رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل السابع
تصلب «مَنْصُور» في مكانه أمام باب الغرفة المهجورة، ويده المعلقة فوق المقبض بدأت ترتجف بخفة..
الصوت الضعيف المجهد القادم من الداخل لم يترك مجالًا للشك.. «غَالِيَة» بالداخل!
وفجأة.. وقبل أن تتحرك إصبعه ليدفع الباب، وصل إلى مسامعه صوت خطوات ثقيلة، منتظمة، وتتحرك بقسوة من أقصى الممر..
انخطف لون «مَنْصُور» وانحبست الأنفاس في صدره وتمتم برعب:
— «يا وجعة مربربة!.. دي خطوة يُونُس! وطالع الناحية دي بالذات لاه؟! ده لو لمحني هنية ولا دخل الأوضة دي.. الدوار ده مش هتقوم له قائمة واصل!»
لو فتح الباب ودخل، يُونُس هيشوفه ويشوف «غَالِيَة»، وساعتها شيلة الطين هتكون على دماغه وخراب ديار.. ولو فضّل واقف مكانه كيف الصنم قدام أوضة مقفولة ومهجورة، يُونُس مش بعيد يشك فيه ويقطّع خبره!
في ثوانٍ معدودة، سحب «مَنْصُور» يده عن المقبض ببطء، وعدّل شاله بسرعة، واستدار كأنه طالع من الممر وراجع ناحية السلم الرئيسي..
وعند أول الدرج، خبط رجله في الخشب بقوة وكح كحة عالية هزت الممر عشان يدي خبر للي جوة!
كانت الكحة وصوت الخطوة بمثابة "جرس إنذار" خفي، انخلعت له قلوب «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» بالداخل، فتوقفتا عن الحركة وتسمرتا مكانهما برعب يقطع الأنفاس!
بقلمي: الكاتبة نسرين نادر ✨
في تلك اللحظة، كان «يُونُس» يسير في الممر، الشرر يتطاير من عينيه، وعقله ينسج خيوط الشك حول لجلجة «زَيْنَب» والكيس الذي أخذته من جُناحه.
وعند الزاوية قبل أن يصل للممر المهجور.. انفتح باب أحد الجناحات فجأة!
خرجت «سَمَر» بخطوات متمايلة، تعبق من حولها رائحة العطر النفاذ، ولابسة ثوبًا مزركشًا بألوان مبهجة لا تناسب الإطلاق حالة الغليان والنار القايدة في الدوار!
وقفت في منتصف طريق «يُونُس» تحجب عنه الممر، وأسبلت عينيها بنظرة عتاب متصنعة وقالت بنبرة فيها نغمة دلع ومُكر:
— «على وين العزم يا ولد عمي؟ ماشي كيف العاصفة ولا داري باللّي حواليك واصل!»
توقف «يُونُس» رغماً عنه، وضيّق عينيه بنظرة حادة كالموس، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، دون أن ينطق بحرف.
تقربت «سَمَر» منه خطوة، وقالت بعتاب يحمل حب السيطرة:
— «جرى إيه يا يُونُس؟ الدوار قلبه محروق ومقلوب عاليها واطيها عشان بت خدامة لا راحت ولا جت! وأنت سايب بيتك وناسك، ولا شاغل بالك بيا ولا بتسأل عني واصل.. نسيت إني بنت عمك الكبيرة؟ نسيت إن أنا اللّي من حقك وأنت من حقي، والأولى بيك من أي حد غريب يدخل بيناتنا؟! لحد متى هتفضل جافيني وإكده وعينك مش شايفاني؟!»
كانت كلماتها تقع على أذن «يُونُس» كأنها طنين ذباب مزعج في وسط حريق يلتهم صدره! تفرّس في زينتها الفاقعة في هذا التوقيت القاسي، فتحولت نظراته إلى قسوة جارفة.
خطا نحوها خطوة واحدة جعلتها تتراجع للخلف، وهتف بصوت كالرعد المكتوم زلزل أركان الممر:
— «أنتِ تجنيتِ في عقلك يا بت أنتِ ولا جرى لعقلك حاجة؟! الدوار قايدة فيه نار تاكل الأخضر واليابس، وأنتِ طالعالي متزوقة ومتحفلة وكأنك في ليلة فرحك؟! بنت عمي الكبيرة ولا صغيرة.. الحديث ده تلفيه وتغطيه وما نسمعوش منك واصل في وقت كيف ده!»
بلعت «سَمَر» ريقها بصعوبة وانخطف لونها، لكن «يُونُس» أشار بيده نحو جناحها وأردف بنبرة قاطعة تحرق الكرامة:
— «زيحِ من قبالي يا سمر وغوري على أوضتك الساعة دي! بدل ما أفرغ غلي وحرقة قلبي كلياتها فيكِ دلوك.. غوررري!»
نزلت الكلمات على «سَمَر» كالصفعة الحارقة، فتراجعت بخطوات مرعوبة وكسرة خاطر ممزوجة بغل أسود، وهرولت راجعة إلى جناحها وأغلقت الباب خلفها بحدة!
بقلمي: الكاتبة نسرين نادر ✨
على صوت يُونُس الرعدي، خرجت «الحاجة صَفِيّة» من جناحها المباشر في أقصى الممر، ووقفت وشالها الملفوف بهيبة تُلقي بظلالها على الدوار كله.
وعلى طرف الدرج السفلي، كانت «وَصَال» تقف في الخفاء، تضيّق عينيها بمكر وهي تتابع ما يحدث، تبتسم ابتسامة خبيثة كأنها تسجل كل عثرة لتدق بها طبول الفتنة في الوقت المناسب.
تقدمت «صَفِيّة» بخطوات ثابتة ونظرات ثاقبة، ونظرت لـ«نِعْمَة» قبل أن تدخل سمر جناحها، وقالت بصوت هادئ لكنه أشد قسوة من السوط:
— «لمّي بنتك يا نِعْمَة وعلميها الأصول والتوقيت! ولد العمدة ويد الدوار مش فاضية للزينة والرخص في وقت البيت قايدة فيه النار.. كنة صفية وسيدة الدوار ده مش هتكون بت عينيها فارغة ومابتعرفش ترعى حرمة البيوت!»
ثم أعطتها ظهرها بهيبة، بينما وقفت «وَصَال» تهمس لنفسها في الظلام:
— «ولعي يا صفية.. ولعي يا نعمة.. النار دي مش هتسيب حد فيكم، والغلبة في الآخر للي عيونه صاحية!»
دخلت «سَمَر» جناحها وجسدها كله بيرتجف من شدة الإهانة والغيظ، ودخلت وراها أمها «نِعْمَة» ورزعت الباب بقوة، ململمة شالها على صدرها وعيونها بتطلع شرار!
أول ما سمر رمت نفسها على الكنبة، قربت منها «نِعْمَة» وهتفت فيها بصوت واطٍ بس مليان غضب:
— «يا غبية!.. كيف تقولي له الحديث ده دلوك؟! كيف تطبي عليه وتجوليله أنت من حجي وأنا من حجك في الهوجة دي يا ميعة؟! ما بتعرفيش تتحدتي واصل؟!»
ردت «سَمَر» بصوت مخنوق:
— «أمال أسيبه يا أما؟! شايفاه مقلوب كيف المجنون عشان بت خدامة لا راحت ولا جت، وأنا طالعة له كيف القمر ومش داري بيا واصل ولا كأني بنت عمه الكبيرة!»
لوت «نِعْمَة» بوزها بتهكم وقالت:
— «يا مرت عمك صفية شايفة نفسها علينا بس! وحياة ربنا ما هسيب حقنا ولا أخلي البنت الخدامة دي ولا غيرها تاخد اللي ليكي.. افتكري كلامي زين! التقل يا بت، التقل والخباثة! يُونُس عقله شايط والنار قايدة في قلبه عشان البت غَالِيَة، تقومِ أنتِ تطلي له بخلقتك المتزوقة وتجوليله اتجوزني وركز معايا؟! طبيعي يمسح بكرامتك الأرض ويطردك إكده!»
أطاطت «سَمَر» رأسها بكسرة، فاقتربت «نِعْمَة» منها ووطت صوتها جنب أذنها:
— «الراجل من دول لما يكون متغاظ ودمه فاير، تطلعي له كيف الحية الناعمة.. تسحبي منه الكلام وتطبطبي عليه، مش ترمي حالك عليه إكده في الهوجة! وبعدين افتكري إن مرت عمك «صَفِيّة» ماهتقبلش ببت خدامة كنة ليها واصل، «صَفِيّة» رايدة بت حسب ونسب لبكرها يُونُس، يعني غَالِيَة دي حتى لو رجعت ما ليهاش مكان هنية!»
ردت «سَمَر» وشرارة الغل طالعة من عينيها:
— «طب و«رَاوِيَة» أمها يا أما؟! دي هتجيد نار وما هتسكتش واصل لو عرفت إني ممكن أتزوج يُونُس!»
لوت «نِعْمَة» فمها بسخرية وقالت بتشفي:
— «رَاوِيَة إيه اللّي كيف الليفة المحروقة دي؟! تجيد نار ولا تجيد حريقة حتى.. سيبك أنتِ من كل ده دلوك، وركزي في اللّي هجوله ليكي وبس.. ساعتها أنا هعرف كيف أتصرّف وياهم كلياتهم!»
بقلمي: الكاتبة نسرين نادر ✨
في هذه الثواني المعدودة التي عطلت فيها «سَمَر» و«صَفِيّة» حركة الممر...
استغل «مَنْصُور» الفرصة الذهبية! اندفع بخطوات سريعة وخفيفة راجعاً نحو باب الغرفة المهجورة، فتح الباب وانزلق للداخل ثم أغلقه خلفه بسرعة.
انخلعت قلوب «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» من مكانها، وتسمرت عيونهما عليه في ذهول!
كانت «غَالِيَة» مستلقية على الكنبة القديمة، وجهها شاحب كالأموات، وشفتاها جافتان من شدة الحمى وهي تئن بصوت خافت لا يكاد يُسمع:
— «يُونُس... يا يُونُس...»
سقط كيس الدواء من يد «زَيْنَب»، لكنها تقدمت بثبات واحتضنت غالية بجسدها، ونظرت لـ«مَنْصُور» وقالت بهمس حاد:
— «يا مَنْصُور!.. دي «غَالِيَة» أختنا وغاليتنا، لقيناها مرمية ومولعة نار كيف الجمرة.. نسيبوها همل للموت والبرد؟! والله لو «يُونُس» قطع رقابنا ما كنا هنفوتها تضيع إكده! إحنا بنستروها ونطببوها لحد ما ربي يفرجها!»
اقتربت «زَيْنَب» خطوة من «مَنْصُور» وأكملت بنبرة قلقة:
— «بس إياك يا منصور تجيب سيرة لـ«يُونُس» إن إحنا اللّي مخبيينها هنية! إحنا خفنا عليها تطلع بره الدوار في العتمة دي.. هتروح فين بس وهي ما تعرفش حاجة ولا ليها حد؟! لو عرف إننا متسترين عليها، مش هيسامحنا ولا هيسيبنا في حالنا يا ولد عمي!»
مسح «مَنْصُور» على وجهه وعيناه تتراقبان الباب، وقال بصوت واطٍ:
— «عفارم عليكِ يا زَيْنَب.. بت أصول وما غلطتيش، وأنا مش هسلمكم بيدي واصل! بس البت «سَمَر» أختي وأمنا «نِعْمَة» عيونهم هتركز في الممر بعد اللّي حصل، يعني الخطوة بحساب.. والبت دي لو فضلت هنية بالحمى دي من غير دكتور هتروح فيها!»
نظرت «كَرِيمَة» لأخيها وقالت بنبرة مرعوبة:
— «طب وهنعمل إيه يا أخوي؟! نخرجها كيف والدوار مقلوب ومفيش خروج ولا دخول إلا بأمره؟!»
تفرّس «مَنْصُور» في وجه غالية المرهق، وتنفس بعمق وقال بقرار حاسم:
— «المية والكمادات تمشي عليها دلوك من غير نقطة صوت.. أنا هخرج دلوك كأني بدور مع الرجالة في الجنينة بره، وأول ما الهوجة تهدى شوية.. لازم نلاقي طريقة نخرجها بره الدوار ده خالص قبل ما الشمس تطلع!»
بقلمي: الكاتبة نسرين نادر ✨
في تلك الأثناء، بعيدًا عن حركة الممر، كان الهدوء الخانق يلف غرفة «الحاج نُعْمَان».
كان يجلس على طرف فراشه، يده الثقيلة تطبق على سبحته الكبيرة دون أن يحرك حباتها.. عيناه الغائرتان مثبتتان على الفراغ، وجسده الهرم يبدو وكأن الهموم هصرته هصرًا.
تأوه بحسرة خرجت من أقصى صدره، وتمتم بصوت متهدج:
— «أراضيكِ فين دلوك يا غَالِيَة... رحتِ فين يا بنتي بس في العتمة دي؟!»
أغمض عينيه بأسى، ودار شريط الماضي أمام عقله ليواجه نفسه بالحقيقة المرة التي حاول الهروب منها طوال السنوات الماضية.. وقال وهو يعاتب نفسه بنبرة انكسار:
— «ظلمتك يا بنتي.. عارف إن إيدي تلوت بظلمك كتير، بس والله ما كان قصدي أئذيكِ واصل.. في الأول كان خوف عليكِ وعلى البيت ده من النار اللّي لو قادت هتأكل الأخضر واليابس! وما نكرش إن الطمع عِمت عيني شوية واستقويت.. بس قلبي ما يكرهكيش يا غَالِيَة، ولا كنت أريَد لك الوجع إكده!»
انقبضت أصابعه حول السبحة بقوة حتى أوشكت خيوطها أن تتفرق، ورفع رأسه للأعلى يستغفر في سره بنبرة رجاء صادق:
— «يا رب تترد بالسالمة.. يا رب ما يكون مسها شر ولا طالتها يد عايبة.. ده أنا لو جرى لك حاجة يا بنتي، والله ما هسامح نفسي طول العمر ولا هتعرف عيني تنام!»
بقلمي: الكاتبة نسرين نادر ✨
دفع «يُونُس» باب جناح «حِكْمَت» بخطوات بطيئة، يجر خلفه ثقل الهم وحيرة عقل مش قادر يجمع الخيوط.
كانت «حِكْمَت» قاعدة على الصلاية في زاوية الأوضة، طاوية طرف شالها ودموعها نازلة على خدها في سكات، كأنها بتدعي ربنا يسترها على بنتها.
أول ما سمعت خبطة قدمه، رفعت رأسها بلهفة ومسحت دموعها بسرعة، وقامت وقفت وقالت بصوت مخنوق:
— «يُونُس... يا ولدي، في خبر عنها؟ لقيت لها أثر يا ولد عمي؟!»
قرب «يُونُس» منها، وعينيه فيها وجع وحيرة مش قسوة، وقعد على حرف الكنبة القريبة ومسك إيدها بين إيديه التنين باحترام، وقال بنبرة حنينة ومجروحة:
— «اقعدي يا خالة حِكْمَت وركزي معايا الله يرضى عليكِ... أنتِ مربياني في البيت ده واعتبرتيني كيف ولدك، وربيتِ غَالِيَة واعتبرتيها كيف بنتك بالظبط، وعارف إن قلبك عليّ وعليها.. عشان إكده عايزك تصدقيني الحديث.»
نزلت دموع «حِكْمَت» أكتر، فضغط «يُونُس» على إيدها وأكمل بعتاب راجل حائر:
— «قولي لي يا خالة.. لاه هربت غَالِيَة؟! هو في حد عمل لها حاجة وأنا مش موجود هنية؟! لاه لما كنت أطلب أطمن عليها ولا أكلمها وأنا في سفري، كنتِ ترفضي وتقولي لي مش فاضية ولا مشغولة وما تخلينيش أسمع صوتها واصل؟!»
بلعت «حِكْمَت» ريقها بصعوبة، وشفايفها بدأت ترتجف من كثرة الخوف، لكن «يُونُس» كمل ونبرة حسرته بتزيد:
— «حتى غَالِيَة لما رجعت الدوار.. حسيت إنها متغيرة مش هي غَالِيَة اللّي عرفتها! عينها مكسورة وفيه خوف ساكن جوفها.. قولي لي بالحق يا خالة، في حد عذبها في غيابي؟! في حد كان بيديايقها ولا جه عليها في الدوار ده وأنا ما أعرفش؟! عملوا فيها إيه للدرجة اللّي تخليها تخرج في عتمة الليل إكده؟!»
شهقت «حِكْمَت» بالبكاء وسحبت إيدها بحسرة، ونظرت لـ«يُونُس» بعينين مليانة عجز وألم وقالت بنبرة قطعت قلبه:
— «يا ولدي والله العظيم كان غصب عني!.. غَالِيَة شافت كتير وقست كتير في الدوار ده في غيابك، شافت اللّي ما يتحملوش بشر! وكانت زي ما أنت بتتمنى تكلمها، هي كمان كانت بتتمنى تسمع صوتك وتلوذ بيك من القهر اللّي شافته!»
شحب لون «يُونُس»، وسألها بلهفة وشرر عينيه قاد تاني:
— «ومين اللّي قهرها يا خالة؟! قولي لي اسم واحد بس وأنا أقطع خبره من على وش الأرض دلوك!»
أمسكت «حِكْمَت» بتلابيب شاله وقالت بنبرة حاسمة وصوت يرتعش:
— «أنا عارفة إنك هتلاقيها يا ولدي، وإنك مش هتسيبها واصل.. لاقي لي بنتي يا يُونُس، لاقيها وردها لحضني بالسالمة الأول.. وساعتها أنا اللّي هفتح لك قلبي وهقول لك على كل حاجة!»
وقفت الكلمات في حلق «يُونُس»، وهز رأسه ببطء والجمود يكسو ملامحه، لكن نيران الإصرار اشتعلت في رأسه أكثر.
بقلمي: الكاتبة نسرين نادر ✨
خرج «يُونُس» من جناح «حِكْمَت» وصدره يغلي كالمجلجل، وتوجه إلى التراس الخارجي الواسع في الدور العلوي المطل على أراضي الدوار والنخل الباسق.
جلس وحيدًا في عتمة الليل، يشعل سيجارة تلو الأخرى، ينفث دخانها بغضب مكتوم وعيناه تمشطان الظلمة الساكنة بالخارج كأنه يبحث عن أثر قدميها.
وفجأة.. سمع صوت خفق نعال ثقيل وراءه، ثم استند «رَجَب» بساعديه على سور التراس بجانبه، مائلًا برأسه وبثغر ترتسم عليه ابتسامة شماتة ومكر ملحوظ.
قال «رَجَب» بنبرة تنقط سمّاً واستفزازاً:
— «إيه يا ولد عمي؟ قاطر نفسك ومقاعدش على بعضك لاه؟! كل ده عشان بت خدامة هربت في ليل مش باين له أول من آخر؟ تلاقيها يا خوي سحبت حالها وراحت للي يسترها بره الدوار اللّي ما طايقاهش!»
في كسر من الثانية.. انتفض «يُونُس» من كرسيه كالوحش الكاسر! اندفع نحو «رَجَب» وقبض على قبته بيده الفولاذية، فرفعه عن الأرض تقريبًا وصدمه في الجدار الخلفي للتراس.
تطاير الشرر من عيني «يُونُس» وهتف بصوت كالرعد الخافق:
— «قطع لسانك يا رَجَب! غَالِيَة أطهر منك ومن اللّي خلفوك كلياتهم! وكلمة زيادة تخرج من بؤك العايب ده في حقها، قسماً بالله هكون جاطع خبرك هنية ودافنك في الجنينة قبل ما النهار يطلع!»
احمرّ وجه «رَجَب» وحاول الفكاك بيده وهو يختنق، وفي تلك اللحظة الحرجة المشحونة برائحة الدم..
دخل «أَيْمَن» مسرعاً للتراس، وانصدم من المنظر، فتدخل فوراً بجسده وسحب يد «يُونُس» بالقوة وقال بنبرة سريعة ومربكة:
— «صلي على النبي يا يُونُس وسيبه دلوك!.. تعال معايا قوام، عايزك في موضوع مهم ومستعجل بره الدوار خالص!»
نفض «يُونُس» «رَجَب» أرضاً، ونظر لـ«أَيْمَن» بعيون تشتعل:
— «موضوع إيه ده يا أيمن في نص الليل؟! أنت مش شايف النار اللّي قايدة في صدري والبيت ده؟!»
سحبه «أَيْمَن» من ذراعه بضغط مكتوم وقال بصوت خافت لا يصل لأذن رجب:
— «يا خوي اسمع مني وما تسألش هنية، اقفز معايا في العربية وسيب الباقي عليّ!»
بقلمي: الكاتبة نسرين نادر ✨
في تلك الأثناء بالداخل.. انسلت «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» بخطوات كيف الطيف ناحية الأوضة المهجورة، وشالوا «غَالِيَة» بالراحة بيناتهم وهي غايبة عن الوعي ومولعة نار بالحمى، ونزلوا بيها من السلم الخلفي المطل على الجنينة، حيث كان «مَنْصُور» مستنيهم بره ومجهز العربية بعد ما شتّت انتباه الغفر.
حطوها في المقعد الخلفي بالراحة وسحبوا عليها الملاية، وانطلق «مَنْصُور» بالسيارة أقصى سرعة ناحية المستشفى اللّي في أول البلد.
أول ما وصلوا، ونزلوا «غَالِيَة» على الطوارئ والدكاترة استلموها فوراً وركبوا لها المحاليل، وقف «مَنْصُور» في الصالة، وتنفس بعمق وسحب تلفونه وطلب رقم «أَيْمَن».
رد «أَيْمَن» بصوت واطٍ وهو قاعد جنب «يُونُس» في العربية المشدودة:
— «إيه يا مَنْصُور؟ في جديد عندك؟!»
رد «مَنْصُور» بصوت واطٍ وحاسم:
— «أَيْمَن.. هات يُونُس وتعالوا فوراً على المستشفى اللّي في أول البلد من غير ما حد في الدوار يدرى واصل!»
رد «أَيْمَن» بسرعة:
— «أجيبه ونطيروا عليكم دلوك!»
قاطعه «مَنْصُور»:
— «تعالوا بهدوء وقوام!»
قفل «مَنْصُور» الخط، فجلست «زَيْنَب» و«كَرِيمَة» جنبه على الكراسي وجسدهم بيرتجف من الخوف..
قربت «زَيْنَب» منه وقالت بصوت يرتعش من الرعب:
— «يُونُس أخوي لو عرف يا مَنْصُور إننا كنا مخبينها عنده في الدوار وما قولنالوش.. هيموتنا! أنت عارف يُونُس لما بيغضب ما بيشوفش قدامه!»
وقامت «كَرِيمَة» وقالت بدموع ورجاء:
— «يا أخوي حرام عليك.. بتقول إيه لـأَيْمَن؟! يُونُس هيقطع خبرنا والله العظيم لو عرف إننا كنا متسترين عليها!»
مسح «مَنْصُور» على وشه بقلة صبر، وبص لهم بعيون كلها حسم وقال:
— «اسمعوا مني يا بنات.. الدوار كله مقلوب فوقاني تحتاني، ونار يُونُس مش هتهدى ولا الحاج نُعْمَان هيغمض له جفن غير لما يلاقوها! البت كانت هتموت من الحمى والبرد، ولو كنا سيبناها تطلع بره الدوار وهي ما تعرفش حد كانت ضاعت بالكلية!»
أمسك «مَنْصُور» إيد «زَيْنَب» واحتضن أخته «كَرِيمَة»، وقال بابتسامة ثقة:
— «ما تقلقوش.. أنا معاكم ومش هسيبكم، يُونُس هيخانقنا شوية وهيزعق من خوفه، بس صدقوني.. بعد ما يطمن عليها، هيشكركم إنكم أنقذتوا حياتها وما خليتوهاش تهرب وتروح في حتة وهي ما حيلتهاش حد!»
في اللحظة دي.. انفتح باب المستشفى الخارجي بقوة، ودخل «يُونُس» بخطوات كيف الزلزال وعيونه بتدور في المكان زي الصقر التجريح، وخلفه «أَيْمَن»!
