رواية صدي الروح الفصل التاسع
ابتسمت سيلا ، ورفعت يدها لتلمس فكه المكسو بلحية خفيفة
"أنت خايف عليا يا ريان؟"
دوى الانفجار كوحش غاضب ابتلع غرور "صفوت العزازي" ورجاله. تطايرت الكتل المعدنية المشتعلة كجمر من الجحيم، وانهار جزء من السقف الحديدي ليصنع جداراً من النيران والدخان الأسود الكثيف فصل بين ريان وسيلا، وبين باقي الحراس.
في ثانية وقبل أن تستوعب "سيلا" ما يحدث، كان جسد "ريان" الضخم يطوقها بالكامل، دافعاً إياها بقوة نحو أسفل إحدى الآلات الضخمة.
كان يغطيها بجسده، يخبئ رأسها في صدره العريض ليتلقى هو الصدمة
وسط السعال والصراخ، تردد صوت صفوت المذعور من خلف النيران
"موتوهم! اضربوا نار في كل حتة متخلوش حد يخرج عايش!"
انطلق الرصاص العشوائي يخترق الدخان. ضغط ريان على رأس سيلا أكثر وهمس في أذنها بصوت حازم
"خليكي هنا.. إياكي تتحركي أو تطلعي صوت لحد ما أرجعلك.. فاهمة؟!"
تشبثت سيلا بقميصه كمن تتشبث بالحياة، والدموع من الدخان تحرق عينيها
"ريان لأ! متسبنيش مترحش لوحدك، دول كتير!"
ابتسم ريان ومسح على شعرها بلمسة خاطفة
"العدد في اللمون يا لمضة.. أنا في ملعبي دلوقتي."
انسحب من فوقهاو في تلك اللحظة، لم يعد ريان الألفي الطبيب الجراح المرموق، بل عاد ليكون الشبح الذي نجا من الموت ليعود بأجنحة من نار.
بدأت الصرخات تتعالى لم يكن ريان يستخدم سلاحه لكي لا يكشف مكانه كان يستخدم يديه لكسر العظام وشل الحركة. كان ينقض من وسط الدخان كالذئب الكاسر، يطيح بالحراس واحداً تلو الآخر في صمت مميت أثار الرعب في قلب "صفوت".
"مجدي! اخلص منه يا مجدي!" صرخ صفوت وهو يتراجع نحو باب الخروج الخلفي يحتمي بحارسين من رجاله.
كان "مجدي" (العقرب) يزحف على الأرض بعيداً عن النيران، محاولاً استعادة مسدسه. لمح في وسط الدخان سيلا مختبئة أسفل الآلة. ابتسم بخبث، ورفع سلاحه ببطء نحوها
لكن قبل أن تلمس إصبعه الزناد..
قبض ريان على معصم مجدي بقوة جعلت عظام يده تطقطق وبلكمة واحدة من يده هوى بها على وجه العقرب ليحطم أنفه وتتناثر دماؤه على الأرض
انحنى ريان فوقه، ممسكاً بياقته وعيناه تشتعلان بغضب أعمى
"الرصاصة دي كانت لسيلا.. والرد عندي أنا!"
وبحركة سريعة، انتزع ريان الهاتف الخاص بمجدي وسلسلة فضية معلقة في رقبته تحمل مفتاحاً غريباً، قبل أن ينهال عليه بضربة أخيرة أفقدته الوعي تماماً.
في الخارج، كان صوت سارينات الشرطة والإطفاء قد بدأ يشق صمت الليل بعد أن أبلغ ريان السلطات بموقع الانفجار مسبقاً
فرّ "صفوت العزازي" هارباً في سيارته يلعن حظه، تاركاً خلفه رجاله.
عاد ريان مسرعاً إلى سيلا، سحبها من تحت الآلة ولف ذراعه القوي حول خصرها، يرفعها عن الأرض ليركضا معاً
في سيارة ريان
كانت السيارة تسرع مبتعدة عن الجحيم. سيلا كانت ترتجف صدرها يعلو ويهبط بجنون
ووجهها ملطخ بالرماد.
التفت ريان إليها ليتأكد من سلامتها، لكن عينيه التقطتا فوراً تلك البقعة الحمراء التي بدأت تتسع على كم سترتها
توقف ريان بالسيارة فجأة على جانب الطريق بانحرافة عنيفة
"إيه الدم ده؟!"
نظرت سيلا لكتفها بدهشة، وكأنها لم تشعر بالألم إلا الآن
"ده.. ده مفيش حاجة.. جرح سطحي من إزاز تقريباً."
لم يستمع لكلمة واحدة. قفز من مقعده وسحب حقيبة الإسعافات الأولية من الخلف، واقترب منها. مزق كم سترتها بقبضتيه ليكشف عن جرح ينزف بغزارة في ذراعها.
كانت أنفاسه تتسارع
"إنتي غبية؟!" قالها وهو يلف الضمادة الطبية حول ذراعها وعيناه لا تفارقان الجرح. "مش قلتلك متتحركيش؟! كان ممكن حتة الإزاز دي تقطع شريا
رغم الألم، ورغم الموقف المريع وجدت سيلا نفسها تتأمل ملامحه القلقة....وهو يرتجف لأجلها؟
ابتسمت سيلا ، ورفعت يدها السليمة لتلمس فكه المكسو بلحية خفيفة
"أنت خايف عليا يا ريان؟"
توقفت يده عن الحركة. رفع عينيه لتلتحم بعينيها المسافة بينهما كانت شبه معدومة، رائحة عطره الرجولي كانت تسكر حواسها.
ابتلع ريان ريقه بصعوبة، وصدره يرتفع ويهبط بقوة، قبل أن يهمس بصوت يحمل اعترافاً كارثياً لرجل مثله
"أنا مبخافش من الموت يا سيلا.. لكن خفت وهخاف عليكى أنتي.. أنتي مش مفروض تكوني هنا، أنتي بقيتي نقطة الضعف اللي هتقسمني نصين."
ذابت سيلا في نظراته، وعنادها المعتاد تلاشى أمام هذا الفيضان من المشاعر
"طول ما إنت معايا.. أنا في أمان ومش هسيبك لوحدك في الحرب دي."
ظل ريان ينظر في عينيها لثواني بدت وكأنها دهر، قبل أن يغلق عينيه بقوة ويأخذ نفساً عميقاً كمن يحاول استعادة السيطرة على وحش كاد أن يخرج من قفصه.
ابتعد عنها بصعوبة وعاد ليمسح وجهه بيديه.. ثم أخرج هاتف "مجدي" .
"المعركة لسه مخلصتش.." قالها بصوت عاد لبروده وصرامته، وهو يوصل الهاتف بشاشة السيارة ويفك شفرته ببرنامج اختراق متطور كان لديه.
فتحت ملفات الهاتف، وبدأ ريان يتصفح الرسائل فجأة، تجمدت ملامحه، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية
"في إيه يا ريان؟" سألتها بخوف وهي تقترب لتنظر للشاشة
التفت إليها ريان، ووجهه لا يبشر بأي خير
"العملية.. عملية نقل القلب بتاع الشاب اللي هربناه."
"مالها؟ مش إحنا أنقذناه؟ والمشتري مستني بكرة زي ما عرفنا؟"
هز ريان رأسه نفياً
"المشتري مش هيستنى لبكرة.. المشتري عرف إن الشاب اتخطف وصفوت قرر ينفذ الخطة (ب)."
ضغط ريان على صورة مرفقة في إحدى الرسائل، لتظهر صورة فتاة شابة، ملامحها بريئة، نائمة على سرير مستشفى.. وأسفلها مكتوب
"البديل المتطابق متاح.. التجهيز للعملية الليلة."
صرخت سيلا ووضعت يديها على فمها والدموع تنفجر من عينيها كالشلال:
"لأ.. مستحيل! دي.. دي أختي الصغيرة يا ريان! ندى أختي!"
ضرب ريان مقود السيارة بقبضته
"صفوت بيلعب معانا بأوسخ كارت.. وعشان نلحقها قبل ما يعملو فيها كده..."
نظر ريان لسيلا نظرة جعلت دماءها تتجمد
"...لازم ندخل عرين الأسد.. قصر صفوت العزازي شخصياً، الليلة دي!"
