رواية ألوان مستعاره الفصل السابع 7 بقلم سها رمضان


 

رواية ألوان مستعاره الفصل السابع 


وصله شقتهم
​دخل يوسف وشه مكسور وبيحاول يبان ندمان قدام أمها .
​أول ما قفلوا باب الشقة عليهم، يوسف مسك إيدها وبدأ يضغط عليها بالكلام، وعينيه مليانة شك وغل مكتوم:
ـ مين كاسر ده يا حبيبة؟ أنتِ ناطقة اسم راجل وأنتِ معايا! مين اللي شاغلك للدرجة دي؟!
اتصدمت حبيبه من تحوله للمفاجئه واتوجعت من مسكته
​حبيبة افتكرت إنها لما حكت له عن ماضيها زمان، قالت له بس إنها كانت في علاقة حب وانتهت، من غير ما تذكر اسم كاسر ولا تفاصيل عنه... بس ازاي ممكن يشك ما هو خطيب اخته برضو ... 
انزرع الرعب في قلبها بس مفيش حل لازم تكدبي ودانه. بصت له بمنتهى الجمود، وبنبرة ثابتة وقاطعة قالت:
ـ أنت اتجننت يا يوسف؟! كاسر إيه وزفت إيه اللي بتدور عليه؟! أنا كنت مكسورة وجسمي بيموت وخايفة منك ومن طريقتك.. الكلمة خرجت مني من غير قصد، ده مش اسم راجل اصلاً ولا أعرف حد بالاسم ده! أنت بتتخيل أوهام عشان مكنتش في وعيك اصلا ... انت كنت عايز جسمي وبس وكمان عشان تبرر لنفسك الضرب والبشاعة اللي عملتها فيا!
بص يوسف بشوشره يعنيه ... هو فعلا مش واخد باله من حاجه  ..... بس مش معقوله يعني 
​حبيبة أقنعته بالعافية، ويوسف بلع كلامها بالرضا برضه وهو لسه الشك بياكل في قلبه بس مش بسبب الاسم بسبب بعدها عنه 
​بعد فترة قصيرة..
...............................................................................

 عدّى أسبوع والوضع زي ما هو.. الجدار بين يوسف وحبيبة لسه العازل الأكبر، والسكوت هو السائد، بس المرة دي يوسف ما كانش داخل بطاقة العنف ولا السادية، كان جواها طفل مكسور ومحتار عايز يفهم هو في إيه بالظبط؟
​دخل يوسف الأوضة بخطوات هادية، قعد قصادها على طرف السرير وبص في عينيها بنظرة مليانة ألم وهدوء غريب عكس عادته:
ـ حبيبة.. أنا عايز أفهم، أنتِ فعلاً مش بتحبيني؟ ولا مش قادرة تتقبليني؟ فهميني عشان أنا تعبت من الدوامة دي..
​حبيبة بصت له بكسرة وزعل حقيقي على نفسها وعليه، خرج صوتها مخنوق:
ـ أنا زعلانة عليك وعلى نفسي يا يوسف.. بس جسمي حالياً رافض أي حاجة.. رافضك ورافض قربك.
يوسف بصلها بعتاب وهدوء وقال:
ـ طب ليه؟ إيه اللي يخليكِ كده معايا؟
حبيبة نزلت عيونها في الأرض وقالت بنبرة وجع:
ـ عشان الماضي بتاعي لسه بيلاحقني.. لسه مش قادرة أهرب منه ولا من آثاره جوايا.
​يوسف اتنهد بضيق وشعر بغصة في حلقه، المرة دي كلامها ما استفزش غضبه قد ما أذاه وزعله بجد. ما اتعصبش، اكتفى ب إنه يتنفس بصعوبة وقام خرج الصالة وسابها لوحدها.
​حبيبة فضلت قاعدة مكانها، مسكت تليفونها ومن غير ما تحس فتحت صور كاسر.. فضلت باصة لملامحه وشاردة. وفي اللحظة دي، رن تليفونها بإسم أمها "أحلام".
حبيبة ردت بصوت دبلان، وبدون ما تشعر حكت لأمها جزء من اللي جواها، بس أمها أول ما فهمت إنها لسه بتبص لصور راجل تاني وهي على ذمة راجل، اتكلمت بنبرة حادة وزعقت فيها:
ـ أنتِ بتعملي إيه يا حبيبة؟! أنتِ كده ست خاينة يا بنتي! حتى لو مجرد صورة بتبصي عليها، ربنا ما يرضاش بكده وده حرام شرعاً وعرفاً! الراجل باقٍ عليكي وشاريكي وأنتِ كده بتبوظي بيتك بيدِك! اتقي الله في جوزك وفي نفسك!
​الكلام نزل على حبيبة زي الساطور، لأنها اصلاً عارفة الصح من الغلط، والتأنيب ده هو اللي بياكل في جسمها ونفسيتها طول الوقت. قفلت مع أمها وفضلت في الأوضة ساعات طوال.. رايحة جاية، أفكار توديها وأفكار تجيبها، لحد ما أخدت قرار حاسم: "أنالازم أدي فرصة ليوسف، ولازم أقفل الباب ده للأبد".
​وفي الناحية التانية، في بيت كاسر..
كان المحيط مختلف تماماً؛ الجدة فريال وطارق قاعدين مع كاسر في أوضته، قافلين الباب عليهم بعيد عن أبوه وأمه وأخته عشان محدش يحس بإن فيه مصيبة.
​الجدة فريال بصت له بحنان وألم:
ـ يا كاسر يا بني اتقِ الله.. البنت خلاص بقت متجوزة وعلى ذمة راجل تاني، وعيلتها بيقولوا إنها حامل! حرام يا بني الكلام والتفكير ده، أنت كده بتهد بيوت وبترمِي نفسك في النار!
كاسر بص للأرض بنظرة مكسورة جداً، وصوته خرج محشور بالوجع:
ـ مش قادر أنساها يا تيتا.. مش قادر! كل ما بشوفها قدامي بكون عايز آخدها في حضني وأخبيها من الدنيا.. عينيها دايماً حزينة ونفسي أسألها مالك؟ مين اللي وجعك كده؟!
​طارق اتنرفز وضيق عينيه بقسوة وعقلانية وقال:
ـ يادي النيلة على الليلة دي! أنت بتفكر بإيه يا كاسر؟! كبر عقلك وأوزن كلامك بالأصول والشرعوالدين ! البنت خطفها غيرك وبقت حلاله، وأنت رايح تخطب أخت جوزها! أنت مدرك المهزلة اللي حطيت نفسك وحطيتنا فيها؟! اعقل بقا وفوق لنفسك، عيلتك طايرة بيك وبخطوبتك، وأنت هتهد كل ده عشان وهم!
​كاسر قام وقف فجأة، ودماغه كانت أنشف من الجرانيت، بص لطارق ولجدته بنظرة تايهة وقاطعة:
ـ أنا مش قادر أنساها ولا هقدر.. ومش شايف غيرها، واللي يحصل يحصل!
سابهم وخرج من الأوضة وهبد الباب وراه، وساب طارق والجدة فريال يبصوا لبعض بقلة حيلة.
فريال ضربت على صدرها بقلق:
ـ الولد ده هيدمر نفسه وهيدمرنا معاه يا طارق.. لازم نشوف حل بسرعة قبل ما المصيبة تقع على دماغ الكل!
​وعند حبيبة في الشقة..
حبيبة أخدت نفس عميق، وراحت لبست روب بسيط، حطت ميك أب هادي يسحب الشحوب من وشها، ولمت شعرها بطريقة رقيقة.. وخرجت له الصالة.
​يوسف أول ما شافها طالعة عليه بالشكل ده، عينيه لمعت بلهفة وشغف رهيب، بس حاول يمسك نفسه، لأن المرات اللي فاتت كانت بتنتهي بإنها بتسيبه وتتجاهله وترجع لجمودها.
​حبيبة حسّت بالتردد اللي جواه، فقربت منه وقعدت جنبه، وحطت إيدها ببطء ورقة على كتفه..
سرت قشعريرة جامدة في جسم يوسف كله، قلبه دق بسرعة، وبصلها بذهول.. نزل إيدها من على كتفه بالراحة، وتكلم بصوت بحوح ومكتوم بالعافية من منظرها اللي كان هيموته عليها:
ـ ده آخرك يا حبيبة؟ ادخلي جوة وبلاش تعملي الحركتين دول تاني..
​حبيبة بصت له بهدوء وقالت:
ـ على فكرة يا يوسف.. أنت اللي خليتني أخاف.. أنت اللي خليتني أرجع للماضي وأفتكره. أسلوبك وطريقتك كانوا بيحسسوني إنك شاقط واحدة من الشارع!
​يوسف بصلها باهتمام شديد وشوق، وكلامها لمس قلبه، قال بنبرة صادقة لأول مرة:
ـ أنا يا حبيبة؟! ده أنا هموت وأقرب منك.. يمكن عشان بحبك بجنون أنتِ شايفه لهفتي عليكِ أوفر، بس أنا عادي.. أنا بطلب منك حقي ، ولو كنتِ رفضتيه عادي المهم نقرب من بعض..
​ابتسمت له حبيبة بلمحة أمل وحست إن الكلام خارج من قلبه فعلاً.. قربت منه أكتر وبدأت تبوسه في رقبته بحنان. وفي اللحظة دي، حسّت حبيبة من جواها بإنها فعلاً عايزه ترجع وعايزة تبدأ معاه صح، فضلت تقاوم مشاعر الخوف القديمة، ورغم إن رياكشنات وشها كانت كاشفة توترها، إلا إنها كانت مستسلمة بصدق.
​يوسف خلاص وصل للقمة معاها، مشاعره فارت، بدأ يفلت شعرها بالراحة لحد ما انسدل على ضهرها، شالها بين إيديه بلهفة ودخل بيها الأوضة حطها على  السرير 
مسك راسها بين إيديه وباسها بحنان وشغف، وبص في عينيها بابتسامة حنونة وفرحة مش سيعاه..
​ولسه بيقرب أكتر ..
فجأة! شاشة تليفونها اللي كان مرمي جنب المخده نورت بـ إشعار جديد..
وظهرت على الشاشة صورة كاسر واسمه صريح فوق الإشعار!
يوسف كان في قمة فرحته ، حاسس إنه أخيراً امتلكها، وإنه كسر الحاجز اللي كان بينها وبينه. كان بيبص في عينيها بحنان، وبدأ يقرب منها أكتر، وفجأة.. نور التليفون المرمي على الكومودينو جنب السرير نور فجأة، وانعكس نوره على وشهم في الضلمة.
​يوسف، بحكم إنه كان قريب منها، عينه جت بـ "اللاإرادي" على شاشة الموبايل. شاف الإشعار اللي ظهر:
"Kaser_Official قام بإضافة صورة جديدة"
والصورة الشخصية لكاسر، خطيب أخته، كانت ظاهرة بوضوح على الشاشة، بابتسامته اللي يوسف كان لسه شايفها في الخطوبة.. ابتسامة الراجل اللي عينه كانت ملاحقة مراته في كل ركن!
​اللحظة اتجمدت.. يوسف سكت فجأة، وإيده اللي كانت بتلمس شعرها اتسمرت في مكانها. الصور والذكريات بدأت تتجمع في دماغه زي شريط فيلم سريع: "نظرة كاسر يوم الخطوبة"، "لحظة إغماء حبيبة"، "الاسم اللي نطقته في وسط لحظتهم".. وجمع ده كله مع إشعار البوست اللي ظهر قدامه دلوقتي.
​الشرارة اللي كانت في عينه اتحولت لبركان. سابها فجأة وقام من فوق السرير، وبص للموبايل وبعدين بص لحبيبة اللي كانت لسه غايبة عن الوعي ومبتسمة له، بس ملامحها اتغيرت لما شافت نظرة يوسف.
​يوسف مسك التليفون وهو بيترعش من الغل، وفتحه (بما إنه عارف الباسورد) ودخل على "البروفايل" بتاع كاسر. شاف الصور، شاف تفاعلات حبيبة القديمة أو متابعتها له من اكونتها القديم وباين أنه اتقفل، وضحك ضحكة باردة ومخيفة خلت الدم في عروق حبيبة يجمد.
حبيبة قعدت على طرف السرير، بتلم الروب عليها باستغراب، حاسة ببرودة مفاجئة ملت الأوضة بعد ما كان الجو دافي. بصت ليوسف اللي كان واقف ضهره ليها، ماسك الموبايل بإيد بتترعش، وملامحه مش باينة بس وقفته كانت توحي بخطر.. حركة جسمه كانت مش طبيعية، فيها تشنج.
​صوتها طلع متردد، وبنبرة فضول ممزوجة بخوف خفي:
ـ "يوسف؟ في إيه؟ قمت ليه كده فجأة؟ حصل حاجة في الشغل؟"
​يوسف ماردش. كان عينه بتتحرك بسرعة على الشاشة، وكل "سكرول" بيعمله بصباعه بيزود النار اللي في صدره.
​حبيبة زادت قلق، قامت وقفت ورا خطوتين، مدت إيدها بخوف ناحية كتفه:
ـ "كلمني.. بتشوف إيه في الموبايل؟ في حاجة ضايقتك؟"
​فجأة، يوسف لف بجسمه كله ناحيتها. الحركة كانت سريعة ومفاجئة لدرجة إنها رجعت لورا خطوة. عينيه كانت طالعة منها شرار، عروق رقبته بارزة، ووشه أحمر من الغل. رفع الموبايل في وشها، وشاشة البروفايل بتاع "كاسر" كانت منورة في وشها زي السكينة:
​ـ "بتشوف إيه؟ بسأل نفسي نفس السؤال.. كنت بشوف إيه؟ كنت بشوف الغباء بتاعي!"
​صوته كان واطي، بس تقيل ومخيف أكتر من العياط:
ـ "كنتي بتدوري على إيه يا حبيبة في أكونت 'كاسر'؟ وليه الأكونت ده بالتحديد؟ وليه الراجل ده، اللي لسه خاطب أختي من أسبوعين، هو اللي واخد كل تفكيرك؟"
​بص للموبايل تاني بسخرية، وضحك ضحكة باردة خلت الدم في عروقها يجمد:
ـ "طلعتي مش بس بتخوني بجسدك، دي روحك وعينك وكل حتة فيكي متعلقة بواحد تاني.. وواحد مين؟ خطيب أختي! ده إنتي طلعتي مسرحية ماشية على الأرض يا حبيبة!"
​حبيبة اتسمرت في مكانها، الكلمات نزلت عليها كأنها رصاص. حاولت تنطق، بس صوتها طلع مخنوق، وعينها بقت تايهة بينه وبين الموبايل اللي في إيده.. ملامحها اتغيرت للرعب المحض، عرفت إن اللعبة انتهت، وإن الحقيقة اللي كانت دافناها بأظافرها طلعت على السطح.
​يوسف قرب منها خطوة واحدة، مسافة خلتها تحس بحرارة أنفاسه الغاضبة:
ـ "ما تردي؟ كنتِ بتدوري على إيه؟ كنتِ مستنية بوست جديد؟ ولا كنتِ مستنية إشارة منه؟ انطقي
يوسف سكت فجأة.. ملامح الغضب اللي كانت مغطية وشه بدأت تتبدل لحاجة تانية خالص.. حاجة أشبه بالانبهار المريض. عينيه بدأت تتحرك بسرعة، بيراجع كل شريط حياتهم سوا في أسبوع الجحيم ده.
​نظرتها ليه يوم الخطوبة..
​إغمائها لما كاسر قرب..
​الاسم اللي نطقته وسط صدمته..
​الجمود اللي كانت فيه طول الأسبوع..
​كل خيط في الشبكة دي اتمسك، وربط بعضه في ثانية واحدة. فجأة.. بدأ يضحك. قهقهة عالية ومجنونة، رنت في صمت الأوضة زي صوت الرصاص:
​ـ "هههههههه.. أه.. أه! هي دي الحكاية! هو ده اللغز اللي محيرني!"
​بص لها بابتسامة مرعبة، وقرب منها خطوة وهو بيشاور بإيده على الموبايل اللي في إيده:
​ـ "يا غبية.. كنت فاكرك بتدلعيني، طلعتي بتنادي على اسم حبيب القلب! دا حبيبك القديم يا حبيبة؟ دا اللي سيبتي حياتك عشانه؟ دا اللي كنتِ بتنادي باسمه وأنا  معاكي؟"
​حبيبة كانت واقفة بتترعش، ضهرها لزق في الحيطة، حست إن روحها بتنسحب منها.. هي كانت عارفة إن اللحظة دي جاية، بس ما تخيلتش إنها هتبقى بالمرعبة دي.
​يوسف قرب وشه من وشها، صوته كان هامس بس مليان سم:
​ـ "كنت فاكر إني بمتلك ست، طلعت ممتلك جثة.. روحها متعلقة بواحد تاني! يا شيخة يا خسارة كل دقيقة تعبت فيها عشانك، وأنتِ بالِك وعقلك وقلبك كله مع خطيب أختي! ده إنتي طلعتي خاينة من الطراز الرفيع!"
​مسكها من فكها بإيد واحدة وضغط عليه بقوة:
​ـ "دلوقتي بس فهمت.. فهمت ليه كنتِ باردة معايا، فهمت ليه كنتِ بتتهربي.. أنتِ كنتِ بتستني اللحظة اللي يرجع فيها، صح؟ ولا هو اللي بيرجعلك؟ انطقي يا فاجرة.. إيه اللي بينكم لحد دلوقتي؟"
​حبيبة دموعها نزلت من غير صوت، وبصت له بضعف:
ـ "يوسف.. الموضوع مش زي ما أنت فاهم.."
​صرخ فيها وهو بيزقها بعيد عنه:
ـ "أومال إيه؟! قوليلي حاجة تانية غير اللي عيني شايفاه! خيانة جوه بيتي ومع خطيب أختي؟  ده أنا لو قتلتك دلوقتي، القانون هيحييني قبل ما يحاكمني

يوسف وقف مكانه، عينيه كانت بتجحظ لدرجة إن عروق وشه كانت هتنفجر. بدأ يربط الخيوط ببعضها في ثواني معدودة، عقله كان بيسوحه ويجننه. كل نظرة، كل إغماءة، كل كلمة، كل حركة.. كل حاجة بقت واضحة قدامه زي الشمس.
​صرخ بجنون وغل:
ـ "آه!! آه يا بنت الـ...! هو خاطب أختي يعني عشان يفضل جنبك؟ عشان يفضل شايفك؟ إيه شغل الأفلام التركي الرخيص اللي أنتوا بتعملوه ده؟ ده إحنا في تمثيلية قدامي وأنا المغفل اللي مش واخد بالي؟! قسماً بالله لو مقتله ودفنته فيها ما أكون أنا يوسف!"
​حبيبة كانت بتموت من الرعب، دموعها نازلة زي الشلال، اترميت تحت رجليه بتوسل وخوف على كاسر أكتر من خوفها على نفسها:
ـ "لا يا يوسف.. أرجوك لا! صدقني هو ملهوش ذنب.. والله العظيم أنا مشيت زمان وهو مكنش يعرف طريقي أصلاً، ولا يعرف إنك جوزي! هو ملوش ذنب في أي حاجة، بالله عليك يا يوسف!"
​كلامها دافع عنها، بس بالنسبة ليوسف كان بمثابة "بنزين" اترش على النار. لما سمعها بتدافع عنه وهي في حضنه، الغل عماه. نزل فيها بقلم (كف) خلى وشها يلف للناحية التانية ووقعت على السرير من شدة الضربة. في ثانية كان منقض عليها، مسك إيدها بقوة جبارة، ضغط عليها لدرجة إن عضمها كان هيتكسر، وقرب وشه لوشها، عينيه كانت طالعة منها شرار حقيقي:
​ـ "بتحبيه؟! لسه بتحبيه وبتنطقي اسمه وانتي في حضني؟ ده اللي بتحبيه؟ ده اللي قلبك وعقلك معاه؟"
​وجه شاشة التليفون في وشها بقسوة، حبيبة كانت بتترعش وبتحاول تغطي وشها بإيديها من الرعب، ده خلاه يتجنن أكتر. بضربة إيد، لطشها بشاشة التليفون على وشها، الألم كان حاد ومفاجئ، ودموعها زادت من القهر. بدأ يضربها بعنف، إيديه كانت بتنزل عليها زي الصواعق، بيشد في شعرها بقوة، وهي صوت صراخها مالي المكان، بس هو مكنش سامع، كان غارق في حالة من الهستيريا والضرب العشوائي.
​بعد فترة من الضرب المبرح اللي مكنتش قادرة فيه حتى تدافع عن نفسها، مسكها من شعرها وشد راسها لورا بالعافية عشان تبص في عينيه، ووشها كان ورم ودموعها مغطية ملامحها، وبصوت واطي ومبحوح ومسموم قال:
​ـ "اسمعي.. قسماً بالله، قسماً بالله يا حبيبة.. لو فكرتي بس تخرجي من الشقة دي أو تروحي لأهلك، لأكون قاتلهولك! هصفيهالك قبل ما ترمشي.. والحقيقة هعرفها بنفسي، هعرف إن كان اللي بينكم صدفة ولا أنتوا لسه على علاقة ببعض.. ولو عرفت إنكم على علاقة، لا أنتِ ولا هو هتشوفوا نور الشمس تاني.
​رمى راسها على السرير بقسوة وخرج، والباب اتقفل وراه بقوة هزت أركان الشقة، سابها مرمية، بتنزف وجعاً، وروحها بتتمزق خوفاً على الشخص اللي كان السبب في كل اللي هي فيه دلوقتي.
الأيام بقت بتعدي على حبيبة كأنها سنين، بقت مجرد "جثة" متحركة في البيت. يوسف سحب منها كل سبل التواصل، تليفونها مكسور ومحطوط في درج مكتبه، وأي محاولة منها للكلمة أو الاعتراض بتتقابل بضرب وقسوة خلت علامات الضرب والوجع تمحي جمال وشها وتطفي لمعة عينيها، وبقت كل مهمتها في الحياة إنها ترفع السماعة لما يوسف يقرر، وتطمن أمها إنها "زي الفل ومبسوطة"، وهي صوتها ميت ومخنوء.
​يوسف بقى يقضي معظم يومه في مكتبه، بيفكر في "لعبة" كاسر، دماغه مش بتبطل سيناريوهات انتقامية.
.........................
​في الكافيه..
​كانت الأجواء هادية، آيتن قاعدة وعينيها بتلمع بحب طاغي وهي باصة لكاسر، اللي كان قاعد قدامها بجسده بس، أما روحه فكانت في مكان تاني خالص.
​آيتن بحماس: كاسر، كنت بفكر.. إيه رأيك الفرح يكون في مكان مفتوح؟ حاجة كدة رقيقة زي ذوقك؟
كاسر بص لها بابتسامة باهتة: اللي يريحك يا آيتن.. اللي تشوفيه مناسب.
آيتن كشرت ربع تكشيرة: "أنت دايماً بتقول اللي تشوفيه مناسب.. أنا عايزة رأيك أنت!
كاسر اتنهد، حاول يجمع تركيزه: مش هتفرق يا آيتن، الأهم إنك تكوني مبسوطة.
​كاسر كان بيلعب في كوباية القهوة، وعينه بتسرح لبعيد كل ما آيتن تتكلم، حاسس إنه خانق نفسه بنفسه، وبدأ يزهق من التمثيل اللي ملوش آخر، بس كان مجبر يكمل الدور عشان ميبانش غريب.
​في بيت والد يوسف..
​يوسف دخل البيت، ملامحه كانت حادة، وعيونه بتلف في البيت كأنه بيدور على عدو.
والدته وهي بتستقبله: أهلاً يا يوسف.. مالك يا ابني؟ شكلك تعبان ومضغوط في الشغل؟
يوسف اتجاهل سؤالها وسأل بصوت خشن: فين آيتن يا أمي؟
الأم بابتسامة: مع كاسر.. خرجوا من شوية يغيروا جو، البنت طايرة بيه يا يوسف، واد محترم ومبيفارقهاش لحظة، ربنا يتمملهم على خير.
​يوسف حس إن الدم بيجري في عروقه زي النار، قبض إيده بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعه بيضت، بس حاول يبتسم ابتسامة صفراء:
ـ "أه.. طبعاً.. ومبسوطة معاه يعني؟ مش ملاحظة أي حاجة غريبة؟
الأم باستغراب: غريبة؟ بالعكس يا ابني، ده مهتم بيها جداً وبيسمعها، آيتن بتقولي إنه دايماً بيطمن عليها وبيهتم بتفاصيلها.
​يوسف قرب منها، وعينه بتلمع بشر خفي، وبدأ يستجوبها بطريقة غير مباشرة:
ـ وهو.. كاسر ده، حاساه فعلاً بيحبها؟ ولا بيعمل كدة عشان يرضينا؟ يعني.. مشوفتيهوش بيسرح؟ مشوفتيهوش بيسأل عن حد تاني؟
الأم ضحكت: يا راجل! ده حتى لما بنجيب سيرة الجواز، بيفرح كأنه أول مرة يسمع الخبر.. ليه بتسأل كدة؟ أنت شاكك في حاجة؟
يوسف ببرود: لا أبداً.. بس بحب أطمن على أختي خصوصاً في الأيام دي.. طيب أنا هستناها هنا، هقعد مع والدي لحد ما ترجع.
​قعد يوسف، وطلع سيجارته وولعها، وعينه على باب البيت..
​تفتكري لما يوسف يشوفهم داخلين، هيعمل إيه؟ وهل كاسر هيقدر يداري نظراته اللي ممكن تفضحه قدام يوسف؟


تعليقات