رواية الصياد والفريسة الفصل السابع 7 بقلم ملكة الروايات


 رواية الصياد والفريسة الفصل السابع 

​تسللت أضواء الصباح الذهبية عبر ستائر الجناح الفاخر، لتسقط على وجه "نور" الهادئ. فتحت عينيها لتجد "مراد" يجلس بجوارها على طرف الفراش، يرتدي زي العمل الرسمي الخاص بضباط الشرطة، ويثبت شاراته بثبات وهيبة. كان يطالعها بنظرة حانية تتضارب فيها مشاعر الحب الجارف مع قلق خفي من تركها وحدها في القصر وسط أمه ودرية.
​اقترب منها ونزل لمستواها، وطبع قبلة دافئة على جبينها وقال بصوت خفيض ينسكب كالبلسم:
"صباح الخير يا ملكتي.. للأسف لدي مهمة طارئة في المديرية ولن أتمكن من البقاء معكِ اليوم. أردتُ أن أطمئن عليكِ قبل أن أغادر."
​اعتدلت "نور" في جلستها، وجمعت خصلات شعرها البني الثائر بثبات، وقالت بابتسامة رقيقة تطمئنه:
"صباح النور يا مراد.. لا تقلق عليّ، اذهب لشغلك وواجبك. أنا بخير، وأعرف جيداً كيف أحمي نفسي وكبريائي."
​ضم كفها بين يديه بقوة وقال بنبرة حازمة تحذر من القادم:
"الجناح هذا حماكِ المنيع، وهاتفي في يدكِ طوال الوقت. أي كلمة أو مضايقة تصدر من أي شخص هنا، أبلغيني فوراً.. أعدكِ أنني لن أسمح لأحد بمساس أمنكِ."
​ودعها وانصرف بخطوات ثقيلة، بينما بقيت "نور" تتأمل أثره بقلب ينبض بحبٍ صادق ورجاء أن تمر ساعات النهار بسلام.
​في أسفل القصر، كانت "سعاد هانم" تجلس مع "درية" و"دكتور طارق"، طبيب العائلة الخاص الذي باع ضميره لقاء أموال طائلة من ثروة الحسيني. كانت الخطة الخبيثة قد اكتملت أركانها بدهاء شديد.
​قالت "سعاد هانم" بنبرة باردة كالجليد:
"المطلوب بسيط جداً يا دكتور.. عندما تنزل هذه الفتاة لتناول الإفطار، ستضع هذا العقار الخفيف في مشروبها، عقار يسبب هلاوس خفيفة وفقداناً مؤقتاً للتوازن دون أن يترك أثراً في الدم. ثم تخرج أنت لتعمل لها فحصاً رسمياً وتدعي أمام الجميع وأمام مراد أنها تعاني من مرض نفسي وتهيؤات خطيرة تجعلها غير أهلاً للزواج!"
​ابتسمت "درية" بشر وغلّ:
"وبكده مراد هيقتنع إن تصرفاتها وعنادها مجرد حركات مرضية وتهيؤات، وهيرميها بره البيت بنفسه عشان يحمي اسمه وسمعة العيلة!"
​نزلت "نور" إلى الصالون الرئيسي بخطوات متزنة وقميص بسيط أنيق يبرز جمالها المصري الأصيل. كانت مرفوعة الرأس، ولم ترتجف حين وجدت "سعاد هانم" و"درية" تجلسان عند طاولة الطعام الفاخرة.
​ألقت السلام برزانة:
"صباح الخير يا سعاد هانم."
​تظاهرت "سعاد هانم" بالهدوء والترحيب المتكلف على غير العادة، وأشارت لها بالمقعد المجلل:
"صباح النور يا نور.. اجلسي لتتناولي إفطاركِ، نحن في النهاية عائلة واحدة ويجب أن نتأقلم مع وجودكِ."
​شكّت "نور" بذكائها وفطرتها النقية في هذا التغير المفاجئ واللطف المصنوع، لكنها جلست بكرامة. قدمت لها الخادمة كأساً من العصير المجهز خصيصاً لها.
​رفعت "نور" الكأس، وقبل أن ترشف منه قطرة واحدة، لاحظت نظرات الترصد الخفية والهمسات المتبادلة بين "درية" و"سعاد هانم"، ونظرة التوتر في عيني الخادمة المرتجفة.
​بحركة ذكية وسريعة لم يتوقعها أحد، أدعت "نور" أن يدها قد اهتزت، وقامت بقلب الكأس عمداً على الطاولة ليتناثر العصير على مفرش الطاولة المذهب!
​شهقت "درية" بغضب:
"إيه الغباء ده؟! مش عارفة تمسكي الكوباية زي الناس الطبيعيين؟!"
​قامت "نور" بصلابة وشموخ، ونظرت في عيونهما بابتسامة سخرية واثقة كشفت بها ملعوبهما:
"آسفة جداً يا هانم.. يدي لم تهتز، لكن كبريائي وعقلي صاحيان تماماً! أنا أعرف جيداً متى يُقدم لي الخير ومتى يُدس لي السم في العسل!"
​اتسعت عينا "سعاد هانم" بالصدمة من حدسها العالي وفطنتها المذهلة، وقبل أن تتفوه بكلمة، انفتح الباب الخارجي للقصر بانفجار!
​دخل "مراد الحسيني" كالإعصار الثائر! لم يكن قد غادر القصر بالفعل، بل كان قد أوعز لرجاله بمراقبة تحركات الدكتور طارق والخدم بعد أن ساورته الشكوك في تحركات أمه البارحة.
​تقدم "مراد" بخطوات حاسمة جعلت الأرض ترتجف تحت أقدام الحاضرين، وجذب "دكتور طارق" من ياقته بقوة مرعبة ورماه في منتصف الصالون!
​صرخت "سعاد هانم":
"مراد! إيه اللي بتعمله ده؟! ده دكتور العيلة!"
​قال "مراد" بصوت جليّ حاد كالصلب هز أرجاء القصر وأرعب القلوب:
"دكتور العيلة المأجور اللي قبض من درية عشان يدس عقار الهلاوس لزوجتي وشرفي؟! أنا سمعت وشوفت كل حاجة يا أمي! سجلت المكالمات وعرفت اللعبة الحقيرة اللي كنتوا بتدبروها لنور!"
​شحب وجه "درية" وسقطت على المقعد تتصبب عرقاً ورعباً، بينما وقفت "سعاد هانم" مذهولة لا تجد كلمة تدافع بها عن نفسها.
​التفت "مراد" نحو والدته ودرية، وتطايرت من عينيه الصقريتين شرارات الغضب القاتل:
"كنت أظن أن كبرياء العائلة يمنعكم من الدناءة.. لكنكم أثبتُّم أن هذه الفتاة الفقيرة أطهر وأشرف وأرجل منكم جميعاً! من اليوم.. لا درية لها مكان في هذا القصر، وإن لم تحترمي زوجتي يا أمي، سآخذ نور ونرحل فوراً ونقطع كل حبال التواصل!"
​ثم أشار لرجاله باقتياد الدكتور الخائن للخارج لمواجهة عقابه القانوني، والتفت نحو "نور".
​تقدم نحوها بخطوات دافئة، وضمها أمامهم جميعاً إلى صدره بحماية ورجولة طاغية، واضعاً يده حول رأسها، يهمس في أذنها أمام نظراتهم المكسورة:
"سامحيني يا نور.. أثبتِ للجميع أنكِ صيادة ذكية لا تنطلي عليكِ الشباك الرخيصة، وأن مكانكِ هنا فوق الجميع بكرامتكِ وأصلكِ الطيب."
​نظرت "نور" في عينيه المشتعلتين بالحب والأمان، وابتسمت بابتسامة نصر شامخة؛ فقد برهنت لبيت الحسيني بأكمله أن الشرف والعزة لا يُباعان ولا يُشتروان بالمال.
​ساد صمت ثقيل" أرجاء الصالون الرئيسي، صمتٌ أثقلته الهيبة والكرامة التي فُرضت بقوة الحق. كانت "سعاد هانم" تقف مذهولة، تجرّ أذيال الخيبة والهزيمة لأول مرة في حياتها، بينما انكمشت "درية" على نفسها كأفعى جُردت من سمّها، تجول بعينيها المرتعشتين بين رجال الشرطة المحيطين بالمكان وغضب مراد القاتل.
​نظر "مراد" إلى "درية" بنظرة شزراء، وقال بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش:
"أمامكِ ساعتان فقط يا درية.. تجمعين فيهما كل متعلقاتكِ وتغادرين هذا القصر إلى غير رجعة. وإن حاولتِ الاقتراب من نور أو التفكير في أي حيلة أخرى، سأحيل ملفات العمليات المشبوهة الخاصة بوالدكِ إلى النيابة العامة فوراً."
​لم تجرؤ "درية" على النطق بكلمة واحدة؛ إذ علمت أن مراد لا يهدد بغير حق. قامت متخبطة في خطواتها وانسحبت إلى الأعلى، تحرص على ألا تلتقي عيناها بعيني "نور" الشامختين.
​التفت مراد بعد ذلك إلى والدته، وانخفضت نبرته قليلاً احتراماً لسنّها، لكنها ظلت محملة بمرارة لا تُخطئها الأذن:
"أما أنتِ يا أمي.. فكنتُ أتمنى أن تكوني السند والقدوة، لا أن تنجرفي خلف خطط رخيصة تسقط من قدر العائلة التي طالما تفاخرتِ بها. نور زوجتي وسيدة هذا البيت بعقليتي وحمايتي، وإذا لم تتقبلي وجودها بكرامة، فسيكون جناحي ومكتبي هما حدود تعاملنا من اليوم."
​نزلت الكلمات على "سعاد هانم" كالصاعقة، فلم تجد أمامهما إلا أن تدير ظهرها وتغادر المكان بخطوات ثقيلة تحمل مرارة الهزيمة.
​أمسك مراد بيد "نور" الرقيقة ورفعها إلى شفتيه ليطبع عليها قبلة امتنان واعتزاز، ثم قال بصوت دافئ يملؤه الحب:
"أثبتِ لي اليوم أنني لم أختر زوجة فقط، بل اخترتُ شريكة قوية تُجيد الصمود في وجه العواصف.. هل أنتِ بخير يا ملكتي؟"
​ابتسمت "نور" بوقار واعتزاز، ونظرت في عينيه بصلابة ناعمة:
"أنا بخير طالما أنني لم أتنازل عن مبادئي. كنتُ أعلم أن الحق سيتغلب في النهاية، لكن وجودك بجانبي ودفاعك عن كرامتي هو ما جعل هذا النصر كاملاً."
​احتضنها مراد مجدداً ببطء، وكأنما يحميها من العالم أجمع، معلناً بداية عهد جديد في قصر الحسيني؛ عهدٍ تحكمه الكرامة ولا يُهان فيه أصحاب النفوس العفيفة.
​هل سينتهي هذا الصراع ام ستبدا المعركه  ؟؟!!


تعليقات