رواية كيفك انت الفصل السابع 7 بقلم مياده يوسف الذغندي


 

رواية كيفك انت الفصل السابع 


رواية كيفك أنت
بقلم: ميادة يوسف الذغندى
البارت السابع
بين قلبٍ يرفض... وقلبٍ ينهار
يحيى...
وقف يحيى أمام باب الشقة وهو يحاول أن يحافظ على هدوئه، لكن ملامحه كانت تنطق بالضيق.
يحيى: لوجين... لو سمحتي انزلي تحت. لو حد شافك هنا دلوقتي هتبقى مصيبة ومشكلة كبيرة.
هزت لوجين رأسها برفض، واقتربت منه ببطء، ثم أمسكت يده بكلتا يديها.
لوجين: أنا بحبك... بحبك قوي يا يحيى. من يوم ما شوفتك السنة اللي فاتت في البلد، وإنت سكنت جوايا. بقيت مش شايفة حد غيرك.
نظر يحيى إلى يدها الممسكة بيده، ثم سحب يده بهدوء، ومسح على وجهه في إرهاق.
يحيى: أنا كل تفكيري في دراستي وبس. وانتي لسه صغيرة، وعندك ثانوية عامة السنة الجاية. ركزي في مستقبلك، ولما تكبري شوية هتعرفي إن اللي حاساه دلوقتي مجرد إعجاب... وهيعدي.
امتلأت عينا لوجين بالدموع، وهزت رأسها بقوة.
لوجين: لا... مش إعجاب، ولا وهم. ده حب بجد... وأقسم بالله هتتأكد بنفسك إنك أكبر وأصدق حب في حياتي.
تنهد يحيى بضيق، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
يحيى: حتى لو كان اللي بتقوليه حقيقي... أنا عمري ما فكرت فيكي بالشكل ده، ومش هضحك عليكي ولا أوهمك بحاجة مش موجودة.
شعرت لوجين وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها كالصخر.
لوجين: يعني... مفيش أمل؟
ظل صامتًا للحظات، ثم أجاب بوضوح:
يحيى: لأ.
نزلت دمعة من عينها رغمًا عنها.
لوجين: فيه واحدة تانية في حياتك... صح؟
نظر إليها يحيى، لكنه لم يجب.
كررت سؤالها بصوت مرتجف:
لوجين: رد عليا... فيه واحدة تانية؟
أغمض يحيى عينيه لثوانٍ، ثم فتحهما وقال بهدوء:
يحيى: حتى لو فيه أو مفيش... ده موضوع يخصني. لكن اللي يخصك إنك تعرفي إن مفيش نصيب بينا.
انهمرت دموع لوجين أكثر، ثم قالت وهي تكاد تختنق من البكاء:
لوجين: أنا كنت فاكرة إنك مختلف... وإنك هتديني فرصة.
يحيى: وأنا مختلف فعلًا... علشان كده مش هعلق قلبك بحاجة مستحيل تحصل.
ساد الصمت بينهما.
ثم أشار بيده ناحية الباب.
يحيى: اتفضلي يا لوجين... وانسي إنك جيتي هنا النهارده. وعلشان خاطري، متكرريهاش تاني.
وقفت لوجين مكانها لثوانٍ، تنظر إليه في ألم، وكأنها تنتظر منه كلمة توقفها...
لكنه ظل واقفًا في مكانه، ملامحه جامدة، وقلبه مشغول بشيء آخر تمامًا.
خفضت رأسها، ومسحت دموعها سريعًا، ثم خرجت من الشقة.
أغلق يحيى الباب خلفها، وأسند ظهره إليه، وأطلق زفرة طويلة.
رفع عينيه إلى السقف وهمس بصوت خافت:
يحيى: يارب... قويني.
لكن في اللحظة نفسها...
دون أن يشعر...
كان قلبه معلقًا بزهرة، ولا يعلم أن في تلك اللحظة، كانت تسمع من والدتها خبرًا سيقلب حياتها رأسًا على عقب.

أغلق يحيى الباب خلف لوجين، ثم أسند ظهره إليه وأغمض عينيه لثوانٍ، وكأنه يحاول أن يستعيد هدوءه.
تنهد بعمق، واتجه إلى الشرفة.
وقف ينظر إلى النيل في صمت، بينما كانت كلمات لوجين تتردد داخل رأسه.
يحيى (في سره): ربنا يهديكي يا بنت الناس... إنتِ لسه صغيرة، ومش فاهمة إن الحياة مش مجرد مشاعر.
أخرج هاتفه من جيبه، وفتح محادثة زهرة.
ظل ينظر إلى اسمها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
يحيى (في سره): نفسي أكلمك... بس وعدت نفسي أول ما أخلص أول سنة في الكلية هروح أطلبك رسمي.
ضغط على زر الاتصال... ثم تراجع في آخر لحظة.
أغلق الهاتف وهو يهز رأسه.
يحيى: لأ... خليني أركز في اللي جاي.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فوجد اسم عامر.
ابتسم ورد على الفور.
يحيى: إزيك يا عامر؟
عامر: الحمد لله يا دكتور... عامل إيه في القاهرة؟
ضحك يحيى.
يحيى: دكتور مرة واحدة؟
عامر: أهو تدريب بدري... عشان لما تتخرج متتكبرش علينا.
ابتسم يحيى وهو يهز رأسه.
يحيى: مستحيل.
سكت عامر لحظة، ثم قال بجدية:
عامر: بقولك يا يحيى... خليك واخد بالك من أمك.
اعتدل يحيى في وقفته.
يحيى: مالها؟
عامر: مش عارف... بس من كام يوم حاسس إنها بتخطط لحاجة، وكل شوية تسأل على زهرة، وبتتكلم عنها بطريقة غريبة.
تجهم وجه يحيى.
يحيى: تقصد إيه؟
عامر: معنديش دليل... بس حبيت أنبهك.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال يحيى بثقة

يحيى
قال بثقة وهو ينظر أمامه، وكأنه يرى زهرة بعيني قلبه:

زهرة لا يمكن تغيب... ولا يمكن تبيع يا عامر. أنا عارف أمي كويس، ولو فكرت تعمل حاجة، فهي هتكون إنها تجوز إبراهيم لزهرة علشان تكسرني. لكن اطمن... زهرة مستحيل توافق، ومستحيل تبيع حبنا. كل اللي بطلبه منك، خلي خالتي صفية تبعدها عن أي ضغط.

عامر...

ساد الصمت لثوانٍ، ولم يجد ما يقوله.

عامر (في سره):
وده اللي حصل فعلًا يا يحيى... أمى راحت وخطبت زهرة لإبراهيم. بس يا ترى... زهرة هتقدر تصبر وتتمسك بيك؟ ولا الظروف هتغلبها؟

انتبه يحيى لصمت عامر، فعقد حاجبيه.

يحيى: رحت فين يا عامر؟

أفاق عامر من شروده سريعًا.

عامر: ها... معاك أهو.

ابتسم يحيى ابتسامة خفيفة.

يحيى: طمني... بابا أخباره إيه؟

عامر: الحمد لله بخير. صحيح زعلان على فراقك، لكن فرحان بيك جدًا. كل ما حد يقابله يقعد يحكي إن ابنه دخل طب، وإنه هيبقى أحسن دكتور.

ابتسم يحيى بحب، وشعر بغصة في حلقه.

يحيى: ربنا يديله الصحة... هو تعب كتير علشاني.

عامر: وده دايمًا يقولها... "تعب العمر كله يهون لما أشوف يحيى حقق حلمه."

اغرورقت عينا يحيى بالدموع، لكنه أخفاها سريعًا.

يحيى: بلغه إني وحشني... وأول ما آخد أول أجازة هاجي أقعد معاه كام يوم.

عامر: هقوله... وهيفرح قوي.

ساد بينهما صمت قصير، قبل أن يتحدث عامر مرة أخرى.

عامر: خلي بالك من نفسك يا صاحبي... وربنا يوفقك.

يحيى: وإنت كمان... سلام.

أنهى يحيى المكالمة، لكنه ظل ممسكًا بالهاتف، يشعر بأن قلبه انقبض دون سبب واضح... وكأن شيئًا يحدث في البلد، وهو لا يعلم عنه شيئًا.

وفي نفس اللحظة...

كانت زهرة تمسح دموعها بصمت، غير مدركة أن الشخص الذي يشغل قلبها كان يفكر فيها في التوقيت نفسه.بقلم ميادة يوسف الذغندى 

في منزل صفية...

جلست زهرة على طرف السرير، والدموع تنهمر من عينيها دون أن تستطيع السيطرة عليها.

رفعت رأسها إلى والدتها، وقالت بصوت متقطع:

زهرة: ماما... إنتِ بتقولي إيه؟

تنهدت صفية، ثم اقتربت منها وجلست بجوارها.

صفية: بقولك الواقع يا زهرة. إبراهيم راجل طول وعرض، وشاب محترم، وألف بنت تتمناه. شغال بره، معاه فلوس، ومستقبله مضمون. بكرة هتنقلي لعيشة تانية، ومستوى تاني.

هزت زهرة رأسها وهي تمسح دموعها بكف يدها.

زهرة: ماما... لو سمحتي، انسِ الموضوع ده خالص. أنا عندي كلية، ومش بفكر في الجواز دلوقتي.

نظرت إليها صفية نظرة طويلة، ثم قالت بهدوء:

صفية: قصدك... عندك يحيى.

انتفضت زهرة من مكانها، ورفعت عينيها إلى والدتها في ارتباك شديد، وأخذت تفرك أصابعها ببعضها من شدة التوتر.

زهرة: ماما... إنتِ بتقولي إيه؟

ابتسمت صفية ابتسامة حزينة.

صفية: بقول اللي جواكي. فاكرة إني مش شايفة؟ نظراتكم لبعض، وخوف كل واحد فيكم على التاني... الأم مبتغلطش في الإحساس ده.

خفضت زهرة رأسها، ولم تستطع أن تنطق بكلمة.

واصلت صفية حديثها بهدوء:

صفية: صحيح يحيى ابن أختي الله يرحمها، وشاب محترم، لكن لسه في أولى طب. ولسه قدامه سنين طويلة على ما يتخرج، وبعدها جيش، وبعدها شغل. يعني المشوار لسه طويل قوي.

ثم أمسكت يد ابنتها برفق.

صفية: بصي لنفسك ولمستقبلك يا بنتي. افتحي عينيكي، وفكري بعقلك قبل قلبك. الفرص الحلوة مبتتكررش كتير.

لم تتمالك زهرة نفسها.

انسابت دموعها بغزارة، ثم هبطت إلى الأرض وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، وأجهشت في البكاء.

كانت تشعر وكأن قلبها يُنتزع من بين ضلوعها.

وفي تلك اللحظة...

رن هاتفها.

ارتفع صوت النغمة وسط الصمت.

رفعت رأسها ببطء، ومدت يدها المرتعشة نحو الهاتف.

وما إن نظرت إلى الشاشة...

حتى اتسعت عيناها.

كان الاسم الذي يضيء الشاشة هو...

يحيى.

تجمدت أناملها فوق الهاتف، بينما نظرت إليها صفية في صمت...




تعليقات