رواية كبيرهم الفصل الثامن
«سر الدم... والمرأة اللي اتدفنت الحقيقة معاها»
— ليلى ما كانتش أم آدم الوحيدة...
الكلمة وقعت على المكان كأنها طلقة.
آدم فضل واقف مكانه.
عينيه ثبتت على سالم، لكن ملامحه كانت بتتغير واحدة واحدة.
مش لأنه فهم...
لكن لأنه لأول مرة حس إن كل إجابة كان بيدور عليها...
كانت مخبية ورا سؤال أكبر.
آدم .. يعني إيه أمي ما كانتش أمي الوحيدة؟
سالم ما ردش.
آدم قرب منه.
آدم .. أنا بسألك.
سالم رفع عينه له.
سالم .. ليلى كانت أمك... وده عمره ما هيتغير.
آدم .. بس قلت إنها ما كانتش الوحيدة.
سالم تنهد.
سالم .. لأن في واحدة تانية كانت مرتبطة بيك قبل ما تتولد.
جابر شد قبضته.
رائد لاحظ الحركة.
رائد .. جابر... إنت عارف.
جابر .. عارف إيه؟
رائد .. عارف مين المرأة التانية.
جابر سكت.
رائد قرب منه.
رائد .. كل مرة بنوصل لنقطة معينة، بتسكت.
ثم أشار ناحية آدم.
رائد .. الراجل ده عاش عشرين سنة باسم مش اسمه...
وأشار للجين.
رائد .. والبنت دي اتربت وهي مش عارفة أبوها ولا أمها...
ثم ضرب بإيده على صدره.
رائد .. وأنا عشت عشرين سنة وأنا فاكر إن أبويا اختفى عشان النجار خد منه كل حاجة.
صوته بدأ يعلى.
رائد .. طلع الموضوع أكبر من أرض!
سالم بص له.
سالم .. لأن الأرض كانت آخر حاجة في الحكاية يا رائد.
رائد .. أمال إيه أولها؟
سالم .. الدم.
الصمت رجع تاني.
آدم بص لجابر.
آدم .. قولولي بقى.
جابر ما ردش.
آدم .. إيه سر الدم؟
جابر رفع عينه.
جابر .. زمان... قبل ما سالم يبقى غريب عن النجع...
كان فيه نسب قديم بين عيلة النجار وعيلة سالم.
رائد .. نسب؟
جابر .. أيوه.
رائد .. إزاي؟
جابر .. منصور النجار... أبويا... كان عنده أخ واحد.
سالم اتحرك فجأة.
سالم .. مش أخوه.
جابر بص له.
سالم .. نص الحقيقة بس.
رائد .. كمل.
سالم .. منصور كان عنده أخ من الأم.
جابر سكت.
سالم .. والراجل ده كان اسمه حسان.
لجين اتجمدت.
لجين .. حسان؟
آدم بص لها.
لجين .. أبويا اسمه حسان.
سالم .. أيوه.
لجين قربت خطوة.
لجين .. يعني أبويا كان أخو الحاج منصور؟
جابر هز رأسه.
جابر .. لأ.
لجين .. أمال إيه؟
جابر .. حسان كان ابن أم منصور... لكن أبوه كان من عيلة تانية.
رائد .. عيلة سالم؟
سالم .. أيوه.
لجين حطت إيدها على بوقها.
لجين .. يعني أنا...
الرجل العجوز قاطعها.
الرجل .. إنتِ بنت الراجل اللي كان رابط بين العيلتين.
لجين .. يعني دمي نجار وسالمي؟
جابر .. أيوه.
الكلمة نزلت على لجين بثقل.
سنين كاملة عاشتها وهي بتسمع إن السالمي أعداء النجار.
طلع دمها...
من الاتنين.
لكن آدم كان لسه واقف مكانه.
آدم .. وأنا؟
جابر بص له.
آدم .. أنا دمي إيه؟
جابر سكت.
آدم صرخ:
آدم .. أنا دمي إيه يا جابر؟!
جابر .. دمك نجار...
ثم توقف.
جابر .. ودمك سالم.
رائد اتقدم.
رائد .. إزاي؟
سالم رد:
سالم .. لأن ليلى كانت هي نقطة الوصل.
آدم .. أمي؟
سالم .. أيوه.
آدم .. إزاي؟
سالم .. ليلى كانت من نسل العيلتين.
آدم اتراجع خطوة.
آدم .. يعني أمي كانت نجار وسالمي؟
جابر .. أيوه.
آدم .. وعبدالرحيم؟
جابر .. عبدالرحيم عرف ده.
رائد .. وحسان عرف.
سالم .. وأنا عرفت.
رائد .. وإنتوا كلكم خبيتوا؟
جابر .. لأن لو السر خرج وقتها...
الرجل العجوز أكمل:
الرجل .. كان هيوقع العيلتين في بعض.
رائد .. سر نسب يعمل كل ده؟
الرجل .. مش سر نسب وبس.
ثم بص لآدم ولجين.
الرجل .. كان فيه سبب تاني.
آدم .. إيه؟
الرجل .. الورثة.
رائد قطب جبينه.
رائد .. ورثة إيه؟
جابر .. ورثة الأرض القديمة.
رائد .. أرض مين؟
جابر .. أرض كانت باسم واحد مات من سنين.
سالم .. الأرض اللي تحتها السجل القديم.
آدم .. سجل إيه؟
سالم .. سجل يثبت إن جزء كبير من أملاك النجار...
اتاخد بطريقة غير شرعية.
رائد ابتسم بمرارة.
رائد .. يعني أبويا كان عنده حق؟
جابر .. سالم ما كانش صاحب الأرض كلها.
رائد .. بس كان ليه حق فيها.
جابر سكت.
رائد .. جاوب.
جابر .. أيوه.
رائد ضحك.
رائد .. عشرين سنة.
ثم بص لسالم.
رائد .. عشرين سنة وأنا فاكر إن أبويا راح بسبب طمع النجار.
سالم .. أبوك اختفى لأنه رفض يبيع الحقيقة.
رائد .. وإنت؟
سالم .. أنا هربت.
رائد .. وسيبتني؟
سالم ما ردش.
رائد .. سيبتني لوحدي؟
سالم .. كنت بحاول أحميك.
رائد .. كل اللي بيحموني بيختفوا يا أبويا!
الصوت اتكسر للحظة.
لكن رائد رجع يخفي ضعفه بسرعة.
رائد .. دلوقتي فهمت.
آدم .. فهمت إيه؟
رائد بص له.
رائد .. ليه أبويا كان عايزني أكره النجار.
ثم أضاف:
رائد .. وليه إنت عايز تعرف كل ده.
آدم .. أنا مش عايز أنتقم.
رائد .. لسه.
آدم .. لأ.
ثم نظر لجابر.
آدم .. أنا عايز أعرف ليه أمي ماتت.
الصمت.
آدم .. وليه أبويا اختفى.
ثم بص للجين.
آدم .. وليه هي اتربت من غير أهل.
لجين بصت له.
لأول مرة ما كانش بينهم صراع.
كان فيه وجع واحد.
آدم .. إحنا الاتنين دفعنا تمن سر مش بتاعنا.
لجين .. وإحنا لسه بندفع.
جابر اقترب منهم.
جابر .. عشان كده لازم تعرفوا آخر جزء.
آدم .. إيه؟
جابر .. ليلى ما ماتتش وهي بتحاول تحمي آدم لوحده.
لجين رفعت رأسها.
جابر .. كانت بتحمي طفلين.
رائد .. آدم ولجين.
جابر .. أيوه.
لجين .. بس أنا مش بنتها.
جابر .. لأ.
آدم .. أمال ليه كانت بتحميني أنا وهي؟
جابر نظر إلى سالم.
سالم قال:
سالم .. لأن أبو لجين... حسان... كان صاحب أمانة عند ليلى.
لجين .. أمانة إيه؟
سالم .. كان عارف إن في ناس هتقتل أي طفل له علاقة بالسر.
لجين .. فسلمني لمين؟
رائد .. ليا.
لجين بصت له.
رائد .. أبوكي سلّمني إياكي قبل ما يختفي.
لجين .. يعني إنت كنت عارف إن أبويا كان عايزني أعيش؟
رائد .. أيوه.
لجين .. وكنت عارف إن ليلى كانت بتحميني؟
رائد سكت.
لجين صرخت:
لجين .. كنت عارف؟!
رائد .. كنت عارف جزء.
لجين .. والجزء التاني؟
رائد .. إن ليلى كانت بتخبيكي عن نفس الناس اللي كانوا بيدوروا على آدم.
آدم .. ليه؟
سالم .. لأنهم كانوا فاكرين إن الطفلين لو كبروا...
توقف.
آدم .. لو كبرنا إيه؟
سالم .. هيعرفوا الحقيقة.
رائد .. أي حقيقة؟
سالم .. الحقيقة اللي كانت مكتوبة في السجل.
جابر أغمض عينه.
آدم .. السجل فين؟
جابر .. اختفى.
الرجل العجوز ضحك ضحكة قصيرة.
الرجل .. لأ.
جابر فتح عينه.
الرجل .. السجل ما اختفاش.
رائد .. فين؟
الرجل أشار إلى الأرض.
الرجل .. تحت الطاحونة.
آدم .. إيه؟
الرجل .. المكان اللي فتحناه الليلة دي...
ثم نظر لجابر.
الرجل .. مش كان معمول عشان يخبي أوراق بس.
جابر شد فكه.
الرجل .. كان معمول عشان يخبي سجل الدم.
رائد .. وسجل الدم ده فيه إيه؟
الرجل .. أسماء.
آدم .. أسماء مين؟
الرجل .. كل اللي اتولدوا من الدم المختلط.
لجين .. يعني اسمي موجود؟
الرجل .. اسمك موجود.
آدم .. واسمي؟
الرجل .. اسمك موجود.
رائد .. واسمي؟
الرجل .. اسمك موجود.
ثم بص لسالم.
الرجل .. واسم سالم موجود.
سالم سأل بصوت منخفض:
سالم .. ومنصور؟
الرجل .. موجود.
جابر .. وأبويا؟
الرجل .. موجود.
آدم .. يعني السجل ده يقدر يثبت كل حاجة؟
الرجل .. يقدر يقلب النجع كله.
رائد .. فين السجل؟
الرجل .. مع آخر شخص خرج بيه من الطاحونة.
آدم .. مين؟
الرجل لم يجب.
لجين .. مين؟
الرجل .. عبدالرحيم.
آدم اتجمد.
آدم .. أبويا؟
الرجل .. أيوه.
رائد .. يعني عبدالرحيم أخد السجل معاه؟
الرجل .. أيوه.
جابر .. وعشان كده اختفى.
آدم بص لجابر.
آدم .. إنت كنت عارف إنه لسه عايش؟
جابر .. كنت شاكك.
آدم .. شاكك؟
جابر .. ما كانش عندي دليل.
آدم .. ودلوقتي؟
جابر سكت.
آدم .. دلوقتي عندك؟
جابر رفع عينه.
جابر .. عندي حاجة أقوى من الدليل.
ثم أخرج ورقة قديمة من جيبه.
آدم أخذها.
كانت قصيرة جدًا.
ثلاث كلمات فقط.
"أنا لسه عايش يا جابر."
وتحتها تاريخ حديث.
آدم رفع رأسه بسرعة.
آدم .. التاريخ ده...
جابر .. من شهر.
رائد اقترب.
رائد .. مين بعتلك الورقة؟
جابر .. عبدالرحيم.
رائد .. يعني أبو آدم عايش؟
جابر .. أيوه.
آدم بدأ يتنفس بصعوبة.
آدم .. فين؟
جابر لم يرد.
آدم .. فين أبويا؟
جابر .. مش هنا.
آدم .. أمال فين؟
وفجأة...
صوت طرقات جاء من خارج الطاحونة.
ثلاث طرقات.
ثم صمت.
ثم طرقتين.
سالم رفع رأسه.
رائد .. إيه؟
سالم .. دي علامة.
جابر .. مين؟
سالم بص ناحية الباب.
سالم .. عبدالرحيم.
آدم اندفع ناحية الباب.
لكن جابر مسكه.
آدم .. سيبني!
جابر .. استنى!
آدم .. ده أبويا!
جابر .. ممكن يكون فخ!
آدم .. عشرين سنة وأنا مستنيه!
جابر .. وأنا مستني اليوم ده أكتر منك!
آدم سكت.
الجملة خرجت من جابر كأنها اعتراف عمر كامل.
ثم جاء صوت من خلف الباب.
هادئ...
مبحوح...
لكن واضح.
الصوت .. آدم؟
آدم اتجمد.
جابر غمض عينه.
سالم رجع خطوة.
رائد بص للجميع.
ولجين حطت إيدها على قلبها.
الصوت تكرر:
الصوت .. لو إنت ابني... افتح.
آدم قرب من الباب.
إيده ارتعشت فوق المقبض.
آدم .. أبويا؟
جاء الرد:
الصوت .. أنا عبدالرحيم.
لكن قبل ما آدم يفتح...
جاء صوت آخر من آخر الطاحونة.
صوت الرجل العجوز.
الرجل .. استنى يا آدم.
آدم التفت.
الرجل كان واقف وملامحه تغيرت تمامًا.
آدم .. ليه؟
الرجل قال:
الرجل .. لأن عبدالرحيم لو واقف ورا الباب...
وسكت.
ثم بص لجابر.
الرجل .. مين اللي واقف قدامه؟
وفي نفس اللحظة...
انطفأت الشعلة.
وجاء صوت طلقة واحدة خارج الطاحونة.
ثم صوت رجل يصرخ:
"اهرب يا آدم... أبوك مش جاي لوحده!"
