رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل الثامن 8 بقلم نور محمد


 رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل الثامن 

" لا أرفعه في وجهك يا أمي، بل أضعه حداً بين سيوف حراسك وبين امرأة أنقذت حياة السلطان للتو!"

صوت مالك رج القاعة كلها كأنه زلزال السيف في إيده كان بيعكس نور الشموع، ووقفته قدام نور كانت زي الجبل اللي مستحيل حد يهذه.

السلطانة دولت خاتون عينيها وسعت من الصدمة، وصدرها كان بيعلى وينزل من الغضب اللي بياكل فيها من المنظر ده.

نور كانت مستخبية ورا ضهر مالك ماسكة في قماش عبايته كأنها غريقة ماسكة في طوق نجاة، بس لسانها .. آه من لسانها طلعت راسها من وراه ويصت للسلطانة دولت يرعب ممزوج ببجاحة طفولية:

"أبوة صح وبعدين أفاعي إيه وزواحف إيه يا حاجة ؟ هو إحنا في حديقة الحيوان؟ أنا أصلا عندي فوبيا من السحالي، هترموني لتعابين؟ ده أنا لو شفت صرصار بطلع فوق الدولاب، اتقي الله في شبابي!"

السلطانة دولت برقت كأن حد ضربها على راسها، ويصت لمالك بذهول :

"حاجة ؟ حديقة ؟ ماذا تهذي هذه المعتوهة ؟ مالك! إنها لا تجيد حتى التحدث بلغة نفهمها ! أهذه هي مستشارتك؟"

مالك جز على سناته، ورفع إيده الثانية ورجع نور لورا بحدة من غير ما يبصلها:

" قلت لك الزمي الصمت أيتها الكارثة !"

نور کشرت وربعت إيديها: "سكتنا ! أدينا سكتنا .. بس خليها تبعد الحراس بتوعها دول عشان أنا أعصابي باظت وممكن يجيلي سكر!"

السلطانة الأم شاورت للحراس ينزلوا سيوفهم، وخطت خطوة بثقة وغرور قدام مالك

عينيها بتطق شرار

"حسناً يا سلطان الزمان أتريدها مستشارة ؟ تحميها بسيفك من غضب أمك؟ لك ذلك... ولكن منصب المستشار ليس توباً نلبسه لجواري الأسواق. إن كانت تملك العقل الذي تدعيه. فلتتبت ذلك أمام مجلس السلاطين"

مالك ضيق عينيه بشك وصرامة :

" وماذا تقصدين ؟"

ابتسمت دولت ابتسامة صفرا تخوف: "غداً سيصل وقد مملكة قفجاق" للمطالبة بالجزية. السنوية التي ترفض أنت دفعها، وقد هددونا بالحرب إن لم ندفع. إن كانت مستشارتك بهذه العبقرية فلتجلس غداً في المجلس، ولتجد حلاً لوفد قفجاق دون أن ندفع قطعة ذهب واحدة، ودون أن تقع نقطة دم في حرب.. وإن فشلت؟"

عينيها راحت لنور بنظرة شرسة:

ترمى في بئر الأفاعي.. وبأمرك أنت شخصياً يا مالك كعقاب لتدخلها في شؤون الدولة !"

نور شهقت و ضربت على صدرها بخضة

" يا لهوي قفجاق مين وجزية إيه ؟ هو أنا وزيرة المالية ؟ إنتي بتدبسيني في قضايا دولية ليه يا طنط ؟ مالي أنا ومال القبايل دي ؟"

مالك قاطعها بصوت حاسم، وعينيه في عين أمه بثبات وتحدي:

"قبلنا التحدي !"

نور لفت لمالك بصدمة، بؤها مفتوح شيرين

"نعم يا أخويا ؟ قبلت إيه؟ إنت بتراهن عليا في ماتش كورة ؟ أنا معرفش قفجاق دول بيطلعوا إيه أصلاً!"

مالك متكلمش نص كلمة سحب سيفه رجعه لغمده بقوة، ومسك إيد نور بقبضة فولاذية كأنها كماشة، وسحبها وراه وهو خارج من القاعة بخطوات واسعة سريعة.

"براحة إيدي إيدي يا سلطان الفستان تقيل وهتكعيل على وشي" نور كانت بتجري وراه بخطوات متقطعة وسط نظرات الذهول والرعب من كل الوزراء والفرسان اللي في القاعة.

أول ما دخلوا الجناح الملكي، مالك زق الباب برجله قفله بعنف، ولف لنور اللي كانت بتنهج وتظبط فستانها اللي اتبهدل.

هل تدركين حجم الكارثة التي أوقعت نفسك فيها بلسانك هذا ؟" صوته كان هادي بس مرعب، وعروق رقبته نافرة.

نور حطت إيدها في وسطها ورفعت راسها بتحدى مبتبطلش تكابر بيه

"أنا اللي أوقعت نفسي ولا أمك اللي بتوزع تذاكر مجانية لبئر التعابين ؟ وبعدين إنت إزاي توافق على التحدي ده؟ أنا مالي أنا بحروب قفجاق وجزية وتخطيط استراتيجي ؟ أنا.. أنا

اخري أخطط ازاي أفاصل مع بياع القوطة !"

مالك عقد حواجبه باستغراب شديد من كلامها اللي نصه طلاسم بالنسبة له :

"قوطة ؟ ما هذا الهراء؟ استمعي إلى جيداً أيتها العنيدة، لقد تحديث السلطانة الأم أمام الجميع لحمايتك. إن لم تثبتي جدارتك غداً، فلن أستطيع منعهم من تنفيذ العقاب دون أن أثير فتنة في المجلس !"

نور حست بالخطر بجد ملامحها هديت شوية وقالت بجدية :

" يعني إيه ؟ يعني لو معرفتش أحل المشكلة دي هترموني بجد للتعابين؟"

مالك قرب منها ببطء، ملامحه الصارمة لانت ثانية واحدة، وبص في عينيها العسلية اللي بتلمع بالخوف رغم البجاحة المعتادة:

" لن أسمح لمخلوق أن يمس شعرة منك.. ولكنك يجب أن تساعديني الأساعدك، ألم تقولي أنك امرأة مستقلة ولا تريدين أن تكوني جارية ؟ هذه فرصتك لتكوني سيدة في هذا القصر بهابها الجميع.. حتى السلطانة."

نور بلعت ريقها.. كلامه كان بيوترها وبيطمنها في نفس الوقت. نظرة عينيه فيها سحر بيخليها تنسى هي فين أصلا، نفضت أفكارها بسرعة وقالت:

"طيب.. وقد قفجاق دول عاوزين إيه بالظبط ؟"

مالك اتنهد وقعد على كرسي خشب ضخم وشاورلها تقعد قدامه:

" إنهم قبائل همجية جشعة، يريدون نصف محصولنا من القمح وعشرة آلاف قطعة ذهبية سنويا. إن رفضنا، سيحرقون القرى الحدودية والمجلس يضغط على للموافقة لتجنب

الحرب، لكني أرفض الخضوع أو دفع جزية لأحد"

نور سندت دقنها على إيديها، بجديه والتفكير السريع والفهلوة المصرية اشتغلت فوراً:

" همج وبلطجية يعنى.. ماشى وبيحبوا الدهب.. طب ما تدفعولهم ذهب بس مش دهب !"

مالك رفع حاجبه باستنكار: "كيف يكون ذهباً وليس بذهب ؟ هل ستسحرين لهم التراب كما اتهمتك السلطانة ؟"

نور ضحكت ضحكة قصيرة واثقة، ورفعت صباعها في وشه

"سحر إيه بس يا عم فكك من جو الدجل ده هو إنتوا متعرفوش الخداع البصري؟ أو الاقتصاد المزيف ؟ إحنا هنديهم الدهب اللى هما عاوزينه بس هيطلعوا من عندنا وهما بيشتموا في نفسهم إنهم جم! سيبلي الطلعة دي، بس ليا شرط!"

مالك ملامحه اتغيرت لفضول شدید ممزوج بإعجاب خفي بطريقتها الغربية في حل الأزمات، وقام وقف قدامها

"شرط؟ تتشرطين وراءك بئر من الأفاعي؟ قولي ما لديك "

نور برقت عينيها بأمل: "لو حليت المصيبة دي.. تديني حصان وشوية زاد وتسيبني أخرج من القصر أدور على طريق يرجعني أهلي وناسي ؟"

مالك فكه اتصلب فوراً، نظرة غامضة عدت في عينيه، خطى خطوة قفل المسافة بينه

وبينها، وقال ببرود قاتل وهو باصص لشفايفها المزمومة :

"كل شيء.. إلا رحيلك"

نور كشرت بغيظ وضربت الأرض برجلها: "إنت ظالم ومستبد على فكرة ! طب هحلها إزاي بقى لو مفيش حافز؟"

ابتسم مالك ببرود ومكر، وسابها ومشي ناحية الباب الداخلي لجناحه الخاص:

" الحافز هو ألا تلتهمك الأفاعي غداً نامي الآن.. فغداً يوم طويل في مجلس السلاطين يا مستشارتي."

سابها مالك وقفل الباب وراه نور قعدت على السرير تنفخ بضيق وتكلم نفسها :

"مستبد بس مز.. يا ربي ! أعمل إيه في الورطة دي؟ اقتصاد إيه اللي هعمله في عصر ميعرفوش فيه غير السيف ؟ ربنا يستر وميطلعوش بيفهموا في الدهب !"

فضلت نور تتقلب في السرير الفخم لحد ما نامت من التعب والتفكير في نص الليل والشموع مطفية والقصر هادي تماماً، حست بهوا ساقع جداً بيضرب في وشها، فتحت عينيها ببطء، لقت شباك الجناح العالي مفتوح على آخره والستاير بتطير.

قامت تتسحب عشان تقفله وهي بتفرك عينيها، وفجأة.. سمعت صوت خطوات خفيفة جداً وراها.

قبل ما تلف حست بحاجة صلبة وباردة جداً بتتحط على رقبتها .. نصل خنجر بيلمع في الضلمة !

وصوت أجش ومخيف بيهمس في ودنها من ورا:

" السلطانة الأم تبعث لك تحياتها.. الموت الليلة أرحم من فضيحة الغد!"

نور جمدت مكانها، وعينيها وسعت برعب، والنفس وقف في صدرها ... ووو

تعليقات