رواية قلوب تلوذ بالكتمان الفصل السادس 6 بقلم سارة علي


 رواية قلوب تلوذ بالكتمان الفصل السادس 

جلست حوراء أمام قيصر الذي كان يتابعها بتركيز محاولا أن يكتشف شيئا ما خلف ملامحها الهادئة …
ما زال غير مقتنعا بأمر زواجها من كريم ابن خالته ولو كان الأمر بيده وحده لرفضه مباشرة لكن اصرار والدته وموافقة حوراء التي فاجئته جعلته مجبرا على النظر إلى الأمر بجدية …
تنهد قيصر بصمت ثم قال بجدية :-
" أمي أخبرتني إنك وافقت بالفعل على كريم …؟!"
أومأت برأسها دون رد ليسأل بحرص :-
" هل أنت متأكدة من قرارك يا حوراء …؟!"
ظهر التردد لوهلة على ملامحها قبلما تهتف بجدية :-
" نعم متأكدة …"
تنفس بقوة ثم قال بجدية :-
" انت ما زلت صغيرة يا حوراء وآلاف الشباب يتمنون الارتباط بك … لا تستعجلي بقرارك … كريم من وجهة نظري لا يناسبك أبدا …"
هتفت بعناد :-
" لكن من وجهة نظري يناسبني وكثيرا أيضا .."
" هذا رأيك إذا …؟!"
سأل بحاجب مرفوع لتومأ برأسها قبلما يسأل عن قصد :-
" ماذا عن تاريخه الحافل بالعلاقات …؟! هل أنت مدركة ممن تتزوجين …؟! "
" لست طفلة صغيرة يا قيصر … "
" أنا فقط أريدك أن تدركي ما أنتِ مقبلة عليه …"
" مدركة للغاية … اطمئن …"
قالتها بحزم جعله يهتف مرغما :-
" كما تريدين إذا … سألتقي بكريم واتحدث معه …"
أضاف باقرار :-
" ستكون هناك فترة خطوبة لا تقل عن عام وستبقى عيني عليه طوال هذا العام …"
هتفت بجدية :-
" كما تريد …"
نهض من مكانه وتقدم نحوها لتنهض هي من مكانها بدورها تقف أمامه عندما وجدته يربت فوق وجنتها وهو يخبرها :-
" لا يهمني شيء في هذه الدنيا بقدر راحتك وسعادتك يا حوراء …. سأوافق على كريم لأنك تريدينه …ستكون هناك فترة طويلة قبل الزواج يمكنك أن تراجعي فيها قرارك … متى ما أردتِ فسخ الخطبة فلا تترددي … أبدا …"
ابتسمت بصعوبة قبلما تهمس بخفوت :-
" أشكرك يا أخي …."
عاد يربت فوق وجنتها بمحبة خالصة :-
" على الرحب والسعة دائما …."
أكمل وهو يجذبها من كفها :-
" دعينا نذهب سويا فالعشاء جاهز الآن بالتأكيد …"
غادرا سويا مكتبه متجهين إلى صالة الجلوس عندما دلفا سويا وقيصر يحاوط حوراء من كتفيها فنظرت الأم لملامح ولدها الهادئة وملامح ابنتها الساكنة بحذر لكنها لم تستطع التفوه بأي شيء وبالطبع لن تسأل عن قرار ولدها أمام الجميع …
تقدم قيصر نحو طفلته القابعة داخل احضان والدتها ليرفعها عاليا وهو يقبلها من وجنتيها قبلما يسأل لميس الجالسة جانبا :-
" متى سيعود خالد من لندن ..؟!"
" غدا …"
أجابته وهي تضيف بضيق :-
" لا أصدق إنه رفض أن يقضي حفل رأس السنة معنا … يفعلها لأول مرة منذ سنوات …"
هتفت سوزان بخبث :-
" ربما يقضيه مع شخص أهم منا يا لميس …"
وجمت ملامح قيصر كليا وهو ينتبه لضحكة زوجته الخبيثة بينما سألت لميس بسرعة :-
" هل تعرفين ما لا نعرفه يا سوزان …؟!"
عبست ملامح حوراء بضيق لكنها سارعت تنهر نفسها مذكرة إياها بقرارها السابق بضرورة اخراج خالد من رأسها بينما قالت سوزان :-
" أنا أخمن فقط …"
جلس قيصر بجانب زوجته حاملا طفلته بين ذراعيه والوجوم م زال يزين ملامحه بينما عادت لميس بظهرها إلى الخلف ورغما عنها أخذت تفكر بحديث سوزان عن احتمالية وجود واحدة في حياة شقيقها وهذا ما دفعه للسفر فجأة إلى لندن وعدم قضاء يوم مهم كهذا معهم …
همست شمس لقيصر الواجم :-
" ما بالك يا قيصر …؟! أرخي ملامح وجهك قليلا …"
منحها نظرة محذرة لتكتم بسمتها بصعوبة بينما يسألها بجدية :-
" هل تواصلت مع تارا …؟!" 
أجابته بخفوت :-
" قبل يومين باركت لها على نجاح حفلتها الأخيرة … "
" باركتِ لها فقط …؟!"
سأل باهتمام لتومأ برأسها مؤكدة ما قالته بينما نهضت كوثر من مكانها وهي تشير اليهم :-
" العشاء جاهز …"
" أنا لا شهية لدي لتناول شيء الان …"
قالتها حوراء وهي تنهض من مكانها قبلما تتجه نحو شقيقها تسأله :-
" هل يمكنني أخذ ايلين معي قليلا …؟!"
" بالطبع خذيها …"
قالها قيصر بسرعة وهو يرفع الصغيرة نحوها لتحمّلها حوراء بين ذراعيها بحرص وتتحرك مغادرة المكان متجهة إلى جناحها هناك حيث وضعت الصغيرة على السرير وجلست جانبها تبتسم لها رغم ضيقها وألمها قبلما تنهض من مكانها  و تتجه نحو خزانتها تخرج احدى علب مجوهراتها وتتقدم بها نحو الصغيرة …
ضحكت ايلينا وهي تضرب العلبة بيديها بينما فتحتها حوراء واخرجت منها بعض المجوهرات وأخذت تجرّبها على الصغيرة لتندمج معها متناسية ما يؤرق فكرها ويسبب الضيق لقلبها مؤقتا …
**

دلف فارس إلى منزل عائلته بعد غياب وتحديدا بعد الموقف الذي حدث تلك الليلة بوجود نسرين التي لم تتحمل اتهامات والده وهجومه عليها لتنهار باكية بنحيب آلمه بشدة فسارع يجرها معه مغادرا بها المنزل ومنذ حينها لم يعد وتجاهل جميع اتصالات والدته ومحاولاتها للوصول إليه …
اليوم قرر مواجهتهما ووضع حدا لتصرفات والده التي لن تغير من موقفه اتجاه زيجته من نسرين ….
وجد والدته في استقباله والتي سارعت تضمه بحنوها المعتاد قبلما تسأله عن أحواله بلهفة ليسألها بدوره باقتضاب :-
" أين والدي …؟!"
" في غرفة الجلوس …"
تحرك مندفعا إلى هناك تتبعه هي بتوجس وداخلها تتمنى أن تمر هذه المواجهة على خير …
وجد والده هناك يرتشف قهوته كعادته وبيده جريدة سرعان ما وضعها جانبا وهو يستقبله ببسمة ساخرة :-
" أهلا يا باشا … وأخيرا تكرمت علينا وأتيت لترانا … "
" أتيت لقول شيء محدد ووضع النقاط على الحروف …"
قالها فارس بصلابة بينما سارعت والدته تهتف برجاء :-
" اهدأ يا بني …. والدك لم يقصد ما فعله …. هو فقط أراد …"
هدر بعصبية :-
" لم يقصد … جلب الفتاة إلى هنا وتعمد أن يحرجها بحديثه ولم يقصد …"
نهض الاب من مكانه يهدر بقوة :-
" اسمعني جيدا … لن أقول لك ما يبرر تصرفاتي … كلمة واحدة لا غير … هل ستتمم زواجك من نسرين تلك بوضعها هذا وعدم قدرتها على الانجاب …؟!"
هتف فارس بثبات :-
" نعم سأفعل …"
هدر الأب من بين أسنانه :-
" حينها لن تكون ولدي يا فارس … سأغضب عليك …"
هتف بضيق :-
" توقف يا أبي من فضلك … ما هذا الكلام …؟! زواجي من نسرين هو قراري … أنا حر …"
صاح الاب بغلظة :-
" كلا لست حرا … سابقا لم أقبل بها بسبب سوء علاقتي مع والدها وأنت تعلم إنني لم أكن راضيا منذ البداية على هذه الخطبة ووافقت مجبرا لأجلك لكن الآن وبعدما عرفته فلا تتوقع مني أبدا أن أقبل بها كزوجة لك مهما حدث …"
" أنا أحب نسرين وليس ذنبها ما حدث …"
قالها بجدية وهو يضيف بإصرار :-
" لن أكون نذلا وأتخلى عنها لأنها لم تعد قادرة على الانجاب …"
" إذا ستبقى بدون أطفال … بدون ذرية …"
هدر بها الأب ليهتف فارس بقناعة تامة :-
" ربما هذا نصيبي …"
" لا تصبني بالجنون يا هذا … كيف تفكر أنت …؟!"
أضاف وهو يشير نحو والدة فارس بعصبية :-
" تحدثي أنت … قولي شيئا …"
هتف فارس ملتفتا نحو والدته :-
" هيا يا أمي .. تحدثي أنتِ أيضا … قولي ما لديك .. عارضي هذه الزيجة كوالدي وتبرئي مني بسببها إذا أردت .."
هتفت والدته وهي تنقل بصرها بينهما بقلة حيلة :-
" فارس ولدي … ضع نفسك مكاننا … أنت ولدنا الوحيد … ولدنا الذي ننتظر زواجه ورؤية ذريته بلهفة شديدة … من حقنا أنا ووالدك أن نفر ح بك وباولادك … كيف تريد حرماننا من فرحتنا بك وبذريتك بكل بساطة …؟!"
سأل فارس بانفعال مكتوم :-
" إذا أنتِ أيضا تريدين مني التخلي عن نسرين ..؟!"
قالت بسرعة :-
" ليس من الضروري أن تتخلى عنها ولكن على الاقل جد حلا بديلا …"
سألها بوجوم :-
" ماذا تقصدين …؟! أتزوج غيرها …"
هتف الأب بسرعة :-
" ولمَ لا .. ؟! إذا كنت متمسكا بها إلى هذا الحد تزوجها ولكن ستتزوج أخرى ستنجب لك الأحفاد الذين نريدهم وننتظرهم بشدة …"
نقل فارس بصرة بينهما بصمت عندما قالت والدته بسرعة :-
" فكر بعقلك لا بعواطفك يا فارس … أنت من حقك أن تصبح أبا … من غير المعقول إنك ستبقى طوال حياتك بلا أولاد وأنت قادر على إنجابهم .. تحدث مع نسرين وهي عليها ان تقبل بزواجك من أخرى إذا كانت حقا تحبك وتريد سعادتك …"
لم يظهر على ملامحه سوى التجهم الغير مفهوم … لم يمنحهم كلمة واحدة حتى …
عاد يحرك بصره بينهما مدركا إنها متفقان بالفعل على كل شيء  وما عليه سوى القبول ….
تنفس بقوة ثم هتف بثبات وحسم :-
" أنا سأتزوج نسرين شئتما أم أبيتما ولا رجعة لي عن هذا القرار مهما حدث …"
اندفع بعدها مغادرا المكان متجها إلى عمله رغم الغضب الذي يسيطر على كيانه كاملا …
ما إن وصل إلى هناك حتى وجد نسرين تنتظره لتنتفض سريعا من مكانها بلهفة وتتقدم نحوه تسأله بسرعة :-
" ماذا حدث ….؟! ماذا قالا لك …؟!"
سأل بضيق :-
" مالذي أتى بك الآن …؟!"
ردت بسرعة :-
" لم أستطع ألا آتي … تحدث بسرعة وأخبرني ما حدث …"
" لا جديد …"
تمتم بها وهو يتجه نحو كرسيه يجلس فوقه ليظهر الاحباط على ملامحها وهي تسأل بخفوت :-
" يريدان منك تركي ، أليس كذلك …؟!"
التزم الصمت ولم يعلق فهتفت مضيفة بتساؤل مرتبك :-
" وأنت ماذا قلت لهم …؟!"
سأل مستهجنا :-
" ماذا برأيك ….؟!"
أضاف بجدية :-
" أخبرتهم إنني سأتزوجك بكافة الأحوال …"
عادت تجلس مكانها قباله والإحباط سيطر على ملامحها بينما تسأل بخفوت :-
" ماذا سنفعل يا فارس …؟!"
رد بوجوم :-
" لا أعلم …"
أضاف بعدها :-
" لا يهم ما يريدانه يا نسرين … الهام ما نريده نحن … أليس كذلك ….؟!"
أومأت برأسها موافقة بينما نهض هو من مكانه يعد القهوة له ويسألها في ذات الوقت :-
" هل تريدين القهوة ….؟!"
" كلا ، شكرا …"
قالتها وعيناها تتحركان نحو هاتفه الموضوع فوق الطاولة لتنهض من مكانها وتجذب الهاتف فلا تجد شيئا مهما قبلما تجذبها رسائل من ربى والتي تخبره فيها عن قبولها في العمل وتشكره بدورها …
وجمت ملامحها غير مصدقة إن هناك تواصل يحدث بين فارس وابنة عمه تلك عندما صدح صوت فارس الحاد :-
" ماذا تفعلين يا نسرين …؟!"
استدارت نحوه بفزع ظهر على ملامحها لتهتف بنبرة متعثرة :-
" أبدا …. لم أقصد التفتيش فيه … اقسم لك …"
هدر من بين أسنانه :-
" ماذا تسمين هذا إذا …؟!"
أضاف وهو يسحب الهاتف من يدها :-
" أنا حتى لا أضع رمز حماية على هاتفي يا نسرين فما الداعي لتفتيشه وماذا تتوقعين أن تجدي فيه …؟!"
هتفت بسرعة محاولة احتواء غضبه :-
" أعتذر حقا يا حبيبي …"
أضافت بنعومة :-
" أنت تعرف إنني أغار قليلا وأخشى أن …"
توقفت عاجزة عن قول المزيد لتظهر السخرية على ملامحه وهو يسأل بسخط :-
" تخشين ماذا يا نسرين …؟!"
هتفت بسرعة محاولا انهاء الحديث الذي اخذ مسارا ليس لصالحها :-
" أعدك إنني لن أفعلها مجددا … صدقني …."
تجاهلها وهو يتحرك يجلس فوق كرسيه يرتشف قهوته بعدما فتح حاسوبه عندما سارعت هي تجلس قباله تطالعه بصمت سرعان ما قطعته وهي تسأل :-
" منذ متى وأنت تتواصل مع ربى ابنة عمك ….؟!"
تهكمت ملامحه بينما يجيب :-
" منذ أيام قليلة …."
" كيف حدث هذا …؟!"
سألته متعجبة ليتنهد بضيق ثم يخبرها عن اللقاء الذي جمعها به واعتذارها منه …
بصعوبة تماسكت نسرين كي لا تظهر غضبها وغيظها مما سمعته لتهتف أخيرا ببسمة مقتضبة :-
" جيد ما حدث …"
أضافت عن قصد :-
" مع هذا خذ حذرك منها فتلك الفتاة ليست هينة على ما يبدو وأنا أخشى عليك منها …"
اكتفى بهز رأسه بعدم انتباه بينما تركيزه منصب كاملا على عمله بينما كتمت هي غيظها بصعوبة شاعرة بعدم الراحة لما حدث مقررة أن تبحث خلف هذا الأمر وتفهم مالذي تريده ربى تلك من فارس …
**

ابتسم ثائر بمرح وهو يتقدم نحو ولده يحمله من بين ذراعي والدته ويمنحه قبلات متفرقة قبلما يجلس بجانب والدته يلاعب ولده والأخيرة تراقبهما بسعادة وحنو …
هتفت والدته وهي تلمس خصلات الصغير بحنو :-
" هل ستذهب إلى العمل اليوم …؟!"
رد بوجوم :-
" تقريبا …"
تنهدت بصمت ثم قالت بحذر :-
" اهتم قليلا بعملك يا ولدي كي يرضى جدك عنك …."
تأفف بضيق قائلا :-
" لا تجلبي سيرته الآن من فضلك …"
قالها وهو يقبل ولده من وجنته قبلما تسأله مجددا :-
" ماذا عن سرى …؟! ألا تنوي العودة يا بني …؟!"
أكملت بجدية :-
" حتى ولدها لا تسأل عنه إلا نادرا …"
ظهر الضيق على ملامحه وهو يتمتم بوجوم :-
"بالطبع مشغولة بعملها وليست متفرغة لولدها بالطبع …."
" صالحها يا ثائر … لأجل ولدك على الأقل …"
قالتها برجاء ليزفر أنفاسه بضيق ثم يهتف بتوسل :-
" أرجوك توقفي عن هذا … مرة جدي ومرة سرى … ألا يمكنني الجلوس معك قليلا دون تعكير مزاجي …؟!"
التزمت الصمت مرغمة وبقيت تراقبه وهو يلاعب ولده قبلما تأتي الخادمة تخبره عن طلب جده لرؤيته …
" ها قد بدأنا …"
قالها بضيق وهو يمنح ولده لوالدته ثم ينهض من مكانه متجها حيث ينتظره جده ..
هناك وجده جالسا في مكتبه بملامحه الجامدة المعتادة ليتقدم نحوه ملقيا التحية عندما سأل جده بوجوم :-
" ألن تذهب إلى عملك اليوم …؟!"
" بلى سأذهب … "
قالها بسرعة وهو يضيف :-
" سأغير ملابسي حالا واذهب …"
" انتظر قليلا …"
قالها الجد قبلما يشير إلى الكرسي المقابل له :-
" اجلس لنتحدث …"
تنهد بصمت ثم تحرك جالسا حيث أشار جده الذي هتف يسأل عن قصد :-
" متى ستعود زوجتك إلى هنا …؟!"
" لا أعلم …"
رد ببرود استفز الجد الذي هدر بحنق :-
" ماذا يعني لا تعلم …؟! من يعلم إذا …؟! حالك هذا لا يعجبني … تصرف وأصلح الوضع بينكما يا ثائر …"
هتف بسخرية متعمدة :-
" منذ متى وحالي يعجبك يا جدي …؟! أنا دائما لا أعجبك … دائما يا جدي …"
" انظر لنفسك وحالك وستدرك إن الحق معي …"
قالها بقوة وهو يضيف بضيق :-
" لقد مللت من سلبياتك ولا مبالاتك …." 
أكمل بصرامة :-
" تعقل يا ثائر وعد إلى رشدك ولا تدفعني للقيام بتصرفات لن تعجبك وأنت تعلم ما بوسعي فعله …"
أشاح ثائر وجهه بضيق وتلك التهديدات  المستمرة تضاعف من سخطه على حياته وكرهه لكل شيء …
تأمله الجد بتعب قبلما يهتف به :-
" لماذا تفعل بي وبنفسك هذا يا ثائر …؟! مالذي تريد الوصول إليه وماذا ستكسب …؟!"
أكمل عن قصد :-
" إن كنت تريد الهرب بعيدا عني وعن مملكتي كغيرك فلن أمنعك لكن لن يكون هناك حينها رجعة إلى هنا …"
" ماذا تتوقع مني وأنت دائما تهددني بهذا الشكل …؟!"
سأل ثائر بضيق ليهتف الجد :-
" اسمعني يا ثائر …. أنا اكتفيت سابقا من افعال والدك ثم أختك اللعينة … لم يتبقَ سواك من أبناء جابر يعنيني ويهمني أمره وأنت تعلم …"
أضاف بقوة :-
" لا تغضبني أكثر يا ثائر وأنت تعلم جيدا ما قد يفعله غضبي بك … أنا لدي أنت وحفيدين آخرين وأسعى بكل ما أملك لأن أجعل منكم رجالا بحق أفتخر بهم وأطمئن على اسمي ومالي وسمعتي بوجودهم …. راجع نفسك يا ثائر ولا تختبر صبري أكثر …."
لم يعقب ثائر على حديثه … بقي ملتزما الصمت بوجع جامد كليا وعينين محتقنتين …
نهض من مكانه دون أن ينطق بكلمة واحدة وتحرك مغادرا مكتب جده متجها إلى غرفة نومه حيث غيّر ملابسه وسارع يهبط إلى الطابق السفلي ومنه إلى خارج المنزل ….
في طريقه حاول أن يتصل بها لكن رفضت اتصالاته كعادتها ليتنهد بضيق ثم يغير طريقه متجها اليها فهي توجد حاليا في مقر عملها كعادتها …
وصل هناك ليجدها كما توقع منهمكة في عملها قبلما تنتبه لوجوده فيظهر الانزعاج جليا على ملامحه بينما تهدر بضيق :-
" مالذي أتى بك الآن ..؟!"
أجاب ببرود وهو يجلس قبالها :-
" يجب أن نتحدث …"
هتفت بحدة :-
" هذا المكان للعمل وليس لتبادل الاحاديث عن علاقاتك الغرامية …"
" آية علاقات غرامية تلك التي تتحدثين عنها ….؟!"
أكمل بجدية :-
" لميس صديقتي لا غير .. جمعنا عمل مشترك …. هكذا فقط …"
هتفت ساخرة :-
" هكذا بكل بساطة …"
أكملت وهي تتآكل من الغيظ :-
" طالما هي مجرد صديقة فلمَ لم تخبرها عن كونك متزوجا …"
قال بسرعة :-
 " لم أقصد ذلك … اقسم لك … فقط لم تأتِ مناسبة لنتحدث عن حياتنا الشخصية …"
هتفت ساخرة :-
" هل تراني حمقاء لأصدقك …"
" إنها مجرد صديقة … لمَ لا تفهمين هذا ….؟! تعالي معي …سآخذك عندها لتخبرك بنفسها عن صداقتنا …"
لوهلة أرادت أن تصفعه على وجهه بسبب حديثه المستفز ولا مبالاته وهو يتحدث عن صداقته باحداهن …
هدرت بأنفاس متلاحقة:-
" ماذا يعني صديقتك ….؟! ما بالك تتحدث بهذه البساطة وكأن صداقتك باحداهن أمر طبيعي للغاية ….؟!"
صاحت وهي تكاد تشد خصلات شعرها :-
" سأصاب بالجنون بسببك يا هذا …"
هتف بتروي محاولا تهدئتها :-
" اهدئي يا سرى واسمعيني …"
صاحت بعصبية :-
" ماذا أسمع …؟! حديثك عن صداقتك باحداهن وخروجك معها ليلا ونهارا … "
اخذت نفسا عميقا ثم قالت بجدية :-
" أنا لا اعترف بهذا النوع من الصداقات يا ثائر … هل فهمت …؟!"
هدر بدوره وقد بدأ يفقد أعصابه هو الاخر :-
" بدلا من محاسبتي حاسبي نفسك يا هذه … ألا يكفي إنك هجرتني وتركتني وحيدا منذ أشهر ….؟! بأي حق تحاسبيني عما أفعله وعمن أصاحبهم بينما أنت بعيدة عني ترفضين العودة إلي …؟!"
صاحت معترضة :-
" هل تركتك دون سبب …؟! لقد مللت منك ومن إهمالك ولا مبالاتك ….حاولت كثيرا معك دون فائدة … أنت لا تتغير … أبدا …"
هتف بصلابة :-
" فقررت أن تعاقبيني بهذه الطريقة … أليس كذلك …؟!"
تنهدت بتعب ثم قالت بصدق :-
" أنا تعبت يا ثائر … تعبت منك …"
أكملت بصعوبة :-
" تعبت من لوم نفسي طوال الوقت .. ألوم نفسي لأنني أحببتك ولأنني تزوجتك بل وأنجبت منك …."
احتقنت ملامحه بقوة وهو يسمع حديثها الذي أصاب قلبه بشيء آلمه رغم ادعائه اللا مبالاة والاهتمام …
في النهاية تبقى هي المرأة التي يحبها ويجرحه سماع كلام كهذا منها وإن كان غروره يمنعه من الاعتراف بذلك …
استرسلت سرى بأسى :-
" انت لا تفكر سوى بنفسك … لا تفكر بولدك حتى …"
" وأنت تفكرين بولدك كثيرا …."
هدر بها وهو يضيف بتهكم :-
" ولدك الذي تركته مع أمي منذ شهور ولا تسألين عنه إلا نادرا …"
هتفت مبررة بتلعثم :-
" أنا مطمئنة عليه هناك … طالما مع والدتك فهو بخير …"
" هل هذا مبررك …؟!"
صاح بها مستنكرا وهو يضيف :-
" ابنك يحتاجك يا سرى …. وأنت لا تفكرين به …. أبدا …"
صرخت بغضب :-
" فكر به أنت إذا …. طالما أنا أم مهملة وسيئة فلتكن أنت الاب المهتم الحنون …."
" ترفضين الاعتراف بانك ام سيئة تركت ولدها لشهور مع جدته وانشغلت بحياتها وعملها … تحاسبيني ولا تحاسبين نفسك … حسنا يا سرى … انت حرة …. تريدين الطلاق فليكن لك ما تريدنه لكن إياك أن تندمي فيما بعد .."
اندفع مغادرا المكان تاركا إياها تتابعه بقهر وشعور إنها خسرته يؤلمها رغم كل شيء …
**

دلفت لميس إلى مكتبها بملامح منطفئة كليا … ما زال الانزعاج مسيطرا عليها … ليس الانزعاج وحده بل الحزن ايضا … الحزن الذي مس قلبها منذ أن عرفت حقيقته … متزوج وهي كالحمقاء غرقت فيه دون أن تنتبه … 
تنهدت بتعب وهي تجلس فوق كرسيها شاردة مجددا بذلك الموقف السخيف الذي وضعها به …
ماذا تظنها زوجته الآن …؟! ما كان ينقصها سوى أن تظهر بدور العشيقة …!
أفاقت من أفكارها على صوت نحنحة منه فرفعت عينيها نحو الباب لتنصدم كليا من وجوده أمامها …
نهضت من مكانها تهدر به :-
" ماذا تفعل هنا …؟! اخرج حالا …."
لم يهتم بما قالته وغضبها الواضح بينما تقدم نحوها يخبرها بثبات :-
" أتيت لنتحدث يا لميس …"
صاحت بعدم تصديق :-
" حديث ماذا …؟! ألم تكتفِ بما حدث …؟!"
قال بدهشة صادقة :-
" ماذا فعلت أنا …؟! لمَ المبالغة لا أفهم …؟!"
اتسعت عيناها بعدم تصديق بينما أكمل هو موضحا :-
" لقد خرجنا سويا لعدة مرات ولم أتجاوز حدودي معك ولم أتعمد اخفاء زواجي عنك …"
أضاف بصدق :-
" ما علاقة صداقتنا بزواجي لا أفهم …؟!"
سألت مندهشة :-
" كيف ترى الأمر بهذه البساطة ..؟!"
قال ببساطة :-
" لانه بسيط حقا …"
تنهدت بضيق وهذا الرجل الماثل يضاعف حيرتها الشديدة بشأنه …
هل هو صادق فيما قاله …؟! ألم يقصد حقا اخفاء أمر زواجه ..؟!
حسنا هي تعترف بأن ما جمعهما وتصرفاته معها لا تتعدى حدود الصداقة … 
هي تدرك ذلك ولا تنكره أبدا …
هي لن تحمله مسؤولية مشاعرها التي تحركت نحوه فهي مسؤوليتها وحدها …
نعم تحركت مشاعرها نحوه ولا جدوى من انكار ذلك ….
لكنه متزوج وهذا يجعلها تحسم الأمر منذ بدايته …
لكن رغما عنها لا تصدق إنه لم يقصد اخفاء أمر زواجه …
تحاول التصديق لكنها لا تستطيع …
هتفت أخيرا :-
" حسنا ، لنفترض إن ما تقوله صحيح وإنك لم تقصد اخفاء الأمر عني … ماذا عن الموقف الذي حدث بيني وبين زوجتك …؟! هل تراه عاديا …؟!"
قال بسرعة :-
" كلا ، ولهذا أتيت كي اعتذر منك …."
لم تعرف ماذا تقول … ما تعرفه حقا إن عليه المغادرة وعدم العودة مجددا …
" أنا اسف يا لميس … اسف حقا على الموقف الذي وضعتك به دون قصد .."
تنهدت ثم هتفت مرغمة :-
" حسنا يا ثائر … لا بأس … قبلت اعتذارك …"
ابتسم بسعادة قبلما يجدها تضيف :-
" لكن لدي طلب أخير منك …"
" تفضلي …"
قالها بسرعة لتخبره بجدية :-
" اخرج من هنا و لا أريدك أن تظهر أمامي مجددا .."
**

فتح خالد عينيه بصعوبة على صوت رنين منبه هاتفه … لم ينم جيدا ليلة البارحة … في الحقيقة هو لم ينم جيدا منذ تلك الليلة والتقارب الذي حدث بينهما قبلما تهرب منه وتختفي من عالمه فجأة ….
وهو بحث عنها وحاول أن يتواصل معها دون جدوى …
أزاح الغطاء من فوقه ونهض من مكانه بملامح عابسة ولأول مرة لا طاقة لديه لممارسة العمل …
عقله يتسائل عما حدث ولمَ رحلت بتلك الطريقة بعد اعترافها له بحبها …!
تارا امرأة غامضة للغاية وعلى ما يبدو إنه بحاجة لكثير من الوقت كي يسبر أغوارها ويكشف خباياها …
أخذ حماما دافئا كعادته في الصباح ثم أخذ يرتدي ملابسه عندما فوجئ بوالدته تدخل إليه وهي تبتسم برقتها المعهودة …
ابتسم بدوره وهو يميل مقبلا وجنتيها فتخبره :-
" البارحة وصلت متأخر وبالكاد تبادلنا التحية …"
أكملت بضيق :-
" ليس من الضروري أن تذهب اليوم إلى الشركة … استرح قليلا …"
" لدي الكثير من العمل ينتظرني …"
قالها بجدية وهو يجذب ساعته يرتديها عندما وجدها تجلس على الكنبة المقابلة وهي تخبره :-
" أريد التحدث معك …"
ارتدى ساعته وتقدم نحوها ليجلس جانبها قائلا بسرعة :-
" بالطبع تفضلي …"
تنهدت بصمت ثم قالت بجدية :-
" عام جديد بدأ يا خالد …. وأنت على حالك … لم تتزوج بعد …"
عبست ملامحه ليسأل :-
" ما مناسبة هذا الكلام …؟!٠
قالت بسرعة :-
" لأنك كبرت يا بني … تجاوزت الثلاثين من عمرك ولم أرَ عليك آية بوادر تدل على رغبتك بالارتباط …"
ضحك مرغما :-
" بوادر مثل ماذا …؟!"
قالت بسرعة :-
" لم أرَ واحدة تدخل حياتك أبدا … لقد تجاوزت الثلاثين من عمرك ولم تلتفت لإمرأة ولا أفهم إلى متى ستبقى على هذا الحال …"
أضافت وهي تقبض على كفه بكفها :-
" طالما لا توجد من تلفت انتباهك دعني أنتقي لك إحداهن تناسبك وتليق بك … "
" لمَ العجلة يا أمي …؟!"
قالها بجدية وهو يضيف :-
" أنا لا أحبذ الزواج بهذه الطريقة …"
رفعت حاجبها مرددة بدهشة :-
 " غريب أمرك يا خالد … لم أتوقع إنك لا تحبذ الزواج التقليدي …"
تنهد ثم قال بعقلانية :-
" أنا فقط لا اريد الاستعجال … ربما أجد إحداهن فيما بعد .."
تمتمت بعدم اقتناع :-
" متى يا خالد …؟! أنت لا تمنح الفرصة لأي واحدة بالاقتراب منك … "
" لأنني لم أجد من هي مناسبة يا أمي .. حينما أجدها سأسعى بنفسي للاقتراب منها بل سأسعى لتكون لي بأي وسيلة كانت …"
هو وجدها بالفعل لكنه لن يخبر والدته الآن على الاقل … عليه أن ينتظر قليلا ويتحدث مع تارا مجددا …
سألت والدتك بشك :-
 " هل هناك احداهن يا خالد….؟!"
ظهر الوجوم على ملامحه بينما يخبرها بجدية :-
" نعم هناك ولكن لا يوجد شيء واضح حتى الآن …"
سألت بحيرة :-
" كيف يعني …؟!"
سارع يقبض على كفها يخبرها بجدية :-
" ما زلنا في فترة التعارف … امنحيني فقط بعض الوقت وسأخبرك بكل شيء …"
ظهرت الفرحة بسرعة وهي تتمتم بسعادة :-
" حقا يا خالد …؟! هناك من دخلت حياتك بالفعل …؟! أنا لا اصدق …"
أضافت بسرعة :-
" حسنا لا تستعجل يا حبيبي … خذ وقتك … لكن عدني ألا تتأخر كثيرا في إعلان علاقتكما بشكل رسمي …"
قال بجدية :-
" لتوافق أولا وبعدها كل شيء سيكون سهلا للغاية …"
قالت بفرحة غامرة :-
" أشعر إنني سأطير من سعادتي … سأراك عريس أخيرا …"
هتف بسرعة :-
" لا يوجد شيء أكيد بعد … ولا أريد لأي شخص كان أن يعرف بما قلته …"
" بالطبع لا أحد سيعرف …"
أضافت بسرعة :-
" لن أخبر أي أحد …"
تنهد مرددا بتروي :-
" جيد …"
بينما ضحكت والدته بفرحة غير مصدقة إن ولدها وجد أخيرا من تجذب روحه ومشاعره نحوها …
نهض بعدها مغادرا القصر متجها إلى الشركة هناك حيث انشغل في عمله حتى المساء عندما فوجئ بقيصر يدلف إلى مكتبه ملقيا التحية قبلما يجلس قباله يسأله بغموض :-
" ما أخبار رحلة لندن …؟!"
رد خالد بنبرة اعتيادية :-
" جيدة …"
هتف قيصر عن قصد :-
" لم أتوقع ذهابك … فلا شيء يستدعي وجودك … يعني لا يوجد ما هو مهم ويتطلب وجود أحدنا …"
قال خالد ببرود :-
" بالنسبة لي كانت هناك أشياء مهمة تستدعي وجودي …"
سأل قيصر بسخرية مقصودة :-
" حقا …؟! وما هي هذه الأشياء التي لا علم لدي بها …؟!"
" نعم يا قيصر … هل هذا تحقيق او ما شابه …؟!"
سأله خالد بجمود ليهتف الاخير بثبات :-
" أنا فقط أريد أن أفهم ما يجري بالضبط فذهابك هناك وتركك الشركة تنقلب رأسا فوق عقابا بغياب مديريها دون مراعاة للعمل ووضع الشركة يجعلني أتسائل عن مدى اهمية هذا الشيء …"
هتف خالد بجدية :-
" كن صريحا يا قيصر …؟! مالذي تريد معرفته …؟!"
سأل قيصر بوجوم :-
" ما سبب ذهابك إلى لندن يا خالد …؟!"
وعلى عكس ما توقع قيصر وجد خالد يجيب ببساطة :-
" بسبب تارا …."
تجمدت ملامح قيصر بينما خالد يضيف :-
" أنا وتارا يحدث بيننا شيء مهم …"
" ماذا يعني هذا …؟!"
سأل قيصر بخفوت ليهتف خالد باقرار :-
" أنا أحب تارا …"
انتفض قيصر من مكانه وآخر ما توقعه ان يعترف خالد بمشاعره أمامه بسهولة وهو الذي كان يمني نفسه بأن ما بينهما مجرد اعجاب وانجذاب حسي ولم يرتقِ لمشاعر الحب بعد …
" تحبها …؟!"
نطق بها قيصر وهو يضيف مستنكرا :-
" هل تمزح يا خالد …؟!"
تغضن جبين خالد بانزعاج :-
" ما المشكلة فيما قلته لا أفهم …؟!"
قال قيصر بضيق :-
" ألا ترى مشكلة حقا …؟! أنت وتارا مختلفين تماما … لا يوجد ما يجمعكما …"
هتف خالد بضحكة ساخرة :-
" انظر إلى نفسك أنت وزوجتك وستدرك معنى الاختلاف الحقيقي …"
" لا تقارن هذه بهذه …"
قالها بانفعال خفي ليهتف خالد بضيق :-
" ما مشكلتك فيما قلته لا أفهم …؟! ما بها تارا ..؟!"
زفر قيصر أنفاسه بضيق ثم عاد يجلس قبال خالد مرددا بتأني :-
" هل نسيت عملها …؟! عالمها المختلف تماما عن عالمك …؟! أنتما حقا لا تناسبان بعضكما … "
" أنا لا أرى الأمور بهذه الطريقة …"
قالها خالد وهو يضيف بمنطقية :-
" لا أنكر إنني لست من هواة الفن ولا أفهم به أساسا لكن في المرات القليلة التي التقينا بها لم أجد هذا الاختلاف الشاسع الذي تتحدث …"
" شهرتها …؟! معجبينها …؟! تحررها …؟! هل ستتقبل هذه الأمور كلها …؟! طبيعة عملها التي تجعلها منشغلة معظم الوقت وتسافر يوميا من دولة لأخرى …؟! هل يناسبك هذا حقا يا خالد …؟!"
هتف خالد بجدية :-
" هل تعتقد إنني لم أفكر بكل هذا …؟! لا أنكر إن طبيعية عملها لا تناسبني ولكن …"
تنهد بصمت ثم قال :-
" سنصل إلى حل وسط بخصوص هذا يرضي كلينا .."
هتف قيصر بانفعال فشل أن يخفيه :-
" خطأ يا خالد … أنت مندفع للغاية في مشاعرك وهذا خطأ كبير …"
سأل خالد بتجهم :-
" ماذا يحدث يا قيصر …؟! لمَ هذا الرفض الشديد والعصبية الغير مبررة …؟!"
قال قيصر بسرعة :-
" لانك ابن عمي وتهمني مصلحتك …. تارا لا تناسبك وأنت تستحق من هي أفضل منها …"
" هل هناك ما تعرفه أنت ولا أعرفه أنا …؟!"
سأله خالد بقوة ليظهر الارتباك على وجه قيصر وهو يجيب :-
 " بالطبع لا …"
قال خالد بجدية :-
" الشيء الوحيد الذي سيبعدني عنها هو أخلاقها وهذه لا غبار عليها …."
سأل قيصر بوجوم :-
" تتحدث بثقة وكأنك تعرفها منذ أعوام …"
قال خالد عن قصد :-
" لو لم تكن واثقا بنفسك من أخلاقها ما كنت لتسمح لزوجتك بصداقتها …"
طالعه قيصر بوجوم قبلما يهتف بصدق :-
" أخلاقها لا غبار عليها وانا سبق وقلت هذا لكن …"
أخذ نفسا عميقا ثم قال :-
" تارا حياتها معقدة للغاية وقد تتعبك معها …"
" كن صريحا يا قيصر … مالذي تعرفه عنها بالضبط ..؟!"
أضاف بنفاذ صبر :-
" لا تتحدث بالألغاز … اريد أن افهم … ما بها تارا ولمَ أنت رافض فكرة ارتباطي بها بهذا الشكل ….؟!"
" لا يوجد شيء محدد …. أساسا صداقتي بتارا محدودة … "
قالها بجدية ليهتف خالد :-
" كلا يا قيصر … هناك ما تعرفه ولا تريد البوح به …"
نهض قيصر من مكانه يهدر بضيق :-
" لا يوجد شيء كهذا … أنا فقط أراها لا تناسبك بسبب طبيعة عملها ونمط حياتها …"
نهض خالد من مكانه يخبره بحزم :-
" إن علمت فيما بعد إن هناك ما تخفيه عني وهو مؤثرا للغاية في علاقتنا فلن أسامحك أبدا يا قيصر …"
طالعه قيصر بحيرة وداخله تمنى لو يبوح له بما يخفيه عنه لكنه لا يستطيع خاصة بعدما اعترف خالد بمشاعره اتجاهها مما جعل الاعتراف بما كان بينهما أمرا في غاية الصعوبة …
تحرك مغادرا المكان باندفاع وداخله يتوعد لتارا التي يجب أن يلتقيها ويتحدث معها باسرع وقت ..
**

تجلس تارا في الشرفة المطلة على الحديقة الواسعة في منزلها في امريكا ترتشف قهوتها بشرود كعادتها مؤخرا …
منذ تلك الليلة وعالمها بكامله تغير … لا تعرف كيف خضعت لسلطان قلبها واعترفت بعشقها له … وبادلته قبلته أيضا … تلك القبلة التي زلزلت كيانها كاملا وجعلتها تعيش احساسا جديدا عليها لم تجرّبه مسبقا فبدت كمراهقة بالكاد تخطو خطواتها الاولى في دروب العشق والهوى بينما هي في الواقع تجاوزت الثلاثين من عمرها ..
مدت أناملها تلمس بتردد شفتيها فتلعن نفسها لانها انجرفت بلا وعي منها خلفه وتلعنه هو لأنه أصاب سهما في قلبه لن تتعافى منه بسهولة …
انتبهت لقدوم شقيقتها ملقية تحية الصباح بمرحها المعتاد قبلما تجلس قبالها تخبرها :-
" أنا جائعة للغاية …"
" أخبري الخادمة أن تعد الفطور لنا جميعا فأنا لم أتناول شيء بعد …"
تقدمت كارلا نحوهما وهي التي تقيم معهما كالعادة منذ وصولهما قبل يومين لتخبرهما وهي تجلس معهم :-
" أخبرتها وطلبت منها أن تجلبه هنا فالجو لطيفا رغم برودته …."
شردت تارا مجددا في تلك الليلة وما تلا تلك القبلة وكيف هربت بسرعة من بين ذراعيه وكأن شيئا خطيرا مسّها وعليه الهرب منه بسرعة قصوى …
لم تمنحه الفرصة ليلحق بها حتى ولم تلتفت لندائه لتقضي بقية الليل تسير في الشوارع بضياع سيطر عليها قبلما تعود قرابة الفجر للفندق وتطلب من كارلا المغادرة بأول طائرة إلى أمريكا هربا منه ومن مشاعرها التي طغت عليها للحظة وكادت أن تفقدها كل شيء في هذه اللحظة …
أفاقت من شرودها على صوت كارلا تسألها :-
" متى سنعود يا تارا …؟! لدينا الكثير من الأعمال …. "
" لا اريد العودة حاليا …."
قالتها تارا بشرود لتهتف كارلا بعدم تصديق :-
" لا يمكننا تأجيل أعمالنا أكثر يا تارا .. رامي ينتظرنا …. علينا اساسا أن نستعجل في عودتنا …"
تبادلت تارا النظرات معها بينما هتفت يارا تسأل فجأة :-
" ما بالك شاردة معظم الوقت يا تارا ….؟!"
أضافت تسأل بقلق :-
" هل هناك مشكلة ما …؟! اخبريني …"
هتفت كارلا بسرعة :-
" نعم مشكلة عظيمة … "
طالعتها يارا بترقب لتضيف بينما تارا تتابعها بحنق :-
" شقيقتك وقعت في الحب …"
صاحت يارا بفرحة :-
" ماذا …؟! حقا …؟!"
اومأت كارلا برأسها بينما تسأل يارا بلهفة :-
" من هو …؟! ما اسمه …؟! وكيف عرفته ….؟!"
هتفت كارلا ببسمة واسعة :-
" سأخبرك أنا … خالد عمران … ابن عم قيصر عمران …"
شهقت يارا بفرحة :-
" ابن عم فريد …"
تجهمت ملامح تارا و كارلا تتمتم :-
" نعم ابن عمه …"
" يا الهي لا اصدق …"
قالتها يارا بفرحة غامرة لتهدر تارا عن قصد :-
" مبدئيا لن يحدث مما تأملين حدوثه يا يارا … ثانيا لا داعي أن أذكرك بألا تجلبي سيرة فريد عمران ولو بالخطأ على لسانك ام نسيت اتفاقنا …؟!"
عبست يارا :-
" ماذا قلت الآن ..؟!"
اكملت وهي تغمز لها :-
" هل وسيم مثل ابن عمه …"
ردت كارلا بسرعة :-
" بل أوسم منه …"
صاحت يارا بحماس بينما منحتها تارا نظرة مشتعلة لتهتف كارلا ببراءة مفتعلة :-
" ماذا فعلت الان …؟! قلت الحقيقة لا غير …"
هدرت تارا بهما :-
" انتما ماذا جرى لكما بالضبط …؟! كيف تتحدثان بهذه الأريحية …؟!"
قاطعتها يارا ببساطة :-
" ولمَ لا نفعل …؟! لقد وقعت في الحب …؟! أخيرا …"
" الأمر ليس بسيطا هكذا يا يارا أم نسيت …؟!"
هتفت يارا بتردد :-
" مالذي نسيته ….؟! هل تقصدين تلك التشوهات …؟!"
أشاحت تارا بوجهها وهي تهمس بصعوبة :-
" التشوهات وغيرها …"
قالت يارا بصعوبة :-
" لو كان يحبك حقا لن يهتم بأمر التشوهات …؟!"
هتفت تارا بضيق :-
" توقفي عن نظرتك الحالمية يا يارا …"
أضافت بجدية :-
" لا يوجد رجل لا يهتم بأمر كهذا … لا داعي لأن نخدع أنفسنا ونتجاهل صعوبة وجود تشوهات كهذه … "
أضافت بصعوبة :- 
" أنا لا يمكنني تجاهل أمر هذه التشوهات مهما حدث … أنا حتى لا استطيع الإفصاح عنها أمامه …"
طالعته كارلا بشفقة قبلما تسأل :-
" لماذا لا تبحثين في موضوع علاجها أكثر …؟!"
هتفت تارا بحزم :-
 " لن أفعل … مجرد البحث في هذا الموضوع يعني إنني أمنح نفسي الأمل في موضوع الارتباط وهذا ما لا أريده أساسا …"
أكملت بمرارة :-
" أم نسيتم ناجي وما ينتظرني منه إن فكرت بالارتباط بغيره …؟!"
قالت يارا بضيق :-
" ماذا يعني …؟! ستبقين عزباء طوال حياتك …"
همست بصعوبة :-
" هذا نصيبي وانا راضية به …"
هتفت يارا معترضة :-
" لكن هذا ليس عدلا …"
قالت تارا بسخرية مريرة :-
" منذ متى والعدالة موجودة في عالمنا يا عزيزتي …"
طالعتها يارا بقهر بينما أشاحت تارا بوجهها بعيدا تكبت عبراتها بصعوبة اما كارلا فالتزمت الصمت واشارت ليارا بعينيها أن تلتزم الصمت بدورها ولا تضغط على شقيقتها اكثر …
**

ابتسم قيصر وهو يستقبل صديقه الذي وصل لتوه مع عائلته حيث دلف هو اولا يتبعه والديه ثم شقيقه سامر وشقيقته هدير …
لم يغب عن  قيصر غياب الفرحة عن ملامح صديقه فشعر بالاستغراب لكنه تجاهل الأمر برمته فهو فوجئ عند عودته باتصال والدته مع زوجة عمه بشأن سوزان ولم يسعه الوقت ليتحدث مع حارث ويفهم منه فالأخير كان مسافرا في رحلة قصيرة وعاد صباح اليوم …
جلس قيصر جوار صديقه والبقية حولهم حيث تواجدت العائلة باكملها مجتمعين كعادتهم في مناسبات مهمة كهذه قبلما يفتتح والد حارث الاحاديث العامة …
دقائق قليلة ودلفت سوزان إلى المكان لتنهض والدة حارث تستقبلها بسعادة بالغة بينما حارث ينقل بصره بينهما بعدم رضا قبلما ينتبه لشقيقه وشقيقته المبتسمان بفرحة واضحة ليشعر بالغيظ منهما …
جلست سوزان مكانها جوار والديها بينما هم والده بالحديث لكن حارث سارع يسبقه في الحديث :-
" اسمحوا لي أن أتحدث أنا بصفتي الأخ الكبير …"
أكمل بجدية :-
" ولأنني اعتبر نفسي فردا من هذه العائلة …"
تطلع الجميع نحوه بفضول …
قيصر يشعر بوجود خطب ما خلف حديثه …
حوراء تطالعه بتأهب وداخلها تتمنى ان يصدق حدسها …
خالد ملتزما الصمت وكذلك البقية بينما سوزان يتضاعف خجلها ولم تستوعب بعد ما قاله عندما نطق حارث وهو يرمق شقيقه المندهش بنظرات :-
" يشرفني ويسعدني أن أطلب يد الانسة سوزان لشقيقي سامر …."


تعليقات