رواية كيفك انت الفصل الثامن 8 بقلم مياده يوسف الذغندي


 

رواية كيفك انت الفصل الثامن 

عند يحيى...

أغلق يحيى الهاتف بعد مكالمته مع عامر، وظل واقفًا للحظات شارد الذهن.

تنهد بعمق، ثم اتجه إلى المطبخ.

فتح أحد الأدراج، وأخرج فنجانه المفضل، ثم وضع ملعقة من القهوة، وسكب عليها الماء المغلي ببطء.

وفي أثناء ذلك، أمسك هاتفه، وضغط على إحدى الأغنيات.

وانساب صوت فيروز الهادئ في أرجاء الشقة...

"كيفك إنت... ملا إنت..."

ابتسم يحيى دون أن يشعر.

يحيى (في سره): كل مرة أسمع الأغنية دي... أفتكرها.

حمل فنجان القهوة، واتجه إلى شرفة الشقة المطلة على النيل.

وقف يتأمل المياه وهي تعكس أشعة الشمس، بينما كانت نسمات الهواء تداعب وجهه.

فتح هاتفه، ودخل إلى اسم زهرة.

تردد لثوانٍ...

ثم ابتسم وضغط على زر الاتصال.

رن الهاتف...

مرة...

اثنتين...

ثلاث مرات...

عقد يحيى حاجبيه.

يحيى (في سره): غريبة... دي أول مرة تتأخر كده.

استمر الهاتف في الرنين...

وفي اللحظة الأخيرة...

جاءه صوتها.

زهرة: ...ألو.

ساد الصمت بينهما لثوانٍ.

شعر يحيى أن شيئًا ما ليس على ما يرام.

كان صوتها ضعيفًا... وكأنها خرجت للتو من نوبة بكاء.

حاول أن يتحدث بشكل طبيعي.

يحيى: إزيك يا زهرة؟

أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوت حاولت أن يبدو ثابتًا:

زهرة: الحمد لله... إنت عامل إيه؟

ابتسم ابتسامة خفيفة.

يحيى: أنا كويس... بس إنتِ مش كويسة.

ارتبكت زهرة.

زهرة: ليه بتقول كده؟

يحيى: علشان أنا حافظ صوتك.

سكت لحظة، ثم أكمل بهدوء:

يحيى: إنتِ كنتِ بتعيطي.

أغمضت زهرة عينيها بقوة، ومسحت دموعها سريعًا.

زهرة: لا... أبدًا.

ابتسم يحيى بحزن.

يحيى: لو هتضحكي عليا، اضحكي على أي حد غيري. أنا أعرف صوتك أكتر ما أعرف صوتي.

شعرت زهرة أن كلماتها خانتها.

لم تستطع الرد.

فسألها مرة أخرى، وقد بدأ القلق يتسلل إلى صوته.

يحيى: حصل إيه؟

ترددت كثيرًا...

كانت تريد أن تخبره بكل شيء.

أن تقول له إن والدته جاءت اليوم، وطلبت يدها لإبراهيم.

لكنها خافت...

خافت أن يترك دراسته ويعود.

وخافت أن تشتعل الخلافات بينه وبين زوجه ابيه بسببها.

ابتلعت غصتها، وقالت بصعوبة:

زهرة: مفيش... شوية ضغط من المذاكرة بس.

لم يقتنع يحيى.

رفع فنجان القهوة إلى شفتيه، ثم أعاده مرة أخرى دون أن يرتشف منه.

يحيى: زهرة...

زهرة: نعم؟

يحيى: أنا يمكن بعيد عنك بمسافة... لكن عمري ما بعدت عن إحساسي بيكي. ولما أقولك إنك زعلانة، يبقى متأكد.

انهمرت دموع زهرة من جديد.

أغلقت فمها بيدها حتى لا يسمع شهقتها.

أما يحيى...

فشعر أن قلبه ينقبض بقوة.

وأدرك أن هناك شيئًا كبيرًا حدث...

لكنها تخفيه عنه.

مر شهر...
عند إبراهيم...
كان إبراهيم يجلس في صالة المنزل، وأمامه حقيبة سفره المفتوحة، يراجع أوراقه وجواز سفره قبل موعد عودته إلى الخليج.
رفع رأسه نحو والدته التي كانت شاردة تمامًا، وكأن عقلها في مكان آخر.
إبراهيم: يعني... لسه مردتيش عليا؟ أنا خلاص إجازتي خلصت، ولازم أروح أحجز السفر.
لم ترد نعمات.
كانت تنظر أمامها، وعيناها تمتلئان بالغضب.
نعمات (في سرها): آه يا زهرة... رفضتي ابني؟! ماشي... والله ما أخليكي تندمي. وبكرة أجيبك البيت ده، وأخليكي تعرفي يعني إيه تكسري كلمة نعمات.
لوح إبراهيم بيده أمام وجهها.
إبراهيم: ماما... يا ماما... أنا بكلمك. رحتي فين؟
انتبهت نعمات من شرودها، ثم نظرت إليه.
نعمات: ها؟ هنا... هكون فين يعني؟
إبراهيم: بسألك... أعمل إيه؟ أستنى شوية ولا أحجز وأسافر؟
تنهدت نعمات، ثم قالت بثقة:
نعمات: إنت سافر عادي... ومتشغلش بالك. وأنا هخلص الموضوع هنا.
نظر إليها إبراهيم باستغراب.
إبراهيم: هتخلصيه إزاي؟
ابتسمت نعمات ابتسامة غامضة.
نعمات: سيبها عليا... أنا عارفة بعمل إيه.
ظل إبراهيم ينظر إليها للحظات، ثم هز رأسه في حيرة.
إبراهيم: ربنا يقدم اللي فيه الخير.
أما نعمات...
فكانت تبتسم في هدوء، بينما داخلها كان يمتلئ بالإصرار.
نعمات (في سرها): استني يا زهرة... لسه اللعبة ما بدأتش.
مر شهرين كمان...
وجت إجازة نص السنة.
عند زهرة...
كانت قاعدة في أوضتها، والهدوء مالي المكان، ومافيش غير صوت فيروز خارج من سماعة الموبايل.
"كيفك إنت... ملا إنت..."
أغمضت زهرة عينيها، وابتسمت ابتسامة كلها شوق.
دي كانت الأغنية المفضلة ليها وليحيى، وكل مرة يسمعوها كانوا يفتكروا بعض.
فتحت محادثة يحيى، وفضلت تقرأ الرسايل القديمة وهي تبتسم، لحد ما وقفت عند رسالة كان باعتها ليها من كام شهر.
"خلي بالك من نفسك."
لمست الشاشة بأطراف صوابعها وهمست.
زهرة: وحشتني قوي يا يحيى.
وفجأة...
لمعت فكرة في دماغها.
اعتدلت في قعدتها، وابتسامة واسعة ظهرت على وشها.
زهرة (في سرها): إيه رأيك أروح له القاهرة وأعمله مفاجأة؟
لكن ابتسامتها اختفت بسرعة.
زهرة (في سرها): بس هروح إزاي؟ لو قولت لماما أكيد هترفض.
فضلت تفكر شوية...
وفجأة ضربت كف بكف.
زهرة: لقيتها.
مسكت موبايلها واتصلت بصاحبتها ريم.
ريم: ألو... يا بنتي وحشتيني.
زهرة: وإنتِ أكتر.
ريم: خير... شكلك مخبية حاجة.
ضحكت زهرة.
زهرة: إيه رأيك نطلع رحلة للقاهرة؟ خان الخليلي والحسين ونقضي اليوم هناك.
تحمست ريم.
ريم: الله... نفسي أروح من زمان.
ابتسمت زهرة بخبث.
زهرة: وإحنا هناك... إنتِ كملي اللف مع البنات، وأنا هروح أزور يحيى ساعة وأرجع قبل ما حد ياخد باله.
شهقت ريم.
ريم: إنتِ اتجننتي؟!
ضحكت زهرة.
زهرة: يمكن شوية.
ريم: ولو مامتك عرفت؟
زهرة: مش هتعرف... هنقول إننا كنا مع بعض طول الوقت.
سكتت ريم لحظة، ثم قالت:
ريم: إنتِ بتحبيه أوي كده؟
ابتسمت زهرة، ودمعة لمعت في عينيها.
زهرة: أنا بقالي شهور مستنية أشوفه... نفسي أشوف فرحته لما يلاقيني قدامه من غير ما يكون متوقع.
ابتسمت ريم هي الأخرى.
ريم: خلاص... سيبيها عليا. هكلم ماما، وإنتِ كلمي خالتك... ولو وافقوا، تبقى الرحلة تمت.
قفزت زهرة من مكانها من شدة الفرحة.
زهرة: بجد يا ريم؟
ريم: بجد... بس ادعي الأول يوافقوا.
أنهت زهرة المكالمة مع ريم، ثم فتحت درج مكتبها ببطء.
أخرجت صورة صغيرة قديمة...
كانت الصورة ليحيى يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة، يقف مبتسمًا بجوار الحاج محمود، بينما الجميع يبارك له دخوله كلية الطب.
مررت أصابعها على الصورة برفق، وابتسمت رغم الدموع التي لمعت في عينيها.
زهرة (بهمس): وحشتني يا يحيى... أوي.
أعادت الصورة إلى مكانها بحرص، ثم أغلقت الدرج.
وقفت أمام نافذة غرفتها، تنظر إلى السماء وهي تبتسم.
زهرة (في سرها): استنى يا يحيى... المرة دي أنا اللي هاجيلك... وهعملك مفاجأة عمرك ما هتنساها.
بقلم ميادةيوسف الذغندى 
في منزل صفية...
وقفت زهرة أمام والدتها وهي تحاول أن تبدو هادئة.
زهرة: ماما... ممكن أقولك على حاجة؟
رفعت صفية رأسها وقالت:
صفية: قولي يا بنتي.
جلست زهرة بجوارها.
زهرة: البنات عاملين رحلة للقاهرة في نص السنة. هنروح خان الخليلي والحسين، ونرجع آخر النهار. ريم هتكون معايا، وكذا بنت من الكلية.
نظرت إليها صفية بتردد.
صفية: يعني هتسافروا القاهرة وترجعوا في نفس اليوم؟
زهرة: أيوه يا ماما... دي رحلة يوم واحد بس، وكلنا مع بعض.
سكتت صفية قليلًا، ثم قالت:
صفية: وأنا هطمن عليكي إزاي؟
ابتسمت زهرة وهي تمسك يدها.
زهرة: كل ما نقف في مكان هكلمك من التليفون العمومي وأطمنك، ووعد مني مش هسيب البنات.
ظلت صفية تنظر إليها للحظات.
كانت ترى أن ابنتها تغيرت في الشهور الأخيرة، وأصبحت قليلة الضحك كثيرة الشرود.
تنهدت وقالت:
صفية: خلاص يا زهرة... روحي غيري جو. بس أوعديني تفضلي مع البنات طول الوقت.
ابتسمت زهرة بفرحة كبيرة، واحتضنت والدتها.
زهرة: أوعدك يا ماما... ربنا يخليكي ليا.
يوم الرحلة...
منذ الصباح الباكر، تجمع الجميع أمام الأتوبيس.
كانت البنات في غاية السعادة، وكل واحدة تحمل حقيبة صغيرة وبعض المأكولات.
ركبت زهرة بجوار ريم، وانطلق الأتوبيس في طريقه إلى القاهرة.
طوال الطريق كانت الضحكات تملأ المكان، بينما كانت زهرة تنظر من نافذة الأتوبيس، وقلبها يسبقها إلى القاهرة.
كانت كلما اقتربت المدينة، ازداد خفقان قلبها.
زهرة (في سرها): يا ترى هيبقى عامل إيه لما يشوفني؟ أكيد مش هيتوقع أبدًا إني أكون قدامه.
بعد ساعات...
وصل الأتوبيس إلى خان الخليلي.
امتلأت الشوارع بالحركة، والمحلات القديمة، ورائحة القهوة الشرقية، وصوت الباعة وهم ينادون على بضاعتهم.
بدأت البنات يتجولن بين الأزقة، يضحكن ويشترين الهدايا التذكارية.
أما زهرة...
فكانت تنظر إلى ساعة يدها بين الحين والآخر.
تنتظر اللحظة المناسبة...
التي ستنفصل فيها عن البنات...
لتذهب إلى يحيى...
وتحقق المفاجأة التي حلمت بها منذ شهور.
في خان الخليلي...
كانت البنات يتجولن بين المحلات القديمة، وكل واحدة منشغلة بشراء الهدايا التذكارية.
تبادلت زهرة النظرات مع ريم، فابتسمت لها ريم ابتسامة صغيرة، ثم غمزت لها وكأنها تقول: يلا... دي فرصتك.
ابتسمت زهرة في امتنان.
اقتربت ريم من باقي البنات وقالت بحماس:
ريم: يا بنات... تعالى شوفوا المحل ده، عنده شغل نحاس تحفة.
انشغلت البنات بالدخول إلى المحل.
أما زهرة...
فتراجعت بهدوء عدة خطوات، ثم استدارت بسرعة، وخرجت من الزحام.
وقفت على أول الشارع، وأوقفت تاكسي.
زهرة: لو سمحت... على العنوان ده.
ناولت السائق ورقة صغيرة كانت تخفيها داخل محفظتها، مكتوبًا عليها عنوان شقة يحيى، الذي كانت قد دونته منذ فترة بعدما وصفه لها في إحدى مكالماته.
انطلق التاكسي في شوارع القاهرة.
كانت زهرة تنظر من النافذة، لكن عقلها كان مع يحيى.
زهرة (في سرها): يا ترى هيعمل إيه لما يفتح الباب ويلاقيني قدامه؟ أكيد مش هيصدق.
بعد دقائق...
توقف التاكسي أمام العمارة.
دفعت الأجرة، ونزلت وهي تنظر إلى المبنى بابتسامة واسعة.
زهرة (في سرها): هي دي...
البقالة اللي في أول الشارع...
الشجرة الكبيرة اللي قدام العمارة...
حتى الشرفة اللي كان بيقول لي إنها بتطل على النيل.
كل حاجة زي ما وصفها لي.
دخلت العمارة بخطوات مترددة.
ثم بدأت تصعد السلم بسرعة، غير عابئة بتعبها.
كان قلبها يخفق بعنف، وكلما صعدت درجة، ازداد توترها.
وأخيرًا...
وصلت إلى الطابق الذي يسكن فيه.
وقفت أمام باب الشقة.
تأملت الباب طويلًا، ثم ابتسمت.
زهرة (في سرها): أخيرًا يا يحيى.
وضعت يدها فوق قلبها، تحاول تهدئة دقاته المتسارعة.
أخذت نفسًا عميقًا...
ثم رفعت يدها، وضغطت على جرس الباب.
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم سمعت صوت خطوات تقترب من الداخل.
أدار أحدهم مفتاح الباب...
وانفتح الباب ببطء.
تجمدت زهرة في مكانها..



تعليقات