رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل التاسع
" بقولك إيه يا شبح الضلمة إنت شيل البتاع الساقع ده من على رقبتي لوريك الوش الثاني !
ده أنا جايبة مجموع يدخلني هندسة، مش هموت على إيد بلطجي بياخد أوامره من ولية
عجزت ومفترية !"
صوت نور طلع بيرتعش بس مليان بجاحة، وهي حاسة بسن الخنجر بيضغط بخفة على جلد رقبتها.
الظل اللي وراها ضحك ضحكة مكتومة كلها شر، وهمس بصوت فحيح
"لسانك أطول من عمرك يا جارية السلطانة الأم أمرت بقطع هذا اللسان قبل أن ينطق بحرف في مجلس الغد.. تشهدي !"
نور في اللحظة دي منها اشتغل بأقصى سرعة، وقبل ما الراجل يضغط بالخنجر، رفعت كعب جزمتها التقيل، ونزلت بيه بكل قوتها على مشط رجله !
القاتل طلع أنة وجع مكتومة ورخى إيده ثانية واحدة، نور مستنتش، لفت بسرعة وضربته بكوعها في بطنه كأنها بتلعب مصارعة حرة، وصرخت بأعلى صوت يجيب آخر القصر
" يا مالك يا حرس يا ناس يا اللي نايمة في العسل في بلطجي في أوضتي !"
الراجل فقد توازنه الثانية، بس رجع هجم عليها بعنف ومسكها من دراعها، ورفع الخنجر عشان يخلص عليها.
نور غمت عينيها واستعدت للضربة، بس فجأة سمعت صوت خشب الباب بيطرفع كأنه انفجر!
الباب الضخم اتكسر نصين، ودخل مالك شاه زي الإعصار المدمر عينيه كانت لونها احمر وصدره بيعلى وينزل، وسيفه في إيده بيلمع في ضوء القمر اللي داخل من الشباك.
في أقل من رمشة عين مالك كان قدام القاتل، مسك إيده اللي فيها الخنجر ولواها ورا ضهره لحد ما سمعوا صوت طرقعة العضم، والراجل صرخ صرخة رجت الجناح، وبعدها مالك ضربه بمقبض السيف على راسه وقعه على الأرض جثة هامدة فاقد الوعي.
نور كانت لازقة في الحيطة، بتنهج وحاطة إيدها على قلبها اللي كان هيقف. مالك رمى السيف من إيده، وقرب منها بسرعة مجنونة، ملامحه اللي دايماً صارمة كانت مليانة رعب
حقيقي عليها.
مسك وشها بين إيديه الكبيرة، وعينيه يتفحص كل إنش فيها لحد ما عينه وقعت على خدش صغير جداً في رقبتها بيطلع نقطة دم مكان الخنجر.
" هل أذاك ؟ انطقي ! " صوته كان طالع خشن ومخنوق، كان الخدش ده في قلبه هو مش في
رقبتها.
نور بلعت ريقها، وبصت في عينيه السودا اللي قريبة منها أوي وحست بكهربا غريبة بتسري في جسمها من لمسة إيده لوشها.
بس كالعادة، لسانها أبى إنه يسكت، فبعدت إيده بالراحة وقالت وهي بتحاول تاخد نفسها:
" اذاني إيه ؟ ده أنا عملت معاه الجلاشة ضربته بوز الكعب في رجله خليته ينسى اسمه! إنت اللي اتأخرت على فكرة، لو كنت استنيت دقيقتين كمان كنت هتلاقيني مكتفاه ورامياه من الشباك !"
مالك فضل باصص لها بذهول، ملامح الغضب القاتل بدأت تتكسر وتتحول لنظرة إعجاب وراحة عجيبة.
اتنهد بعمق، ومسح نقطة الدم من على رقبتها بصباعه بحنية غير متوقعة، وقال بصوت واطي
"أنت مصيبة تمشي على قدمين. كيف تجادلين قاتلاً مأجوراً وسلاحه على عنقك؟ هل تدركين أن قلبك لا يعرف الخوف، أم أن عقلك لا يعرف المنطق ؟"
نور كشرت وربعت إيدها بتحدي: "منطق إيه بس ؟ أنا لو سكت كان زماني متقطعة شاورما وبعدين البلطجي ده قال إن مامتك، قصدي السلطانة الأم هي اللي باعثة ورايا الست دي مريضة وعاوزه تتعالج، إزاي تسيبها تعمل كده ؟
مالك التفت للقاتل اللي على الأرض، وملامحه رجعت للجمود القاسي:
" أعلم أنها من أرسلته هذا الوغد من حرسها الخاص المخلصين.. ولكنها أخطأت هذه المرة. ظنت أنني سأتركك دون حراسة مشددة. اطمئني لن تجرؤ على تكرارها، فغداً سأجعلها ترى
بعينيها كيف أن من تحتقرها ستجلس على رأس المجلس !"
بص لنور بنظرة حازمة: "نامي الآن، ولا تبرحي فراشك. سأضع الحرس الخاص بي على باب غرفتك.. وأنا سأنام في الغرفة المجاورة، بابنا واحد"
نور برقت عينيها بصدمة مصطنعة : "نعم؟ تنام فين؟ لا يا حبيبي إحنا معندناش الكلام ده أنا بنت عيلة ومحافظة ! قفل بابك عليك ونام باحترامك!"
مالك ضحك ضحكة رجولية مكتومة من قلب صدره، وهز راسه بيأس من تفكيرها
" نامي أيتها المعتوهة قبل أن ألقيك من النافذة بنفسي !"
ثاني يوم الصبح، الشمس كانت ساطعة، والقصر كله مقلوب كأنه خلية نحل.
وقد "مملكة قفجاق" وصل القصر، وكانوا عبارة عن رجالة ضخمة لابسين جلود حيوانات وفرو، وملامحهم همجية جداً، كأنهم طالعين من غابات العصر الحجري.
في القاعة الكبرى السلطان مالك كان قاعد على العرش بهيبته المعتادة، لابس عباية من الحرير الأسود ومطرزة بالدهب، وعلى يمينه واقفة نورا
المرة دي نور مكنتش لابسة فستان جواري، مالك أمر إنهم يلبسوها فستان يليق بـ " مستشارة السلطان".
كانت لابسة فستان من القطيفة الأخضر الزمردي الغامق متطرز بخيوط قضة على الأكمام وشعرها الكستنائي مرفوع بتاج صغير جداً من الفضة.
كانت طالعة زي الملكات، وعينيها بتلمع بالذكاء والتحدي، رغم إن قلبها كان بيدق بسرعة من منظر الهمج اللي واقفين قدامهم.
وعلى الشمال، كانت قاعدة السلطانة الأم دولت خاتون عينيها بتطلع نار وهي بتبص لنور كأنها مستنية لحظة سقوطها عشان ترميها للتعابين زي ما وعدت.
زعيم قفجاق راجل ضخم جدا اسمه "باتور"، وفي وشه ندبة كبيرة، تقدم خطوتين وضرب رمحه في الأرض الرخام بصوت زلزل القاعة، وقال بصوت خشن
" يا سلطان مالك أتينا نأخذ حقنا السنوي عشرة آلاف قطعة ذهبية، ونصف محصول القمح من أراضيكم الشمالية، وإلا.. سيوفنا ستأكل الأخضر واليابس في قراكم !"
الوزراء في القاعة اتهامسوا برعب، والكل بص لمالك مالك بصلهم ببرود، وبعدين وجه نظره لنور وأشار لها بايده
" المستشارة الخاصة بي سترد على مطالبكم "
باتور بص لنور باحتقار، وضحك بصوت عالي:
" امرأة ؟ تجعل امرأة ترد على أسياد الحرب؟ هل قلت الرجال في قصرك يا مالك؟"
السلطانة دولت ابتسمت بشمائة، مستنية نور تعيط أو تترعش وتفضحهم.
لكن نور.. اللي واجهت دكاترة الجامعة، مبتهايش من شوية همج لابسين فرو!
نزلت نور من على درجات العرش بكل ثقة، كعب جزمتها بيرن في القاعة الصامتة.
وقفت قدام باتور الضخم، وحطت إيدها في وسطها، ورفعت راسها وبصتله من فوق لتحت بنظرة كلها استهزاء وقالت بصوت عالي:
" أسياد حرب مين يا أبو فرو إنت؟ إنتوا جايين تشحتوا ذهب وقمح وتمشوا كأنكم متسولين على باب الجامع ده شغل بلطجة منتهية الصلاحية ومياكلش معانا خالص!"
باتور عقد حواجبه بذهول من الجرأة دي، رغم إنه مفهمش نص المصطلحات، بس نبرة
الاستهزاء كانت واضحة، صرخ بغضب:
" ماذا تقولين أيتها النملة ؟ أتهيئين سادة قفجاق ؟ والله لأعلقن رأسك على رمحي !"
نور لوت بوزها وضحكت بسخرية: "تعلق راسي؟ طب اهدى بس على ضغطك ليجيلك جلطة وأنا معنديش إسعاف هنا اسمع يا عم بانور.. إنتوا كل سنة تيجوا تاخدوا الدهب، وترجعوا بلدكم، تصرفوه، وتيجوا السنة اللي بعدها تشحتوا ثاني إنتوا كده مش ملوك، إنتوا كده عواطلية " عايشين على قفانا !"
القاعة كلها شهقت الوزراء حطوا إيديهم على قلوبهم، ومالك كان قاعد حاطط إيده على دقته بيبصلها با نبهار خفي ومستني يشوف آخر الجنان ده إيه.
نور كملت وهي بنتمشى قدام الوفد بثقة : "إحنا مش هندفع جزية ولا هنديلكم فمح ببلاش إحنا هنعمل معاكم شراكة اقتصادية".. بيزنس يعني !"
باتور ضيق عينيه بشك: " وما هذا البيزنس الذي تتحدثين عنه ؟"
نور ابتسمت ابتسامة خبيثة لمعت في عينيها :
"إنتوا عندكم أقوى رجالة وفرسان بيعرفوا يحاربوا، بس معندكمش موارد. وإحنا عندنا قوافل تجارية مليانة حرير وتوابل بتسافر للشرق والغرب، بس بتتعرض للسرقة من قطاع الطرق. إيه رأيك بدل ما تاخدوا 10 آلاف حتة دهب وتمشوا، إحنا نديكم حق "الفرنشايز" الأمني !"
الوفد يصلها ببلادة، فنور ضربت على جبهتها وكملت:
" قصدي.. إنتوا هتبقوا الحراس الرسميين لقوافل السلطان مالك شاه! كل قافلة هتوصل بسلام، هتاخدوا نسبة من أرباحها، ده غير إن القمح اللي عاوزينه، تاخدوه بسعر الجملة مقابل إنكم تأمنوا الحدود الشمالية بدل ما تحرقوها يعني هتبقوا شركاء في المكسب. وهيدخلكم أضعاف أضعاف الـ 10 آلاف قطعة دهب بس بشغلكم وعرقكم، مش بالشحاتة !"
باتور سکت دقايق بيحسبها في دماغه اللي بتفكر في المكسب. فكرة إنهم ياخدوا نسبة من التجارة العالمية للسلطنة دي فكرة تخليهم أغنى قبيلة في التاريخ، بدل ما يستنوا جزية كل سنة.
باتور بص لمالك اللي كان قاعد بثبات، وبعدين بص لنور وقال بتفكير:
" وما يضمن لنا أنكم ستعطوننا نصيبنا ؟"
نور لفت للسلطان وقالت بثقة : "السلطان" هيكتبلكم صكوك رسمية، ورق مختوم بختم السلطنة، تقدروا تصرفوه من أي خزانة تابعة لينا في أي مدينة نظام بنكي متكامل يا حبيبي، هتمشوا بورق يوزن دهب !"
باتور التفت الرجالة قبيلته انها مسوا شوية، وبعدين لف النور وابتسم ابتسامة عريضة کشفت عن سنانه المكسرة :
" إن كان السلطان يوافق على عهد هذه المرأة الذكية .. فنحن نقبل الشراكة ! لن نحرق القرى وستحمي القوافل !"
القاعة كلها انفجرت في همهمات الإعجاب والصدمة ! معجزة مستشارة السلطان قدرت تحول أشرس أعداء الدولة لحراس شغالين عند السلطان، وبدون نقطة دم واحدة، ووفرت
خزنة الدولة !
السلطانة دولت خاتون وشها جاب ألوان الغل كان هياكل ملامحها، وقامت وقفت ونفضت فستانها وخرجت من القاعة بخطوات سريعة غاضبة من غير ما تنطق حرف نور کسبت التحدي، وبئر الأفاعي اتقفل للأبد
مالك قام من على العرش، وابتسامة فخر واضحة على ملامحه الرجولية الصارمة.
نزل درجات العرش، ومسك إيد نور قدام كل الوزراء والفرسان، ورفعها لفوق، وأعلن بصوت جهوری
" فليشهد الجميع هذه هي مستشارة السلطان مالك شاه من اليوم، كلمتها من كلمتي وأمرها من أمري !"
نور قلبها دق بسرعة، وبصت لمالك وعينيها بتلمع بالفرحة والفخر، وهمست له :
"شوفت؟ قولتلك إحنا بنوع هندسة وإدارة مش بنوع سيوف ودم! يلا بقى نفذ وعدك ووريني باب الخروج من القصر، أنا عملت اللي عليا !"
مالك نزل إيدها ببطء، ونظرته اتحولت لعمق غريب، قرب منها لحد ما أنفاسه لفتها، وهمس بصوت رجولي دوب أعصابها
"ألم تفهمي بعد يا نور؟ الخروج من هذا القصر أصبح مستحيلاً.. ليس لأنني أمنعك، بل لأن أركان دولتي.. وأركان قلبي، لم تعد تستقيم بدون جنونك " .
نور برقت عينيها، والكلام وقف في زورها. "قلبه؟ السلطان الجبار بيقول قلبي ؟ يا نهار
ألوان !"
وقبل ما نور تستوعب القنبلة اللي رماها مالك، باب القاعة اتفتح بعنف شديد جداً، لدرجة إن الحرس اللي على الباب وقعوا على الأرض.
دخل قائد حرس الحدود الشمالية، هدومه ممزقة، ومليان جروح، وبيكح دم. وقع على ركبتيه قدام العرش، وصرخ بصوت مخنوق ملیان رعب
"مولاي السلطان خيانة.. خيانة عظمى جيوش جرارة اقتحمت الحدود الشمالية .. دمروا الحصون وقتلوا الحراس !"
مالك سحب سيفه بسرعة البرق، وملامحه اتحولت الغضب :
" من يجرؤ على غزو أراضي السلطنة ؟ أنطق!"
القائد رفع راسه وهو بياخد آخر أنفاسه، وقال بصوت متقطع زلزل القاعة كلها :
" إنه.. إنه أخوك المنفي يا مولاي.. الأمير شهاب الدين.. لقد عاد.. ومعه جيش من المرتزقة يطالب بالعرش !"
نور لطمت على خدها بصدمة : "يا دي النيلة السودة ! هو إحنا بنخرج من نقرة نقع في دحديرة ؟ أخوك كمان طلع بلطجي وعاوز العرش ؟ إنتوا عيلتكم محتاجة تتعملها حلقة في برنامج الجريمة ليه كده ؟!"
