رواية انا مش رقم اثنين الفصل السادس 6
كانت الساعة داخلة على الحادية عشرة، ومريم لسه صاحية. مش لأنها مستنية عمر، لكن لأنها بقت مستنية الإحساس القديم. إحساس إنه أول ما يخلص شغله يدور عليها بعينيه، يحكيلها عن يومه، يشتكيلها، يضحك، يتخانق معاها على أتفه الأسباب، ويرجع يصالحها بعدها بدقيقة.
لكن الأيام الأخيرة.. بقت هادية، هادية زيادة عن اللزوم. والهدوء كان مرعب.
...
دخل عمر الشقة، إبتسم أول ما شافها :
ـ لسه مانمتيش؟
إبتسمت هي كمان، لكن إبتسامتها كانت متعبة :
ـ كنت مستنياك.
قرب منها، باس جبينها :
ـ ماعلش، اتأخرت.
ـ الشغل؟
هز راسه.
ـ آه.. الشغل.
كانت عينه ثابتة، لكن قلبه ارتجف، لأنه لأول مرة الكذبة خرجت بسهولة.
ومريم.. صدقتها كالعادة.
...
دخل يغير هدومه ومريم دخلت وراه الأوضة، وقفت عند الدولاب وبدأت تطبق هدومه وهي ساكتة. كان فيه كلام كثير جواها، لكن مش عارفة تبدأ منين، وفجأة قالت بهدوء :
ـ عمر...
لف ناحيتها :
ـ نعم؟
سكتت شوية وبعدين ابتسمت :
ـ هو أنا اتغيرت؟
استغرب السؤال :
ـ يعني إيه؟
ضحكت ضحكة صغيرة :
ـ يعني.. بقيت مملة؟ ولا زعلتك في حاجة؟
اتعقدت ملامحه :
ـ بتقولي الكلام ده ليه؟
نزلت بعينيها للأرض :
ـ أصل... حاساك بعيد كل يوم أكتر من اللي قبله.
قرب منها بسرعة ومسك إيديها :
ـ بعيد إيه بس يا مريم؟
رفعت عينيها فيه، كان فيهم خوف أكثر من العتاب :
ـ ماعرفش، بس بقيت أحس إنك معايا، وجزء منك في حتة ثانية.
الكلمة دخلت قلبه زي السكينة، بلع ريقه :
ـ إنت بتوهمي نفسك.
إبتسمت، لكن ابتسامتها كانت مكسورة :
ـ يمكن، نفسي أكون بتوهم، والله نفسي.
...
سكتوا... الصمت بينهم كان ثقيل. لأول مرة، مريم هي اللي كسرت الصمت، قالت وهي بتبص في الأرض :
ـ فاكر أول سنة جواز؟
إبتسم غصب عنه :
ـ فاكر.
ـ كنت كل يوم أول ما تدخل البيت تجري عليا، حتى لو كنت زعلان، حتى لو تعبان، حتى لو بينا خناقة. كنت تقول :
"حضنك بيصلح يومي."
إبتسم بحزن.
هي كملت :
ـ دلوقتي أنا بقيت بخاف أقرب منك.
رفع رأسه بسرعة :
ـ ليه؟
دموعها لمعت، لكنها منعت نفسها :
ـ علشان بقيت حاسة إنك لو حضنتني، هيكون علشان متزعلنيش، مش علشان محتاجني.
حط إيده على وشه، حس إنه بيختنق. كان نفسه يصرخ ويقول :
"لأ... أنا بحبك."
لأنه فعلًا كان بيحبها، لكن في نفس اللحظة وش سارة مر قدام عينه، وافتكر رسالتها:
"أنا مسافرة."
غمض عينه بقوة، مريم لاحظت وقالت بخوف :
ـ مالك؟ فيه حاجة؟
رد بسرعة :
ـ لأ، مجرد صداع.
نسرين بلعجيلي
كانت تعرفه أكثر من أي حد، وعرفت إنه بيكذب، لكنها ما فضحتوش. قربت منه ورفعت إيديها ولمست وشه برفق :
ـ عمر بُصلي.
بصلها...
ـ لو فيه مشكلة، شيلها معايا، إحنا عمرنا ما كنا اثنين، إحنا واحد، لو الدنيا كلها وقفت ضدك، أنا هقف جنبك، ولو غلطت أنا أول واحدة هسامحك، ولو تعبت، أنا أول واحدة هشيلك.. أنا مراتك يا عمر.. أنا بيتك.. أنا الأمان بتاعك.. ليه حاسة إنك بتبعد عني؟
كانت كل كلمة بتكسر جزء جديد من قلبه، لأنه كان يعرف أنها تستحق رجلا حاضرا معاها بقلبه كله، وليس رجلًا يقسم أفكاره بين بيته... وامرأة أخرى.
مد إيده وضمها بقوة... قوي جدًا. حتى إنها استغربت، دفنت وشها في صدره وابتسمت وقالت بصوت مليان راحة :
ـ أهو، حضنك ده هو اللي وحشني.
أما هو.. فكان مغمض عينيه وبيعتذر لها في قلبه :
"سامحيني يا مريم.. أنا مش عارف مالي."
...
وفي نفس اللحظة... على الجانب الآخر من المدينة، كانت سارة قاعدة قدام شنطة سفر مفتوحة.
الشنطة لسه فاضية ما حطتش فيها حاجة. بصت للموبايل، فتحته، وقرت آخر رسالة من عمر :
"مسافرة فين؟ وليه؟"
إبتسمت إبتسامة حزينة وهمست لنفسها :
ـ كنت عارفة إنك مش هتقدر تسيبني أمشي من غير ما تسأل.
رفعت صباعها على لوحة المفاتيح وقعدت تكتب وتمسح..
وتكتب، وتتمسح..
لحد ما استقرت على رسالة واحدة، رسالة كانت كفيلة إنها تغير كل حاجة.
ضغطت... إرسال.
إهتز هاتف عمر، نظر إلى الشاشة، رسالة جديدة من سارة.
فتحها بإيد مرتعشة :
"أنا مش مسافرة علشان أهرب منك، أنا مسافرة علشان أهرب من نفسي."
فضل يقرأ السطر أكثر من مرة، وكأن الكلمات بتتغير.
كتب بسرعة :
"مش فاهم."
الرد جه بعد ثوانٍ :
"ولا أنا بقيت فاهمة نفسي."
في الناحية الثانية...
كانت سارة قاعدة على الأرض، ضامة رجليها لصدرها والموبايل بين إيديها. كتبت :
"أنا تعبت يا عمر."
ومسحت..
كتبت من جديد :
"يمكن لو ما شفتكش في المستشفى، كنت كملت حياتي عادي."
ومسحتها هي كمان..
وأخيرا... كتبت الحقيقة :
"أنا كنت فاكرة إن الزمن هيخليني أنساك."
قرأ عمر الرسالة وسكت.
فضلت ثلاث نقاط الكتابة تظهر وتختفي، وفي الآخر كتب :
"الزمن بيغير كل حاجة."
وصله الرد فورًا :
"إلا اللي القلب ماقتنعش إنه انتهى."
تنهد عمر وسند رأسه على الحائط، كتب ببطء :
"ليه بتقولي الكلام ده دلوقتي؟"
استغرق الرد وقتًا طويلًا، لدرجة إنه افتكر إنها قفلت المحادثة. لكن فجأة... ظهرت الرسالة :
"لأن دي أول مرة من سنين أحس إني مابقتش مضطرة أكذب."
رن الهاتف.. نظر للإسم : سارة.
تردد، ثم ضغط على زر الرد. جاءه صوتها.. ضعيفا.. كأنها بتتكلم بعد بكاء طويل :
ـ آسفة... لو أزعجتك.
قال بهدوء :
ـ مالك؟
سكتت.
كان يسمع صوت أنفاسها فقط.
ثم قالت :
ـ تعرف أصعب إحساس إيه؟
ـ إيه؟
ـ إنك كل يوم تمثل إنك بخي وأنت من جواك واقع.
غمض عمر عينيه وما ردش،
قالت بصوت مكسور :
ـ ماتخافش، أنا مش بطلب منك تغير حياتك، ولا بطلب منك توعدني بحاجة، أنا عارفة إن ليك بيت ومراتك بتحبك. وأنا آخر وحدة أتمنى أكون سبب في وجعها. لكن... أنا بقيت لوحدي يا عمر، لوحدي بجد. والوحدة ساعات بتبقى أقسى من أي وجع.
إبتلع ريقه وقال بصوت خافت :
ـ أكيد هتعدي.
ضحكت ضحكة باهتة :
ـ كل الناس قالتلي كده. قالوا الأيام هتنسي، والشغل هينسّي، والحياة هتنسّي. بس كل ما أقول خلاص، أفتكر إن في يوم كان فيه حد حسسني إن الدنيا أمان.
وسكتت.. ثم همست :
ـ يمكن أنا غلطانة إني كلمتك، كان المفروض أفضل ساكتة.
رفع عمر رأسه بسرعة :
ـ لا... أنا ماقصدتش كده.
ردت بهدوء :
ـ عارفة، علشان كده رديت.
صمت طويل جمعهما، صمت كان مليان كلام أكثر من أي حوار.
قال عمر أخيرًا :
ـ أتمنى تلاقي السلام اللي بتدوري عليه.
إبتسمت وسط دموعها :
ـ وأنا كمان أتمنى أنت متخسّرش السلام اللي عندك.
أغلقت المكالمة، وبقي عمر ممسكًا بالهاتف ينظر إلى الشاشة السوداء، ثم التفت ناحية باب غرفة النوم.. كانت مريم نائمة، وقد تركت المصباح الصغير مضاءً كما تفعل كل ليلة، حتى لا يدخل البيت في الظلام إذا تأخر.
وقف مكانه طويلًا، ثم همس لنفسه :
"أنا لازم أوقف كل ده قبل ما أخسر الإنسان الوحيد اللي عمره ما سابني."
لكن رغم اقتناعه، كان يعلم في داخله أن التراجع أصبح أصعب من البداية.
مرّت ثلاثة أيام...
وعمر كان ينفذ الوعد اللي قطعه لنفسه.. لا رسالة.. ولا اتصال.. ولا حتى دخول على المحادثة.
كل ما يمد إيده للموبايل، يرجعها، ويفتكر مريم ويفتكر حضنها وكلامها :
"أنا بيتك... وأنا الأمان بتاعك."
فكان يقفل الموبايل ويقوم يشغل نفسه بأي حاجة. كان بيحارب.. ولأول مرة يحارب نفسه.
أما سارة...
فكانت كل يوم تصحى وتبص على شاشة موبايلها، مافيش رسالة.. ولا حتى سؤال.
إبتسمت بحزن وقالت لنفسها :
ـ يستاهل، يمكن ده الصح.
لكن أول ما كانت تحاول تقنع نفسها، كانت دموعها تنزل، مش لأنها عايزة تخطفه من مراته، لكن لأنها كانت حاسة إنها خسرت آخر شخص كان فاهمها.
في مساء يوم الجمعة، كان عمر راجع من الشغل، لقى مريم مستنياه على السفرة، عملاله أكله المفضل ولابسة الفستان اللي كان دايمًا يقول لها إنه بيحب تشوفها بيه.
إبتسم إبتسامة حقيقية المرة دي، قعد قدامها وقالت وهي بتحاول تخفي فرحتها :
ـ النهارده ممنوع موبايل.
ضحك :
ـ حاضر.
مد إيده وقفل الموبايل بنفسه.
وقالت وهي بتضحك :
ـ أخيرًا.. أهو جوزي رجع.
الكلمة وجعته، لأنها كانت فاكرة إنه رجع وهو لسه بيدور على نفسه.
...
بعد العشا...
قعدوا يشربوا الشاي في البلكونة. الجو كان هادي ومريم كانت بتحكي له عن أحلامها :
ـ نفسي ننقل مدينة أكبر ونبدأ من جديد، ونجيب أوضة أطفال بلون أزرق، يمكن ربنا يرزقنا ببنت.
بصلها وسرح في كلامها.. كانت بتحلم... وهو كان بيحاول ينقذ الحلم من الانهيار.
مد إيده ومسك إيدها، قال بهدوء :
ـ إن شاء الله.
إبتسمت، وضغطت على إيده، وفي اللحظة دي.. إهتز الموبايل، كان على الترابيزة.
مريم بصت له :
ـ مش قلنا ممنوع؟
ضحك وهو بيقوم ياخذه :
ـ يمكن الشغل.
فتح الشاشة، واتجمد. المرسل.. رقم غريب، لكن أول ما فتح الرسالة عرف صاحبها :
"سامحني، دي آخر مرة هزعجك."
إتقبض قلبه وكمل القراءة :
"كنت داخلة أودعك، بس واضح إن ربنا كتب إن الوداع يكون بالطريقة دي."
وقف قلبه لحظة، رفع عينه بسرعة، مريم كانت واقفة قدامه بتبص في وشه وقالت بقلق :
ـ مالك يا عمر؟ وشك أصفر كده ليه؟
بلع ريقه وحاول يخفي ارتباكه، لكن قبل ما يرد، رن الهاتف.
نفس الرقم.. فضل يرن...
مرة... واثنين... وثلاثة...
ومريم بصت للشاشة وبعدين بصت لعمر وقالت بهدوء، لكن لأول مرة كان في صوتها خوف حقيقي :
ـ هترد، ولا المرة دي كمان هتقولي إنه الشغل؟
تجمّد عمر مكانه بينما استمر الهاتف في الرنين، وكان القرار اللي هياخذه في الثواني الجاية.. هيغيّر حياة الثلاثة للأبد.
