رواية نعيم الجهل الفصل الثامن 8 بقلم حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل الثامن 

 
ــ هي اللي طلبت مني أجيلها..
وقالتلي أستناها.. ولما قربت منها..
هي اللي كانت عايزة ده..

ــ والله يا كاهان أنا ما عملت حاجة..
هو اللي حاول يقرب مني.. وأنا منعته..

نظر كاهان إلى الشاب بغضب.. وقال بحدة:
ــ إنت قليل الأدب ولازم تتربى..
ويبدو إن تربيتك كانت من نصيبي..

الشاب بعصبيه:
ــ إنت إيه؟ ما بتسمعش؟! بقولك هي اللي 
طلبت مني أجيلها بعد ما الطلاب يخرجوا!

ردت يمنى بسرعة:
ــ إنت كداب! أنا ما طلبتش منك حاجة.. 
هو اللي ظهر قدامي فجأة وحاول يتحــ ــرش بيا!

اندفع كاهان نحوه وضــ ـربه بعــ ــنف..
ثـــــم التفــــت إلـــــى يمنـــى:
ــ انتي مش مضطرة تدافعي عن نفسك.. 
أنــــا مصدقـــــك...

ثم عاد إليه.. وأمسكه من ملابسه:
ــ وإنت.. الإيد اللي حاولت تتمد..
عليها دي هكســـ ــــرهالك..

ظل يضــ ــربه حتى سقط الشاب أرض..
بعدمــا كســـ ـــر ذراعه بالفعل...

اقترب أحد الدكاتره بسرعة.. وقال بصرامة:
ــ سيبه يا كاهان! يا أمن... خدوه بره..

التفت إلي كاهان واكمل:
ــ اللي عملته ده غلط؟!

اشتد غضب كاهان:
ــ يعني اللي عمله هو صح؟!

نظر إليه الطبيب بثبات:
ــ غلطـه ما يبررش غلطك...

ثم غادر دون أن يضيف كلمة أخر..

كاهان.. اتجه إلى يمنى واقترب منها:
ــ انتي كويسة؟ عملك حاجة؟

هزت رأسها وهي تحاول استيعاب ما حدث:
ــ لا.. إنت جيت في الوقت المناسب..
بس ليه ضـــ ــربته بالشكل ده؟

نظر إليها كاهان بثبات:
ــ عشان الإيد اللي تتمد عليكي..
     لازم تتكســــ ـــــر..
عشان ما تفكرش تترفع مرة تانية..

لمعت عين يمنى بالدموع:
ــ والله يا كاهان.. أنا ما غلط..
هو بقاله فترة بيضايقني..

قاطعها كاهان..
ومسح دموعها بابتسامة هادئة:
ــ عمرك سمعتي عن ملاك بيغلط؟

نظرت إليه وسط دموعها:
ــ يعني... إنت مصدقني؟

كاهان ابتسم لها:
ــ أنا أول ما ببص في عينيكــــي..
ما بكونش محتاجك تتكلمــــي..
عشان أصدقك.. عينيكي ما بتعرفش تكذب..
لانها شفافة.. بتظهـــر كــــل اللي جــــواكي..
مــــن غيــــر أي كـــــلام...

         « تـــــوقفت الـــــذكرى فجـــــأة »

وعادت يمنى إلى واقعها..
كأنها كانت في مكان بعيد..
ثم سحبت منه دفعة واحدة..
ظلت تحدق أمامها للحظات..

صدى كلماته القديمة ما زال محفورا في قلبها..
تنهدت بألم.. وانسابت دمعة على خدها:
ــ ليـــه مــا صـــدقتنيش؟

سكتت للحظة.. ثم همست بوجع:
ــ ليه بعدتني عنك... وعن ابني؟

وضعت يدها على قلبها..
وكأنها تحاول إخفاء الوجع:
ــ إنــت كنـــت بتصــــدقني..
من غير حتى ما أدافع عن نفسي..
ليه المرة دي ما صدقتنيش؟

يرن هاتفه.. نظرت إلى الشاشة...
وما إن رأت رقم المتصل حتى أجابت بلهفة:
ــ أنــا بترجــاك.. اديني ابني...
وأنا هختفي من حياتكم للأبد...

جاءها صوته ببرود:
ــ انسي الطلب ده..
شوفي لو ناقصك حاجة..
قوليلي أبعتها لك...

شهقت يمنى.. وانكسر صوتها:
ــ روحي هي اللي ناقصاني..
وإنتي مش عــايز تدهـــالي..
أرجــوك... أنــا بمـــ ـوت هنا...

ساد الصمت للحظات..

ثم أُغلق الهاتف في وجهها..
ظلت يمنى تحدق في الشاشة بصدمة..
قبـــل أن تصلها رســــالة جديدة..
فتحتها بيد مرتجفة.. كان مقطع فيديو..
ضغطت عليه.. فتجمدت مكانها..

ظهر ابنها أمامها.. يركض ويلعب ويضحك..
وكأن شيئا في هذا العالم لم يمسه..

اقتربت يمنى من الشاشة.. وانهمرت دموعها:
ــ ابني...

وضعت الهاتف على صدرها..
وأغمضت عينيها وهي تبكي..
ضحكته ما زالت تتردد في أذنها..

                   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                 « فــــــــي المستشفـــــى »

وقفت الممرضة أمام قدر..
ومدت يدها إليها بصورة:
ــ اتفضلي يا فندم..

نظرت قدر إلى الصورة باستغراب:
ــ إيه دي؟

الممرضه:
ــ الصورة دي كانت في هدوم..
المريض اللي حضرتك جبتيه.. اتفضلي..

أخذت قدر الصورة.. ثم سألت بقلق:
ــ هو عامل إيه دلوقتي؟

الممرضه:
ــ هو في العمليــ ـــات..
الدكتور هيطمنك عليه..
أول ما يخرج.. عن إذنك..

ابتسمت قدر ابتسامة خفيفة:
ــ اتفضلي...

غــادرت الممرضة..
وجلست قدر على أقرب مقعد..
وظلت تنظر إلى الصورة بين يديها..
كان يظهر فيها شاب وفتاة..
يقفان بجوار بعضهما بوجوه ضاحكة..
قلبت قدر الصورة.. فتوقفت عيناها..

عند جملة مكتوبة على ظهرها:
« حبيبي الغالي »

ثم رفعت عينيها نحو باب..
غـــرفـة العمليــــ ـــات..
وقد بدأ سؤال واحد يلح عليها:
ــ ميــــن دول؟

                    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

             «بعـــــد مـــــــرور أســـــــابيع»

في غرفة مريم وباهر القديمة..
حيث كان يتشاركانها في صغرهم..
جلست مريم وسط ألعابهم القديمة..
تتأمل كل شيء حولها وكأنها تبحث..
بين الذكريات عن أخيها..

مدت يدها والتقطت..حصان خشبي صغيرا..
كان باهر يحبه كثيرا..ابتسمت ابتسامة باهتة..
وقالت بصوت مكســ ــور:
ــ باهر كان بيحب الحصان ده أوي..
كان دايما يقولي.. أنا لما أكبر هكون أسرع منه..

سكتت لحظة..

وضمت اللعبة إلى صدرها:
ــ بس المرض حرمه..
من حاجات كتير كان نفسه يعملها...

رفعت عينيها..
فوجدت كاهان واقف عند الباب:
ــ تفتكر القدر هيحرمني منه..
زي ما حرمه من أحلامه؟

اقترب كاهان منها ببطء.. وجلس أمامها..
نظر إلى الحصان بين يديها.. ثم قال بثبات:
ــ هيرجع.. صدقيني.. باهر هيرجع..

نظرت إليه مريم بصمت..

فابتسم كاهان ابتسامة صغيرة..
وأشار بعينيه إلى باب الغرفة:
ــ وهيدخل من الباب ده تاني..

ثم تابع.. وكأنه يحاول رسم المشهد أمامها:
ــ وهيقولك.. يلا يا مريم.. نروح السينما..
ونبدأ نعمل ذكريات جديدة.. بدل القديمة.. 
اللي مش عايزة تطلعي منها دي..

ضحكت مريم ضحكة قصيرة..
اختلطت بدموعها.. ثم هزت رأسها..
وردت عليه بنفس الطريقة التي كانت..
تــــرد بهــــــا علــــى بـــــاهر:
ــ بس يا بـــارد.. آه بس لو تعرف..
قيمة الذكريات القديمة..
وإنها جزء مني.. ومنك..

سكتت لحظة..

ونظرت إلى الحصان بين يديها:
ــ وذكرياتنا مش حاجة أقدر أنساها..
دي حاجــــات اتعـــــاشت مـــرة..
ومينفعش تتكرر ولا تتنسي بالنسبالي..

ظل كاهان ينظر إليها.. سكت لحظة..
وقال بصوت هادئ وثقيل:
ــ عارف إن في ذكريات لو حاولنا ننساها..
بنكون بنقتـ ــــل جزء من نفسنا بإيدينا..

اقترب منها خطوة..
وأضاف بنبرة أكثر حسما:
ــ بس اسمعيني يا مريم..
الذكريات دي مش هتكون..
آخر حاجة سابهالنا باهر..

توقف قليلا.. وكأن الكلمة التالية..
أثقل عليه من أن يقولها:
ــ هو مش ذكرى..
باهر لسه عايش.. ولسه ليه مكان هنا..

ثم نظر إلى الباب بثبات.. وقال:
ــ وأنا مهما طال غيابه..
مش هسمح للغياب ياخد مكانه..

عاد بنظره إليها:
ــ فإنتي متنسيش ذكرياتك..
بس إياكي تعيشي فيها كأن باهر مش راجع..

صمت لحظة..

قبل أن يقول بصوت خافت.. لكنه أكثر وجعا:
ــ لأني لسه مستنيه.. ومش مستعد أدفنـــ ــه..
وهو لسه مفيش بين إيدينا دليل إنه راح...

نظرت له مريم..
بعينين ممتلئتين بالدموع.. ثم قالت بهدوء:
ــ وأنا كمان... مش هبطل أستناه..

لمح كاهان رباب واقفة خلف الباب..
فثبتت عيناه عليها للحظــــــة..
قبل أن يلتفت إلى مريم بابتسامة صغيرة:
ــ تقدري تشوفي حمزة وقت ما تحبي..
بس من غير مغامراتكم اللي بتكون..
نهايتها مصايب.. فاهمة طبعا...

اتسعت عينا مريم بدهشة..
وكأنها لم تستوعب ما سمعته:
ــ بجد يا كاهان؟!

لكنه لم يمنحها فرصة لإكمال سؤالها..
اكتفى بابتسامــــة صغيــــــره..
ثم اتجه إلى الباب وخـــــرج..
وبمجرد أن ابتعد عن الغرفة..

وقعت عيناه على رباب.. توقف أمامها لحظة...
ثم قال بصرامه:
ــ وانتي... تعالي معايا..

أمسك كاهان بذراعها..
وأدخلها إلى الغرفة الأخرى..
ثم أغلق الباب خلفهم.. استدار إليها..

وكانت ملامحه جامدة بشكل مخيف:
ــ لو عرفت إنك كنتي تعرفي حاجة عن باهر..
 وخبيتيها عليا.. المرة دي هنسى إنك أخت تيمور..
وهتعامل معاكي بطريقة تخليكي تندمي..
إنك عرفتيني في يوم من الايام..

ضــ ـربته رباب في صدره بوجع..
والـــدموع تمـــــلأ عينيهــــا:
ــ ياريتك ما كنت دخلت حياتنا..
ولا كان تيمور حبك للدرجة اللي خلته..
يضحي بروحه عشانك..

ثم ابتعدت عنه خطوة.. وقالت بمرارة:
ــ وأخوك؟ أنا ماعرفش عنه حاجة...
حدق بها كاهان للحظات..

قبل أن يقول بصوت مكتوم بالغضب:
ــ عايزني أصدقك؟ بعد ما خلتيني..
ألف عشر أيام على أخويا زي المجنــ ـون..
وهو كان باعتلك رسالة بصوته بيقول فيها..
إنه بخير.. بس عايز يبعد فترة.. وإنه هيرجع تاني؟

رفعت رباب عينيها إليه..
وقالت ببرود يخفي وجعا عميقا:
ــ خبيت الرسالة عنك..
عشان كنت عايزة أتفرج عليك..
وإنت بتتعـ ــذب.. وتحس شوية باللي أنا حسيته..

اقترب منها كاهان.. فتابعت دون أن تتراجع:
ــ وبعدين.. أنا ما طلبتش منك تصدقني..

وأشارت إلى هاتفها الذي أصبح في يده:
ــ مش إنت واخد تليفوني؟

ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة:
ــ لو أخوك اتواصل بيا تاني..
إنت اللي هتعرف.. مش أنا..

كاهان ينظر إليها.. 
ثم اقترب منها حتى أصبح صوته همس باردا:
ــ خليكي فاكرة يا رباب..
أنا مش هحاسبك على اللي عملتيه..
عشان تنتقــ ــمي مني..

توقف لحظة.. وعيناه لم تفارقا عينيها:
ــ هحاسبك عليه... لو كان ثمنه باهر..

ثم فتح الباب.. وخرج دون كلمة أخرى..
تارك ربـــــاب واقفـــــة مكانهــــــا..
ظلت كلماته الأخيرة تتردد في رأسها..


تعليقات