رواية صدي الروح الفصل السادس
أنفاس "سيلا" المتلاحقة وعينيها المتسعتين بذهول وهي تحدق في ريان.
"نخرج بيه؟!" صرخت سيلا بصوت حاولَت جاهدة أن تجعله منخفضاً، ملوحة بيديها في الهواء
"إنت سامع نفسك يا دكتور؟ إنت عايزنا ندخل مستشفى متأمنة ونسرق مريض من العناية المركزة، ونخرج بيه كأننا شايلين كيس جوافة؟😂 إنت مجنون؟!"
ريان أسند ظهره على الحائط، وكتف ذراعيه أمام صدره ونظر إليها ببرود
وتلك الزاوية من شفتيه ارتفعت في ابتسامة مستفزة زادت من وسامته المهلكة.
"مفيش مجنون هنا غيرك يا لمضة.. وبعدين إحنا مش هنسرقه، إحنا هننقذ حياته. ده لو الآنسة الصحفية الجريئة لسه قلبها ميت ومجابتش ورا."
سيلا شهقت ووضعت يديها في خصرها بعناد:
"أنا مبجيبش ورا يا ريان باشا! أنا بس بحسبها بالعقل..
إحنا اتنين، وهما عصابة معاهم أمن ودكاترة ومدير المستشفى بحالها.. هنعدي إزاي؟
هنطير بيه من الشباك؟!"
تنهد ريان تنهيدة عميقة و وقف أمامها مباشرة. فارق الطول بينهما جعلها ترفع رأسها لتلتقي بعينيه العميقتين.
ابتلعت ريقها بتوتر حينما حاصرها بعطره الرجولي
"عقلك ده ياخد إجازة اليومين دول خالص.." قالها وهو ينحني قليلاً نحو وجهها.
"طول ما إنتي معايا، أنا اللي بفكر، وأنا اللي بخطط، وإنتي تنفذي بالحرف.. فهمتي يا سيلا؟
ولا أرجعك بيتك دلوقتي وأخلص من وجع الدماغ ده؟"
نظرت في عينيه، ورأت خلف قسوته تلك رغبة حقيقية في حمايتها. لم يكن يريد توريطها، بل كان يعطيها فرصة للهرب.
لكن العناد في دماء سيلا كان أقوى من الخوف.
رفعت ذقنها بتحدٍ وقالت بعيون تلتمع:
"فهمت يا دكتور.. وانا معاك للآخر."
ابتعد عنها ثم اتجه نحو خزانة في الغرفة وأخرج منها حقيبة سوداء ألقاها على الأريكة
.
"البسي دي.. عندنا أقل من تلات ساعات والصبح يطلع، ولازم نكون جوه المستشفى مع تغيير الشفتات."
فتحت سيلا الحقيبة، وسحبت منها "اسكرب" تمريض وبطاقة هوية مزورة باسم "سماح الدسوقي- ممرضة عناية".
رفعت الإسكرب عالياً ونظرت له باعتراض كوميدي:
"إيه ده؟
ده مقاس شوال بطاطس.. إنت جايبه لمين ده يا دكتور؟ ده أنا هعوم جواه
التفت إليها ريان، ومسح وجهه بيده محاولاً السيطرة على غضبه وتلك الرغبة المفاجئة في الضحك على تذمرها في وسط هذا الموت المحيط بهما.
"إنتي جاية فاشون شو؟ البسيه وإنتي ساكتة كويس انه واسع عشان يخفي ملامحك وجسمك.. اخلصي، مفيش وقت للدلع
"دلع؟ أنا بدلع يا أبو الكباتن؟ طب والله لأوريك سماح الدسوقي دي هتعمل إية تمتمت سيلا بغيظ وهي تتجه نحو الحمام لتبديل ملابسها.
في تمام السابعة صباحاً
فى
مستشفى الشفاء الحركة لا تتوقف، والأطباء يمرون بخطوات سريعة.
دخل ريان من الباب الرئيسي بهيبته المعتادة. كان يرتدي بدلته تحت معطفه الأبيض، نظارته الذهبية على عينيه الجميع يفسح له الطريق، والممرضات يتهامسن بإعجاب ورعب في آن واحد.
وخلفه بخطوات متباعدة قليلاً كانت تسير "سيلا" ترتدي الإسكرب الواسع، تضع كمامة طبية تخفي نصف وجهها وتضم لوحاً
وصل ريان إلى الطابق الثالث، طابق العناية المركزة الخاصة. توقف أمام الغرفة رقم (305)، الغرفة التي يوجد فيها الشاب الضحية. أشار لسيلا بعينه إشارة خفية، فدخلت خلفه وأغلقت الباب بهدوء.
على السرير، كان هناك شاب لا يتجاوز العشرين من عمره، متصل بأجهزة التنفس وصدره يعلو ويهبط ببطء شديد.
سيلا اقتربت منه
"ده.. ده عايش
"لحد دلوقتي.." رد ريان وهو يتفحص الأجهزة وبدأ يفصل بعض الأسلاك بحذر شديد ليجهز الشاب للنقل دون أن يطلق جهاز الإنذار. صوت
"سعاد ممرضة الموت المفروض تحقنه بحقنة توقف نشاط المخ بعد نص ساعة عشان يعلنوا وفاته دماغياً وينقلوه أوضة العمليات لسرقة قلبه."
فجأة... توقفت يد ريان، وتصلب جسده.
صوت كعب حذاء نسائي يضرب أرضية الكوريدور يقترب من الغرفة بثبات.
"سعاد.." همس ريان من بين أسنانه، وعيونه اتسعت
"مش المفروض تكون هنا دلوقتي!" لسه نصف ساعة
سيلا تجمدت في مكانها، دماءها هربت من عروقها. لو رأتها سعاد مع ريان الآن، ستفشل الخطة ويُقتلون جميعاً.
جذب ريان سيلا من ذراعها، وألصق ظهرها بالحائط خلف باب الغرفة مباشرة، وحاصر جسدها بجسده الضخم، واضعاً يده بقوة على فمها ليكتم أنفاسها.
انفتح الباب. دخلت سعاد عبد الحميد، رئيسة التمريض، بعينيها اللتين تشبهان عيون الأفاعي. كانت تمسك بحقنة في يدها.
وقفت سعاد أمام السرير، ونظرت للشاب النائم ببرود، ثم بدأت تجهز الكانيولا لحقنه.
خلف الباب، كانت سيلا تموت رعباً. أنفاس ريان الساخنة كانت تلفح جبهتها وعيونه الداكنة مثبتة على عينيها يرسل لها رسالة صامتة اثبتي.. إياكي تتحركى
كانت تشعر بضربات قلبه القوية والعنيفة
سعاد همت بوضع الحقنة في وريد الشاب
ريان بحركة مفاجئة ضرب عربة الأدوات الطبية بقدمه لتسقط على الأرض
طرااااخ
انتفضت سعاد وصرخت بخضة وسقطت الحقنة من يدها لتنكسر على الأرض.
في نفس اللحظة تظاهر ريان بالدخول وعدل معطفه الأبيض بمنتهى البرود وكأنه لم يكن يختبئ، ونظر لسعاد بنظرة جعلتها ترتعد.
"إيه الإهمال ده يا رئيسة التمريض؟"
ريان بصوت جهوري "عربية الأدوات تقع بالشكل ده في أوضة عناية مركزة؟ إنتي اتجننتي
سعاد بلعت ريقها برعب، وهي تتراجع للخلف
"د.. دكتور ريان؟ أنا.. أنا كنت جاية أدي المريض أدويته."
ريان
"المريض ده حالته حرجة وأنا اللي بتابع حالته بنفسي
"روحي اطلبي عامل نظافة يطهر الأرضية دي فوراً، وهاتيلي ملف المريض ده على مكتبي.. اطلعي برة
سعاد لم تجرؤ على نطق كلمة واحدة. هزت رأسها بخوف وخرجت مسرعة كمن تلاحقها الشياطين.
بمجرد أن أُغلق الباب خرجت سيلا وكادت أن تسقط على الأرض لولا أن ريان أسندها من خصرها
.
"حلوة الحركة دي يا دكتور.. بس كدة هيعرفوا
"مش مهم، المهم نخرج بيه دلوقتي قبل ما ترجع."
بدأ ريان يجر السرير الطبي المجهز بعجلات بسرعة نحو الباب.
"افتحي الباب يا سيلا وشوفي السكة أمان ولا لأ."
فتحت سيلا الباب قليلاً "الكوريدور فاضي.. يلا بسرعة
دفع ريان السرير، وسيلا تمشي بجانبه وصلوا إلى المصعد
ريان مرر بطاقته الإلكترونية وانفتح باب المصعد.
أدخلا السرير بسرعة، ودخلا خلفه.
"الحمد لله.." همست سيلا وهي تسند رأسها على حائط المصعد المعدني بينما ريان يضغط على زر الطابق السفلي (الجراج).
"أنا حاسة إن عمري زاد عشر سنين في الربع ساعة دي
ابتسم ريان رغماً عنه لجنونها، ونظر لها بعيون لمعت بإعجاب خفي لشجاعتها. "لسه بدري يا سماح.. إحنا يا دوب بنقول يا هادي."
توقف المصعد عند الطابق الأرضي.
سيلا وقفت مستعدة لدفع السرير
مع ريان نحو سيارة الإسعاف التي رتبها ريان بالخارج.
لكن...
بمجرد أن انفتح باب المصعد تجمدت الدماء في عروق سيلا وتوقفت يد ريان على حافة السرير.
في الخارج
كان هناك خمسة رجال أمن وفي وسطهم يقف رجل في أواخر الخمسينيات ويمسك بعصا خشبية فخمة.
إنه أ.د. صفوت العزازي، مدير المستشفى.. والرأس المدبر للشبكة.
ابتسم صفوت ابتسامة شيطانية
وضرب بعصاه على الأرض وقال بصوت شيطانى
"مستعجل ليه.... على فين يا دكتور ريان؟
مش تستنى لما نشرب قهوتنا سوا.. ونشوف الممرضة الحلوة اللي معاك دي؟
صوت سحب أجزاء الأسلحة النارية تردد في الجراج
رفع ريان ذقنه بكبرياء الأسد دفع "سيلا" خلف ظهره تماماً ليخفيها عن أعينهم ويده اليمنى انزلقت نحو خصره.. حيث يخفي سلاحه
" قال صفوت بانتصار.
اللعبة خلصت يا ريان
لترتسم على وجه ريان ابتسامة ذئب شرس استعد لتمزيق فرائسه
وهمس بصوت مرعب وصل لمسامع سيلا فقط
اللعبة لسه بتبدأ."
