ولفيت الشال ، وأخذت موبايلي وموبايل شهم وطلعت من الغرفة.
أمي ظلت تمشي وراي وتسأل ، صوتها مليان خوف :
رحيمة : شكو سمر ؟ شصاير ؟ احجي.
سمر : ما أدري يمة ما أدري بعدين أفهمج من ارجع.
نزلت الدرج أركض ، دخلت للهول وأبوي تلكاني.
قادر : شصاير ليش صوتج طالع ؟ متعاركة وي شهم ؟
سمر : يابه ، أمي تفهمك هسه أجي..
قادر : وين رايحة ؟
سمر : هسه دقايق ما أتأخر .
طلعت من البيت أركض بين الزرع ..
الدنيا ظلمة ، ضوا البلوجكترات بس على الوطنية يشتغل ، وأغلب أماكن القرية غارقة بالعتمة .
گلبي يدك بقوة ، وأنفاسي متقطعة وكفت لحظة أخذ نفس ، واسمع صوت الخوف بداخلي.
ضليت حايرة وين أروح .
فارس بعيد عني يحتاج امشي مسافة . أروح لعمي عبد الملك ؟ بس شيسوي اذا رحلته ، شهم ماكو ؟ اختفى .
طلعت موبايلي واتصلت على فارس .
الموبايل يدك مرة ، مرتين بالثالثة يلة رد بصوت نعسان.
سمر : فارس ، انت وين ؟
فارس : نايم بالملحق مال عمي .
سمر :وشهم وين ؟
فارس : ما أدري . كال رايح للبيت ، وبعد ما شفته ولا تحاجينا ، ليش صاير شي؟
سمر : فارس ، يوسف خابرني وكال قسور وجماعته راح يهجمون على القرية ودايتصل بيكم محد يرد عليه ، خابره بسرعة.
فارس : اي ندري ، ودزوا جلب من جلابهم وتصديناله.والبقية راحوا.
سمر : يعني ماكو شي هسه ؟
فارس : لا ماكو شي.
سمر : اي الحمد لله ، دخابره ليوسف وطمنه ، خطية باله مشغول .
فارس : وهو يوسف شمدريه ؟
سمر : ما أعرف . ما فهمت منه شي ، كال بعدين أفهمج .
بعدني أحجي وياه ، وفجأة سمعت صوت سيارات هواي قريبة بشكل خلاني أتجمد بمكاني.
فارس : الو ؟ سمر وينج ؟
سمر : فارس صوت سيارات ، وحركة غريبة.
فارس : انتِ وين ؟
سمر : بالطريق جاية عليكم .
فارس : روحي أرجعي للبيت بسرعة .
سمر : فارس أخاف أرجع وحدي.
فارس : سمر أرجعي ولا تطلعين من البيت أبد هسه انه اتصرف.
سمر : زين زين هسه راجعة..
التفتت حتى أرجع..
بس قبل لا أخطي خطوة ، شفت ظلال تتحرك بين الأشجار ، وبعدها ملثمين يطفرون كدام عيني من السياج .
وكفت بمكاني.
لا بية أصيح يسمعوني ، ولا بية أمشي خطوة وحدة باتجاه البيت .
بهاللحظة ، حسيت الزمن توقف.
مر شريط حياتي كله كدام عيني دفعة وحدة.
تشاهدت وغمضت عيوني .
فارس : سمر ! الووو ؟ سمر وصلتي لو بعدج ؟
سمر : فارس .. ف ..ف ..فارس طفروا من السياج للبستان.
فارس : سمر أرجعي للبيت بسرعة ! لا تظلين واكفة بمكانج ! ولج سمر... الوووو !
سمر : قريبين مني ما أكدر أتحرك من مكاني يشوفوني.
فارس : تكدرين تجين هنا ؟
سمر : اي اي أكدر ، بس رجلي ثگلت. ما أكدر أخطي خطوة وحدة ..
فارس : سمي بسم الله واركضي ولا تباوعين وراج.
سمعته يسحب اقسام ، وصوت السحب رجعني للواقع..ركضت بكل قوتي .
ما أشوف شي غير الظلمة كدامي ، ولا أسمع غير صوت أنفاسي ودگات گلبي.
تعثرت بالكاع ، وكعت على وجهي ورجعت كمت ، وكملت ركض.
وصلت لكيت فارس شايل سلاحه وشاد راسه بغترته .
أول ما شافني ركض علية يأشرلي أفوت للبيت وانه تبسمرت بمكاني..
تقرب مدلي إيده وسحبني ، دفعني للبيت وكال :
فارس : ابقوا هنا ، انتِ وريحانة ، لا تتحركون من مكانكم أبد .
طلعت ريحانة من غرفتها وكفت تباوع بشك.
ريحانة : شكو شبيكم ؟
فارس : قسور وجماعته هجموا على القرية.
شهكت بخوف وحطت إيدها على حلكها ، فارس توجه للباب حتى يطلع ، صاحت عليه التفت وكال :
فارس : ها ؟
ريحانة : اذا إجوا علينا شلون ندافع عن نفسنا ؟ هذا قسور ، أكيد جاي علية حتى ياخذني ولا تنسى هو يندل مكاني .
صفن علينا عيونه دمعت . لابية يبقى ويانا و يحمينا ، وبنفس الوقت ما يريد يروح ويعوفنا .
بعدين دخل للهول وطلع مسدس ورشاشة. سحب أقسامها ونطاني الرشاشة ، ولريحانة نطاها المسدس...وبدا يعلمنا شلون نستعملهن.
ريحانة : اني أعرف أستخدم السلاح .
فارس : جيد ، وانتِ سمر بس وجهيه عليهم واضربي وانعلي والديهم ، واذا احتاجيتوا طلقات ، بدلي الشاجور ..في حال إجوا عليكم للبيت او إحنا صارلنا شي وماكدرنا نحميكم ، انتوا دافعوا عن نفسكم ، تمام ؟
سمر : تمام ..تمام.
طلع فارس وظلينا انه وريحانة بالبيت.
ماجنا نعرف شنو دايصير برا ، بس نسمع صوت طلقات .
طلقة ورا طلقة تنطلق ..
وصوت السيارات واضح اجاهم دعم جديد.
عبالك جبهة صارت بنص القرية .
شايفين من تصير هيج حالات ، الواحد منا ما يكدر لا يبقى بمكانه ولا يطلع يشوف شدا يصير.
ما تحملت أبقى أكثر .
أول شي إجت ببالي فطومة.. بعدها أمي وأبوي... وحتى شهم تخيلته ميت كدامي .
صارت ثورة بداخلي.
ما تخيلت بيوم من الأيام الزم سلاح بيدي ، مو عاد استخدمه بوجه إنسان في سبيل ادافع عن نفسي .
بس الخوف على أهلي جان أكبر من خوفي على سمر ..
ريحانة من شافتني وصلت للباب كالت :
ريحانة : راح تطلعين ؟
التفتت عليها والدمعة بعيني .
سمر : اي .
ريحانة : سمر وين رايحة ؟
سمر : ما أكدر أبقى كاعدة وانتظر خبر موتهم واحد ورا الثاني.
ريحانة : هسه يموتوج .
سمر : بنتي وأهلي وشهم والبقية...روحي مو أغلى من روحهم.اذا صارلهم شي لا سامح الله شنو تسوى الدنيا بعد.
تقربت مني وتريد تمنعني أطلع .
ريحانة : فارس مو كال ممنوع نطلع ؟ أبقي هنا ، وحدج ما راح تكدرين تسوين شي.
سمر : ريحانة ، هجموا علينا والكل نايمين تعرفين يعني شنو ؟ يعني أبادة جماعية راح تصير.
وفارس وحده شنو يسوي ؟ أكيد راح يقتلوه..سودة علية فروسي .
ريحانة : زين اذا طلعتي انطيني موبايل على الأقل أتصل عليكم أعرف شنو ديصير برا .
سمر : هاج هذا موبايلي.تعرفين الرمز نفسه ما غيرته.
ريحانة : اي اعرفه..
وصلت للباب وكالت :
ريحانة : ديري بالج على نفسج .
إجت حضنتني وبجت..
ريحانة : هذا الخوف اللي داتعيشوه كله بسببي ، آسفة والله آسفة.
سمر : انت شعليج ، لا تفكرين بشي هسه ، المهم نطلع منها بأقل الخسائر ، ادعي للولد ما يصيرلهم شي.
ريحانة : الله يعمي عيونهم مثل ما انعمت گلوبهم.
سمر : يارب ، يلة انه طالعة.
ريحانة : زين وين راح تروحين بس كوليلي ..
سمر : المهم أوصل لبنتي وراها شيصير خل يصير .
طلعت من الباب ورجعتلها حضنتها حيل وبجينا اثنينا .
ما أعرف ليش حسيت هاي الحضنة مو مثل أي حضنة ثانية ..حسيتها حضنة وداع مدري من الخوف دا اتخبط وما أعرف شلون اتصرف.
وهي هم من طريقة تشبثها بية ، حسيت جان عندها نفس الإحساس.
ابتعدت عنها ، فتحت الباب ، وطلعت.
سديته وراية..
صوت الطلق والموت كدامي..
شي غريب بالإنسان ...
ممكن تعيش ويا شخص وانت شايل بگلبك ألف عتب ، وألف جرح ، ويمكن توصل لمرحلة ما تريد تشوف حتى وجهه.
بس من يدخل الخطر للبيت ، ومن تشوف الموت واكف على باب عائلتك. كلشي يتغير ..
بهاللحظة ماعاد تتذكر منو ظلمك ، ولا منو كسرك ، ولا شكد جنت متأذي .
انه نفسي ،قبل ساعات جنت أبجي من شهم وأفكر واخطط شلون أتركه وأخلص من هالعلاقة .
وهسه ؟
ما حسيت بنفسي غير واكفة وجه بوجه ويا الموت.
السلاح بيدي ، گلبي يرجف .. بس إيدي ما رجفت.
ما جانت شجاعة ﻷن انه ما أخاف ..
بالعكس، جنت خايفة أكثر من أي وقت.
بس الشجاعة مرات ما تولد من عدم الخوف ، تولد من خوف أكبر.
خوفي على أمي وأبوي .
على بنتي ، على شهم.
وعلى كل شخص أحبه.
ما خفت على نفسي ، ولا فكرت بيها.
طلعت للواجهة وانه أعرف الرصاصة ممكن تكون إلي ، وممكن ما أرجع مرة ثانية لبنتي .
بس ما جان ببالي غير شي واحد :
اذا واحد من اللي أحبهم لازم يوكف بوجه الموت ...
فالأفضل أكون انه بداله .
حتى شهم ...
اللي قبل ساعة جنت أعتبره سبب وجعي ومصدر عذابي ، واللي جنت أبجي وأصيح خلصوني منه.
صار كدامي مجرد إنسان لازم أحميه.
غريب شلون العائلة تكدر بلحظة وحدة تتكاتف وتمسح كل الخصومات ، مو لأن الجروح اختفت ، ولا لأن الماضي انمحى..
بس الخطر اذا داهم الناس اللي نحبهم ، يخلينا ننسى خلافاتنا مؤقتاً ، ويطلع من داخلنا شي ما جنا نعرف أصلاً إنه موجود.
من جهة ثانية، ريحانة جانت تفكر بنفس التفكير ..
وتحس بنفس الإحساس .
صح همه مو عائلتها بالدم ، بس ما فضلت تبقى واكفة ومتكتفة وتنتظرهم ييجون عليها .
طلع كل الغضب اللي جان بداخلها من سنين.
وخافت على فارس ، وعلى شهم ، وعلى سمر..
الناس اللي صاروا جزء لا يتجزأ من عائلتها .
حموها بروحهم ، وحبوها ، واحتووها مثل ما احتووا طيبة أختهم .
وسمر ووكفاتها الجبيرة وبيتها اللي انهد وتعتبر هي السبب بخراب هاي العائلة.
أخذت السلاح وطلعت من البيت.
مشت ،وبعدين وكفت بمكان ...
وصارت مواقف فارس وشهم تمر بذاكرتها مثل الطيف.
قبل أسبوع من الحادثة ..
جنت اني وفارس كاعدين على الكراسي، ومنتظرين جية شهم ..
ريحانة : وين راح شهم ؟ صارله ساعتين.
فارس : مو كلتيله مشتهية سمچ ؟ راح يجيبلج وحدة.
ريحانة : صدك والله ؟
فارس : اي والله راح يجيبلج وييجي .
ريحانة : يااا شكد عيب والله! جنت اتشاقى وياه .
فارس : شنو كلتيله ام بطن .
ريحانة : كلتله أشو ميبسها علية تمن ومرك ، مرك وتمن ، لا شفت السمچ ولا شفت المشاوي ، يمكن أخذ على نفسه وصدگ.
فارس : ريحانة ، انتِ تذبين الحجاية متقصدة. لا تكولين: ها والله مستحية ومدري شنو . كولي مشتهية سمچ وفضيها الرجال يجيبلج ما يقصر.
ريحانة : واذا مشتهية السمچ ، خايفة منك مثلاً ؟
فارس : أكولج ، انتِ ليش هيج عدائية بالكلام ؟ هاي طبيعتج لو شنو ؟ مو المفروض الدكتورة تكون هادئة ورزينة بالحجي ؟
هنا نزلت دموعي.
ما أدري ليش تحسست من كلامه.
بعدين كمت أضحك ، التفتت عليه وكلتله :
ريحانة : انت ليش تريد تبجيني كوة ؟
فارس : نقطة ضعفي دموع النساء .
ريحانة : لو تموت ما تبجيني .
فارس : بس بجيتي .
ريحانة : لا ما بجيت ، ما أدري شنو فات بعيوني ، وعلى فكرة بعد ما أريدك تجي لهنا.
فارس : لا ليش ؟ يمعودة كولي غيرها ؟
ريحانة : تقلد حضرتك ؟
فارس : اي طبعاً اقلد. هو غير ماكل تبن وتبهذلت وياج ! بلة شنو ذنبي ؟ تعال فارس ، روح فارس ، فارس ارجع ، فارس روح مليت وعلي.
صفنت عليه ، بعدين كال :
فارس : والله لو بيدي غير إلا أسلمج لقسور ونخلص .
ريحانة : تحجي صدك لو تتشاقى ؟
فارس : أحجي صدگ .
ريحانة : مممم ، دتعال لعد خلي أحجيلك سالفة .
كام من مكانة راح شغل الفحم ، لأن شهم دزله مسج كاتبله : (حضرهن راح اوصل )
وبعدما شغل النار رجع كعد بمكانه وكال :
فارس : شنو السالفة؟ أحجي بلة .
ريحانة : شوف فد مرة من جنت بالمصح أكو دكتور ضوجني تدري شسويلته ؟
فارس : شسويتي ؟
ريحانة :شكيت حلكه .
باوعلي وبهت فاتح عيونه .
فارس : تحجين صدگ ؟
ريحانة : مجذبة عليك قبل ؟ طبعاً أحجي صدگ.
فارس : انه خوك ، شكيتيه فعلياً لو مجرد تشبيه ؟ يعني قصدج من التعب انشك حلكه مو ؟
ريحانة : لا شكيته فعلياً . ومن وراية انقل لمكان ثاني.
سكت وما علق ، مثل اللي خاف فعلاً.
كال :
فارس : خوية وصلت رسالتج وصلت.
ريحانة : حجيتلك حتى أخاف ناوي مستقبلاً تبجيني لو من صدگ تسلمني لقسور.
فارس : متندم بالعباس وما تنعاد . اعتبريني جاهل وحجيت بدون وعي.
ريحانة : يلة ، راح أسامحك وأعتبرني ما سمعت شي .
وراها ضحكت..
هو فز مثل اللي اخترع ، كمت أضحك بصوت عالي ، وهو بقى خانس بمكانه ما يتحرك..
بعدها إجا شهم وجان بمثابة إنقاذ إله .
شهم : سلام عليكم
ردينا السلام.
شهم : ما اتأخرت صح ؟
ريحانة : شويونه بس عادي موجوعانين.
فارس كام من مكانه وأخذ السمچة منه وراح غسلها وملحها ، وطلع وكف يم المنقلة..
سمعته يحجي ويا شهم ، و شهم كل شوية يلتفت ناحيتي ويضحك. يهز راسه ويهمس.
شهم : ولج شمسوية بيه ؟
رفعت اكتافي وهمست.
ريحانة : ما مسوية شي.
فارس : أكولك هذا أخوك جايب وحدة تشك حلوك.
شهم : قصدك تشك شك لو شنو ؟
فارس : لك لا بعلي ، تشك حلوك هي حجتلي.
شهم : دروح جيب الطماطة والبصل وتعال.
من راح للبيت ، شهم التفت علية وكال :
شهم : حجيتيله عن دكتور نادر الله يرحمه ؟
ريحانة : اي دانسولف ، وإجت السالفة وحجيتها .
شهم : ريحانة ، سوالف لو تهديد ؟
حجاها وغمزلي .
ريحانة : لا بس سولفتله طبيعي يعني.
شهم : سولفتيله لو هددتيه ؟ الرجال رايحة روحه.
ريحانة : شسويله ؟ يكولي أسلمج لقسور، وحجيتله اذا موقف تهددت بيه شنو أسوي ، وشلون تكون ردة فعلي ، عادي يعني.
شهم : متأكدة عادي ؟ أشو صايرين نتفاخر بوكاحتنا ؟
ريحانة : ليش تعتبر الدفاع عن النفس وكاحة ؟
شهم : بنت الأوادم مو حتى يوسف شكيتي وجهه ؟ والرجال جان يريد يقرض إظافرج ، ماخذة المقراضة منه وشكيتي وجهه بالسجين مالتها عبالج ما أدري؟
ريحانة : هذا يوسف هم ما يعرف يضم سالفة .
شهم : اي ، شفتي ؟
طلع فارس جاي وواكف يستمع لحديثنا بعدين تحمحم التفتنا عليه .
فارس : إخوان، كلمن يخلي باله من حلكه. اذا انشك انه ما مسؤول .
ريحانة : فارس ، شنو قصدك ؟ تستهزئ مو ؟
فارس : لا ، دا أحجي صدگ هي مال استهزاء ؟
شهم : راح تتعاركون ، وراكم غدة سمچ مو مال تشوطون هسه.
ورا ما كملوا شوي كعدنا تغدينا.
ماجنت أحسهم غربة عني .
ويمكن اذا بيوم أحجي قصتي الناس ، راح يستغربون شلون اني كاعدة بنص اثنين زلم ، واثنينهم يحلون علية .
بس هم جانوا يعاملوني بكل أحترام.
محسسيني وحدة من أخواتهم .
جنت أشوف العطف بعيونهم ، وألمس الحنية اللي بگلوبهم .
جانوا مثال حي للرجولة ، مو بالكلام... بالمواقف.
ومن مواقفهم هاي ، عاهدت نفسي ما أخون الأمانة ، لو على كص ركبتي ،ولو أعرف أموت ، ما أبيعهم.
زرعوا الطمأنينة بروحي بدل الخوف .
ورجعولي الحنية اللي جنت احسها عند أهلي.
جنت أثق بيهم لدرجة تجي أيام أنام وما أقفل الباب ، ﻷن أعرف فارس مثل يوسف وشهم ما يقل عنهم رجولة.
حسيت بمحبتهم ،وبخوفهم علية، رغم اللي صار بيهم وبأختهم بسببي بس ما تخلوا عني .وعاملوني أحسن معاملة.
غيرهم ناس يعتبروني طول عمرهم عدوة ألهم ، بس همه من أخذوني من يوسف لحد هاي اللحظة ما حسسوني بفرق التعامل ، نسيت شنو يعني خوف.
ما أذوني أبد واني جنت مفكرة العكس .
جنت أكول راح أعيش أيام وياهم أفضع من الأيام اللي عشتها ويا قسور .
بس طلعت غلطانة..
وغلط اللي يكول : الكتاب يبين من عنوانه.
لا...
الكتاب ما يبين من عنوانه.
لازم نقراه ،صفحة صفحة ، حتى نفهمه قبل لا نحكم عليه.
ورا ما تغديت وشربت جاي ، دخلت للغرفة ونمت .
صار العصر ، واندك باب غرفتي.صحت.
ريحانة : هااا ، شتريد ؟ مكعدني ؟
فارس : تعالي ، أشوفج شي راح تحبيه .
ريحانة : شنو هو ؟
فارس : البسي ملابس مال حجاب وتعالي وياي .
ريحانة : نطلع ؟
فارس : لا ما نطلع.
ريحانة : لعد شكو لابسة حجاب ؟
فارس : انتِ مو صارلج يومين تكولين ضايجة ؟
ريحانة : اي والله ، طاكة روحي ، ونفسيتي زفت.
فارس : واللي يغيرلج نفسيتج ؟
ريحانة : ادعيله الله يوفقه ويحقق اللي بباله.
فارس : لعد تعالي ، راح تتونسين ونسه غير شكل.
ريحانة : يلة ، اجيت.
كمت غيرت ملابسي بسرعة وطلعت، لكيته منتظرني بالباب.
ريحانة : وين رايحين ؟
فارس : تعالي أشوفج .
طلعت ، لكيت اثنين بايسكلات بالباب .
باوع علية وكال :
فارس : تعرفين تسوقين بايسكل ؟
ريحانة : لا ما أعرف.
فارس : تعالي ، انه أعلمج .
كعد يعلمني ..
جنت ما اتوازن أمشي شوية وأوكع ، ويرجع يلزملي البايسكل وأصعد ، وهم أرجع أوكع . جنا نضحك من گلبنا بكل مرة أوكع بيها...
ريحانة : كافي الله عليك والله ما أدبرها .
فارس : ليش ؟ ترة ما ينرادله شي بس توازنين نفسج .
ريحانة : ولك راح اتكسر كل شوية واكعة.
فارس : اصعدي ، وانه ألزمه الج ونمشي مسافة . من تسيطرين عليه أعوفج وحدج. خوش ؟
ريحانة : خوش.
بقى يعلمني بيومها للمغرب.
وراها إجاه تلفون ، وكف على صفحة يحجي ، من خلص رجع يمي وكال :
فارس : رايح ﻷبوي ، يريد أوديه للولاية.
ريحانة : ها ، زين عادي تعوفلي البايسكل أتعلم بيه ، حباب ؟
فارس : بس مو تروحين بعيد .
ريحانة : لا ، بنفس المكان أبقى افتر ، أشو حبيت الفكرة.
فارس : يلة بس ديري بالج على نفسج .
التفت يريد يروح صحت عليه.
ريحانة : فارس ..فارس ..
التفت علية منتظرني أحجي.
ريحانة : أخاف لأن هددتك جبتلي بايسكل ، اني آسفة وجنت أتشاقى وياك والله مستحيل أسويها.
فارس : لا بوية. اللي دانسويه وياج نفسه نسويه ويا طيبة ، لا عبالج بس انتِ هيج نعاملج.
ومثل ما نشوف كسرة أختنا ، ومنقهرين عليها ، شايفين كسرتج ..
سكت لحظة ، تنهد وبعدين كمل :
فارس : صدگيني ، متأذين عليكم اثنينكم. ونريد بكل وسيلة نطلعكم من اللي عشتوه ، ونحاول قدر المستطاع ننسيكم اللي صار ، صح صعب تنسون واللي صار مو قليل ويبقى عايش بداخلكم بس اللي علينا والله يقدرنا نسويه، نسويه وما راح نقصر .
بهاللحظة ، فهمت شغلة ما جنت أعرفها قبل.
إن بعض الناس ما يدخلون حياتنا حتى يبقون بيها للأبد ، بس يدخلوها بوقت إحنا نكون بأمس الحاجة لشخص يذكرنا بإن الدنيا رغم كل اللي سوته بينا ، بعدها حلوة وبيها ناس ممكن نأمن إلهم ، ويكونون حنينين علينا مثل أهلنا وأكثر.
عيوني دمعت من كلامه .
لو عندي بيه صلة رحم ، والله جان حضنته .
ابتسمت وكلتله :
ريحانة : اني ما شايفة ، ولا راح أشوف زلم مثلكم . وأتمنى من گلبي ربي يسعدكم ويريح بالكم . فارس ، تدري شنو ؟ عبالي من تاخذوني من يوسف ، ومن يشيل إيده عني ، راح تنتقمون مني وتأذوني وتتفننون بأذيتي . بس طلعت غلطانة و انصدمت من شفت حنيتكم وخوفكم علية ، وشلون محاوطيني وتعاملوني مثل ما تعاملون طيبة... ويمكن أكثر .
سكتت لحظة ، وابتسمت بحزن .
ريحانة : واللي صدمني أكثر شهم.
فارس : ليش ؟
ريحانة : ما جنت متوقعه بيه جانب إنسانية جبير ولا توقعت بداخله كل هالرحمة ، عكس القساوة اللي تبين بملامحه.
تنهدت وكملت :
ريحانة : جنت دائماً أگول عن يوسف : وجه الرحمة . وعن قسور الوجه الآخر للرحمة . وعبالي شهم هم عنده وجه آخر للرحمةمثل قسور بس طلع إحساسي مو بمحله.
فارس : كلامج مؤثر وراح أبجي ، بس لازم أروح لأبوي ، لا يشوفني الوجه الآخر من الرحمة.
ضحكت وعيوني مليانة دموع.
ريحانة : والله عليك سوالف تموت ضحك ، تدري من أحجي وياك ما أتحمل اذا ما أضحك.
فارس : كون فد يوم أعرفج على أخوات جدتي ، والله تموتين من الضحك، ما تكدرين تسدين حلكج أبد.
ريحانة : ليش جدتك عندها أخوات ؟
فارس : اي عندها فرقة نجمة أكبر بيت تهجمة.
ضحكت ضحك ما صاير ، وهو هم ضحك على ضحكتي .
فارس : ريحانة ، انتِ مظلومة،والمظلوم عنده دعاء مستجاب . عليج العباس، تدعيلي آخذ اللي أحبها .
ريحانة : ليش ؟ انت تحب ؟
فارس : اي ، وراح أتخبل من وراها .
ريحانة : غريبة ؟
فارس : لا بنت عمي ، تصير أخت سمر .
ريحانة : تشبه سمر ؟
فارس : بعد أحلى منها.تموت.
ريحانة : حقج تتخبل عليها اذا هيج ، زين ليش ما تتزوجها ؟
فارس : عمي ما راضي يزوجنا ، والسبب مو بيه بمرته الحية ما تقبل تنطيني بنتها.
ريحانة : ياااا ليش ؟
فارس : عداوات.
ريحانة : هاي شنو ؟
فارس : اي والله حظ ماعندي هي كوة .
ريحانة : لا تكول هيج . إن شاءالله حظك جبير ، والله يهدي بيت عمك ويزوجوكم ، ونذر علية أركص بعرسك .
ضحك وكال :
فارس : الله يسمع منج. يلة خليني أروح ، عبد الملك رجع يتصل .
ريحانة : يلة روح ، لا تتأخر عليه لا يشوفك الوجه الآخر..
فارس : ديلة عيني ديري بالج ، مثل ما وصيتج ، العبي شوية وارجعي للبيت.
ريحانة : تمام .
صعد بايسكله وراح.
ظليت أفتر بالبايسكل ، بس جنت أحس أكو أحد يراقبني.
بس من ألتفت ما أشوف أحد.
أسمع حركة بين الأشجار ، وأحس أكو عيوني تلحكني من مكان لمكان ، عيوني افترت بالمكان بس لأن الدنيا ظلمة من بعيد كمت ما أشوف زين.
خفت ، تركت البايسكل ورجعت للبيت ، قفلت الباب وكعدت.
ثاني يوم الصبح..
تريكت ،وطلعت بالبايسكل شوية شوية. وبديت أتعلم عليه.
كمت أفتر بالبستان ، والهوى يخبل، الجو ربيع، والأشجار تتحرك ، والشمس باردة وناعمة.
بقيت أفتر وأستنشق الهوا ، حسيت نفسي لأول مرة أتنفس من صدك.
ظليت ساعات أفتر .
جنت ماخذة راحتي على الآخر.
بس هذا الحجي قبل لا سمر تجيني و أعرف بقسور يراقبني، من يومها بعد ما طلعت بالبايسكل ..
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
