رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل السابع 7 بقلم نور محمد


 رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل السابع 

" يا لهوي حوشوا المخلل ده عني هموت في عز شبابي يا ناس !"

صرخة نور شقت سكون القاعة المرعب، وهى بترجع لورا بخطوات عشوائية، فستانها القطيفة الثقيل كعبلها، ووقعت على الأرض على ضهرها.

الوزير يعقوب كان طاير في الهوا كأنه نسر مجنون، والخنجر المسموم بيلمع في إيده وعينيه كلها غل وحقد، موجه ضربته مباشرة لقلب نورا

نور أغمضت عينيها وحطت إيديها الاثنين على وشها وهي بتصرخ: "أشهد أن لا إله إلا الله ! سامحني يا رب على ليلتين التأخير في الصلاة ويا ريتني كنت اتجوزت ابن خالتي بدل

المرمطة دي !"

لكن الضربة منزلتش.

سمعت صوت اصطدام معدن بمعدن زلزل ودنها، متبوع بصوت تكسير عظام وصرخة ألم بشعة طالعة من الوزير.

فتحت عين واحدة ببطء، لقت السلطان مالك شاه واقف فوقها زي الجبل السدا مالك كان ضارب سيفه في الخنجر وطيره من إيد يعقوب، وبحركة سريعة ومحترفة، لف إيده الثانية ومسك يعقوب من رقبته، ورفعه في الهوا كأنه بيرفع عروسة قماش !

" أنجرؤ على رفع سلاحك القذر في حضوري .. وعلى من في حمايتي ؟"

صوت مالك كان واطي جداً، بس فيه فحيح قاتل خلى كل الفرسان والوزراء في القاعة يتر عشوا مكانهم.

عروق رقبته كانت بارزة، وعينيه السودا اتحولت لجحيم ناري

يعقوب كان بيشحر، ورجليه بتخبط في الهوا وهو بيحاول يفك إيد السلطان الفولاذية من على رقبته: "م... مولاي.. إنها.. إنها ساحرة !"

مالك رماه على الأرض الرخام بكل قوته، يعقوب كح دم، وفي ثانية، كانت سيوف عشرين حارس مسلطة على رقبته.

نور اللي كانت لسه قاعدة على الأرض، قلبها بيدق زي الطبلة، وعرق بارد نازل على جبينها.

جينات الشجاعة فجأة افتكرت ترجع تشتغل بعد ما الخطر زال، فقامت وقفت بسرعة. و نقضت فستانها و استخبت ورا ضهر مالك العريض وطلعت راسها من وراه وصرخت في يعقوب

"ساحرة في عينك يا مقشف ده انت اللي خاين وعامل فيها بريء ! بقى إنت يا راجل يا ناقص تسيب السلطان اللي مأكلك الشهد، وعاوز نسمه، ولما تتكشف تطلع علك فيا أنا؟ ده أنا لو كنت مسكنك كنت عملتك بطاطس محمرة .. لولا بس إني لقيتك كبير في السن و مرضيتش أمد إيدي عليك!"

مالك بصلها بطرف عينه من فوق كتفه، ملامح الغضب القاتل اللي على وشه اتكسرت الثانية وحل مكانها لمعة تسلية واستغراب من البنت اللي من ثواني كانت بتتشاهد على روحها، و دلوقتي بتهدد وزير الدولة !

قال مالك ببرود وهو لسه باصص ليعقوب اللي على الأرض: "أرى أن شجاعتك تعود فقط وأنت تختبئين خلف ظهري أيتها الشجاعه "

نور بربشت بعينيها، وعدلت وقفتها، وطلعت من وراه ووقفت جنبه، حاطة إيدها في وسطها :

مين دي اللي بتستخبى ؟ أنا بس كنت.. بكشفلك ظهره عشان تضربه صح! إحنا عندنا في القبيلة بنعمل خطط استراتيجية كده انت متفهمهاش ! أنا ما يخافش أصلاً!"

مالك تجاهل لسانها اللى بينقط كدب مكشوف، ووجه كلامه لقائد الحراس بصوت يهز القاعة :

"خذوا هذا الخائن إلى زنازين القلعة السفلى ! لا تقطعوا رأسه الآن، أريده أن يتمنى الموت كل دقيقة ولا يجده، حتى يبوح بأسماء كل من تعاون معه في هذه المؤامرة !"

الجنود سحبوا يعقوب اللي كان بيصرخ ويتوسل

" الرحمة يا مولاي إنها مكيدة هذه الغريبة هي من دست السم لتقع بيننا !"

نور لوت بوزها وردت عليه بصوت عالي : "رحمة إيه يا أبو رحمة ؟ إنت متستاهلش غير إنك تتحدف للتماسيح قال غريبة قال غور يا مخلل من قدامي!"

بمجرد ما باب القاعة اتقفل على يعقوب القاعة كلها ساد فيها صمت مرعب. الوزراء والقادة كانوا منزلين راسهم في الأرض، خايفين من غضبة السلطان اللى لسه دمه فاير.

مالك لف وشه ببطء ناحية نور. كانت واقفة بتبصله بنص عين بتحاول تبان قوية بس

صدرها كان بيعلى وينزل بسرعة من التوتر.

خطى خطوة ناحيتها، فرق الطول بينهم كان بيخليها دائماً ترفع راسها عشان تبصله.

عينيه السودا العميقة كانت بتفحص ملامحها بدقة، ريحته اللي هي مزيج من العنبر والخشب رجعت تخدر حواسها ثاني.

"هل أصابك مكروه ؟" سألها بصوت دافي فيه نيرة قلق خفية، نبرة عمر ما حد في القصر سمعها من السلطان مالك شاه!

نور بلعت ريقها، قلبها عمل شقلباظ في صدرها من نظرة عينيه بس كالعادة، كابرت

" مكروه ؟ ده أنا جالي هبوط حاد في الدورة الدموية إنتوا إزاي سايبين الناس تمشي بخناجر في القاعة كده عادي؟ فين التفتيش الذاتي؟ فين البوابات الإلكترو... أقصد، فين الحرس اللي على الباب ؟ أنا لو حصلي حاجة كنت هرفع عليكم قضية إهمال أمني!"

مالك عقد حواجبه محاول يفك طلاسم كلامها العجيب: "دورة دموية ؟ قضية إهمال ؟ قسماً بالله أن لغتك تحتاج إلى مترجم من نوع خاص ولكن... أثبت اليوم أن ذكاءك يضاهي سليط لسانك لولا تصرفك الأرعن بضرب الكأس، لكنت الآن في عداد الموتى "

نور ابتسمت بانتصار، وربعت إيديها بثقة : " الحمد لله إنك اعترفت إن ذكاني خارق وأظن بقى إننا كنا متفقين على اتفاق قبل المأدبة دي ما تبدأ، صح يا سيادة السلطان؟"

مالك ضيق عينيه : " أي اتفاق تعنين ؟"

نور ضربت بكعب حذائها على الأرض الرخام برنة خفيفة: "اتفاق" حريتي إنت قولتلي لو كشفنا الخاين ده هنديني حريتي أنا أنقذت حياتك، وكشفت المؤامرة، ودبست الوزير الخاين دورك بقى تنفذ وعدك تديني تصريح أخرج من القصر ده، وترجعني مكاني، وتلغي من دماغك فكرة إني جارية دي للأبد! أنا حرة مستقلة !"

الوزراء اللي كانوا واقفين و را شهقوا بصوت مكتوم. جارية ؟ بتطلب من السلطان حريتها في وسط القاعة الكبرى وبهذه الوقاحة ؟

مالك فضل باصص لها لثواني طويلة، ملامح وشه كانت جادة جداً، مبتقرأش. بس جواه

كان في صراع.

من ناحية كبرياء السلطان بيرفض إن حد يتأمر عليه، ومن ناحية ثانية ... فكرة إن البنت المجنونة، الشجاعة العجيبة دي تسيب القصر فكرة بقت بتخنقه بدون سبب مبررا

ابتسم مالك ابتسامة جانبية بطيئة، وقال بصوت دافي بس حازم: "أنا قلت "سنرى" ولم

أعطك وعداً صريحاً أيتها المتمردة."

نور برقت عينيها بصدمة وعصبية: "نعم ؟! يعني إيه سنرى ؟ إنت هترجع في كلامك ولا إيه؟ ده أنا أهد القصر ده على دماغكم وعد الحر دين عليه، وإنت سلطان، يعني كلمتك سيف !" مالك قرب منها أكثر لحد ما حس بتوتر أنفاسها، وهمس بصوت مسمعش حد غيرها:

"كلمتي سيف بالفعل.. ولهذا قررت الآتي : أنت لست جارية بعد اليوم"

نور وشها نور بفرحة، وابتسامة عريضة اترسمت على شفايفها:

" بجد؟ يعني أقدر ألم شنطتي وأمشي ؟"

"لا" قالها مالك بحسم جبار كسر فرحتها في ثانية.

نور عقدت حواجبها بغيظ: "لا إزاي يعني ؟ أومال أنا إيه؟"

مالك رفع صوته عشان كل القاعة تسمع، وعينيه مثبتة عليها بتحدي:

" من اليوم.. أنت المستشارة الخاصة للسلطان مالك شاه نظراً لرجاحة عقلك وقدرتك على كشف الخونة. سيكون مقر إقامتك في الجناح الملكي المجاور لجناحي مباشرة، ولن تتحركي خطوة داخل أو خارج هذا القصر إلا بأمري وتحت حراستي الشخصية !"

الوزراء بدأوا يتهامسوا بذهول، مستشارة ؟ امرأة ؟ وغريبة ؟

نور وقفت متنحة، فاتحة بؤها ومش مستوعبة الكارثة الجديدة

"مستشارة إيه يا أبو مستشارة ؟ إنت بتضحك عليا بمسميات وظيفية ؟ إنت كده نقلتني من سجينة" لـ "سجينة بلقب شيك ! أنا مش موافقة ! أنا عاوزه استقلالي!"

مالك ميل عليها شوية، وابتسامة التسلية رجعت لعينيه: "الاستقلال في هذا القصر يعني الموت أيتها الذكية. لقد أصبحت هدفاً لكل حلفاء يعقوب. إن خرجت من أبواب القصر الآن لن تشرق عليك شمس الغد. أنا أبقيك هنا لأحميك.. ولأستمتع بطول لسانك قليلاً"

نور لسه هنرد وتفتح في وصلة ردح مملوكي على مصري، قاطعهم صوت الباب الضخم بتاع القاعة وهو بيتفتح بقوة شديدة !

كل العيون اتجهت للباب.

دخلت خاتون جولنار بس المرة دي مكنتش لوحدها، كانت ماشية ورا سيدة في غاية الهيبة والجلال.

سيدة في منتصف الخمسينات، لابسة عباية حرير أسود متطرزة بالدهب الخالص، وعلى راسها تاج مرصع بالألماس بيخطف العين ملامحها كانت صارمة جداً، فيها شبه كبير من حدة ملامح مالك، بس على أقسى وأبرد.

بمجرد دخولها، كل القاعة بدون استثناء، بما فيهم الوزراء والفرسان، انحنوا على الأرض احتراماً.

مالك نفسه اعتدل في وقفته، وملامحه أخدت طابع الاحترام الشديد، وانحنى برأسه انحناءة خفيفة.

"السلطانة الأم.. دولت خاتون " همس أحد الوزراء برعب.

نور فضلت واقفة زي الألف، بتبص للسيدة دي بفضول: " يا نهار ألوان.. هي أم السلطان وصلت ؟ دي شكلها أشرس من ابنها شخصياً!"

السلطانة دولت مشيت بخطوات بطيئة، كأنها بتمشي على السحاب، لحد ما وصلت قدام مالك ونور.

عينين السلطانة اللي كأنها صقور جارحة، مسحت نور من قمة راسها لأخمص قدميها بنظرة استحقار و اشمئزاز خلت نور تحس إنها حشرة صغيرة.

"ما هذا العبث الذي أسمعه يا مالك؟" صوت السلطانة دولت كان ناعم، بس مليان سم. " هل وصل بك الأمر أن تعين جارية من رعاع الأسواق مستشارة لك؟ هل فقدت عقلك بعد أن نجاك الله من السم؟"

مالك رفع رأسه وقال بصوت هادئ ومحترم بس حازم: مولاتي الأم.. هذه الفتاة هي من أنقذت حياتي، وهي من كشفت خيانة يعقوب. إنها تمتلك ذكاء نادراً يستحق هذا المنصب "

السلطانة دولت ضحكت ضحكة قصيرة باردة، ورنت في القاعة :

" ذكاء؟ بل هو سحر وشعوذة! كيف الجارية غريبة أن تعرف بنوايا وزير الدولة الأول ما لم تكن هي من رتبت لذلك لتكسب ثقتك ؟"

نور اللي الجبن كان بيسري في عروقها من نظرة السلطانة، مقدرتش تتحكم في لساتها اللي متبرمج على الرد الآلي خطت خطوة لقدام وقالت بعصبية:

"سحر إيه يا حاجة إنتي ؟ أنا ما بمشيش في سكة الدجل دي أنا شغلت الجمجمة .. العقل ! ربنا مدينا مخ عشان نفكر بيه مش عشان نحط عليه تيجان بتلمع وخلاص وبعدين ابنك هو اللي دبسني في الشغلانة دي أنا أصلاً عاوزه أمشي أروح بيننا !"

القاعة كلها شهقت شهقة واحدة ! خاتون جولنار حطت ايدها على بؤها برعب.

مالك نفسه عروق رقبته برزت من الصدمة وقفل إيده على سيفه دي بتزعق للسلطانة الأم!

السلطانة دولت وشها احمر جداً، وعينيها طلعت نار حقيقية شاورت بصابعها المتزين بخواتم دهب ناحية نور و صرخت بصوت زلزل القصر كله

" أيتها الحشرة الوقحة تتطاولين على تاج السلطنة ؟ يا حراس ! خذوا هذه الساحرة

الملعونة جردوها من حريرها، والقوها في بئر الأفاعي في قبو القلعة ! فلنأكلها الحيات قبل

طلوع الفجر!"

الحراس سحبوا سيوفهم فوراً واتقدموا ناحية نور.

نور عينيها وسعت على آخرها، والرعب الحقيقي شل أطرافها :

"بئر إيه؟ أفاعي؟ يا مامي مالك يا مالك الحقني أنا بخاف من الصراصير أصلا!"

مالك سحب سيفه من الغمد بصوت حاد، ووقف قدام نور زي الدرع المنبع، ورفع سيفه في وش الحراس اللي اتسمروا مكانهم، وقال بصوت هز كيان القاعة:

من يجرؤ على التقدم خطوة واحدة .. سأقطع قدمه !"

السلطانة دولت برقت بصدمة: "مالك أترفع سيفك في وجه أمك من أجل جارية ؟!"

الجو بقى مكهرب، سيوف مرفوعة، وأفاعي مستنية، وسلطان واقف في وش أمه عشان متمردة لسانها متبرأ منها ...

تعليقات