رواية صدي الروح الفصل الثامن
ميك الصوت كان أصغر من حبة الأرز، لكن لمسة أصابع «ريان» وهي تثبته خلف ياقة قميص «سيلا» كانت كفيلة بإشعال
النيران في عروقها.
كان يقف خلفها مباشرة، أنفاسه الدافئة تلفح عنقها بينما عيناه ترقبان انعكاس وجهها الخائف والمصمم في المرآة.
اخفض رأسه قليلاً حتى لامست شفته أعلى أذنها، وخرج صوته يفيض بحماية رجولية طاغية
"صوتك ما يترعش يا سيلا.. ماجد ثعلب، لو حس بشعرة رعب واحدة في نبرتك هيفهم إنها تمثيلية..
خليه هو اللي يطلب يشوفك."
بلعت سيلا ريقها، وأطبقت على شفتيها لثوانٍ تحاول السيطرة على دقات قلبها الصاخبة من قربه المهلك
ثم هزت رأسها بالوافقة
مسكت الهاتف وظغطت على زر الاتصال.
رنة.. اثنتان.. وجاء الصوت المنمق لـ «مجدي» رئيس التحرير
"أهلاً يا سيلا.. إيه الغيبة دي؟ الملفات اللي طلبتها منك فين؟"
سيلا أخذت نفساً عميق وأطلقت صرخة متقنة
"أستاذ مجدي! الحقني يا أستاذ مجدي.. أنا ضعت !"
على الجانب الآخر، تغيرت نبرة مجدي فوراً إلى الاهتمام الزائف
"في إيه يا بنتي؟! هدي نفسك.. أنتي فين؟"
"أنا.. أنا جبت تسريب خطير من جوة مستشفى الشفاء! ملفات ووثائق هتودي دكتور صفوت العزازي في ستين دهيه..
بس الأمن جابوا خبري وبيدوروا عليا في كل حتة! أنا مستخبية في مكان مرعب ومفيش حد أثق فيه غيرك..
لازم أشوفك حالاً وتستلم الملفات دي بنفسك
ساد الصمت لثوانٍ معدودة عبر الخط.. صمت جعـل ريان يضغط بقبضته على كتف سيلا برفق كأنه يمنحها الشجاعة.
أخيراً، جاء صوت مجدي بطريقة هادئة ومريبة
"اهدي يا سيلا.. متخافيش، طول ما أنتي معايا محدش يقدر يلمس شعرة منك. تعاليلي دلوقتي على المطبعة القديمة في أطراف حلوان..
المكان مقطوع وماحدش هيتوقع وجودنا هناك. هاتي الملفات وتتسحبي من سكات.. اتفقنا؟"
"اتفقنا يا أستاذ مجدي.. أنا جاية حالاً."
بمجرد أن أغلقت سيلا الخط التفتت لتواجه ريان.. وجدت وجهه قد تحول إلى قناع من الغل وعيناه تضيئان بشعلة حادة من الانتقام.
امتدت يده لتمسك بذقنها يرفع رأسها لتلتقي عيناهما
"المطبعة القديمة.. المكان اللي حاولوا يقتلوني فيه من سنتين.. مجدي بيلعب بنفس الخطة وبنفس السيناريو."
سيلا اتسعت عينها بذهول
"يعني اية ؟!"
"متخفيش.." قالها ريان بابتسامة قاسية أظهرت صف أسنانه البيضاء، كذئب يستعد لتمزيق فريسته.
"..هو فاكر إنه بيستدرج صحفية غبية عشان يقتلها ويكتم أسراره.. ميعرفش إنه بيستدعي ملك الموت بنفسه."
انحنى ريان نحوها أكثر، حاصرها بجسده العريض، وهمس بنبرة هزت كيانها
"أنا هكون مراقب كل خطوة من على السقف.. و مسدس الصعق ده في جيبك، لو فكر يقرب منك سانتي واحد قبل ما أتدخل..
افرغي الشحنة كلها في رقبته."
سيلا نظرت في عينيه ووجدت نفسها تبتسم بتمرد رغم الخطر
"وإذا حاول يهرب؟"
"محدش بيهرب من ريان الألفي مرتين يا لمضة.. يلّا بينا."
الساعة كانت تقترب من منتصف الليل..
المطبعة القديمة كانت عبارة عن هيكل خرساني ضخم مهجور، تحيط به آلات الطباعة الصدئة والشاحنات المتهالكة.
ترجلت سيلا من السيارة بحذر تطبق بيدها على حقيبة جلدية سوداء وضعت فيها ملفات وهمية بينما خطوتها كانت ثقيلة فوق الأرضية الترابية.
صوت خطوات حذائه الرنان انطلق من بين الآلات.. وخرج «مجدي» من العتمة.
وابتسامته الأبوية المزيفة كانت تعلو وجهه.. وفي يده اليمنى، كان يرتدي ذلك الخاتم الفضي المميز بنقش الأفعى!
"أهلاً يا سيلا.. برافو عليك، شاطرة وجريئة زي ما عودتيني." قالها مجدي وهو يقترب منها بخطوات هادئة.
سيلا توقفت على بعد مترين منه رفعت الحقيبة بحذر، وصوتها يمتلئ بتحدٍ
"الملفات اهي يا أستاذ مجدي.. بس قبل ما أسلمها لك، عايزة إجابة على سؤال واحد."
توقف مجدي، ومال برأسه بتسلية
"سؤال إيه يا بنتي؟"
"دكتور ريان الألفي.. إيه حكايته معاك ومع صفوت العزازي؟ وليه السبع مرضى دول كان لازم يختفوا؟"
ضحك مجدي ضحكة خالية تماماً من تلك الأبوة التي طالما خدعها بها. خطى خطوة للأمام وخلع قفازه ليظهر الخاتم بوضوح
"ريان الألفي كان عثرة في طريق بزنس بملايين يا سيلا.. كان فاكر إن الأخلاق والضمير ينفعوا في زمن الفلوس.
لما اكتشف عمليتنا من سنتين كان لازم ينذبح زي الفراخ ويدفن في المزرعة.. بس للأسف، روحه بعشر أرواح وخرج منها!"
سيلا شعرت بالدم يغلي في عروقها، وقالت بغضب
"وأنت.. رئيس التحرير اللي المفروض بتدافع عن الحق، طلعت العقرب اللي بيدير المذبحة دي كلها?!"
مجدي سحب مسدساً من داخل معطفه ببرود ووجهه نحو صدرها مباشرة
"الحق ده للضعفاء يا سيلا.. وأنتي للأسف حشرتي مناخيرك في مكان هينهي حياتك. هاتي الشنطة دي.. و وعد مش هخليكي تتألمي كتير."
في تلك اللحظة...من فوق السقف الحديدي للمطبعة.. صرخ صوت ريان كالرعد المنبعث من قلب جحيم
لو عاوز ده يحصل
"يبقى تنزل معايا الجحيم الأول يا مجدي!"
طرااااخ!
في حركة مذهلة، هبط ريان من السقف معلقاً بحبل ودفع بجسده الضخم مجدي بقوة خرافية أطارت المسدس من يده وجعلته يرتطم بقوة بآلة طباعة ضخمة!
صرخ مجدي بألم، بينما وقف ريان فوقه كالمارد، ونظارته الذهبية تعكس شرر غضبه
سحبه من ياقة معطفه بيد واحدة ونظر له بنظرة جعلت فرائص الرجل ترتعد
"سنتين وأنا مستني اللحظة دي يا عقرب.. سنتين وأنا بحسب كل ثانية عشان أردلك الدين!"
لكن فجأة.. تردد صوت تصفيق
من الخلف في عمق المطبعة.
خرج «دكتور صفوت العزازي»، وحوله ثمانية رجال مدججين بالأسلاحه ، وعلى وجهه ابتسامة انتصار خبيثة
"يا حلاوة.. الأسد والصحفية الجميلة في فخ واحد! كنت عارف إن مجدي هتسحبه عواطفه، عشان كده أمنت المكان كويس يا ريان باشا!"
تصلب جسد ريان، ودفع سيلا بسرعة خلف ظهره الصلب، بينما أحاط الحراس بالمكان من كل اتجاه، وأغلقوا منافذ الخروج تماماً.
صفوت رفع يده مشيراً للحراس
"المرة دي مفيش رشاشات مية ولا إنذار حريق يا ريان.. المرة دي الموت هو اللي هيتكلم.
اخلصوا منهم هما الاتنين وادفنوا الجثث تحت الآلات القديمة!"
سيلا تمسكت بظهر ريان بقوة ونبضات قلبها تضرب في أذنيها..
لكن ريان مال برأسه للخلف قليلاً وهمس لها بصوت خفيض جداً ينبض بثقة متوحشة لم تستوعبها
"جاهزة للمفاجأة يا سيلا؟"
"مفاجاه إيه?!" همست برعب.
ابتسم ريان ابتسامته الشهيرة ونظر لصفوت بعيون أسد يعلم متى يمتلك زمام المعركة
"أنا مبدخلش جحر العقارب من غير ما أكون ملغمه يا صفوت باشا!"
وفي ثانية واحدة.. ضغط ريان على زر صغير في ساعته اليدوية
ليدوي انفجار مدوٍّ هز أركان المطبعة بالكامل، وتتساقط أجزاء السقف المعدني، وتشتعل النيران في الخزانات الخلفية مخلفة دماراً وضباباً أسود حجب الرؤية تماماً!
هل سينجح ريان وسيلا في الهروب من وسط هذا الجحيم المشتعل، أم أن صفوت والعقرب يملكان مفاجأة آخر ستنقلب ضد الجميع؟
