رواية ألوان مستعاره الفصل الثامن 8 بقلم سها رمضان


 رواية ألوان مستعاره الفصل الثامن 


آيتن كانت قاعدة قدامه في الكافيه، وشها منور بالفرحة، وموبايلها قدامها مليان صور لفرش شقة وعرايس، بتحاول تشركه في كل تفصيلة: "كاسر، بص.. إيه رأيك في اللون ده للصالون؟ حاسة إنه هيليق على ذوقك الهادي، ولا تحب نخليه حاجة أجرأ شوية؟"
​كاسر كان باصص للموبايل، بس عينيه كانت ميتة. هو مش شايف ألوان ولا فرش، هو شايف "سجن" بيتبني طوبة طوبة قدام عينه. اتنهد بصوت مسموع غصب عنه وقال ببرود: "اللي تختاريه يا آيتن.. ذوقك حلو، أنا واثق فيكي."
​آيتن قفلت الموبايل وبصت له بتركيز، ابتسامتها بدأت تبهت شوية وقالت بصوت هادي: "كاسر.. أنت بقالك ساعة بتلف في المعلقة جوه القهوة وهي بردت أصلاً.. وعينك كل شوية بتبص على باب الكافيه، كأنك مستني حد! أنت معايا بجد ولا بتفكر في حاجة تانية؟"
​كاسر اتخض، وحاول يداري ارتباكه بابتسامة صفراء: "أنا؟ لا طبعاً معاكي يا حبيبتي.. بس الصداع ذابحني النهاردة، والشغل في الشركة مبيخلصش، فممكن أكون سرحت شوية."
​آيتن مدت إيدها ولمست إيده بحنية مفرطة: "يا حبيبي بلاش تضغط على نفسك.. أنا موجودة عشان نريح بعض، لو تعبان نمشي؟"
​لمسة إيدها كانت زي الكهربا اللي بتلسعه. هو حاسس إنه خاين، خاين لها وخاين لنفسه، وخاين للحب اللي بيحاول يقتله جوه قلبه. سحب إيده ببطء وبص للشبابيك اللي بره، صوته طلع مخنوق: "أنا كويس.. متقلقيش."
​في اللحظة دي، تليفون كاسر نور على الطرابيزة.. قلبه دق بقوة مبالغ فيها، بلهفة مد إيده يمسك الموبايل، فاكر إنها ممكن تكون رسالة من "حبيبة"، أو أي خبر عنها.. بس الإشعار كان مجرد إيميل شغل.
رمى الموبايل تاني بضيق، ووشه اتغير ملامحه للانكسار والغضب.
​آيتن بقلة حيلة: أنا حاسة إنك في عالم تاني يا كاسر.. عالم أنا مش قادرة أوصلك فيه. لو فيه حاجة مضيقاك، قول لي.. أنا مراتك المستقبلية، لازم نكون سند لبعض.
​كاسر قام وقف فجأة، حاسس إن المكان بقى ضيق، والأكسجين بيخلص: آيتن، أنا بجد آسف.. أنا لازم أمشي، فيه مشوار مهم جداً لازم أخلصه دلوقتي، مش هقدر أكمل.
​آيتن بصت له باستغراب وقلق: مشوار إيه دلوقتي؟
كاسر بيان حاجته : تبع شغل ... قومي يلا عشان اوصلك  
قاموا الاتنين وهي ركبت جمبه في العربيه وزعلانه من أسلوبه أو زعلانه عليه عشان فعلا حياه مضغوط وفيه مشاكل معاه 
طول الطريق كاسر دماغه مش مبطله تفكير وزعلان علي ايتن هي ملهاش اي ذنب في الجحيم دا وللحظه حس انها غلط أنه خطها 
كاسر اتنهد بأسف وحط إيده على إيد آيتن، وبنبرة محاول يخليها طبيعية وهادية:
ـ حقك عليا يا آيتن.. أنا بجد مش في وعيي النهاردة، الصداع مأثر على أعصابي لدرجة إني مش عارف أتكلم عدل.. ومينفعش أسيبك لوحدك في القهوة وأمشي، ده مش من أصولي.
​آيتن بصتله بابتسامة مطمنة: يا حبيبي ولا يهمك، أنا مقدرة ضغط الشغل، المهم تكون بخير.
وكاسر كان سايق بهدوء مريب، عينيه على الطريق بس عقله في حتة تانية خالص، بيفكر في يوسف، وبيفكر في حبيبة.. وبيفكر هو إزاي هيقدر يخلص من "المشوار" ده عشان يرجع يطمن عليها، حتى لو كان طمنوه عليه هو اللي هيدمره.
​آيتن كانت بتدردش معاه في العربية، وكاسر بيهز راسه بـ "آه" و"تمام" من غير ما يكون سامع حرف، لحد ما وصل قدام بيت أهلها.
​كاسر وقف العربية، وآيتن بصتله بقلق: "كاسر.. أنت متأكد إنك هتبقى كويس؟
كاسر بص لعينيها، حس بذنب أكبر، وقال بصوت واطي: "أيوة يا آيتن.. هبقى كويس، نامي وارتاحي، وهبقى أطمن عليكي الصبح.
​آيتن نزلت من العربية، وكاسر استنى لحد ما دخلت البيت، وفجأة، أول ما الباب اتقفل وراها، ضرب بإيده على الدريكسيون بقوة، صرخ صرخة مكتومة:
ـ أنا ليه بعمل في نفسي كدة؟! ليه كل ما أحاول أبعد، بلف وأرجع لنفس النقطة؟
​في اللحظة دي، تليفونه رن.. كان طارق، صاحبه.
كاسر رد بصوت مشحون بالغضب: ألو.. يا طارق، أنا لازم ألاقي طريقة.. لازم أعرف هي عاملة إيه، أنا مش قادر أتنفس، حاسس إنها بتموت هناك في بيته!
​طارق من الناحية التانية صوته كان حاد: اسمع يا كاسر، أنت لو رحت هناك أو قربت من بيت يوسف، أنت بتدمر كل حاجة.. يوسف مش سهل، ولو شم خبر إنك بتدور وراها، هيحول حياتها لجحيم أكبر. اصبر يا ابني، خلينا في حل يبعدك عن حبيبه والتفكير فيها تخليك تحب خطيبتك 
​كاسر قفل السكة في وشه، وبص لبيت أهل آيتن، ولقى عربية يوسف واقفة من بعيد... 
ففكر بأمل : معقوله حبيبه هتكون جوا ؟
مطولش تفكيره ونزل بسرعه من العربيه واتجه ناحيه الفيلا ودق بابا الجرس 
فتح يوسف واول ما شافه افتكر كل حاجه بالتفاصيل وشه في ثواني كان بيطلع نار 
كاسر بتمثيل وضحكله : ازيك ي يوسف عامل اي ؟
يوسف بصله بنفس الرياكشينات وسلم عليه ودخلوا مع بعض 
كاسر بضحك : انا لما شوفت عربيتك قولت لازم اسلم عليك 
يوسف قعد حاطط رجل على رجل، : فيك الخير والله فضل بيراقب كاسر وهو عمال يلف بعينيه في كل ركن في الصالة، نظراته كانت مفضوحة ومستفزة ليوسف. يوسف بابتسامة صفراء وريق تقيل:
ـ بتدور على إيه يا كاسر؟ العفش جديد؟ ولا فيه حاجة تانية بتدور عليها في البيت؟
​كاسر اتخض، بس حاول يتماسك:
ـ لا أبداً.. كنت بس بشوف البيت، ما شاء الله ذوقه عالي.
​يوسف ضحك ضحكة مكتومة،  وقال بتلقيح:
ـ آه طبعاً.. ده ذوقه عالي جداً، لدرجة إنه بيفتكر تفاصيل مكنش المفروض يفتكرها.. مش كدة يا كاسر؟
​كاسر اتجاهل التلقيح وبدأ يركز في الطرقات اللي بتودي للأوض، بيحاول يلقط أي صوت، أي حركة، بس الصمت كان سيد الموقف. دخل أبوه ماجد وقعدوا مع بعض، والجو كان تقيل ومشدود. يوسف كان متنح لكاسر، عينيه ما فارقتش وشه ولا لحظة، زي ما يكون بيحاول يقرأ أفكاره ويفضحه.
​بعد وقت، نزلت آيتن من فوق وامها كانت معاها كانت مغيره هدومها ولما شافته في البيت، وشها نور بفرحة حقيقية. قعدت جنبه، وبدأوا يتكلموا ويضحكوا. يوسف صمم إنه يتعشى معاهم، وكاسر قبل عشان يفضل موجود في البيت، يمكن يلمح حبيبة أو يعرف طريقها.
​بعد العشا، آيتن مسكت إيد كاسر: تعالى نتمشى شوية في الجنينة، الجو جميل.
كاسر بإحراج وبص ل ماجد ويوسف 
ماجد فهم : براحتك ي ابني البيت بيتك 
​في الجنينة، كاسر بدأ يمثل دور الخطيب المحب جداً، بيضحك آيتن وبيهزر معاها، وعينه في نفس الوقت بتفحص شبابيك الدور الفوقاني.
كاسر بهدوء مصطنع: على فكرة.. كنت قلقان لما سمعت إن حبيبة تعبت يوم الخطوبه هي عاملة إيه دلوقتي؟ مش شايفها يعني؟
​آيتن بابتسامة طبيعية: حبيبة؟ لا يا حبيبي، مش هنا خالص..
​كاسر قلبه دق بجنون: أه.. فهمت. طب هي.. هي كويسة؟ واه صحيح هي حامل ولا إيه؟
​آيتن ضحكت: حامل؟ لا خالص! كان مجرد هبوط وتعب بسيط من فرحة اليوم والتوتر، الدكتور قال مفيش أي حمل.
​كلمة مفيش حمل نزلت على قلب كاسر زي المطر في عز الصيف. حس إن فيه أمل، إنها لسه بتاعته بالمعنى اللي في خياله، وإن قيود يوسف عليها مش رباط مقدس زي ما كان فاكر.
​قضى وقت طويل وهو بيحاول يستدرج آيتن في الكلام، لحد ما الوقت اتأخر وقرر يمشي. ودع آيتن ببرود، وركب عربيته وطلع على بيته وهو غرقان في أفكاره وأوهامه.
رجعت ايتن الفيلا وهي مبسوطه جدا وكان موجود يوسف بس اول ما شافها شاورها تجيله 
ايتن قعدت قصاده 
يوسف بابتسامه : انتي مبسوطه ي ايتن 
ايتن بفرح : اه اوي اوي اوي يا يوسف 
يوسف بقلق : يعني كاسر كويس ... وبيعاملك كويس 
ايتن : اه متقلقش احنا تماام اوي ... في حاجه ولا اي ي يوسف 
يوسف : ي حبيبتي لا ... انا بس بطمن عليكي 
ايتن بابتسامه : متقلقش ي حبيبي هو زي الفل وانا مرتاحه معاه ... دا حتي بيحبكم موت 
يوسف ابتسم وبص في الأرض وهي كملت : وبيحفظ تفاصيلكم ... انت متخيل أنه كمان واخد بالو من حبيبه مراتك 
هنا يوسف برق والدم جري في عروقه 
يوسف بغضب مكتوم : يعني اي ؟
ايتن بابتسامه : سال علي صحتها عشان لما اغمي عليها في الخطوبه... وسأل لو فيه حمل ولا لا كمان 
يوسف برق اكتر : ؛وانتي قولتيله اي ؟
ايتن استغربت رده فعله: اي دا مال وشك ... قولتله مفيش حمل وهي كانت مرهقه مش اكتر ... في اي ي يوسف 
يوسف كان بيحاول يمسك أعصابه بالعافية، عروق رقبته كانت باينة من كتر الضغط على نفسه عشان ميخوفش آيتن، وعينيه بقت نظرتها مرعبة ومظلمة، كأنها بتخطط لشيء ملهوش رجعة.
​يوسف بص لآيتن، ابتسم ابتسامة باهتة ومصطنعة وقال بصوت هادي بشكل مريب:
ـ لا يا حبيبتي، مفيش حاجة.. أنا بس اتفاجئت، أصل كاسر ده راجل غريب الأطوار شوية، وسؤاله عن حمل حبيبة ده يعتبر تدخل في خصوصيات مكنتش متوقع إنه يتجرأ عليها.. بس ولا يهمك، أنا هبقى أفهمه إن دي أمور خاصة بينا وبس.
​آيتن اطمنت للرد: كنت خايفة أكون ضايقتك بكلامي.. أنا قولتلك عشان بس تعرف إنه مهتم بيكم زي ما بيهتم بيا.
​يوسف هز راسه بـ "آه" وهو جواه نار قايدة: طبعاً.. طبعاً مهتم جداً
​آيتن قامت عشان تدخل أوضتها، ويوسف فضل قاعد مكانه، ملامحه اتغيرت تماماً للجمود. قبض على إيده بقوة لدرجة إن مفاصله بيضت. اتكلم مع نفسه بصوت مسموع ومخنوق:
ـ بتسأل على حملها يا كاسر؟ ده أنت جيت الموت برجلك.. فاكرني مغفل؟ فاكرني مش عارف أنت بتدور على إيه؟ قسماً بالله ما أنا سايبك يا كاسر.. أنت اللي حفرت قبرك بإيدك!
...................................................................................
كاسر وصل و​أول ما فتح باب بيته، وقف متسمر في مكانه.
​أمه كانت قاعدة في الصالة، ضاربة كف بكف، وشها مقلوب ومحتقن بالغضب، وعينيها بتطق شرار وهي بصاله. الصمت كان مرعب، وصوت دقات قلبه كان مسموع في الأوضة.
​أمه قامت وقفت بصوت تقيل ومبحوح:
ـ كنت فين يا كاسر؟
​كاسر بجمود: كنت عند خطيبتي يا أمي، إيه المشكلة؟
​أمه قربت منه خطوة، وصوتها علي:
ـ خطيبتك؟! أنت فاكرني عبيطة؟ أنا عرفت كل حاجة.. عرفت اللي بتعمله، وعرفت إنك لسه معلق قلبك باللي اسمها حبيبة.. وعرفت البلاوي اللي بتعملها من ورا آيتن وأهلها! أنت فاكر إنك بتلعب بالنار ومحدش هيحس؟ ده إنت خربت سمعتنا وسمعة البنت اللي خطبتها دي.. أنت عارف يوسف جوزها ده ممكن يعمل فيك إيه لو عرف؟
​كاسر بصلها بذهول: عرفتي إيه؟ ومين قالك الكلام ده؟
​أمه بصتله بقرف: هو دا اللي هامك..  اسمع يا كاسر.. أنا مش هسيبك تدمر حياتك وتدمرنا معاك.... مش عايز البنت سيبها حرام عليك .... عايزها يبقي لازم تنسي حبيبه دي خالص ... ي ابني دي واحده متجوزه حرام وعيب كدا ... انساها ي ابني حرام عليك 

كاسر كان بيتحرك في أوضته زي الأسد المحبوس في قفص، شعره منكوش، وعنيه بتلمع ببريق غريب، مش بريق طبيعي.. كان بريق "هوس". وقف فجأة قدام أمه، وضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي بهجة، ضحكة كلها مرارة وجنون.
​ـ "أنسى؟ أنسى إيه يا أمي؟ أنسى دمي اللي بيجري في عروقها؟ إنتي فاكرة الجواز ده إيه؟ ورقة؟ كلمة؟ يوسف ده دخل حياتها بالصدفة، سرق وقتها وظروفها، بس هي بتاعتي.. بتاعتي أنا!"
​أمه حطت إيدها على قلبها، صوتها كان بيترعش من كتر الخوف عليه:
ـ "يا ابني دي متجوزة! بقت في بيت راجل تاني، لها حقوق عليه وليها واجبات.. كفاية كفاية يا كاسر، هتدمر نفسك وتدمرنا."
​كاسر قرب منها، وبص لها بحدة، وبدأ يتكلم بسرعة، كأنه بيحاول يقنع نفسه مش بس يقنعها:
ـ "حقوق إيه؟ الجواز ده غلطة.. غلطة وهتتصلح! هي حبيبة، ملكي أنا، روحها مربوطة بروحي. حتى لو هي مش عارفة، أنا عارف.. أنا حاسس بيها في كل لحظة. يوسف ده ولا حاجة، مجرد طيف بيحاول يغطي على الشمس، بس الشمس في الآخر دايماً بتطلع."
​أمه مسكت دراعه، بتحاول تهزه عشان يفوق:
ـ "فوق يا كاسر، فوق لنفسك! يمكن هي فرحانة، يمكن لقت حياتها معاه وبدأت تعيش يومها وتنسى كل اللي فات.. يمكن هي دلوقتي بتضحك، وبتخطط لمستقبلها معاه، وأنت اللي غرقان في أوهامك وبتضيع عمرك!"
​كاسر سكت لحظة، ملامحه اتجمدت، وبص للحيطة بشرود، وكأنه بيسمع صوت جوا دماغه، وبعدين هز راسه بعنف، وعيونه بدأت تغرورق بالدموع، بس دموع "مجنون" مش دموع ندم:
​ـ "لا.. لا يا أمي، كدابة! قلبها مش بيضحك.. أنا عارف! قلبي مش حاسس بكدة خالص، قلبي حاسس بوجعها.. حاسس بوجعها وهي بتنادي عليا في صمتها. لو كانت فرحانة، كنت أنا هحس.. كان قلبي هيطمن! بس قلبي بيحترق، بيحترق كل ما أتخيلها معاه."
​بص لأمه بابتسامة مرعبة ومغمضة عينيه:
ـ "هي مش فرحانة يا أمي.. هي محبوسة، هي بتستغيث بيا.. حتى لو هي مش قادرة تنطق، أنا سامع صوتها.. سامع صرخة روحها وهي بتنادي "كاسر".. وأنا مش هسيبها. يوسف فاكر إنه يمتلكها؟ لا.. هي بتاعتي، وسترجع لي، حتى لو هحرق الدنيا دي كلها عشان أوصلها!"
​أمه انهارت بتبكي على حال ابنها اللي ضاع منه، وهو سابها وراح وقف قدام المراية، بيكلم انعكاسه، وكأنه بيشوف حبيبة قدامه، بيمسح على المراية بأطراف صوابعه بحنان مريض، ومكمل هزيانه:
ـ "استنيني يا حبيبة.. استنيني، أنا اللي هاجي أحررك من الوهم ده.. أنا اللي هرجعك لبيتك الحقيقي.. في قلبي.
​كان بيتكلم وكأنه بيخاطب شبح، غير مدرك تماماً إن "الحقيقة" اللي بيحاول يوصلها، هي اللي بتدمر حياتها وحياته.. هو في عالم تاني، عالم بناه في دماغه، عالم فيه حبيبة بانتظاره، والحقيقة بعيدة عنه كل البعد.
أمه من خوفها عليه اتصلت علي طارق وممرش كتير وقت وكان وصل الفيلا 
في اللحظة اللي دخل فيها طارق، كان كاسر واقف في نص الأوضة، عيونه محمرة وجاحظة، ورييقه ناشف وكأنه سكران أو فاقد للوعي. أول ما شاف طارق، صرخته هزت جدران البيت:
​ـ "إنت! إنت اللي قولت لها؟ إنت اللي بتفتن عليا؟ فاكر إنك هتقدر تمنعني؟ والله ما مخلوق على وجه الأرض يقدر يحط حاجز بيني وبين حبيبة.. دي بتاعتي أنا، ملكي، وهتخلف مني أنا.. ومحدش في الكون ده هيلمسها ولا يقرب منها غيري!"
​طارق وقف زي الحيطة، عيونه كانت بتلمع بالغضب والقلق، زعق فيه بصوت جهوري:
ـ "افهم يا حمار.. فوق لنفسك! دي متجوزة! عارف يعني إيه متجوزة؟ يعني في ذمة راجل تاني، شوية وقت وهنشوف ابنها منه.. حبيبة خلصت يا كاسر، ارحم نفسك وارحمنا!"
​كلمة "ابنها منه" كانت هي القشة اللي قصمت ظهر البعير. كاسر اتجنن تماماً، وجهه احتقن بالدم وصرخ صرخة وحش مفترس، واندفع زي الثور الهايج، نزل بلكنة قوية ومباشرة في وش طارق. طارق رجع لورا خطوة، بس مسك توازنه بسرعة.
​كاسر مكنش بيضرب، كان "بينهش" في الهواء، ملامحه كانت متوحشة، عيونه مش شايفة قدامه غير "وهم". طارق حاول يمسكه ويثبته، لكن كاسر كان في حالة هياج غير طبيعي، قوته كانت مضاعفة. وقعوا هما الاتنين على السرير، وبدأوا عراك بدائي، كاسر بيحاول يطبق إيده على رقبة طارق، وطارق بيحاول يصد ضرباته العشوائية.
​كاسر كان بيصرخ بجنون:
ـ "متقولش كدا تاني.. دي بتاعتي! محدش هيلمسها.. محدش هيلمسها!"
​الوضع كان مرعب.. الأم واقفة بتصرخ وبتلطم وشها، والدم نزل من طارق اللي كان بيحاول بس يسيطر على "الوحش" اللي قدامه. طارق وهو بيتحرك وسط الضربات، لمح "فازة" كريستال تقيلة على الكومودينو جنب السرير. في لحظة إدراك لخطورة الموقف، وبحركة سريعة ومحسوبة، طارق مد إيده وأمسك الفازة ونزل بيها بقوة على جانب رأس كاسر.
​صوت "الارتطام" كان مكتوم، وكاسر فجأة.. جسمه ارتخى تماماً. سقط كاسر فوق طارق، والهدوء نزل على الغرفة كأنه طعنة في القلب. الأم صرخت بجنون:
ـ كاسر!! انت عملت اي ي طارق ؟ ابني 
​طارق زق جسم كاسر بضعف وقام وقف، بينهج بعنف وبيمسح الدم من على شفته:
ـ اهدي يا خالتي.. اهدي،. أنا ضربته عشان يغمى عليه.. كاسر مش طبيعي، العيون دي مش عيون بني آدم صاحي، أكيد واخد حاجة.. هو مكنش واعي لأي حاجة بيعملها!
​بسرعة البرق، طارق ما استناش لحظة. شال كاسر "الخامد على كتفه، ونزل بيه على السلم، والأم بتجري وراهم وهي بتدعي وتصرخ. طارق رماه في الكنبة الخلفية للعربية، وساق بأقصى سرعة ممكنة وهو بيحاول يداري رعب الأم:
ـ "اطمني يا خالتي.. هنوصل المستشفى دلوقتي، وهما هيتصرفوا، كاسر هيخف.. لازم يخف من الجنون ده!"
​في الطريق، كاسر كان مرمي زي الجثة، والدم بيسيل من رأسه، مش حاسس باللي عمله ولا اللي هيواجهه في المستشفى، لكن طارق كان حاسس إن حياتهم كلها اتغيرت في الساعة دي، وإن "حبيبة" بقت هي اللعنة اللي هتدمر الكل.
ساق بسرعه للمستشفي واول ما وصلو جري علي الترولي 
والتمريض ساعده وحطه كاسر علي السرير وجريوا ليه علي الطوارئ
وعمالوله الغيارات اللازمه 
كاسر بدأ يفتح عينه ببطء، الضوء كان بيوجع عينه والدوخة مسيطرة عليه، حاسس إن دماغه بتضرب بـ شاكوش. كان متعلق له محاليل في دراعه، والضمادة البيضاء الكبيرة مغطية جرح رأسه.
​أمه كانت قاعدة جنبه، منهارة من العياط ومسكت إيده بتبوسها وبتقول بصوت مخنوق: "يا ضنايا يا كاسر.. الحمد لله إنك رجعتلي يا ابني، خضيتني عليك يا نور عيني."
​طارق كان واقف، ملامحه كلها ندم، انحنى وباس راس كاسر وقال بصوت واطي: "حقك عليا يا صاحبي.. غصب عني والله."
​كاسر بص لطارق باستغراب، وبعدين بص لأمه، وبدأ يستوعب مكانه، سأل بصوت تعبان ومبحوح: "هو.. هو أنا إيه اللي وصلني للحالة دي؟ واتخبطت الخبطة دي إزاي؟ أنا مش فاكر حاجة.."
​سكت طارق وسكتت الأم، الصدمة كانت لسه مسيطرة عليهم؛ مش قادرين يصدقوا إنه مش فاكر "الجنون" اللي عمله، ولا الوش اللي اتحول فيه لوحش.
​قبل ما حد يرد، دخل الدكتور وطمنهم على حالته، وبعدين بص لطارق وقال له: "ممكن يا أستاذ طارق تيجي معايا دقيقة بره؟"
​بره الأوضة، الدكتور بصله بجدية وسأله: "بقولك إيه يا أستاذ، المريض ده بيتعاطى أي حاجة؟ مخدرات؟ كحول؟"
​طارق رد بثقة واستغراب: "أنت بتقول إيه يا دكتور؟ كاسر ده رياضي جداً، ده مهووس بالتمرين والأكل الصحي، حتى السجاير مبيجيش جنبها! أكيد التحاليل فيها غلط أو حضرتك فاهم غلط."
​الدكتور هز راسه بالنفي وبصله بحدة: "أنا مش فاهم غلط.. التحاليل اللي قدامي واضحة وصريحة. اللي ظاهر قدامي دلوقتي إن جسمه مليان مهدئات بكميات كبيرة جداً، جرعات لا يتحملها جسم بني آدم. المهدئات دي هي اللي مسبباله حالة الهيجان العصبي دي، وهي اللي موصلاه لمرحلة الهلاوس.. ده خطر جداً على حياته يا أستاذ طارق."
​طارق رجع لورا خطوة، ودماغه لفت.. يعني كل اللي حصل، وكل الجنون اللي شافه في كاسر، كان بسبب حبوب؟ كل ده كان مفعول المهدئات؟!

طارق وقف مكانه، زي ما يكون مية ساقعة اتدلقوا عليه. مش قادر يصدق، كاسر الصاحب الجدع اللي طول عمره رياضي وصحته بحديد، يوصل بيه الحال إنه يدمن مهدئات وتوديه في داهية؟
​بص للدكتور بصدمة وصوت مهزوز: "يا دكتور، إنت بتقول إيه؟ ، ده حياته كلها تمرين ونظام، إزاي يوصل للحال ده؟ إنت متأكد؟
​الدكتور هز راسه بأسف وقرب منه: التحاليل قدامك أهي يا أستاذ طارق. المهدئات دي هي اللي كانت بتلعب في كيميا مخه، هي اللي كانت بتخليه يتخيل حاجات مش موجودة ويتحول لوحش كاسر بالشكل ده. هو محتاج يتسحب منه السم ده في مصحة متخصصة فوراً، ومحتاج علاج نفسي كمان عشان يتخلص من الهلاوس دي، وإلا حياته في خطر.
​طارق دخل الأوضة ببطء، حاسس إن رجله تقيلة كأنها حديد. بص لكاسر اللي كان نايم ووشه شاحب، والأم قاعدة بتعيط جنبه وبتدعي ربنا. طارق حس بوجع في قلبه، هو اللي كان بيحاول يهديه، طلع بيزود عليه من غير ما يحس.
​كاسر فتح عينه ببطء، شاف طارق داخل عليه، وبصوت ضعيف وبحّة تعب قال: طارق.. هو في إيه؟ الدكاترة بيقولوا إيه؟ أنا ليه حاسس إني تقيل كده ومفيش في جسمي حيل؟
​طارق بص لأم كاسر، وغمزلها بعينه إنها تهدا، وقعد جنب كاسر ومسك إيده وقال بصوت واطي: كاسر.. إحنا محتاجين نتكلم بصراحة. الدكاترة عملوا تحاليل ولقوا في جسمك كمية مهدئات قوية جداً.. يا كاسر المهدئات دي هي اللي كانت بتخليك تشوف حبيبة في كل حتة، وهي اللي كانت بتسوقك للجنون والعنف ده.
​كاسر اتنح، بصلّه بذهول، ودموعه بدأت تنزل بصمت، وبعدين ضحك ضحكة وجع مريرة: مهدئات؟ يعني أنا كنت مجنون عشان مهدئات؟ طيب قولي يا طارق.. هو أنا لو مكنتش باخد المهدئات دي، كنت هعرف أنساها؟ ولا الجنون اللي جوايا ده كان هيفضل محرقني من غير أدوية؟
​طارق مسك إيده بقوة: يا صاحبي، اللي إنت فيه ده مرض. أنت محتاج تعالج نفسك عشان تقدر تعيش، مش عشان تنسى حبيبة.. عشان تعرف تعيش حياتك من تاني، وتفكك من يوسف ومن اللعبة اللي بتدمرنا كلنا دي.
​كاسر غمض عينه بضعف، وسكت.. السكوت ده كان معناه إنه بدأ يدرك المصيبة اللي هو فيها،



تعليقات