رواية كبيرهم الفصل السابع
«الاسم اللي اتغيّر... والطفلين اللي ليلى ماتت عشانهم»
الظلام نزل على الطاحونة مرة واحدة...
لكن الجملة الأخيرة فضلت معلقة في المكان:
"لأن أبوك يا آدم... كان عايز يقتلك بنفسه."
ثانية...
اتنين...
ولا نفس اتسمع.
وفجأة اشتعلت الشعلة من جديد.
لكن المرة دي...
الراجل العجوز ما كانش واقف في مكانه.
كان قريب من آدم.
قريب لدرجة إن آدم قدر يشوف التجاعيد اللي رسمتها السنين على وشه...
ويشوف في عينيه خوف مش خوف واحد بيقول حقيقة.
كان خوف واحد عارف إنه لو قال الكلمة الغلط...
الماضي كله هينفجر في وشه.
آدم بص له بثبات.
آدم .. إنت كدبت.
الرجل ابتسم.
الرجل .. عرفت منين؟
آدم .. لأن أمي لو كانت خايفة من أبويا... ما كانتش كتبت تحذر جابر من تسليمي للرجل اللي طلبني.
الرجل سكت.
آدم قرب خطوة.
آدم .. أمي كانت بتهرب بيا منه... مش بتهرب بيا لأجله.
جابر رفع عينه فجأة.
وكأن آدم لمس أول خيط في الحقيقة.
رائد بص لجابر.
رائد .. سيبه يتكلم.
جابر .. رائد...
رائد .. المرة دي لأ.
صوته كان هادي...
لكن الهدوء نفسه كان مرعب.
رائد .. عشرين سنة وأنا بسمع إن كل حاجة حصلت عشان الحماية.
بص للرجل العجوز.
رائد .. دلوقتي عايز أعرف مين كان بيحمي مين؟
الرجل لم يرد.
لجين تقدمت.
لجين .. وأنا؟
الرجل بص لها.
لجين .. كل الكلام ده عن آدم...
ثم وضعت إيدها على صدرها.
لجين .. وأنا ليه اسمي موجود في نفس الورقة؟
الرجل تنهد.
الرجل .. لأنك كنتِ الجزء اللي ليلى ما قدرتش تسيبه.
لجين .. يعني أنا بنتها؟
الصمت نزل من جديد.
سالم غمض عينه.
ورائد بص له.
رائد .. جاوبها.
سالم فتح عينه ببطء.
سالم .. لأ.
لجين اتراجعت.
سالم .. لجين مش بنت ليلى.
لجين أخذت نفسًا مرتجفًا.
لجين .. أمال مين أمي؟
سالم بص لجابر.
جابر ما ردش.
لجين .. كل مرة حد يبص للتاني!
صوتها اتكسر.
لجين .. أنا تعبت من إني أبقى آخر واحدة تعرف أنا مين!
آدم بص لها.
ولأول مرة من بداية الليلة...
حس إن وجعها قريب من وجعه.
آدم .. مش إنتِ لوحدك.
لجين بصت له.
آدم .. إحنا الاتنين اتربينا على أسماء مش كاملة.
الرجل العجوز قال بهدوء:
الرجل .. لأن ليلى كانت عارفة إن لو اتعرفت هويتكم الحقيقية... هتتقتلوا قبل ما تكبروا.
رائد .. هويتنا؟
الرجل .. أيوه.
ثم أشار لآدم.
الرجل .. آدم مش ابن جابر.
آدم .. دي عرفناها.
الرجل .. ومش اسمه الحقيقي آدم.
آدم رفع رأسه.
جابر شد قبضته.
آدم بص له.
آدم .. اسمي الحقيقي إيه؟
جابر سكت.
الرجل أخرج ورقة صغيرة من جيبه.
الرجل .. اسمه اللي اتولد بيه...
ثم توقف.
الرجل .. آدم عبدالرحيم.
الصمت ضرب المكان.
آدم كرر الاسم كأنه بيسمعه لأول مرة:
آدم .. عبدالرحيم؟
رائد بص لسالم.
رائد .. تعرف الاسم ده؟
سالم لم يرد.
آدم .. سالم؟
سالم .. أيوه.
آدم .. أبويا اسمه عبدالرحيم؟
سالم هز رأسه ببطء.
سالم .. أبوك الحقيقي اسمه عبدالرحيم.
جابر أغمض عينه.
وكأن الاسم وحده رجعه عشرين سنة لورا.
آدم قرب منه.
آدم .. وإنت كنت تعرف.
جابر .. أيوه.
آدم .. وكنت عارف إن اسمي آدم عبدالرحيم؟
جابر .. أيوه.
آدم ضحك ضحكة قصيرة موجوعة.
آدم .. يعني حتى الاسم اللي عشت بيه... كان ناقص.
جابر .. أنا ما غيرتش اسمك عشان أسرق منك أبوك.
آدم .. أمال؟
جابر .. غيرته عشان أدفن اسم عبدالرحيم.
آدم .. ليه؟
جابر رفع عينه.
جابر .. لأن عبدالرحيم كان مطلوب.
رائد .. مطلوب من مين؟
جابر .. من الناس اللي كانوا بيدوروا على كل واحد له علاقة بالورقة.
الرجل العجوز تدخل:
الرجل .. وعبدالرحيم كان أهم اسم فيها.
آدم .. ليه؟
الرجل .. لأنه عرف الحقيقة.
رائد .. حقيقة إيه؟
الرجل .. إن اللي حصل بين النجار والسالمي ما بدأش بخلاف على أرض.
ثم بص لجابر.
الرجل .. بدأ بطفلين.
لجين شهقت.
لجين .. طفلين؟
الرجل .. آدم...
ثم نظر إليها.
الرجل .. وإنتِ.
لجين .. أنا مين؟
الرجل .. اسمك وقتها كان لجين بنت حسان.
رائد اتغيرت ملامحه.
رائد .. حسان؟
سالم بص لرائد.
رائد .. إنت تعرفه؟
سالم .. كان راجل من رجالة أبوك.
رائد .. أبوي كان يعرفه؟
سالم .. أكتر مما تتخيل.
لجين بصت لرائد.
لجين .. يعني أبويا كان من السالمي؟
سالم .. أيوه.
لجين حطت إيدها على فمها.
لجين .. ومين أمي؟
الرجل سكت.
لجين قربت منه.
لجين .. جاوب.
الرجل .. أمك اسمها سعاد.
لجين اتنفسها وقف.
الرجل أكمل:
الرجل .. ماتت قبل ما رائد ياخدك.
رائد شد فكه.
لجين بصت له.
لجين .. وإنت كنت تعرف؟
رائد .. كنت أعرف إن أمك اسمها سعاد.
لجين .. بس عمرك ما قلتلي.
رائد .. لأن اللي قتلها... كان بيدور عليكِ بعدها.
لجين .. مين قتلها؟
رائد سكت.
لجين صرخت:
لجين .. مين قتل أمي؟!
رائد .. مش دلوقتي.
لجين .. لا!
رائد بص لها.
لجين .. إنت حرمتني من اسمها عشرين سنة.
ثم أشارت إلى آدم.
لجين .. وحرمتني أعرف إني كنت هنا معاه.
ثم عادت تنظر إليه.
لجين .. أنا مش هسمح لك تخبي عني تاني.
رائد فضل ساكت.
وكان واضح إن للمرة الأولى...
لجين خرجت من دور البنت اللي بتنّفذ أوامره.
وبقت واحدة من أصحاب القضية.
آدم بص للورقة.
آدم .. طيب عبدالرحيم حصل له إيه؟
جابر قال:
جابر .. عبدالرحيم ما اتقتلش هنا.
آدم .. عارف.
جابر .. وأنا ما سلمتوش للي قتله.
الرجل العجوز رفع عينه.
الرجل .. دي أول حقيقة كاملة قالها جابر من سنين.
رائد .. أمال سلّمه لمين؟
الرجل .. لواحد كان يقدر يخفيه.
آدم .. يحميه؟
الرجل .. أيوه.
آدم بص لجابر.
آدم .. يعني إنت ما كنتش بتسلّمه للموت؟
جابر .. كنت بسلمه للحياة.
آدم .. وفضلت مخبي ده عني؟
جابر .. لأن لو عرفت إن أبوك عايش... كانوا هيعرفوا إنك إنت ابنه.
آدم سكت.
الرجل قال:
الرجل .. عبدالرحيم خرج من الطاحونة حي.
آدم رفع عينه.
الرجل .. وخرج باسم جديد.
رائد .. عاش؟
الرجل .. أيوه.
رائد قرب منه.
رائد .. فين؟
الرجل .. هنا.
سكت الجميع.
آدم .. هنا فين؟
الرجل أشار لأرض الطاحونة.
الرجل .. في النجع.
رائد .. يعني أبو آدم عاش بينا؟
الرجل .. عاش.
آدم .. وإيه اسمه الجديد؟
الرجل ابتسم.
الرجل .. الاسم ده هو اللي اتدفن.
آدم .. قول.
الرجل .. عبدالرحيم عاش باسم "حسان".
لجين اتراجعت.
لجين .. حسان؟
رائد رفع عينه بسرعة.
رائد .. أبو لجين؟
الرجل لم يرد.
لجين بصت لرائد.
لجين .. يعني أبويا... وأبو آدم...
الرجل قاطعها:
الرجل .. لأ.
الجميع بص له.
الرجل .. هنا الغلطة اللي عيلة النجار والسالمي عاشوا عشرين سنة بسببها.
ثم بص لآدم.
الرجل .. عبدالرحيم أبو آدم.
وبص للجين.
الرجل .. وحسان أبو لجين.
رائد .. طب ليه الاتنين اتجمعوا في نفس الحكاية؟
الرجل .. لأن الاتنين عرفوا السر نفسه.
سالم قال بصوت منخفض:
سالم .. سر الدم.
الرجل هز رأسه.
الرجل .. أيوه.
آدم .. أي دم؟
جابر وقف.
جابر .. دم النجار والسالمي.
ثم نظر إلى آدم ولجين.
جابر .. ودمكم إنتوا.
آدم .. يعني إيه؟
جابر .. يعني إن أبوك وأبوها اكتشفوا إن العيلتين مرتبطين ببعض من زمان.
رائد .. إزاي؟
جابر .. عن طريق امرأة واحدة.
سالم اتغير وجهه.
رائد .. مين؟
جابر بص لسالم.
سالم قال:
سالم .. ليلى.
آدم سكت.
لجين .. ليلى؟
سالم .. ليلى كانت آخر واحدة ماسكة أصل الحكاية.
آدم .. وأمي كانت عارفة؟
جابر .. كانت عارفة كل حاجة.
آدم .. وعشان كده ماتت؟
جابر .. عشان كده اتطاردت.
آدم .. ومين طاردها؟
جابر سكت.
الرجل العجوز قال:
الرجل .. الرجل اللي كان عايز يمحي اسم عبدالرحيم من الدنيا.
رائد .. مين هو؟
الرجل ابتسم.
الرجل .. الشخص اللي جابر سلّم عبدالرحيم ليه.
آدم بص لجابر.
آدم .. يعني الراجل اللي سلمته لأجله...
جابر .. كان بيحاول ينقذه.
آدم .. وبعدها إيه؟
جابر .. عبدالرحيم عاش.
آدم .. وبعدين؟
جابر .. اختفى.
رائد .. اختفى بإرادته؟
جابر .. لأ.
رائد اقترب.
رائد .. اتخطف؟
جابر لم يجب.
آدم .. اتقتل؟
جابر رفع عينه.
جابر .. ما عنديش دليل إنه مات.
الصمت.
الجملة دي كانت أخطر من أي اعتراف.
لأن معناها إن عبدالرحيم...
ممكن يكون عاش.
وممكن يكون لسه عايش.
لكن قبل ما حد يتكلم...
صوت خطوات ظهر في آخر الممر.
خطوة...
ثم خطوة.
الجميع التفت.
صوت رجل خرج من الظلام:
الصوت .. جابر قال الحقيقة.
جابر اتراجع.
جابر .. لأ...
الرجل ظهر ببطء.
وشه كان نصفه مخفي.
لكن صوته...
كان واضحًا.
رائد قرب.
رائد .. إنت مين؟
الرجل قال:
الرجل .. واحد كان موجود يوم خرج عبدالرحيم من الطاحونة.
آدم .. تعرف أبويا؟
الرجل .. أعرفه.
آدم .. فين هو؟
الرجل سكت لحظة.
ثم قال:
الرجل .. آخر مرة شفته فيها...
بص لجابر.
الرجل .. كان بينادي باسم مش اسمه.
آدم .. إيه الاسم؟
الرجل .. حسان.
لجين شهقت.
رائد بص لها.
الرجل أكمل:
الرجل .. وبعدها...
أخذوه.
آدم .. مين؟
الرجل .. نفس الناس اللي قتلوا سعاد.
لجين بدأت تبكي.
رائد قبض إيده.
رائد .. إنت تعرفهم؟
الرجل .. أعرف واحد منهم.
رائد .. مين؟
الرجل بص لجابر.
ثم قال:
الرجل .. كبيرهم.
جابر رفع رأسه.
ناجي .. جابر؟
جابر لم يتحرك.
آدم بص له.
آدم .. مين كبيرهم؟
جابر فتح بقه...
لكن قبل ما يتكلم...
الرجل أخرج صورة قديمة.
حطها على الأرض.
آدم انحنى وأخذها.
كانت الصورة لثلاثة رجال...
واحد منهم عبدالرحيم.
والثاني حسان.
والثالث...
رجل كبير السن.
آدم رفع الصورة.
آدم .. ده مين؟
الرجل قال:
الرجل .. الرجل اللي كان فوق الجميع.
رائد .. اسمه؟
الرجل .. اسمه مكتوب ورا الصورة.
آدم قلب الصورة.
وكان هناك اسم واحد فقط.
"منصور النجار."
ناجي شهق.
رائد بص لجابر.
وسالم أغلق عينه.
أما آدم...
ففضل باصص للاسم.
ثم رفع عينه ببطء.
آدم .. الحاج منصور؟
جابر لم يرد.
آدم .. أبوك يا جابر؟
جابر .. أيوه.
آدم .. يعني جدّي؟
جابر سكت.
الرجل العجوز ابتسم ابتسامة غامضة.
الرجل .. مش جدك وبس يا آدم.
ثم بص للجين.
الرجل .. ولو عايزين تعرفوا ليه ليلى اختارت تحمي الطفلين دول...
لازم تعرفوا الأول...
مين كانت أم آدم الحقيقية؟
آدم اتجمد.
لأن الإجابة كانت المفروض تكون معروفة.
لكن جابر...
لأول مرة...
رفع عينه ناحية سالم.
وسالم قال بصوت مكسور:
سالم .. ليلى ما كانتش أم آدم الوحيدة.
