رواية نعيم الجهل الفصل السابع 7 بقلم حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل السابع 

لف حمزة بجسده.. وأعطى ظهره للنافذة..
ثم جذب قدر إليه فجأة واحتضنها..
حاولت قدر الإفلات منه بارتباك..
لكنه شد ذراعيه حولها وهمس في أذنها:
ــ اهدي يا قدر.. رجالة معتز بيصورونا..

توقفت عن المقاومة.. وفهمت ما يفعله..
وبعد لحظات.. رفعت قدر يديها واحتضنته..
لتبدو الصورة طبيعية أمام من يراقبهم..

لكن المشهد لم يمر على زملائهما..
كما أراد حمزة.. بدأت بعض الهمسات..
تتردد بينهم.. ونظرات متبادلة..
تحمل ابتسامات.. خفية.. 
وكأنهم توصلوا إلى تفسير.. آخر تماما..

وفجأة رن هاتف حمزة..

ابتعد عن قدر سريعا.. 
لكنه حرص أن يظل ظهره..
في مواجهة النافذة..
حتى لا تتمكن عيون رجال..
معتز من رؤية وجهه بوضوح..

أخرج هاتفه ورد:
ــ ألو...

وما إن سمع كلمات المتصل..
تغيرت ملامحه.. وأنهى المكالمة سريعا..

لاحظت قدر القلق الذي ظهر على وجهه:
ــ في إيه يا حمزة؟

حمزة وضع الهاتف في جيبه.. وقال بارتباك:
ــ مريم اتصـــ ــابت بطلــ ـــق نـــ ـــاري..

عقدت قدر حاجبيها باستغراب:
ــ مريم مين؟

اقترب حمزة من مازن.. ونظر إليه بسرعة:
ــ مازن... هات الجاكت بتاعك.. وخد ده...

نظر إليه مازن باستغراب..
لكنه خلع جاكته وأعطاه لحمزة..
وأخــــذ الآخــــــر منـــه:
ــ خـــد....

أمسك حمزة الجاكت..
وارتداه بسرعة.. ثم رفع الياقة قليلا..

وفجأة سمع صوت قدر خلفه:
ــ حمزة!

لم يجبها حمزة.. واتجه مسرعا نحو الباب:
ــ بعدين يا قدر... خلي بالك من نفسك..
وأنا هكلمك...

خرج حمزة على عجل...

اقتربت يافا من قدر..
وقالت بابتسامة مشاكسة:
ــ إيه بقى؟

نظرت إليها قدر باستغراب:
ــ إيه؟

ضحكت يافا:
ــ ما قولتيش يعني إن في حاجة..
بينك وبين حمـــــزة! 
دانا صديقتك المقربة..
وبتخبي عليا؟! دانا أفرحلك!

قاطعتها قدر بضيق:
ــ بس بس! اهدي...
إيه يا ما انتي هتكتبي سيناريو من عندك؟

ضحكت يافا:
ــ طب قوليلي من إمتى الأحضان دي..
والمشاعر اللي ما راعتش الحاضرين..
وفاضت قدامنا؟

تنهدت قدر بنفاد صبر:
ــ يافا.. مافيش حاجة من اللي في.. 
دماغك دي.. وتسكتي خالص..
عشان أنا اللي فيه ماكفيني..
مش ناقصة رخامتك خالص..

نظرت يافا إلى قدر بإعجاب وقالت:
ــ بصراحة... حمزة أمور..

رفعت قدر حاجبها:
ــ يافا!

ضحكت يافا ورفعت ايديها باستسلام:
ــ تمام... سكت أهو...

ابتسمت قدر رغما عنها..
لكن ابتسامتها لم تدم طويل..
تذكرت كلمات حمزة:
ــ مريم اتصـــ ـابت بطلـ ــق نــ ـــاري...

اختفت الابتسامة من وجهها..
ونظرت ناحية الباب الذي خرج..
منه حمزة.. تسلل القلق إلى عينيها:
ــ مريم... مين؟

                  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

               « علــــــي الجـــــــانب الآخـــــــر»

دخل معتز الغرفة التي كانت جلنار..
مقيدة بداخلها.. وأغلق الباب خلفه بهدوء..

اقترب منها.. ثم جلس أمامها..

نظرت إليه جلنار بانفعال:
ــ إنت رابطني ليه هنا؟!

ابتسم معتز ببرود:
ــ مضطر أعاملك معاملة الأسرة..

عقدت جلنار حاجبيها:
ــ إنت عايز مني إيه؟

نهض معتز ببطء:
ــ ما أفتكرش إن عندك حاجة ممكن أعوزها..
اللي أنا عايزه عند بنت أخوكي..

قالت جلنار بتحدي:
ــ قدر عنيدة زي أبوها..
وإنت مش هتعرف تاخد منها حاجة بسهولة..

اقترب معتز منها أكثر..
وابتسم ابتسامة غامضة:
ــ مين قال إني بحب الحاجة السهلة؟
السهـــل دايمــــا ممــل...

ابتعد عنها قليلا.. ثم نظر إليها بثبات:
ــ تعالي بقى نحطها قدام الاختبار الصعب..

صمت للحظة.. ثم أضاف ببرود:
ــ يا تمـــ ــوت زي أبوها..
يا نختبر حبها لعمتها الغالية..

اتسعت عينا جلنار..
وقالت بغضب ممزوج بالخوف:
ــ قدر مالهاش ذنب في أي حاجة!
لو عايز تنتقــ ــم.. انتقــ ــم مني أنا..

ابتسم معتز بسخرية:
ــ هو ده اللي هيخلي اللعبة ممتعة يا جلنار..
إنك مستعدة تخسري نفسك عشانها..

رفعت جلنار رأسها بتحدي:
ــ وإنت فاكر إنك هتكســ ــرها بسهولة؟

اقترب معتز من الباب.. وقال ببرود:
ــ أنا مش مستعجل..
عندي وقت أشوف هي هتختار إيه..

جلنار.. سألته بقلق:
ــ ليه قولت لقدر إن إخواتها عايشين؟ 
عايز توصل لإيه؟

ابتسم معتز ابتسامة غامضة..
واقترب منها خطوة:
ــ اختيارك للعبة..
أهم من فوزك فيها يا جلنار..

نظرت إليه جلنار بعدم فهم:
ــ يعني إيه؟

لم يجبها معتز...

اتجه نحو الباب..
وتوقف للحظة قبل أن يخرج..
ثم التفت إليها وقال بهدوء:
ــ هو انتي بتحبي قدر بجد؟

ظلت جلنار تنظر إليه دون رد..
تحركت شفتاها كأنها ستجيبه..
لكنها توقفت قبل أن تخرج الكلمة..

ابتسم معتز ابتسامة خفيفة..
وكأنه حصل على إجابة.. 
دون أن يسمعها.. ثم خرج وأغلق الباب خلفه..

                 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

        «بعــد مــرور أيــام ــ فــي المستشفــى»

دخل حمزة غرفة مريم..
وفي يده باقة من الورد..
كانت الممرضة تساندها..
وهي تتحرك ببطء داخل الغرفة..

ابتسم حمزة وقال:
ــ هو في مريض يبقى قمر كده؟

مدت مريم يدها نحو باقة الورد:
ــ الورد ده ليا؟

ضحك حمزة.. وأبعد الباقة عن يدها:
ــ لا يا مريم.. سيبي.. في مريض تاني هزوره...

عقدت مريم حاجبيها بحزن مصطنع:
ــ طب ما تديهوله.. أنا مش عايزاه..

ضحك حمزة..
وقرب الباقة منها مرة أخرى:
ــ يا ستي كنت بهزر! ده ليكي انتي..
بس كنت عايز أشوف هتغيري عليا ولا لأ..

ابتسمت مريم وهي تأخذ الورد منه:
ــ دمــ ـــك تقيل أوي يا حمزة...

ابتسم حمزة وقال:
ــ المهم إنك ضحكتي..

خرجت الممرضة من الغرفة..
وتركت مريم وحمزة وحدهم..
جلست مريم على السرير..

وجلس حمزة على الكرسي بجوارها..
وتغيرت ملامحه إلى الجدية:
ــ مريم... ليه باهر يفكر يقتـ ـــل كاهان؟

نظرت إليه مريم بحيرة:
ــ ياريت أعرف.. ياحمزة..

صمت حمزة للحظة.. ثم قال بهدوء:
ــ تمام... بلاش تضغطي على نفسك.. 

ترددت مريم قليلا.. ثم قالت:
ــ حمزة... ضياء جاب إذن من النيابة..
عشان نفتح قبــــ ــر آدم..

نظر إليها حمزة باهتمام:
ــ سيادة الرائد ساعدك كتير..
ضياء بيحبك يا مريم..

انخفضت عيناها.. وظهر الوجع في ملامحها:
ــ صدقني يا حمزة.. ده اللي وجعني..
في حاجة واقفة بيني وبينه.. 
ومش عارفة أعديها..

حركت مريم رأسها للخلف..
دون انتباه وهي تتحدث..
فاصطدمت برأس السرير بخفة..

تألمت قليلا.. فاقترب حمزة منها.. 
وعدل الوسادة خلف رأسها:
ــ خلي بالك...

نظرت إليه مريم.. فوجدته قريبا..
منها لأول مرة بهذا الشكل..
فارتبكت للحظة وقالت:
ــ شكرا...

ابتعد حمزة عنها..
وابتسم ابتسامته المشاكسة:
ــ العفو يا ست دبل كوفي..

ضحكت مريم غصبا عنها:
ــ إنت مستفز أوي...
بطل تناديني بالاسم ده..

ابتسم حمزة..
وهو يعود إلى مكانه.. ثم قال:
ــ طب قوليلي..
إيه أكتر حاجة نفسك تعمليها دلوقتي؟

نظرت مريم إليه باشتياق.. وقالت:
ــ مج قهوة على الريحة..
بس يا خسارة.. الدكتور منعها عني..

ضحك حمزة:
ــ عايزاني بقى إزاي..
أبطل أناديكي دبل كوفي؟

تبادل الاثنان الضحك..
ولم ينتبها إلى باب الغرفة الذي انفتح فجأة..

دخل ضياء.. توقفت ملامحه للحظة..
وهو يرى مريم تضحك مع حمزة..

لم يقل كلمة..
اتجه نحو حمزة بخطوات سريعة..
وأمسكه من ياقة قميصه بعنف:
ــ إنت بتعمل إيه هنا؟!

              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

             « فــــــــــي غـــــــرفة كــاهـــــان »

وقفت رباب أمامه..
وعلى وجهها ابتسامة انتصار باردة:
ــ كده بقينا متعادلين..
إنت أخدت أخويا مني..
واتقتــ ــــل بسببك.. وأنا أخدت..
أخوك منك.. وحاول يقتــ ـــلك..

نظر إليها كاهان بحدة:
ــ قولتي لباهر إيه؟

ابتسمت رباب بسخرية:
ــ قولتله إن أخوك... اعتــ ــدى عليا..

تجمد كاهان للحظة.. ثم قال بغضب:
ــ أنتي كدابه؟!

رباب بحقد:
ــ قلتله اللي يخليه يكرهك..
ويشوفك أسوأ إنسان في الدنيا.. ونجحت..

حدق بها كاهان بصدمة:
ــ لو فاكرة إني سبب مـ ــوت تيمور..
تبقي غلطانة يا رباب..

انكسرت ابتسامتها..
وظهر الوجع في عينيها:
ــ أنا ماكنش عندي في الدنيا دي..
غير تيمور.. أخويا اللي مـ ــات مكانك..

صمت كاهان لحظة.. ثم قال بجدية:
ــ لو لسه جواكي شوية إنسانية.. 
بلاش باهر.. إنتي عارفة وضعه..

مسحت رباب دمعة 
نزلت رغما عنها.. وقالت بصوت خافت:
ــ للأسف...
محدش يعرف وضع أخوك إيه دلوقتي..

عقد كاهان حاجبيه:
ــ يعني إيه؟! ضياء قال إن الموضوع خلص..
وباهر خرج من النيابة..

نظرت إليه رباب بثبات.. وقالت:
ــ باهر ما اتسجنش عشان يخرج يا كاهان...

صمتت لحظة.. ثم ألقت صدمتها الأخيرة:
ــ باهر اختفى يوم الحادثة...

                  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

             «فـــــي مكـــــــان مقطــــــوع»

أوقفت قدر سيارتها البسيطة..
ثم نزلت منها ونظرت حولها بحذر..

لم يكن هناك سوى معتز الجمال..
وبرفقته عدد من رجاله...

تقدمت منه وقالت بضيق:
ــ ماكنش في مكان أبعد..
من كده عشان آخد فيه هديتك؟! 
ما كنت تبعتهالي في البريد أسهل!

ابتسم معتز بهدوء:
ــ لا... البريد ماكنش هيتحمل..
الهدية اللي أنا هبعتهالك..

رفعت قدر يدها.. وأظهرت له الميموري كارت:
ــ هدية إيه؟ ده اللي إنت عايزه..
فين عمتي؟ وإيه اللي تعرفه عن إخواتي؟

نظر إليها معتز بثبات:
ــ عمتك في بيتها..
ممكن تطمني عليها بنفسك..

ثم أشار لأحد رجاله..
فتقدم الرجل من قدر..
وأخذ منها الميموري كارت..

مد معتز يده وأمسك به.. ثم نظر إليها محذرا:
ــ طبعا مش عايز أقولك.. أنا ممكن..
أعمل فيكي إيه..لو عرفت إنك.. 
أخدتي نسخة.. من الميموري كارت ده..

ردت قدر بثبات:
ــ ماتخافش..
أنا ماخدتش نسخة منه..
اتكلم.. تعرف إيه عن إخواتي؟

تجاهل معتز سؤالها.. واتجه نحو سيارته..

وقبل أن يركب.. التفت إليها وقال:
ــ أنا وعدتك بهدية.. 
وانتي هتستلميها في أقرب وقت...

انفعلت قدر:
ــ هدية إيه؟! إيه اللي تعرفه عن إخواتي؟!

ابتسم معتز ابتسامة غامضة:
ــ قدر... حافظي على الهدية..

ركب سيارته.. وانطلق هو ورجاله..
تاركين قدر وحدها في المكان..

ضـ ـربت قدر بيدها على سقف سيارتها بغضب:
ــ يااااه!

ثم أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بجلنار:
ــ عمتو... إنتي كويسة؟

جاءها صوت جلنار من الطرف الآخر:
ــ أيوه يا حبيبتي.. أنا بخير... إنتي فين؟

لكن قدر لم تجب...

فقد لمحت سيارة متوقفة..
على بعــــد أمتــــــــار منهـــــا.. 
وكان هناك شيء غريب يحدث بجوارها

جلنار بقلق:
ــ قدر؟... انتي كويسة؟ مش بتردي ليه؟

أبعدت قدر عينيها عن السيارة.. وقالت بسرعة:
ــ أنا كويسة يا عمتو... 
مسافة الطريق وهكون معاكي..

ثم أغلقت المكالمة..
ركبت سيارتها وانطلقت..
لكن بعد دقائق قليلة...

بدأ محرك السيارة يضعف..
حتى توقفت تماما.. ضربت قدر المقود بغيظ:
ــ مش وقتك خالص يا سمسمة!

نزلت من السيارة.. ورفعت غطاء المحرك..
وحاولت تفحصه.. لكنها لم تعرف ماذا تفعل..

وفجأة...
سمعت صوت تأوه خافت..
توقفت في مكانها.. التفتت حولها بحذر:
ــ مين هناك؟

لم يجبها أحد؟

اتبعت الصوت حتى وجدت..
رجل ملقى على الأرض..

كان جسده مليئا بالكدمات والجــ ـروح..
ومن شدة الضـ ــرب لم تعد ملامحه واضحة..

اقتربت منه بحذر..
ثم انحنت ورفعت رأسه قليلا:
ــ إنت كويس؟!

لم يجب...

حدقت قدر في وجهه محاولة التعرف عليه:
ــ مين اللي عمل فيك كده؟!

ظل ساكنا بلا رد.. وفجأة ارتخت رأسه بين يديها...


تعليقات